النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ حرف الهمزة ٧٣ - ((أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ؛ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٍّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيَ الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ». (حم) في الضعفاء: كذبوه. وفي الميزان عن أبي حاتم: كان يكذب وعن الدار قطني يضع الحديث. ثم رأيت المؤلف نفسه تعقبه بذلك في الأصل فقال فيه عبد الرحمن بن جبلة كذبوه. ٧٣ - (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان) بن عفان (في الجنة) أمير المؤمنين وأمه بنت عمة النبي ◌َ ﴿ وهو أصغر من النبي بست سنين. قال ابن سيرين: كثر المال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف ونحلة بألف درهم ذبح صبراً في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وله نيف وثمانون سنة وفضائله كثيرة (وعلي) بن أبي طالب (في الجنّة وطلحة) بن عبد الله التيمي (في الجنة) قتل يوم الجمل ومناقبه ستجيء (والزبير) بن العوام حواري رسول الله وابن عمته (في الجنة) كيف لا وهو أول من سل سيفاً في سبيل الله قبل يوم الجمل (وعبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن عبد الحارث (في الجنة) بدري ذو هجرتين صلى النبي * خلفه في غزوة تبوك. قال الزهري تصدق بأربعين ألف دينار وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وكان عامة ماله من المتجر ومرض عثمان فعهد له بالخلافة فمات قبله عن خمس وسبعين سنة ونسبه ومن بعده إلى الأب دون من قبله لأن لأولئك من كمال الشهرة ومزيد الرفعة ما يزيد على غيرهم ولهذا كان أفضل العشرة الأربعة ثم طلحة والزبير ثم بقية العشرة (وسعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة (في الجنة) كيف لا وهو فارس الإسلام أسلم سابع سبعة مات سنة خمس وسبعين (وسعيد بن زيد في الجنة) هو العدوي من السابقين الأولين أسلم هو وزوجته فاطمة بنت الخطاب قبل عمر مات سنة إحدى وخمسين (وأبو عبيدة) عامر بن عبد الله (بن الجراح في الجنة) وهو أمين هذه الأمة قتل أباه كافراً غضباً لله ولرسوله وقد سلك المصطفى ول﴿ مسلك الإطناب حيث لم يقتصر على ذكر الجنّة آخراً ((قصداً) للكشف بعد الكشف والإيضاح غب الإيضاح رداً على الفرق الزائغة الطاغية الطاعنة في بعضهم وكما يجب على البليغ في مكان الأجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذا الواجب في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. وُحْيُ المَلاحِظِ خِيفَة الرُّقَبَاءِ يَرْمُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً قال بعض المحققين: والتبشير بالجنّة لا يلزم منه الأمن من البعد عن كمال القرب وإنمّا اللازم الأمن من النار على أن الوعد لا يمنع الدهشة والحيرة والخوف عند الصدمة الأولى ومن ثم كانوا باكين خاشعين خائفين من سوء العاقبة سائلين العافية لاحتمالات باقية. فإن قلت: ينافي هذا الحديث ما في مسلم في الفضائل عن سعد ما سمعت رسول الله وير يقول لحي يمشي أنه في الجنّة إلّ لعبد الله بن سلام؟ قلت: لا منافاة لاحتمال أن حديثنا مما لم يسمعه سعد وسمعه غيره: قال ابن جرير: وفيه جواز الشهادة بالجنّة لغير نبي وفساد قول من أنكر جوازها لأحد بعد النهي وما ورد في آثار من النهي عنه إنما هو في غير من شهد الله ورسوله له بها. قال: وقد ورد نص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ١٢٢ حرف الهمزة والضياء عن سعيد بن زيد (ت) عن عبد الرحمن بن عوف (صح). ٧٤ - ((أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ سَيِّدُ فِتْيَانِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). ابن سعد (ك) عن عروة مرسلاً. ٧٥ - ((أَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْتِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)). (ق ت) عن أبي هريرة (صح). بالبشارة والشهادة بالجنّة لغير العشرة أيضاً كالحسنين وأمهما وجدتهما وجمع من الصحب أكثر من أن يحصوا انتهى. فتبين أنه لا تدافع بين هذا وبين تبشير العشرة لأن العدد لا ينفي الزائد ولأن العشرة خصوّا بأنهم بشروّا بها دفعة واحدة وغيرهم وقع مفرقاً وقد شهد الله لأهل بيعة الرضوان بأنه رضي عنهم وهو بشارة بالجنّة (حم والضياء) المقدسي في المختارة وأبو نعيم وابن أبي شيبة وغيرهم (عن سعيد بن زيد) بن عمرو بن نفيل (ت) وكذا أحمد ولعله أغفله سهواً وأبو نعيم في المعرفة كلهم من حديث عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه (عن) جده (عبد الرحمن بن عوف) الزهري وعبد الرحمن هذا تابعي ثقة إمام وأبوه حميد أحد سادات التابعين ومشاهيرهم خرج لهما الجماعة. قال ابن حجر: يكفي من مناقبه هذا الحديث الحسن وحده فكيف مع كثرتها؟ ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده. ٧٤ - (أبو سفيان) بتثليث السين واسمه المغيرة (بن الحارث) ابن عم النبي ◌َّ وأخوه من الرضاعة وأكبر ولد عبد المطلب، كان يألف النبي ◌َّ قبل البعثة فلما بعث عاداه وهجاه وصار من أشد الناس عليه ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه (سيد فتيان أهل الجنة) أي شبابها الأسخياء الكرماء وهذا عام مخصوص بغير الحسنين ونحوهما لأدلة أخرى توفي بالمدينة سنة عشرين وحفر قبره قبل موته بثلاث سنين بنفسه (ابن سعد) في طبقاته (ك) في المناقب (عن عروة) بضم أوله ابن الزبير بن العوام تابعي كبير مجمع على جلالته وإمامته وهو أحد الفقهاء السبعة صام الدهر ومات وهو صائم سنة ثلاث أو أربع وتسعين (مرسلاً) رواه ابن سعد باللفظ المذكور بلفظ: ((سيد فتيان أهل الجنة)) فلعل عروة سمعه مرتين ورواه الحاكم والطبراني موصولاً بلفظ: ((أبو سفيان بن الحارث خير أهل الجنة)) قال الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي. ٧٥ - (أتاكم) أيها الصحابة وفي رواية لمسلم ((جاء)) (أهل اليمن) أي طائفة منهم وهم وفد الأشعريين ثم وفد حمير قدموا عليه بتبوك، واليمن اسم لما عن يمين القبلة من بلاد الغور (هم أضعف قلوباً) أعطفها وأشفقها وفي رواية للشافعي: ((ألين قلوباً)) جمع قلب وهو القوة المدركة أو العقل أو العضو يعني اللحم الصنوبري النابت بالجنب الأيسر بناء على مذهب المتكلمين من أنه محل العلم والقوة المدركة قائمة به لا بالدماغ (وأرق أفئدة) ألينها وأسرعها قبولاً للحق واستجابة للداعي لأنهم أجابوا إلى الإسلام بدون محاربة للين قلوبهم بخلاف أهل المشرق فهو وصف لهم بسلامة الفطرة، إذ القلب القاسي لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [البقرة: ٧٤] ولا يقبل الآيات إلّ من لان قلبه فهو إلى نظر ما في الغيوب أقرب فهماً في تفتيق ١٢٣ حرف الهمزة ٧٦ - (أَثَانِي جِبْرِيلُ بِالْحُمَّى وَالطَّاعُونِ، فَأَمْسَكْتُ الْحُمَّىُ بِأَلْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلْتُ خلال الحجب عن معرفة المراد ((والفؤاد)) وسط القلب أو غشاؤه أو عينه وصفه بوصفين إشارة إلى أن بناء الإيمان على الشفقة والرأفة على الخلق فمن كان في هذه الصفة أصفى قلهاً كان للحكمة أهلاً والمراد باللين خفض الجناح والاحتمال وترك الترفع إذ لا يظهر هذا الجلال إلا فيمن لان قلبه وقد قال عليه ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) فنتج أن أهل اليمن أكمل الناس إيماناً وأن الحكمة من أوصاف من كمل إيمانه. قال بعض العارفين: وهذا مدح رفيع اختص به أهل اليمن وإنمّا يلين القلب الرطوبة الرحمة لأن المعرفة لا ينالها عبد إلّ برحمة الله فإذا لان القلب برطوبة الرحمة ورق الفؤاد بحرارة النور ضعف القلب وذبلت النفس فمن لان قلبه أجاب داعي الإيمان بنور الرحمة الذي ناله ومن لم ينله قسا قلبه وعسر انقياده كغصن شجرة يابسة إذا مددته تكسر انتهى. وهذه صفة خواصهم دون عوامهم الذين أجابوا الأسود العنسي وطليحة الأسدي لما ادعيا النبوة على أنه أراد به في خصوص هذه الرواية قوماً بأعيانهم فأشار إلى من جاء منهم إلى بلدهم كما ذكره ابن حجر. قال: وأبعد الحكيم الترمذي حيث زعم أن المراد به واحد هو أويس القرني، ولما وصفهم بالعطف والشفقة والرقة المقتضية لكمال الإيمان أشار إلى أن ثمرة ذلك الفهم والحكمة بقوله (الفقه) أي الفهم في الدين أو أعم. قال الراغب: ((الفقه)) التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الحشر: ١٣] (يمان) أي يمني فالألف فيه عوض عن ياء النسبة. (والحكمة) قال القاضي: هي اشتغال النفس الإنسانية باقتباس النظريات وكسب الملكة