النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ حرف الهمزة ٤٩ - (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). (خ هـ) عن أبي سعيد (حم ك) عن صفوان بن مخرمة (ن) عن أبي موسى (طب) عن ابن مسعود (عد) عن جابر (هـ) عن المغيرة بن شعبة . قبل؟ وأحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل؟ فقال خذه من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ قال تعالى ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية فالصفا قبل، وقال: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ [الحج: ٢٦] الآية فالطواف قبل وقال: ((لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فالذبح قبل». انتهى. وما ذكره في غير الصفا محمول على الأكمل لأن المصطفى بَير ما سئل يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلّ قال: افعل ولا حرج (قط) من عدة طرق (عن) أبي عبد الله (جابر) بن عبد الله الخزرجي المدني ورواه عنه أيضاً النسائي بإسناد صحيح باللفظ المزبور في حديث طويل وكذا البيهقي وصححه ابن حزم فاقتفاه المؤلف فرمز لتصحيحه ورواه مسلم بلفظ: ((ابدأ)» بصيغة المضارع للمتكلم وأحمد ومالك وابن الجارود وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والنسائي أيضاً بلفظ: ((نبدأ)) بالنون. وقال ابن دقيق العيد مخرج الحديث عندهم واحد وقد أجمع مالك وسفيان والقطان على رواية: ((نبدأ)) بنون الجمع. قال ابن حجر: وهو أحفظ من الباقين وهو يؤيد ضبط مسلم. ٤٩ - (أبردوا) بقطع الهمزة وكسر الراء (بالظهر) وفي رواية للبخاري: ((بالصلاة)) أي بصلاة الظهر كما بينته هذه الرواية أي ادخلوها في البرد بأن تؤخروها ندباً على أوّل وقتها إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه قاصد الجماعة من محل بعيد بشرط عدم وجود ظل يمشي فيه وأن لا يجاوز به نصف الوقت وأن يكون بقطر حار كما يشير إليه قوله (فإن شدة الحر) أي قوته (من) بعض أو ابتداء (فيح) بفتح الفاء وسكون المثناة تحت (جهنم) أي هيجانها وغليانها وانتشار لهبها، فعلم أن من تبعيضية أو ابتدائية وقال بعضهم جنسية بناء على ما قيل من أن كون شدة الحر من فيح جهنم تشبيه لا حقيقة وحكمته دفع المشقة لسلب الخشوع أو كماله كما في من حضره طعام يتوق إليه أو يدافعه الخيث والأخبار الآمرة بالتعجيل عامة أو مطلقة والأمر بالإيراد خاص فهو مقدم وزعم أن التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل مُنِعَ بأن الأفضلية لا تنحصر في الأشق فقد يكون غير الشاق أفضل كالقصر في الصلاة، وأما خبر مسلم عن خباب بن الأرت ((شكونا، إلى رسول الله وَ لفي حر الرمضاء فلم يشكنا)) أي لم يزل شكوانا فمنسوخ بالنسبة إلى الإبراد أو محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً على قدر الإبراد وظاهر الخبر وجوب الإبراد لكن لما قام الإجماع على عدمه حمل على الندب وإنمّا لم نؤمر بالتأخير لشدة البرد مع أنه أيضاً من جهنم لأنه إنَمّا يكون وقت الصبح ولا يزول إلا بطلوع الشمس فيخرج الوقت وخرج بالظهر غيرها حتى الجمعة للأمر بالتبكير إليها وإيراد النبي بها لبيان الجواز والأذان وأمره بالإبراد به حمل على الإقامة بدليل التصريح بها في رواية الترمذي، وجهنم اسم لنار الآخرة عربي لا معرب من الجهامة وهي كراهة المنظر غير منصرف للتعريف والتأنيث (خ ٥) وكذا أحمد (عن أبي سعيد) الخدري (حم ك) وقال صحيح وكذا الطبراني وابن قانع والضياء (عن صفوان بن مخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء والميم الزهري وهو أخو المسور (ن عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن ١٠٢ حرف الهمزة ٥٠ - ((أَبْرِدُوا بِالطَّعَامِ فَإِنَّ الْحَارَّ لاَ بَرَكَةَ فِيهِ)). (فر) عن ابن عمر (ك) عن جابر، وعن أسماء، مسدد عن أبي يحيى (طس) عن أبي هريرة (حل) عن أنس. ٥١ - ((أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَه إِلَّ اللَّهُ صَادِقاً بِهَا دَخَلَ قيس أمير زبيد وعدن للنبي وَّاه وأمير البصرة والكوفة لعمر. قال الواقدي: كان حليفاً لسعيد بن العاص وأسلم بمكة وهاجر الحبشة (طب عن) أبي عبد الرحمن (بن مسعود) عبد الله (عد عن جابر) بن عبد الله (٥) وكذا البيهقي والطبراني (عن المغيرة) بضم الميم على المشهور وتكسر (ابن شعبة) أحد دهاة العرب، أسلم عام الخندق ومات سنة خمسين وأحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة وقيل ألفاً. قال المؤلف: حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابياً. ٥٠ - (أبردوا) ندباً (بالطعام) أي أخروا أكله إلى أن يبرد فتناولوه بارداً يقال أبرد إذا دخل في البرد وأظهر إذا دخل في الظهيرة وباؤه للتعدية أو زائدة ثم علل الأمر بالتأخير بقوله (فإن الحار لا بركة فيه) أي الطعام الحار أو مطلقاً فيفيد الأمر بالإبراد بالشراب في الشرب وفي الطهارة وفي رواية بدله ((فإن الطعام الحار غير ذي بركة)) وفي رواية: ((فإنه أعظم للبركة)) والمراد هنا نفي ثبوت الخير الإلهي فيكره استعمال الحار لخلوه عن البركة ومخالفته للسنة بل إن غلب على ظنه ضرره حرم (فر عن ابن عمر) بن الخطاب وفيه إسحاق بن كعب. قال الذهبي: ضعف عن عبد الصمد بن سليمان قال الدار قطني: متروك عن قزعة بن سويد. قال أحمد: مضطرب الحديث وأبو حاتم لا يحتج به عن عبد الله بن دينار غير قوي (ك عن جابر) بن عبد الله لكن بلفظ: ((فإن الطعام الحار غير ذي بركة)) (وعن أسماء) بفتح الهمزة وبالمد بنت الصديق أخت عائشة وأم أمير المؤمنين ابن الزبير من المهاجرات، عمرت نحو مائة وعاشت بعد صلب ابنها عشر ليال (مسدد) في مسنده المشهور وهو ابن مسرهد الأسدي البصري الحافظ من شيوخ البخاري (عن أبي يحيى) جد أبي هريرة الكوفي واسمه شيبان صحابي له هذا الحديث الواحد (طس عن أبي هريرة). قال الهيتمي: وفيه عبد الله بن يزيد البكري ضعفه أبو حاتم (حل عن أنس) قال: أتى النبي ◌َّله بقصعة تفور فرفع يده منها وقال: إن الله لم يطعمنا ناراً ثم ذكره. ٥١ - (أبشروا) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (وبشروا) أي أخبركم بما يسركم وأخبروا (من وراءكم) بفتح الميم في رواية وكسرها في أخرى يعني أخبروا من قدامكم ممن سيوجد في المستقبل أو يقدم عليكم في الآتي، كذا قرره شارحون، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه لا يلائم قوله الآتي: ((فخرجنا من عنده نبشر)) والمناسب له أخبروا من لقيتموه ووراء كلمة تكون خلفاً وتكون قداماً وأكثر ما تكون في المواقيت من الأيام والليالي لأن الوقت يأتي بعد مضي الإنسان فيكون وراءه وإن أدركه ·الإنسان كان قدامه ويجوز أن يكون المعنى أخبروا من سواكم فإن وراء أيضاً تأتي بمعنى سوى كقوله تعالى: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك﴾ [المؤمنون: ٧ والمعارج: ٣١] أي سواه والمراد أخبروهم بما يسرهم وهو (أنه) أي بأنه (من شهد أن) أي أنه (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) الواجب الوجود ١٠٣ حرف الهمزة الْجَنَّةَ)). (حم طب) عن أبي موسى (صح). ٥٢ - ((أَبْعَدُ النَّاس مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَاصُّ الَّذِي يُخَالِفُ إِلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ بِهِ)). (فر) عن أبي هريرة (ض). لذاته (صادقاً) نصب علی الحال (بها) أي بالشهادة أي مخلصاً في إتیانه بها بأن یصدق قلبه لسانه (دخل الجنة) إن مات على ذلك ولو بعد دخوله النار فمآله إلى الجنّة ولا بد، فالميت فاسقاً تحت المشيئة إن شاء عذبه كما يريد ثم مصيره إلى أن يعفي عنه فيخرج من النار وقد اسود فينغمس في نهر الحياة ثم يعود له أمر عظيم من الحال والنضارة ثم يدخل الجنّة ويعطى ما أعدّ له بسابق إيمانه وما قدمه من العمل الصالح وإن شاء عفا عنه ابتداء فسامحه وأرضى عنه خصماءه ثم يدخله الجنة مع الناجين. وقول الخوارج: مرتكب الكبيرة كافر وقول المعتزلة مخلد في النار حتماً ولا يجوز العفو عنه كما لا يجوز عقاب المطيع - من تقولهم وافترائهم على الله، تعالى الله عما يقول الظالمون. والبشارة الخبر السارّ الذي يظهر بأوله أثر السرور على البشرة ذكره القاضي. وقال الراغب: الخبر بما يسر فتنبسط بشرة الوجه وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجر. والصدق: الاخبار المطابق وقيل مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة واقتصر على أحد الركنين لأنهم كانوا عبدة أوثان فقصد به نفي ألوهية ما سواه تعالى مع اشتهاره عندهم بأنه رسول الله واستبانته منهم الإيمان بشهادة قدوم كبرائهم عليه مؤمنين (حم طب عن أبي موسى) الأشعري قال: ((أتيت النبي ◌َّه ومعي نفر من قومي فقال أبشروا)) إلى آخره: ((فخرجنا من عنده نبشر الناس فاستقبلنا عمر فرجع بنا إلى المصطفى وَ يهر فقال: يا رسول الله إذن يتكلوا فسكت)» قال الهيتمي رجاله ثقات وله طرق كثيرة انتهى. ولذلك رمز المؤلف لصحته هنا وقال في الأصل صحيح. ٥٢ - (أبعد الناس من الله) أي من كرامته ومزيد رحمته من البعد. قال الحراني: وهو انقطاع الوصلة في حس أو معنى (يوم القيامة القاص) بالتشديد أي الذي يأتي بالقصة من قص أثره اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً كما يقال تلا القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ آية بعد آية كذا في الكشاف. وقال الحراني: القص تتبع أثر الوقائع والأخبار يبينها شيئاً بعد شيء على ترتيبها في معنى قص الأثر وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي أثر (الذي يخالف إلى غير ما أمر به) ببناء أمر للفاعل أي الذي يخالف قوله فعله ويعدل إلى غير ما أمر به الناس من التقوى والاستقامة ويمكن بناؤه للمفعول والفاعل الله أي الذي يخالف ما أمر الله به من مطابقة فعله لقوله وذلك لجرأته على الله بتكذيب فعله لقوله كبني إسرائيل لما قصوا أهلكوا أي تكلموا على القول وتركوا العمل فأهلكوا والمراد هنا من يعلم الناس العلم ولا يعمل به ومن خصه بالواعظ فقد وهم ومن هو كذلك لا ينتفع بعلمه غالباً ولا بوعظه، إذ مثل المرشد من المسترشد كمثل العود من الظل فمتى يستوي الظل والعود أعوج؟ لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ ١٠٤ حرف الهمزة ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤]، ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣١] أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم: عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. وقال مالك بن دينار: إذا لم يعمل العالم بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل القطر من الصفا: إِذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أَمُوراً أَنْتَ تَأْتِيها يَا وَاعظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُنَّهَماً وقال عمر لمن سأله عن القص: ((اخش أن تقص فترتفع في نفسك ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة)) رواه أحمد بسند رجاله موثقون. فحق الواعظ أن يتعظ بما يعظ ويبصر ثم يبصر ويهتدي ثم يهدي ولا يكون دفتراً يفيد ولا يستفيد ومسناً يشحذ ولا يقطع بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده وكالنار التي تحمّي الحديد ولها من الحمي أكثر ويجب أن لا يجرح مقاله بفعله ولا يكذب لسانه بحاله فيكون ممن وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ [البقرة: ٢٠٤] الآية: فالواعظ ما لم يكن مع مقاله فعال لم ينتفع به إذ عمله مدرك بالبصر وعلمه مدرك بالبصيرة وأكثر الناس أهل أبصار لا بصائر فيجب كون عنايته بإظهار ما يدركه جماعتهم أكثر ومنزلة الواعظ من الموعوظ كالمداوي من المداوى فكما أن الطبيب إذا قال للناس لا تأكلوا كذا فإنه سم ثم رأوه يأكله عد سخرية وهزءاً، كذا الواعظ إذا أمر بما لم يعمله، ومن ثم قيل يا طبيب طبب نفسك فالواعظ من الموعوظ يجري مجرى الطابع من المطبوع فكما يستحيل انطباع الطين من الطابع بما ليس منتقشاً فيه فمحال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس في نفس الواعظ. وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل. قال ابن قتيبة والحديث ورد سداً لباب - الفساد من الزنادقة احتيالاً على الطعن في الدين فإن القاص يروي مناكير وغرائب يميل بها وجوه الناس إليه وشأن العامة القعود عند من كان حديثه عجيباً انتهى. وبذلك عرف أن القص منه ما هو مذموم وهو ما اشتمل على محذور مما ذكر وما هو محمود وهو التذكير بآلاء الله وآياته وأفعاله مع العمل بقضية ذلك قال الغزالي أخرج علي رضي الله تعالى عنه القصاص من مسجد البصرة إلا الحسن لكونه سمعه يتكلم بالتذكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات الإهمال وخواطر الشيطان ويذكر بآلاء الله ونعمائه وتقصير العيد في شكره ويعرف بحقارة الدنيا وعيوبها وتصرمها وخطر الآخرة وأهوالها فهذا القصّ محمود إجماعاً وهذا القاص محله عند الله عظيم. روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظاً زاهداً فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأوّل ما قال لي منكر ونكير من ربك قلت لهما أما تستحيان من شيخ دعى إلى الله كذا وكذا سنة !! قالوا وأوّل من قص تميم الداري في زمن عمر بإذنه وهذه الأولية بالنسبة إلى الأمّة المحمدية. روى أن موسى قص في بني إسرائيل فمزق بعضهم ثوبه فأوحى الله إليه قل! مزق قلبك ولا تمزق ثوبك وإنما قال في الحديث ((أبعد الناس)). ولم يقل الخلق لظهور معنى النوس على أفعاله لاضطرابه في مخالفة قوله فعله والنوس حركة الشيء الخفيف المعلق في ١٠٥ حرف الهمزة ٥٣ - ((أَبْغَضُ الْحَلَاَلِ إِلَى اللَّهِ الطَّلاَقُ». («هـ ك) عن ابن عمر (صح). ٥٤ - ((أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ آمَنَ، ثُمَّ كَفَرَ)). تمام عن معاذ. الهواء (تنبيه) أخذ جمع من هذا الحديث وما في معناه أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والجمهور على أنه له بل عليه ذلك لأنه مأمور بأمرين ترك المعصية والمنع للغير من فعلها والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر ولذلك أدلة من الكتاب والسنة (فر عن أبي هريرة) رمز المؤلف لضعفه وسببه أن فيه عمرو بن بكر السكسكي أورده الذهبي في الضعفاء وقال ابن عدي له مناکیر واتهمه ابن حبان بالوضع. ٥٣ - (أبغض) أفعل تفضيل بمعنى المفعول من البغض وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر (الحلال) أي الشيء الجائز الفعل (إلى الله الطلاق) من حيث إنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قید العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة لا من حيث حقيقته في نفسه فإنه ليس بحرام ولا مكروه أصالة وإنمّا يحرم أو يكره لعارض، وقد صح أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آلى وطلق وهو لا يفعل مكروهاً، ذكره في المطامح وغيرها. وهذا كما ترى أولّ من تنزيل الذهبي تبعاً للبيهقي البغض على إيقاعه في كل وقت من غير رعاية لوقته المسنون واستظهر عليه بخبر: ((ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك)) وخبر ((لم يقول أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك؟ ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في طهرها)). وقال الطيبي: فيه أن بغض بعض الحلال مشروع وهو عند الله مبغوض كصلاة الفرد في البيت بلا عذر والصلاة في مغصوب. وقال العراقي: فيه أن بغض الله للشيء لا يدل على تحريمه لكونه وصفه بالحل على إثبات بغضه له، فدل على جواز اجتماع الأمرين بغضه تعالى للشيء وكونه حلالاً وأنه لا تنافي بينهما وأحب الأشياء إلى الشيطان التفريق بين الزوجين كما يأتي في خبر، والمراد بالبغض هنا غايته لا مبدؤه فإنه من صفات المخلوقين والبارىء منزه عنها والقانون في أمثاله أن جميع الأعراض النفسانية کغضب ورحمة وفرح وسرور وحياء وتكبر واستهزاء لها أوائل ونهايات وهي في حقه تعالى محمولة على الغايات لا على المبادىء التي هي من خواص الأجسام فليكن على ذكر منك أي استحضار له بقلبك فإنه ينفع فيما سيلقاك كثيراً (د.ك) في كتاب الطلاق وكذا الطبراني وابن عدي (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب ورواه البيهقي مرسلاً بدون ابن عمر وقال الفضل غير محفوظ. قال ابن حجر: ورجح أبو حاتم والدار قطني المرسل وأورده ابن الجوزي في العلل بسند أبي داود وابن ماجه وضعفه بعبد الله الرصافي. وقال: قال يحيي ليس بشيء والنسائي متروك الحديث وبه عرف أن رمز المؤلف لصحته غير صواب. ٥٤ - (أبغض الخلق) أي الخلائق يقال هم خليقة الله وهم خلق الله. قال الزمخشري: ومن المجاز خلق الله الخلق أوجده على تقدير أوجبته الحكمة وهو رب الخليقة والخلائق (إلى الله من) أي مكلف ولفظ رواية تمام لمن باللام (آمن) أي صدق وأذعن وانقاد لأحكامه (ثم کفر) أي ارتد خصه من بین أصناف الكفار بهذه المبالغة والتشديد وأبرز ذمه في هذا النظم العجيب حيث أبهمه غاية الإبهام نعياً ١٠٦ حرف الهمزة ٥٥ - ((أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ)). (ق حم ت ن) عن عائشة (صح). عليه وتعجیباً من شأنه حیث فعل ما فعل یعني انظروا إلى هذا الخبيث اللعين وقبيح ما ارتكبه حیث فعل ما لم يرض العاقل أن ينسب إليه وهو أن اشترى الضلالة بالهدى فهو جدير بكونه أبغض الكفرة إلى ربه وأمقتهم عنده لاستعداده للاهتداء وقبوله له ثم نكوصه على عقبيه. والقصد بذلك التوبيخ والتعبير فعسى أن يرتدع بالتشنيع عليه وتفظيع شأنه وتهجين سيرته وتقبيح سريرته ويظهر أن من قتل نبياً مثله أو أبغض وكذا من شهد المصطفى فيه بأنه أشقى الناس