التامة والمداومة على الأفعال الفاضلة بقدر الطاقة البشرية ولما لم يشمل تعريفه حكمة الله. قال بعض المحققين: الحكمة العلم بالأشياء كما هي والعمل بها كما ينبغي. قال ابن حجر أخذاً من كلام النووي: والمراد بها هنا العلم المشتمل على المعرفة بالله. وقال في موضع آخر أصح ما قيل فيها إنها وضع الشيء في محله (يمانية) بتخفيف الياء وتشدد كما قيل في الاقتضاب وحكاه المبرد وغيره لغة نادرة، فلما كانت قلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة وكانت الخلتان منتهى هممهم نسب الإيمان والحكمة إلى معادن نفوسهم ومساقط رؤوسهم كنسبة الشيء إلى مقره ومن اتصف بشيء نسب إليه إشعاراً بكماله فيه وإن شاركه غيره في ذلك الكمال. وقال ابن حجر: يحتمل أن المراد أن الإيمان يتأخر باليمن بعد فقده من جميع الأرض حتى تقبض الريح الطيبة أرواح المؤمنين وزعم أن المراد هنا الأنصار لأنهم يمانية إصالة فنسب الإيمان والحكمة إليهم رد بأن المخاطب بقوله: ((أتاكم الصحب)) كما تقرر وجمهورهم أهل الحرمين وما حولهم فعلم أن المبشر بهم غير المخاطبين (ق ت عن أبي هريرة) وروياه عنه أيضاً من وجه آخر بلفظ: ((هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم)). ٧٦ - (أتاني جبريل) كفعليل بالكسر وفيه نحو عشرين وجهاً وهو سرياني معناه عبد الرحمن أو عبد العزيز كما صح عن الحبر وإيل اسم الله عند الأكثر. قال البيهقي: واسمه وإن كان أعجمياً لكنه موافق لمعناه العربي، إذ الجبر إصلاح ما وهي وهو موكل بالوحي المصلح لما وهي من الدين (بالحمى) باؤه للتعدية وهي حرارة بين الجلد واللحم والعظم أنواعها متكثرة (والطاعون) بثرة مع لهب واسوداد ١٢٤ حرف الهمزة الطَّاعُونَ إِلَى الشَّأْمِ، فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لُمَّتِي، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ: وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِينَ)). (حم) وابن سعد عن أبي عسيب (صح). ٧٧ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، من مادة سمية من وخز الجنَّ. قال الزمخشري: هو من الطعن لأنهم يسمون الطواعين رماح الجن (فأمسكت) حبست (الحمى بالمدينة) النبوية لكونها لا تقتل غالباً بل قد تنفع كما بينه ابن القيم. وهذا كان أولاً ثم لما رأى ما أصاب أصحابه حين هاجروا إليها من حماها من البلاء والسقم دعى الله فنقلها إلى الجحفة حتى صارت لا يمر بها طائر إلا حم وسقط كما يجيء لكن بقيت منها البقية للتكفير كما يدل له خبر ابن ذبالة مرفوعاً فإنه يؤذن كما قال السمهودي ببقاء شيء منها بها كما هو الآن فالذي نقل سلطاننا أو أعيد الخفيف منها للتكفير (وأرسلت الطاعون إلى الشام) كالرأس همزاً وتخفيفاً وأنكر ابن الأثير المد يذكر ويؤنث إقلیم معروف عن شمال القبلة يشتمل على بلاد قاعدتها دمشق سميت به لأن بأرضها شامات ملونة أو لكونها عن شمال القبلة، وزعم أنها سميت بسام بن نوح لكونه أوّل من اختطها رده ابن جماعة بتصريح جمع بأنه لم يدخلها والله قادر على تصوير المعاني المعقولة بهيئة الأجسام المشخصة وخص الشام بإرساله لأنه كان بها في قصة الجبابرة مع موسى ولأنها أخصب الأرض والخصب مظنة الأشر والبطر فجعل بها ليزجرهم عن المنهيات ويقودهم للمأمورات وهذا لم يزل به سلطانها ومن ثم قالوا لا طواعين كطواعين الشام (فالطاعون شهادة) أخروية (لأمتي) أمّة الإجابة (ورحمة لهم) أي مغفرة لذنوبهم ورفع لدرجاتهم بشروط تأتي (ورجز) وفي رواية ((رجس)) أي عذاب نشأ عن غضب. قال الزمخشري: من ارتجز اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب (على الكافرين) وفي رواية ((الكافر)) والمراد به الجنس ولكون هذا كالتتمة والرديف لما قبله لم يراع تمام المقابلة بقوله ((ونقمة لهم)) قال ابن حجر: هذا يدل على أنه اختارها على الطاعون وأقرها بالمدينة ثم دعا الله فنقلها بالجحفة كما في الصحيحين وبقي منها بقية ولا يعارضه الدعاء برفع الوباء عنها لندرة وقوعه فيها بخلاف الطاعون لم ينقل قط أنه دخلها انتهى. وخص الجحفة بنقلها إليها لأنها كانت مساجد اليهود واستشكل نقل الحمى إليها مع جعلها ميقاتاً للحج وأجيب بأنه لما علم من قواعد الشرع أنه لا يأمر بما فيه ضرر وجب حمل ذلك على أنها انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها (حم وابن سعد) في الطبقات والطبراني والحاكم في الكنى والبغوي والماوردي وأبو نعيم وابن عساكر (عن أبي عسيب) بمهملتين كعظيم ويقال عصيب بصاد مهملة مولى المصطفى له صحبة وسماع ورواية واسمه أحمد. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات ولذلك رمز المؤلف لصحته . ٧٧ - (أتاني جبريل) لم يقل قال لي جبريل إيذاناً بأنه أمر يهتم به بحيث أتاه تلك المرة خصوص ذلك القول اهتماماً بشأنه فلم يكن ذكره له بطريق العرض في أثناء حديث فاوضه فيه وفي رواية للبخاري: ((عرض لي في جانب الحرة)) (فقال: بشر أمتك) أمة الإجابة بقرينة ذكره البشارة ولو قال قل لأمتك لصلح لإرادة العموم (أنه) أي الشأن (من مات لا يشرك بالله شيئاً) أي غير مشرك به شيئاً فهو ١٢٥ حرف الهمزة قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ)). (حم ت ن حب) عن أبي ذر (صح). ٧٨ - ((أَثَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ، نصب على الحال من ضمير مات واقتصر على نفي الشرك لظهوره في ذلك الزمن والمراد مصدقاً لما جاء به الشرع من كل ما يجب الإيمان به إجمالاً في الإجمالي وتفصيلاً في التفصيلي وجواب الشرط (دخل الجنّة) أي عاقبة أمره دخولها وإن مات مصراً على الكبائر ودخل النار (قلت يا جبريل) ناداه ليقبل على استماع سؤاله فيجيبه ويتلذذ بذكر اسم الحبيب (وإن سرق وإن زنى) أي أيدخل الجنّة وإن سرق وإن زنى؟ ففيه استفهام مقدر ووجه الاستفهام ما تقرر عنده قبل ذلك من الآيات الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار فلما سمع أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة استفهم عن ذلك بقوله ((وإن)) إلى آخره (قال نعم) يدخلها وإن فعل ذلك وإنما بشره جبريل بذلك بأمر تلقاه عن ربه فكأنه تعالى قال له بشّر محمداً بأن من مات من أمتّه لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة وإن وقع منه ذلك ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث باب كلام الرب مع جبريل ثم أورده (قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال نعم: قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم) كرر الاستفهام استثباتاً واستيثاقاً واستعظاماً لشأن الدخول مع مباشرة الكبائر أو تعجباً منه، واقتصر من الكبائر على ذينك لأن الحق إما الله أو للعباد فأشار بالزنا إلى الأوّل وبالسرقة إلى الثاني وبين أن دخول الجنّة لا يتوقف على تجنبهما. قال السبكي: وآثر ذكر السرقة على القتل مع كونه أقبح لكثرة وقوعها وقلة وقوع القتل فآثر ما يكثر وقوعه لشدة الحاجة للسؤال عنه على ما يندر. قال: والأحاديث الدالة على دخول من مات غير مشرك الجنّة يبلغ القدر المشترك منها مبلغٍ التواتر وهي قاصمة لظهور المعتزلة الزاعمين خلود أرباب الكبائر في النار ثم أكد جبريل ما ذكره تتميماً للمبالغة بقوله: (وإن شرب الخمر) فإن شربها لا يمنعه من دخولها ونص عليه إشارة إلى نحوسة هذه الكبيرة وفظاعتها لأنها تؤدي إلى خلل العقل الذي شرف به الإنسان على غيره من الحيوان وبوقوع الخلل فيه يزول التوقي الحاجز عن ارتكاب بقية الكبائر فأعظم به من مفسدة ومع ذلك يدخل شاربه وفيه إشار بأن مجيء جبريل وإخباره بذلك کان بعد تحریمها (حم ت) وقال صحیح (ن حب عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة أو يزيد بن عبد الله أو زيد بن جنادة أو جندب بن عبد الله أو جندب بن يشكر أو غير ذلك والأصح الأول من أكابر الصحابة وأفاضلهم وقدمائهم. ٧٨ ۔ (أتاني جبريل) وفي رواية عرض لي الظهر (فبشرني) أخبرني بما یسرني بأن قال لي (من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً) أي وشهد بأنك رسوله ولم يذكره اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر لما مر (دخل الجنّة) وإن لم يتب ولم یعف عنه (فقلت وإن زنى وإن سرق قال: وإن زنى وإن سرق) وارتکب كل كبيرة واقتحم كل فجور فلا بدّ من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار الدالة على أنه لا يبقى في النار موحد، فالكبائر لا تسلب الإيمان ولا تحبط الطاعة إذ ١٠٠ ١٢٦ حرف الهمزة فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). (ق) عن أبي ذر. ٧٩ - أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ كُنْ عَجَّاجاً ثَجَّاجاً)). (حم) والضياء عن السائب بن خلاد. لو كانت محبطة موازنة أو غيرها لزم أن لا يبقى لبعض الزناة أو السراق طاعة والقائل بالإحباط يحيل دخول الجنّة وبما تقرّر آنفاً علم أن جواب أن محذوف لدلالة الواو عليه لأنها ترد الكلام على أوّله ولو سقطت الواو لكان الزنا والسرقة شرطاً في دخول الجنّة فالمعنى وإن زنى وإن سرق لم يمنعه ذلك من دخولها؛ ثم إن في اختلاف هذا الحديث وما قبله زيادة ونقصاناً وتقديماً وتأخيراً مع اتحاد الصحابي إما لأنه سمعه من المصطفى مرتين كذلك أو حكاه بلفظه مرة وبمعناه أخرى وسكت عن الخمر في إحدى الروايتين سهواً أو لعروض شاغل (تتمة) سئل شيخ الطائفة الجنيد: هل يسرق العارف؟ قال: لا، قيل فهل يزني؟ فأطرق ملياً ثم قال ﴿وكان أمر الله قدراً مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (تنبيه) قال بعض المحققين: قد تتخذ البطلة أمثال هذه الأخبار ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل ظناً أن ترك الشرك كاف وهذا يستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود وأن الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية لا أثر له فتفضي إلى الانخلاع من الدين وانفكاك قيد الشريعة والخروج عن الضبط والولوج في الخبط وترك الناس سدى هملاً وذلك مفض إلى خراب الدنيا والآخرة مع أن قوله في بعض طرق الحديث ((أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)) يتضمن اشتراط العمل فيجب ضم بعض الأحاديث إلى بعض فإنها كالحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها انتهى. وهذه قعقعة لا حاجة إليها مع ما قررناه آنفاً أن كل من مات مؤمناً دخل الجنّة فإن كان تائباً أو سليماً من المعاصي دخلها وحرم على النار وإلّ فيقطع بدخوله الجنّة آخراً وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه كما قال النووي أنه مذهب أهل السنة قال الطيبي: وهو قانون عظيم في الدين وعليه مبنى قواعد الجماعة أن الحسن والقبح شرعيان وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (ق عن أبي ذر) قال: واللفظ للبخاري. سببه (كنت أمشي مع رسول الله وَّله في حرة بالمدينة فاستقبلنا أحداً فقال: أبا ذر ما يسرني أن عندي مثل هذا ذهباً يمضي عليّ ثلاث وعندي منه دينار إلّ شيء أرصده لدين إلّ أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله وخلفه ثم قال: مكانك لا تبرح حتى آتيك ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعت صوتاً قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عرض له فأردت أن أتبعه فذكرت قوله لا تبرح فلم أبرح حتى أتاني فقلت سمعت صوتاً تخوفت منه. قال: وهل سمعته؟ قلت: نعم. قال: ذاك جبريل أتاني» فذكره. ٧٩ - (أتاني جبريل) في حجة الوداع (فقال يا محمد كن عجاجاً) رافعاً صوتك بالتلبية (ثجاجاً) بالتشديد فيهما سيالاً لدماء الهدي بأن تنحرها أو المراد الأمر بالحج نفسه أي حج الحج الذي فيه العج والثج وأراد بهما الاستيعاب فابتدأ بالإحرام الذي هو الإهلال وختم بالتحلل هو إهراق دماء الهدي فاقتصر بالمبدأ والمنتهى عن جميع الأعمال. والمعنى كن حاجاً حجاً تستوعب فيه جميع أعماله من أركان وشروط وآداب، أفاده بعض الأعاظم (حم والضياء) المقدسي وكذا الطبراني وابن لال والديلمي (عن IC K ١٢٧ حرف الهمزة ٨٠ - ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ كُنْ عَجَّاجاً بِالتَّلْبِيَةِ، ثَجَّاجاً بِنَحْرِ الْبُدْنِ)) . القاضي عبد الجبار في أماليه عن ابن عمر. ٨١ - ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالَّلْبِيَةِ)». (حم ٤، حب ك هق) عن السائب بن خلاد (صح). السائب بن خلاد) بن سويد الخزرجي الكعبي المدني له صحبة ولي إمارة اليمن لمعاوية. قال الهيتمي: فیه ابن إسحاق ثقة لكنه مدلس. ٨٠ - (أتاني جبريل فقال يا محمد) صرح باسمه تلذذاً بذكره وتيمناً وإشعاراً بكونه محموداً في الملا الأعلى (كن عجاجاً بالتلبية) أي رافعاً صوتاً بقول لبيك اللهم لبيك أي إجابة بعد إجابة ولزوماً لطاعتك بعد لزوم فالتثنية للتأكيد لا تثنية حقيقة وأصل التلبية إجابة النداء وهي من آداب الخطاب تدل على تعظيم الداعي في إجابته (ثجاجاً بنحر البدن) المهداة أو المجعولة أضحية ((والعج)) بفتح المهملة وشد الجيم رفع الصوت بالدعاء أو غيره؛ ((والثج)) بفتح المثلثة وشد الجيم إراقة دم الذبيحة ((والبدنة)) من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة للذكر والأنثى. وفيه کالذي قبله ندب رفع الصوت بالتلبية في النسك للرجل لكن بحيث لا يتأذى ولا يؤذي وإلّ كره لخبر: ((أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) ويكثر منها ما دام محرماً وتتأكد لتغاير الأحوال كصعود وهبوط واجتماع وافتراق وبعد كل صلاة ولو نفلاً وإقبال ليل أو نهار، وتقتصر المرأة والخنثى على إسماع نفسها فإن جهرت كره ولا يزيد على تلبية المصطفى وهي: ((لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) فإن زاد لم يكره عند الشافعي (القاضي عبد الجبار) بن أحمد الهمداني. قال الرافعي: ولي قضاء قزوين وغيرها واعتنى به الصاحب بن عباد وسأله تقليداً أطنب فيه كعادته وكان شافعياً في الفروع معتزلياً في الأصول وأملى عدة أحاديث وصنف كثيراً في التفسير والكلام: قال الخليل: كتبت عنه وكان ثقة في حديثه لكنه داع إلى البدعة لا تحل الرواية عنه. وقال التوحيدي: خبيث المعتقد قليل اليقين انتهى. وبه ضعف الحديث (في آماليه) الحديثية (عن ابن عمر) بن الخطاب وكذا رواه عنه الإمام الرافعي في تاريخ قزوين بإسناده ولو عزاه المؤلف إليه لكان أولى. ٨١ - (أتاني جبريل فأمرني) عن الله تعالى بدليل الرواية الآتية أمر ندب (أن آمر أصحابي ومن معي) عطفه على أصحابه دفعاً لتوهم أن مراده بهم من صحبه وعرف به لطول ملازمته وخدمته دون من رافقه واتبعه وقتاً ما فجمع بينهما ليفيد أن مراده كل من صحبه ولو في وقت حتى لم يره إلّ مرة فالعطف لزيادة الاهتمام بشأن تعليمهم إذ من قرب عهده بالإسلام أو بالهجرة أحق بتأكيد الوصية والتعريف بالسنة والإعلام بالأحكام وأما الخواص فمظنة الاطلاع على خفايا الشريعة ودقائقها واحتمال إرادة المعيّة في الدين ساقط وفي رواية لمالك والشافعي أو من معي بأو بدل الواو شك من الراوي وتجوز ابن الأثير كون الشك من النبي ◌َّر لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه ركيك متعسف (أن ١٢٨ حرف الهمزة ٨٢ - ((أَتَانِي حِبْرِيلُ فَقَالَ لِي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْمُرَ أَصْحَابِكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ). (حم هـ حب ك) عن زيد بن خالد (صح). ٨٣ - ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي وَرَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: تَذْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟ يرفعوا أصواتهم بالتلبية) إظهاراً لشعائر الإسلام وتعليماً للجاهل ما هو مندوب في ذلك المقام قال ابن العربي وذلك أنهم كانوا يوقرون المصطفى ويمتثلون ما أمروا به من خفض الصوت في التكبير والتسبيح في السفر فاستثنى لهم التلبية من ذلك فصاروا يرفعون أصواتهم بها جداً روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما في الفتح كان أصحاب رسول الله وَلي يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم وأخرج أيضاً بإسناد صحيح عن بكر المزني كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين قالوا ومعنى التلبية كما في حديث ابن عباس وغيره إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج فأجابوه وهم في الأصلاب والأرحام ومن لم يجبه لم يحجّ وفيه مشروعية التلبية تنبيهاً على إكرام الله لعباده بأن وفودهم على بيته إنمَّا كان باستدعاء منه وقوله بالتلبية هي رواية النسائي وفي رواية الترمذي وابن ماجه بدّله بالإهلال ولابن داود بالتلبية أو بالإهلال يريد أحدهما (حم ٤ حب ك) وصححه (هق) وكذا مالك والشافعي والضياء في الحج (عن السائب بن خلاد) بن سويد الخزرجي قيل بدري واعترض قال الترمذي حسن صحيح قال ابن العربي هذا مع أنه رواه موسى بن عقبة عن المطلب فربك أعلم، فلذلك لم يدخله البخاري في صحيحه وأدخل حديث أبي قلابة عن أنس وقال ابن حجر رجاله ثقات لكن اختلف على التابعي صحابيه. ٨٢ - (أتاني جبريل فقال لي إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك) ندباً (أن) أي بأن (يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج) أي من أعلامه وعلاماته وأعماله الواحدة شعيرة أو شعارة بالكسر والمشاعر مواضع النسك. وقال الزمخشري: أعلام الحج وأعماله وكما أنها من شعار الحج هي من شعار العمرة واقتصر عليه لأنه قاله عند إحرامه بحجة الوداع وأخذ أبو حنيفة بظاهر هذا الخبر وما قبله أن الحج لا ينعقد بدون تلبية وسوق هدي قياساً على الصلاة ورد الشافعية الأوّل بأن الأمر للندب وإلّ لزم رفع الصوت والثاني بأنه قياس مع وجود الفارق؛ إذ القصد من الصلاة الذكر (حمه حب ك) وكذا أبو يعلى وابن خزيمة والطبراني والبيهقي والضياء (عن زيد بن خالد) الجهني. ٨٣ - (أتاني جبريل فقال إن ربي وربك) المحسن إليّ وإليك بجليل التربية المزكي لي ولك بجميل التزكية، وفي الإضافة تشريف أيّ تشريف وكما تفيد إضافة العبد إليه سبحانه تشريفه فكذا إضافته إليه تعالى تفيده بل ذلك أقوى إفادة (يقول لك) أطنب بزيادة لك لينبه على كمال العناية ومزيد الوجاهة عنده والرعاية، وفي المعالم أن النبي ◌َّ سأل جبريل عن معنى ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] فقال قال الله لا أذكر إلّ ذكرت معي فكأنه بعد السؤال جاء وقال إن ربي وربك إلى آخره (تدري) مستفهم عنه حذفت همزته تخفيفاً لكثرة وقوعها في الاستفهام أي أتدري (كيف رفعت ذكرك) أي على أي حال وكيفية رفعته إذ كيف اسم مبهم يستفهم به عن الحال والرفع من الرفعة وهي الشرف وارتفاع القدر والذكر إجراء اللفظ المعرب عن الشيء على لسان المتكلم وهو بكسر الذال وهذا الكلام بعد السؤال ١٢٩ حرف الهمزة قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لَاَ أُذْكَرُ إِلَّ ذُكِرْتَ مَعِي)). (ع حب) والضياء في المختارة عن أبي سعید (صح). ٨٤ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ فِي خَضِرٍ تَعَلَّقَ بِهِ الدُّرُّ». (قط) في الأفراد عن ابن مسعود (صح). عنها من قبيل الانبساط مع المحبوب ولأجل زيادة التوجه والانتظار قال (قلت) في رواية فقلت (الله . أعلم) أي من كل عالم وفيه رد على من كره أن يقال والله أعلم مطلقاً أو عقب ختم نحو الدرس ولا إبهام فيه خلافاً لزاعمه بل هو في غاية التفويض المطلوب وحسبك في الرد عليه قوله سبحانه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم ولا يعارضه ما في البخاري أن عمر سأل الصحب عن سورة النصر فقالوا الله أعلم فغضب وقال قولوا نعلم أو لا نعلم لأنه فيمن جعل الجواب له ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه وهو يعلم (قال لا أذكر) مجهول المتكلم (إلا ذكرت) مجهول المخاطب (معي) أي كثيراً أو عادة أو في مواطن معروفة كالخطب والتشهد والتأذين فلا يصح شىء منها من أحد حتى يشهد أنه رسوله شهادة تيقن، وأي رفع أعظم من ذلك؟ وبتأمله يعرف اندفاع الاستعقاب بأن الشهادة الثانية قد لا تذكر فتدبر (ع حب) وابن عساكر والرهاوي في الأربعين (والضياء) المقدسي (في) كتاب (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أبي سعيد) الخدري، ورواه عنه الطبراني باللفظ المذكور، قال الهيتمي وإسناده حسن. ٨٤ - (أتاني جبريل) قال في الربيع ويقال له طاوس الملائكة وكان هذا الإتيان في المدينة كما ذكره ابن الأثير (في خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين لباس أخضر وروي بسكون الضاد ممدوداً ذكره الهروي كالقاضي (تعلق) بمثناة فوقية فمهملة فلام مشددة فقاف مفتوحات (به) أي الخضر (الدر) بضم المهملة اللؤلؤ العظام أي جاءني في لباس أخضر تعلق به اللؤلؤ العظام بأن تمثل له بتلك الهيئة الحسنة وذلك المنظر البهيج البهي فكان يأتيه على هيئات كثيرة ورآه مرتين بصورته الأصلية بستمائة جناح كل جناح يسد ما بين الخافقين وكان يأتيه بصورة دحية وتمثل بمكة بصورة فحل من الإبل فاتحاً فاه ليلتقم أبا جهل. واختلف في هذه التطورات فقيل إن الله يفني الزائد من خلقه وقيل مجرد تخييل للرائي وقيل بالتداخل، وقال الراغب والخضرة أحد الألوان بين البياض والسواد إلى السواد أقرب فلهذا سمي الأسود أخضر وعكسه وقيل سواد العراق للموضع الذي تكثر فيه الخضرة فإن قلت هل لتمثله له في لباس أخضر دون غيره من الألوان من حكمة؟ قلت أجل وهي الإشارة إلى أنه كثير الخير والبركة وأن بينه وبينه مودة متأكدة وصداقة ثابتة وهي في كل وقت متجددة وإن ذلك العام عام خصب وربيع، ألا ترى إلى قول الزمخشري من المجاز فلان أخضر كثير الخير والأمر بيننا أخضر جديد لم يخلق والمودة بيننا خضراء؟ انتهى (قط في) كتاب (الأفراد) وكذا أبو الشيخ في العظمة (عن ابن مسعود) وضعفه . فيض القدير ج١ م٩ ١٣٠ حرف الهمزة ٨٥ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ لِحْيَتَكَ)). (ش) عن أنس (ح). ٨٦ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ بِقِدْرٍ فَأَكَلْتُ مِنْهَا، فَأُعْطِيتُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً فِي الْجِمَاعِ)). ابن سعد عن صفوان بن سليم مرسلاً. ٨٥ - (أتاني جبريل فقال إذا توضأت) من الوضاءة وهي الحسن والنضارة والوضوء بالضم الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به وهل المراد أنه اسم للماء مطلقاً أو للماء للوضوء أو لما استعمل في أعضائه؟ خلاف (فخلل) ندباً مؤكداً (لحيتك) من التخليل وهو تفريق الشعر ونحوه وأصله إدخال الشيء في خلال الشيء وهي وسطه فيندب تخليل لحية الذكر الكثة، والأفضل كونه بأصابع يمناه ومن أسفل، ونبه بذكر اللحية على ندب تخليل كل شعر يجب غسل ظاهره فقط لكن يستثنى المحرم فلا يخلل إلا إن أمن انتتاف شيء من شعره يقيناً ويأتي إن شاء الله تعالى في عدة أحاديث ندب تخليل أصابع اليدين والرجلين أيضاً ويظهر أن تخليل اللحية آكد لاختصاره عليها هنا (ش) وكذا ابن عدي وغيره (عن أنس) رمز لحسنه وهو زلل فقد قال ابن حجر بعد عزوه لابن أبي شيبة وابن ماجه وابن عدي في إسناده ضعف شديد هذه عبارته وقال ابن الهمام وهو معلول لكن يقويه بعض قوة ما رواه ابن منيع والديلمي عن أنس أيضاً أتاني جبريل فأمرني أن أخلل لحيتي عند الطهور وفيه الهيثم بن حماد عن الرقاشي قال النسائي وغيره وهما متروكان قال الكمال وللتخليل طرق منكرة عن أكثر من عشرة من الصحابة وبها يتقوی. ٨٦ - (أتاني جبريل بقدر) أي بطعام في قدر ويأتي في خبر أنه هريسة وهي لحم وقمح يطبخان معاً كما في الوشاح وزاد في رواية ذكرها في الأصل كغيره يقال لها الكفيت بالتصغير والقدر بكسر فسكون إناء يطبخ فيه وهي مؤنثة وتصغيرها قدير بلا هاء على غير قياس (فأكلت) أي فقال كل فأكلت (منها) أي مما فيها وكان من طعام الجنّة لما رواه أبو نعيم في الطب بإسناد رواه عن معاذ قيل يا رسول الله هل أتيت من طعام الجنّة بشيء قال نعم أتاني جبريل بهريسة فأكلتها فزادت قوتي قوة أربعين رجلاً في النكاح (فأعطيت قوة) أي قدرة (أربعين) فهي صدقة الاقتدار على الشيء والقوة من أعلى صفات الكمال قال تعالى في صفة جبريل ﴿ذي قوة﴾ [التكوير: ٢٠] (رجلًا) في بعض الروايات حذف المميز وهذه الرواية تفسره وفي رواية زيادة من أهل الجنّة والرجل الذكر من بني آدم وقد يقال للجن أيضاً بخلاف الملك فقد قال ابن حجر كبعض المتقدمين الملائكة ليسوا ذكوراً ولا إناثاً فلا يقال لهم رجال وأما الجن فيتوالدون فلا يمتنع أن يقال لهم رجال (في الجماع) زاد أبو نعيم عن مجاهد وكل رجل من أهل الجنّة يعطى قوة مائة وصححه الترمذي وقال غريب وأربعون في مائة بأربعة آلاف فإن قلت هل للتمدح بكثرة الجماع للنبي والقر من فائدة دينية أو عقلية لا يشاركه فيها غير الأنبياء من البرية؟ قلت نعم بل هي معجزة من معجزاته السنية إذ قد تواتر تواتراً معنوياً أنه كان قليل الأكل وكان إذا تعشى لم يتغد وعكسه وربما طوى أياماً والعقل يقضي بأن كثرة الجماع إنمّا تنشأ عن كثرة الأكل إذ الرحم يجذب قوة الرجل ولا يجبر ذلك النقص إلا كثرة الغذاء فكثرة الجماع لا تجامع قلة الغذاء عقلاً ولا طباً ولا عرفاً إلّ أن يقع على وجه خرق العادة فكان من قبيل الجمع بين الضدين وذلك من أعظم المعجزات فتدبر ثم ١٣١ حرف الهمزة ٨٧ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيَّ فَعَلَّمَنِي الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ، فَلَمَّا فَرَغَ رأيت بعضهم قال: كان للنبي وَ﴿ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء وكان له في الأكل القناعة ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتيادية كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية ليكون كاملاً في الدارين حائزاً للفخرين (فإن قلت) إذا كان الجماع مما يتمدح بكثرته فكان القياس أن لا يقتصر منهن على تسع وقد كان لسليمان ألف حليلة وما من فضيلة أوتيها نبي إلّ وقد أوتي جامع الرسل مثلها أو أعلى؟ قلت قلة عدد النسوة مع كثرة الجماع أظهر في المعجزة لأن كثرته في قليلهن أقوى من الكثير في الكثير بشهادة الوجدان قيل وفيه أن له الزيادة على تسع لأنه لما أعطي قوة ما ذكر من العدد فله التزوج بقدر ما أعطي من القوة وليس في محله إذ العدد القليل منهن يكفي العدد الكثير من الرجال ثم إنه لم يبين هذا المأكول الذي في القدر وبيّنه في خبر الدارقطني عن جابر وابن عباس مرفوعاً أطعمني جبريل الهريسة أشد بها ظهري وأتقوى بها على الصلاة انتهى. قال الذهبي وهو واه وقال بعضهم ضعيف جداً بل ألّف الحافظ ابن ناصر الدين فيه جزءاً ذكر فيه أنه موضوع سمّاه رفع الدسيسة عن أخبار الهريسة . (تنبيه) أخذ بعضهم من هذا الحديث أنه يندب للرجل تناول ما يقوّي شهوته للوقاع كالأدوية المقوية للمعدة لتعظم شهوتها للطعام وكالأدوية المثيرة للشهوة ورده الغزالي بأن المصطفى إنمّا فعل ذلك لأنه كان عنده منهن العدد الكثير ويحرم على غيره نكاحهن إن طلقهن فكان طلبه القوة لهذا المعنى لا للتلذذ والتنعم وبأنه لا يشتغل قلبه عن ربه بشيء فلا تقاس الملائكة بالحدادين. قال: وما مثال من يفعل ما يعظّم شهوته إلّ كمن بلي بسباع ضارية وبهائم عادية فينام عنه أحياناً فيحتال لإثارتها وتهييجها ثم يشتغل بعلاجها وإصلاحها، فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يراد التخلص منها والتداوي لدفعها عند كمل المؤمنين وأساطين المتقين ووجوه العارفين (ابن سعد) في طبقاته (عن صفوان بن سليم) الزهري التابعي (مرسلاً) هو الإمام القدوة ممن يستشفى بذكره قيل لم يضع جنبه على الأرض منذ أربعين سنة ومناقبه سائرة والحديث وصله أبو نعيم والديلمي من حديث صفوان عن عطاء عن أبي هريرة يرفعه ورواه الخطيب وابن السني في الطب عن حذيفة مرفوعاً ثم إن فيه سفيان بن وكيع قال الذهبي عن أبي زرعة متهم بالكذب وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ونازعه المؤلف بما حاصله أن له شواهد. ٨٧ - (أتاني جبريل في أول ما أوحي إليّ) وذلك عند انصرافه من غار حزّاء كما في الدلائل وغيرها (فعلمني الوضوء) بالضم استعمال الماء في الأعضاء الأربعة بالنية عند الشافعية وكذا بدونها عند الحنيفة (والصلاة) الأذكار المعروفة والأفعال المشهورة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم وأصلها الدعاء قال الله تعالى ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم وفيما نقله الشرع إليه باشتمال على الدعاء. قال في الوفاء لم يذكر كيفية الصلاة في هذا الحديث وقد ذكر في حديث البراء أنها ركعتان وهذه الصلاة كانت نفلاً لأن الخمس لم تفرض إلّ ليلة الإسراء وقيل بل فرضت الصلاة قبله ركعتين قبل غروب الشمس وركعتين قبل طلوعها ثم فرضت الخمس ليلة الإسراء وهو مروي عن عائشة وغيرها وقيل بل المراد بالصلاة هنا التهجد فإنه فرض عليه ثم نسخ. قال السهيلي: فالوضوء على هذا الحديث ٠٠ ١٣٢ حرف الهمزة الْوُضُوءَ أَخَذَ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ)). (حم قط ك) عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة (ح). ٨٨ - ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فِي ثَلاَثٍ بِقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). (طب) عن ابن عباس، قلت: هذا أصل في التاريخ (ح). مكي بالفرض مدني بالتلاوة لأن آية الوضوء مدنية والوضوء كان مفروضاً لكنه لم يكن قرآناً يتلى حتى نزلت آية المائدة. وقال ابن حجر فيه: إن مشروعية الوضوء كانت قبل فرض الصلاة يعني الصلوات الخمس ليلة الإسراء، قال ويقويه قوله في خبر فيه لين أن جبريل علمه إياه حين نزول الوحي عليه في غار حرّاء، وقال ويؤيده ما في أخبار صحاح أن من قبلنا كانوا يتوضؤون للصلاة كما في قصة سارة والراهب (فلما فرغ الوضوء) أي أتمه (أخذ غرفة من الماء) قال ابن حجر في المختصر، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف (فنضح) وفي رواية فرشّ (بها فرجه) يعني رش بالماء الإزار الذي يلي محل الفرج من الآدمي لأن جبريل ليس له فرج إذ الملائكة ليسوا بذكور ولا إناث كما مر فيندب رش الفرج عقب الوضوء لدفع الوسوسة وفي روايه ذكرها ابن سيد الناس وجهه بدل فرجه وفي رواية الفرج، والنضح الرش والفرج أصله كل فرجة بين شيئين ثم كني به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح فيه (حم قط ك) وکذا الحارث بن أبي أسامة (عن أسامة) بضم الهمزة (ابن زید) حب رسول الله پټ وابن حبه (عن أبيه زيد بن حارثة) الكلبي مولى الرسول من السابقين الأولين استشهد يوم مؤتة سنة ثمان رمز المؤلف لصحته وليس كما ظن فقد أورده ابن الجوزي في العلل عن أسامة عن أبيه من طريقين في أحدهما ابن لهيعة والأخرى رشدين وقال ضعيفان قال والحديث باطل، وقال مخرجه الدار قطني فيه ابن لهيعة ضعفوه وتابعه رشدين وهو ضعيف لكن يقويه كما قال بعض الحفاظ أورده من طريق ابن ماجه بمعناه وروي نحوه عن البراء وابن عباس أما الصحة فلا فلا . ٨٨ - (أتاني جبريل في ثلاث) أي ثلاث ليال (بقين) هي لغة عدي بن رباب فجعلوا كل يوم ليلة إذ التاريخ بالليالي فإن أوّل الشهر ليلته قالوا وليس في العربية محل غلب فيه المؤنث على المذكر إلّ في التاريخ (من ذي القعدة) بفتح القاف وتكسر سمي به لأن العرب قعدت فيه عن القتال تعظيماً له. قال ابن حجر: وفيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو أنه ما دام في النصف الأوّل من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي (فقال دخلت العمرة) أي أعمالها (في) أعمال (الحج) لمن قرن فيكفيه أعمال الحج عنها أو دخلت في وقته وأشهره، بمعنى أنه يجوز فعلها فيها. وأهل الجاهلية كانوا يرون أن فعلها فيها من أفجر الفجور فأبطله الشرع هذا هو الظاهر المتبادر من فحوى الخبر، وتأوله المالكية كالحنفية على معنى سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج كما سقط عاشوراء برمضان أي أن الحج أغنى عما دونه فلا يجب، وعرض بأن ذلك وإن كان محتملاً لكنه محتمل أيضاً لأن يكون إشارة إلى القران وإلى جواز إيقاعها في أشهر الحج، وأنه لا يقبل النسخ ويرشحه ختمه بالتأبيد الآتي فحيث تطرق الاحتمال سقط الاستدلال وبقيت أدلة أخرى تدل للوجوب، كآية ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]ويستمر هذا (إلى يوم القيامة) أوّل خراب الدنيا وانقراض المؤمنين بالريح الطيبة، أي ١٣٣ حرف الهمزة ٨٩ - (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ ليس هذا الحكم مختصاً بهذا العام بل عام في جميع الأعوام ويلوح من فحواه أن يوم القيامة من الدنيا، بمعنى أنه خاتمتها ولا يعارضه خبر أشفع يوم القيامة لأن صدره من الدنيا وآخره من الآخرة كما صرح به ما رواه المزني في التهذيب أن الحجاج سأل عكرمة عن يوم القيامة أمن الدنيا أم من الآخرة. فقال: صدره من الدنيا وآخره من الآخرة (طب عن ابن عباس) رمز المؤلف لحسنه (قلت) كما قال بعضهم (هذا) أي قوله ثلاث إلى آخره (أصل) يستدل به (في) مشروعية (التاريخ) وهو تعريف الوقت من حيث هو وقت والإرخ بكسر الهمزة الوقت، يقال: أرخت الكتاب يوم كذا وقته به وأرخه وورخه بمعنى ذكره في الصحاح، وقيل: هو قلب التأخير وقيل معرب لا عربي. وقال الصولي: تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهى إليه ومنه قيل فلان تاريخ قومه أي إليه ينتهى شرفهم. وعرف عرفاً بأنه توقيت الفعل بالزمان ليعرف ما بين قدر ابتدائه وأي غاية فرضت له وقيل هو عبارة عن يوم ينسب إليه ما يأتي بعده، وقيل عبارة عن مدة معلومة تعد من أول زمن مفروض لتعرف الأوقات المحدودة فلا غنى عن التاريخ في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية ثم إن ما ذكره من أن هذا أصله مراده به من أصوله، وإلا فقد وقع الاستدلال بالتاريخ في النص القرآني؛ ﴿قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلّ من بعده﴾ [آل عمران: ٦٥]. وتفردت العرب بأنها تؤرخ بالسنة القمرية لا الشمسية فلذلك تقدم الليالي لأن الهلال إنمّا يظهر ليلاً. قال ابن الجوزي: ولمّا كثر بنو آدم أرخوا بهبوطه فكان التاريخ إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل، ثم إلى زمن يوسف، ثم إلى خروج موسى من مصر ببني إسرائيل، ثم إلى زمن داود، ثم سليمان، ثم عيسى، وقيل أرخت اليهود بخراب بيت المقدس، والنصارى برفع المسيح، وأما تاريخ الإسلام فروى الحاكم في الإكليل عن الزهري معضلاً أن المصطفى وَلّ لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول. وروى أيضاً الحاكم وغيره أن عمر جمع الناس في خلافته سنة سبع عشرة، فقال بعضهم: أرخ بالبعث، وقال بعضهم: بالهجرة. فقال: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فاتفقوا عليه ولم يؤرخوا بالبعث، لأن في وقته خلافاً ولا من وفاته لما في تذكره من التألم لفراقه ولا من وقت قدومه المدينة، وإنمّا جعلوه من أوّل المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه إذ البيعة كانت في ذي الحجة وهي مقدمة لها وأوّل هلال هل بعدها المحرم ولأنه منصرف الناس من حجهم فناسب جعله مبتدأ. وفوائد التاريخ لا تحصى منها أنه وقع في زمن الخطيب البغدادي أن يهودياً أظهر كتاباً فيه أن المصطفى وَليل أسقط الجزية عن أهل خيبر وفيه شهادة جمع منهم على ذلك فوقع التنازع فيه فعرض على الخطيب فتأمله ثم قال: هذا زور لأن فيه شهادة معاوية، وإنمّا أسلم عام الفتح وفتح خيبر سنة سبع وشهادة سعد بن معاذ وكان مات عقب قريظة ففرح الناس بذلك. ٨٩ - (أتاني جبريل فقال) لي (يا محمد) خاطبه به دون رسول الله أو النبي ◌َّر لأنه المناسب لمقام الوعظ والتذكير والإيذان بفراق الأحباب والخروج من الدنيا ودخول الآخرة والحساب والجزاء، وبدأ بذكر الموت لأنه أفظع ما يلقاه الإنسان وأبشعه فقال: (عش ما شئت فإنك ميت) بالتشديد والتخفيف أي آيل إلى الموت عن قرب فهو مجاز باعتبار ما يكون في المستقبل قريباً قطعاً (وأحبب) بفتح الهمزة : ١٣٤ حرف الهمزة فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وأَعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ أَسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ)). الشيرازي في الألقاب (ك هب) عن سهل بن سعد (هب) عن جابر (حل) عن علي/ (صح). وكسر الموحدة الأولى (من شئت) من الخلق (فإنك مفارقه) بموت أو غيره وما من أحد في الدنيا إلاّ وهو ضيف وما بيده عارية، فالضيف مرتحل والعارية مردودة. قال الغزالي: القصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايله بالموت فإنه إذا علم أن من أحب شيئاً يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شغل قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أياماً قلائل فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة. وعند الصباح يحمد القوم السري فلا بد لكل إنسان من مجاهدة فراق ما يحبه وما فيه فرحه من أسباب الدنيا، وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو بقبول في الوعظ، أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الاتباع في التدريس والإفادة يترك أولاً ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلّ بذكر الله والفكر فيه ويكف شهواته ووساوسه حتى يقمع مادتها ويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت. قيل صاح طوطي بحضرة سليمان. فقال: تدرون ما يقول؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال يقول: كل حي ميت وكل جديد بال. وقال: النسر يقول في صياحه يا ابن آدم اعمل ما شئت آخرك الموت (واعمل ما شئت) من خير (فإنك مجزي به) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي وشد المثناة تحت أي مقضي عليك بما يقتضيه عملك وبضم الميم وفتح الزاي منوناً أي مكافأ عليه. ولما ذكر الموت والمجازاة وخوف بما علم منه أن ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة: ٧ و٨] أردفه ببيان أعظم نافع من تلك الأهوال فقال: (واعلم) بصيغة الأمر إفادة لغير ما علم الدلالة على أنه تعلم وعلم لأن العلم لا يتم حتى يصل إلى الغير فيجمع فضل العلم والتعليم ذكره الحراني (أن شرف المؤمن) رفعته. قال الزمخشري: من المجاز لفلان شرف وهو علو المنزلة، (قيامه بالليل) أي علاه ورفعته إحياء الليل بدوام التهجد فيه والذكر والتلاوة وهذا بيان لشيء من العمل المشار إليه بقوله اعمل ما شئت، ولما كان الشرف والعز أخوين استطرد ذكر ما يحصل به العز. فقال: (وعزه) قوته وعظمته وغلبته على غيره (استغناؤه) اكتفاؤه بما قسم له (عن الناس) أي عما في أيديهم، ولهذا قال حاتم لأحمد وقد سأله: ما السلامة من الدنيا وأهلها؟ قال أن تغفر لهم جهلهم وتمنع جهلك عنهم وتبذل لهم ما في يدك وتكون تما في أيديهم آيساً. قال الغزالي: ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان ففي القناعة العز والحرية ولذلك قيل استغن عمن شئت فأنت نظيره واحتج إلى من شئت فأنت أسيره وأحسن إلى من شئت فأنت أميره. وقال بعضهم الفقر لباس الأحرار، والغنى بالله لباس الأبرار، والقيام انتصاب القامة ولما كانت هيئة الانتصاب أكمل هيئات من له القامة وأحسنها استعير ذلك للمحافظة على استعمال الإنسان نفسه في الصلاة ليلاً، فمعنى قيام الليل المحافظة على الصلاة فيه وعدم تعطيله باستغراقه بالنوم أو اللهو. قال الزمخشري: قام على الأمر دام وثبت وقد تضمّن الحديث التنبيه على قصر الأمل والتذكير بالموت واغتنام العبادة وعدم الاغترار ١٣٥ حرف الهمزة ٩٠ - ((أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَأَخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا)). (حم) عن أبي موسى (ت حب) عن عوف بن مالك الأشجعي. بالاجتماع والحث على التهجد وبيان جلالة علم جبريل وغير ذلك. قال الغزالي: جمعت هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأمل فيها طول العمر، إذ لو وقف على معانيها وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية والتلذذ بشهواتها وقد أوتي المصطفى والر جوامع الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور علوم الحكمة (الشيرازي في) كتاب معرفة (الألقاب) والكنى عن إسماعيل عن زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد (ك) في الرقائق من طريق عيسى بن صبح عن زافر (هب) من طريق محمد بن حميد عن عيسى بن صبح عن زافر عن ابن عيينة عن أبي حازم (عن سهل بن سعد) بن مالك الخزرجي الساعدي قال الحاكم صحيح. وأقره الذهبي في التلخيص مع أن زافر أورده هو وغيره في الضعفاء ولهذا جزم الحافظ العراقي في المغني بضعف الحديث. قال: وجعله بعضهم من كلام سهل ومراد القضاعي (هب) من طريق أبي داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير (عن جابر) بن عبد الله (حل) عن محمد بن عمر عن محمد بن الحسن وعلي بن الوليد. قالا : حدثنا علي بن حفص بن عمر عن الحسن بن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين عن الحسن (عن علي) أمير المؤمنين وزاد في هذه الرواية فقال وسي لقد أوجز لي جبريل في الخطبة. قال ابن حجر في أماليه: أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن صبح عن زافر وصححه والبيهقي من طريق ابن حميد عن زافر. قال: أعني ابن حجر تفرد به بهذا الاسناد زافر وما له طريق غيره وهو صدوق كثير الوهم والراوي عنه فيه مقال لكن توبع قال: وقد اختلف فيه نظر حافظين فسلكا طريقين متناقضين فصححه الحاكم ووهاه ابن الجوزي، والصواب أنه لا يحكم عليه بصحة ولا وضع ولو توبع زافر لكان حسناً لكن جزم العراقي في الرد على الصنعاني والمنذري في ترغیبه بحسنه. ٩٠ - (أثاني آت) أي ملك أو هو النفث وهو ما يلقيه الله إلى نبيه إلهاماً كشفياً بمشاهدة عين اليقين (من عند ربي) أي برسالة بأمره، وأطنب بزيادة العندية إيذاناً بتأكد القضية (فخيرني) في الآتي عن الله وعبر بالرّب المشعر بالتربية والإحسان والامتنان وتبليغ الشيء إلى كماله لأنه أنسب بالمقام (بين أن يدخل) بضم أوله يعني الله (نصف أمتي) أمة الإجابة (الجنة وبين الشفاعة)، أي شفاعتي فيهم يوم القيامة (فاخترت الشفاعة) لعمومها، إذ بها يدخلها ولو بعد دخول النار كل من مات مؤمناً كما قال : (وهي) أي والحال أنها كائنة أو حاصلة ويحتمل جعل الواو للقسم أي والله هي حاصلة (لمن مات) من هذه الأمة ولو مع إصراره على جميع الكبائر لكنه (لا يشرك بالله شيئاً) أي ويشهد أني رسوله ولم يذكره اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر لعلمهم بأنه لا بد من الإتيان بهما لصحة الإسلام. فالمراد أنه يكون مؤمناً بكل ما يجب الإيمان به وهذا متضمن لكرامة المصطفى على ربه وافضاله على أمته، ووفور شفقة النبي ◌َّطر. قال الحراني: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزيد وصلة بين الشفيع ١٣٦ حرف الهمزة ٩١ - (أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيَِّاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا)). (حم) عن أبي طلحة (صح). والمشفوع عنده. وقال القاضي: الشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه والشيء على ما قال سيبويه يقع على كل ما أخبر عنه وهو أعم العام، كما أن الله أخص الخاص ويجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال وقول الأشاعرة المعدوم ليس بشيء معناه ليس يتميز في الأعيان. ثم إنه ليس لك أن تقول هذا يناقضه ما في الصحيحين أن النبي وَ ليزر قال: فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك ولكن وعزتي وكبريائي لأخرجنّ من النار من قال إلا إله إلا الله. والمراد بالقائل لا إله إلا الله من مات عليها معتقداً لها فهو الذي مات لا يشرك بالله شيئاً، فإذا لم يكن ذلك النبي و # فكيف قال إن هؤلاء تنالهم شفاعته، لأنّا نقول قد قيّد المصطفى وَ* من تناله شفاعته مع كونه مات غير مشرك بكونه من أمته، والذي جاء فيه أنه ليس إليه غير مقيد بها فحصل التوفيق بأن الذين تنالهم شفاعته هم موحدو أمته، والذي استأثر الله به موحدو غيرها كما حرره المحقق أبو زرعة (حم عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) قال: غزونا مع النبي * وعلى آله وسلم فعرس بنا فانتهيت ليلاً لمناخه فلم أجده فطلبته بارزاً فإذا رجل من أصحابي يطلب ما أطلب فطلع علينا، فقلنا: أنت بأرض حرب فلو إذ بدت لك حاجة فقلت لبعض صحبك فقام معك. فقال: سمعت هزيزاً كهزيز الوحي، وحنيناً كحنين النحل، وأتاني آت إلى آخره فكان ينبغي للمؤلف ذكره بتمامه في حرف السين. قال الهيتمي: رجال أحمد ثقات (ت حب عن) أبي حماد (عوف) بفتح فسكون (ابن مالك) بن عوف الغطفاني (الأشجعي) نسبة إلى أشجع قبيلة مشهورة صحابي كانت معه رؤية أشجع يوم الفتح نزل حمص وبقي إلى أول خلافة عبد الملك. ٩١٠٠٠ - (أتاني آت من عند ربي عز وجل فقال من صلى عليك من أمتك) الإضافة للتشريف. قال الخراني: الصلاة الإقبال بالكلية على أمر فيكون من الأعلى عطفاً شاملاً ومن الأدنى وفاء بانحاء التذلّل والإقبال بالكلية على التلقي. (صلاة) أي طلب لك من الله دوام التشريف ومزيد التعظيم ونكرها ليفيد حصولها بأي لفظ كان، لكن الأفضل ما في الصحيح قولوا: اللهم صل على محمد وقال: من صلى دون من ترحم إيذاناً بأنه لا يدعى له بالرحمة كما في الاستذكار وإن كانت بمعنى الصلاة عند كثيرين لأنه خص بلفظها تعظيماً فلا ينبغي إطلاقها عليه إلّ تبعاً للصلاة أو السلام كما في التشهد (كتب الله) قدر أو أوجب أو في اللوح أو في جبينه أو في صحيفته، وعلى ما عدا الأولين فإضافة الكتابة للذات المتعالية للتشريف إذ الكاتب الملائكة (له بها عشر حسنات) أي ثوابها مضاعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لأن الصلاة ليست حسنة واحدة بل حسنات إذ بها تجديد الإيمان بالله أولاً ، ثم بالرسالة، ثم بتعظيمه، ثم العناية بطلب الكرامة له، ثم بتجديد الإيمان باليوم الآخر، ثم بذكر الله، ثم بتعظيمه بنسبتهم إليه، ثم بإظهار المودة، ثم بالابتهال والتضرع في الدعاء، ثم بالاعتراف بأن الأمر كله لله وأن النبي وير مع جلالة قدره مفتقر إلى رحمة ربه فهذه عشر حسنات، قال الراغب: ٠٠ :٠٠ ١٣٧ حرف الهمزة ٩٢ - (أَتَانِي مَلَكٌ بِرِسَالَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ رَفَعَ رِجْلَهُ فَوَضَعَهَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَالأُخْرَىْ فِي الأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهَا)). (طس) عن أبي هريرة. والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمة ينالها الإنسان في نفسه وبدنه ومتعلقاته سميت به لحسنها والسيئة تضادها، وهما من الألفاظ المشتركة كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة. قال الحراني: والعشرة بعدها الآحاد في أوله، وقال القاضي: أوّل عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد (ومحا) أزال يقال محوته محواً ومحيته محياً أزلته وذلك بأن يمحوها من صحف الحفظة وأفكارهم (عنه عشر سيئات) جمع سيئة، أي قبيحة سميت به لسوئها لصاحبها والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ ذكره القاضي (ورفع له) في الجنّة (عشر درجات) رتباً عالية فيها والدرجات الطبقات من المراتب. قال الزمخشري: من المجاز لفلان درجة رفيعة (ورد عليه مثلها) أي رحمه وضاعف أجره نقله النووي عن عياض. ثم قال: وقد تكون الصلاة على وجهها وظاهرها كلاماً تسمعه الملائكة تشريفاً. وقال ابن القيم: ليست الصلاة مرادفة للرحمة لعطفها عليها ولأن صلاته خاصة بخواصه ورحمته وسعت كل شيء، نعم الرحمة من لوازمها فمن فسرها بها فقد فسرها ببعض لوازمها وما ذكر في هذا الخبر يدل عليه إذ صلاة العبد على النبي وَيقر ليست هي رحمة من العبد لتكون صلاة الله عليه من جنسها بل ثناء عليه والجزاء من جنس العمل فمن أثنى على رسوله جازاه بمثل عمله بأنه يثني عليه فصح ارتباط الجزاء بالعمل ومشاكلته له فيا لها من بشارة ما أسناها. وظاهره حصول الثواب الموعود وإن لم تقرن الصلاة بسلامه فيشكل على نقل النووي كراهة الإفراد وحصوله مع قرب المصلى عليه وبعده وأنه لا مزية للصلاة عند قبره عليها من بعد، لكن ذهب بعضهم إلى أنها عند قبره أفضل (حم) وابن أبي شيبة (عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري. قال: دخلت على النبي ◌َّ﴿ وأسارير وجهه تبرق فقلت ما رأيتك بأطيب نفساً ولا أظهر بشراً من يومك. قال: وما لي لا تطيب نفسي ويظهر بُشري ثم ذكره، رمز المصنف لصحته. ٩٢ - (أتاني ملك برسالة) أي بشيء مرسل به (من الله) وفي رواية من ربي (عز وجل) يقال حملته رسالة إذا أرسلته للمرسل إليه بكلام وراسله في كذا وبينهما مكاتبات ومراسلات وتراسلوا وأرسلته برسالة وأرسلت إليه أن افعل كذا ذكره الزمخشري. والمراد هنا الوحي ولعله مما لم يؤمر بتبليغه وقد جاءه بالوحي جبريل وغيره لكن جبريل أكثر (ثم رفع رجله) بكسر فسكون العضو المخصوص بأكثر الحيوانات ويفهم منه أنه أتاه في صورة إنسان. والرفع الاعتلاء ذكره الراغب (فوضعها فوق السماء) وفي رواية السماء الدنيا (والأخرى في الأرض) قال الراغب: الأرض الحرم المقابل للسماء ويعبر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلاه (لم يرفعها) تأكيد وتحقيق لما قبله ودفع لتوهم إرادة التجوز لبعده عن الإفهام واستعظامه بين الأنام، والقصد بذلك بيان عظم خطوته المستلزم لعظم جثته وأن مسافة خطوته كما بين السماء والأرض؛ والملائكة عند عامة المتكلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة وعند الحكماء جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة وهم قسمان؛ قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الشغل بغيره، وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما ١٣٨ حرف الهمزة ٩٣ - ((أَثَانِي مَلَكٌ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَهَا، فَبَشَّرَنِي أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَا شَبَابٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)). ابن عساكر عن حذيفة (صح). سبق به القضاء وجرى به القدر لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما مر وقد جاء في عظم الملائكة ما هو فوق ذلك فقد ورد: إن لله ملكاً يملأ ثلث الكون وملكاً يملأ ثلثيه وملكاً يملأ الكون كله لا يقال إذا كان يملأ الكون كله فأين يكون الآخران لأنّا نقول الأنوار لا تتزاحم ألا ترى أنه لو وضع سراج في بيت ملأه نوراً فلو أتينا بعده بألف سراج وسع البيت أنوارها ذكره العارف ابن عطاء الله عن شيخه المرسي وقد قصر نظر من عزاه لجامع هذا الجامع (تنبيه) ما ذكره من أن سياق الحديث هكذا هو ما في نسخ الكتاب لكن لفظ الكبير أتاني ملك لم ينزل إلى الأرض قبلها قط برسالة من ربي فوضع رجله فوق السماء الدنيا ورجله الأخرى ثابتة في الأرض لم يرفعها انتهى بنصه والمخرج والصحابي متحد (طس) وكذا أبو الشيخ في العظمة (عن أبي هريرة) رمز المصنف لضعفه وهو تقصير بل حقه الرمز لحسنه فإنه وإن كان فيه صدقة بن عبد الله الدمشقي وضعفه جمع لكن وثقه ابن معين ودحیم وغيرهما وهو أرفع من کثیر من أحاديث رمز لحسنها . ٩٣ - (أتاني ملك فسلم عليّ) فيه أن السلام متعارف بين الملائكة (نزل من السماء) من النزول وهو الإهواء من علو إلى سفل (لم ينزل قبلها) صريح في أنه غير جبريل ولا يعارضه رواية المستدرك أتاني جبريل لإمكان تعدد المجيء للبشارة فمرة جبريل وأخرى غيره (فبشرني أن) أي بأن (الحسن والحسين) لم يسم بهما أحد قبلهما ففي طبقات ابن سعد عن عمران بن سليمان أنهما اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية لكن في الكشاف ما يخالفه (سيدا شباب أهل الجنّة) أي من مات شاباً في سبيل الله من أهل الجنَّة ولم يرد سن الشباب حقيقة لموتهما وقد اكتهلا وهذا مخصوص بغير عيسى ويحيى لاستثنائهما في حديث الحاكم بقوله إلّ ابني الخالة وقيل أراد أن لهما السؤدد على أهل الجنة وعليه فيخص بغير الأنبياء والخلفاء الأربعة (وأن فاطمة) بأمهما (سيدة نساء أهل الجنة) قال المصنف: فيه دلالة على فضلها على مريم سيّما إن قلنا بالأصح أنها غير نبيّة وكانت فاطمة من فضلاء الصحابة وبلغاء الشعراء وكانت أحب أولاده إليه وإذا قدمت عليه قام إليها وقبلها في فمها، زاد أبو داود بسند ضعيف ويمص لسانها. وفضائلها وفضائل ابنيها جمة ومحبة النبي وهو لهم وثناؤه عليهم ونشره الغرر مآثرهم وباهر مناقبهم ومفاخرهم من الشهرة بالمحل الأرفع وقد بسط ذلك خلق في عدة مؤلفات مفردة (ابن عساكر) في تاريخه (عن حذيفة) بضم المهملة مصغراً ابن اليمان بفتح التحتية والميم واسم اليمان حسل بكسر الحاء المهملة الأولى وسكون الثانية ويقال حسيل بن جابر العبسي بموحدة تحتية ثم الأشهلي حليفهم صاحب السر منعه وأباه شهود بدر استخلاف المشركين لهم ورواه عنه أيضاً النسائي خلافاً لما أوهمه صنيع المؤلف من أنه لم يخرجه أحد من الستة ورواه بمعناه الحاكم وقال صحيح وأقرّه الذهبي. ١٣٩ حرف الهمزة ٩٤ - (أَتَّبِعُوا الْعُلَمَاءَ فَإِنَّهُمْ سُرُجُ الدُّنْيَا وَمَصَابِيحُ الْآخِرَةِ)). (فر) عن أنس (ض). ٩٤ - (اتبعوا) بتقديم المثناة الفوقية أمر بالاتباع (العلماء) العاملين يعني اهتدوا بهديهم واقتدوا بقولهم وفعلهم وما ذكر من أن الرواية اتبعوا مهملة هو ما وقفت عليه في أصول قديمة من الفردوس مصححة بخط الحافظ ابن حجر ورأيت في نسخ من هذا الكتاب ابتغوا بالغين المعجمة وهو تصحيف من النساخ (فإنهم سرج الدنيا) بضمتين جمع سراج أي يستضاء بهم من ظلمات الجهل كما ينجلي ظلام الليل بالسراج المنير يهتدى به فيه فمن اقتدى بهم اهتدى بنورهم. قال الزمخشري: من المجاز سرج الله وجهه حسنه وبهجه ووجه مسرج والشمس سراج النهار والهدى سراج المؤمنين ومحمد رسول الله ما دو السراج الوهاج انتهى. وشبه العالم بالسراج لأنه تقتبس منه الأنوار بسهولة وتبقى فروعه بعده وكذا العالم ولأن البيت إذا كان فيه سراج لم يتجاسر اللص على دخوله مخافة أن يفتضح، وكذا العلماء إذا كانوا بين الناس اهتدوا بهم إلى طلب الحق والسنة وإزاحة ظلم الجهل والبدعة ولأنه إذا كان في البيت سراج موضوع في كوة مسدودة بزجاجة أضاء داخل البيت وخارجه. وكذا سراج العلم يضيء في القلب وخارج القلب حتى يشرق نوره على الأذنين والعينين واللسان فتظهر فنون الطاعات من هذه الأعضاء، ولأن البيت الذي فيه سراج صاحبه مستأنس مسرور فإذا طفىء استوحش، فكذا العلماء ما داموا في الناس فهم مستأنسون مسرورون فإذا ماتوا صار الناس في غم وحزن (فإن قلت) ما الحكمة في التشبيه بخصوص السراج، وما المناسبة التامة بينهما؟ (قلت): المصباح تضره الرياح والعلم يضره الوسواس والشبهات، والسراج لا يبقى بغير دهن، فالعبد إذا طلب إيقاد سراج العلم لا بد له من قدح زناد الفكر، قال الله تعالى: ﴿والذي جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وحجر التضرع قال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعاً﴾ [الأعراف: ٥٥] وإحراق النفس يمنعها من شهواتها، قال تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ [النازعات: ٤٠] وكبريت الإنابة، قال الله عز وجل: ﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ [الزمر: ٥٤] ومسرجة الصبر ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣ والأنفال: ٤٦]وفتيلة الشكر، قال تعالى: ﴿اشكروا الله﴾ [البقرة: ١٧٢] ودهن الرضا بالقضاء المشار إليه بقوله (واصبر لحكم ربك﴾ [الطور: ٤٨] (فإن قلت): لم لم يشبههم بالقمرين والنجوم مع أنها أرفع وأنور في المشارق والمغارب؟ (قلت) آثره عليها لأنها يحجبها الغمام ونور العلم لا يحجبه سبع سموات، والشمس تغيب ليلاً والقمر يخفى نهاراً، والعلم لا يغيب ليلاً ولا نهاراً بل هو هو وهو في الليل آكد ﴿إن ناشئة الليل هي أشدّ وطئاً وأقوم قيلاً﴾ [المزمل: ٦] والقمران يفنيان والعلم لا يفنى، والقمران ينكسفان والعلم لا ينكسف، والقمران تارة يضران وتارة ينفعان والعلم ينفع ولا يضر بشرطه، والقمران في السماء زينة لأهل الأرض والعلم في الأرض زينة لأهل السماء، وهما في الفوق ويضيئان ما تحت والعلم في قلب المؤمن وهو في التحت ويضيء ما فوقه وتحته وبهما ينكشف وجود الخالق وبالعلم ينكشف وجود الخالق، وضوؤهما يقع على الولي والعدوّ والعلم ليس إلّ للولي، وشعاع الكواكب علامة والعلم كرامة، والكواكب موضع نظر المخلوقين والعلم موضع نظر رب العالمين ((إن الله ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))، الكواكب نفعها في الدنيا والعلم نفعه في الدنيا ١٫٠٠٠٠ ١٤٠ حرف الهمزة ٩٥ - (أَتَكُمُ الْمَنِيَّهُ رَاِبَةً لاَزِمَةً، إِمَّ بِشَقَاوَةٍ، وَإِمَّا بِسَعَادَةٍ)). ابن أبي الدنيا في ذكر عن زيد السلمي مرسلاً (ض). والآخرة، والشمس تسوّد الأشياء والعلم يبيضها، والشمس تحرق والعلم ينجي من الحرق، والقمر يبلي الثياب والعلم يجدد المعارف لأولي الألباب (ومصابيح الآخرة) جمع مصباح وهو السراج فمغايرة التعبير مع اتحاد المعنى للتفنن، وقد يدعى أن المصباح أعظم فإن من السرج ما يضعف ضوؤه إذا قل سليطه ودقت فتيلته، ومن كلامهم ثلاثة تضني: رسول بطيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر لها من يجيء وهذا على طريق المجاز. قال الزمخشري: من المجاز رأيت المصابيح تزهو في وجهه وإنما كانوا كالمصابيح في الآخرة لأن الناس يحتاجون إلى العلماء في الموقف للشفاعة بل وبعد الدخول كما يجيء في خبر فينتفع بهم فيها كما ينتفع بالمصابيح. ولذا يقال إن ذات العالم تكسى نوراً يضيء كالمصباح حقيقة. ألا ترى أن هذه الأمة تدعى غراً محجلين من آثار الوضوء فالعلم يتميز على آحاد المؤمنين بأن تصير جثته كلها مضيئة وأشار بالترغيب في اتباع العلماء إلى الترهيب من مصادقة الجهلاء وفيه دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله وأن نعمة العلم من أفخر النعم وأجزل القسم وأن من أوتيه فقد أوتي خيراً كثيراً إن صحبه عمل وإلّ فقد ضلّ سعي صاحبه وبطل (فر عن أنس) بن مالك وفيه القاسم بن إبراهيم الملطي، قال الذهبي: قال الدارقطني: كذاب وأقرّه ابن حجر وجزم المؤلف في زيادات الموضوعات بوضعه فإيراده له هنا إخلال بشرطه . ٩٥ - (أتتكم المنيّة) جاءكم الموت قال في الصحاح المنيّة الموت من مني له أي قدّر لأنها مقدرة وفي المفردات الأجل المقدر للحيوان (راتبة) أي حال كونها ثابتة مستقرة (لازمة) أي لا تفارق أي ثابتة في الأزل وإذا وقعت لا تنفك، ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ [نوح: ٤] (إمّا) بكسر فتشديد مركبة من إن وما (بشقاوة) أي مصاحبة لسوء عاقبة (وإما بسعادة) ضد الشقاوة أي كأنكم بالموت وقد حضر كم والميت لا محالة صائر إمّا إلى النار وإمّا إلى الجنّة فالزموا العمل الصالح، وذلك أن الإنسان إذا بلغ حد التكليف تعلقت به الأحكام وجرت عليه الأقلام وحكم له بالكفر أو الإسلام وأخذ في التأهب لمنازل السعداء أو الأشقياء فتطوى له مراحل الأيام بجد واجتهاد واهتمام إلى الدار التي كتب من أهلها، فإذا أتته المنيّة أشرف منها على المسكن الذي أعدّ له قبل إيجاده إما وإما فهناك يضع عصا السفر عن عاتقه وتستقر قواه وتصير دار العدل مأواه أو دار السعادة مثواه. وبهذا التقرير انكشف لك أن الحديث من جوامع الكلم (ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في) كتاب (ذكر الموت) أي فيما جاء به (هب عن زيد) بن عطية (السلمي) الخثعمي (مرسلاً) قال: كان النبي وَ﴿ إذا آنس من أصحابه غفلة أو غرة نادی فیھم بصوت رفیع أتتکم المنیة إلى آخره وقد رمز المصنف لضعفه وهو کما قال: إلا أن في مرسل آخر ما يقويه ويرقيه إلى درجة الحسن وهو ما رواه البيهقي عن الوضين بن عطاء كان رسول الله ول# إذا أحس من الناس بغفلة عن الموت جاء فأخذ بعضادتي الباب وهتف ثلاثاً. وقال: يا أيها الناس يا أهل الإسلام أتتكم المنيّة راتبة لازمة جاء الموت بما جاء به جاء بالروح والراحة والكرة المباركة لأولياء الرحمن من أهل دار الخلود الذين كان سعيهم ورغبتهم فيها لها ألا إن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت سابق ومسبوق انتھی.