وعليه فالمراد أنه من أبغض (تمام) في فوائده من حديث أحمد البرقي عن عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله عن نصر بن علقمة عن ابن عائذ عن عمرو بن الأسود (عن معاذ) بضم الميم وفتح المهملة وبمعجمة (ابن جبل) ضد السهل ابن عمرو بن أوس الأنصاري من نجباء الصحابة. قال أنس: جمع معاذ القرآن في حياة الرسول وكان أمّة قانتاً. وقضية تصرف المؤلف أن هذا لم يخرجه أحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز والأمر بخلافه فقد خرجه الطبراني باللفظ المزبور من هذا الوجه. قال الهيتمي: وفيه صدقة بن عبد الله السمين وثقه أبو حاتم وضعفه أحمد وبقية رجاله ثقات وبه يتجه رمز المؤلف لحسنه. ٥٥ - (أبغض الرجال) المخاصمين وكذا الخنائي والنساء وإنمّا خص الرجال لأن اللدد فيهم أغلب ولأنّ غيرهم لهم تبع في جميع المواطن. ألا ترى إلى قول الزمخشري: اكتفى الله بذكر توبة آدم دون حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك (إلى الله الألد) بفتح الهمزة واللام وشد الدال أي الشديد الخصومة بالباطل الآخذ في كل لدد أي في كل شيء من المراء والجدال لفرط لجاجه كذا قرره الزمخشري. قال الزركشي: ومنه ﴿لتنذر به قوماً لدا﴾ [مريم: ٩٧] (الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة أي المولع بها الماهر فيها الحريص عليها المتمادي في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجهاً ليصرفه عن إرادته من القباحة إلى الملاحة ويزين بشقشقته الباطل بصورة الحق وعكسه بحيث صار ذلك عادته وديدنه فالأوّل ينبىء عن الشدة والثاني عن الكثرة؛ وسمي ألد لاستعماله لدديه أي جانبي فمه وعنقه، وذهب بعضهم إلى أن أل في: ((الرجال)) للجنس وفي: ((الألد)» للعهد والمراد به الخصم الذي خصامه ومجادلته مع الله، والذمّ وصف للمخاصم والصفة وهو كونه منشأ من موات وهو المني: ﴿أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ [يس: ٧٧] وقصة أبيّ بن خلف في قوله الأصيرن إلى محمد ولأخصمنه مشهورة وذلك لأن الخصومة في ذلك كفر والكافر أبغض الخلق إلى الله قال ولو جعلت أل فيه جنسية لاستلزم كون الألد المؤمن أبغض إلى الله من حيث جنس الرجال وفيهم الكافر ورجح ابن حجر ما تقرر أولاً من تنزيل الرجال على المخاصمين أو أن المراد الألد في الباطل المستحل له أو أن ذلك ورد على منهج الزجر لمن هذه صفته وتنبيهاً على قبح حاله وتفضيحه بتهجين عادته وتفظیع طريقته؛ فعسی أن ینجع فيه هذا التشنيع فیلین قلبه وتنقاد نفسه وتضمحل رذائله فیرجع عما هو عليه من الشرور فيحصل له السرور بدخوله في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [البقرة: ١٦٠ وآل عمران: ٨٩ والنساء: ١٤٦ والمائدة: ٣٤ والنور: ٥] (تتمة) قال الغزالي: إذا خاصمت فتوقر ١٠٧ حرف الهمزة ٥٦ - ((أَبْغَضُ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ مَنْ كَانَ ثَوْبَاهُ خَيْراً مِنْ عَمَلِهِ: أَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ ثِيَابَ الأَنْبِيَاءِ - وَعَمَلُهُ عَمَلَ الْجَبَّرِينَ)). (عق فر) عن عائشة (ض). ٥٧ - ((أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغِ فِي الْإِسْلاَمِ سُنَّةَ وتحفظ من جهلك وعجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا الالتفات إلى من وراءك ولكن احث على ركبتيك وإذا هدأ غضبك فتكلم وإن قربك الشيطان فكن منه على حذر. فهذه آداب المخاصمة (ق حم ت عن عائشة) رضي الله عنها ورواه أيضاً عنها أحمد. ٥٦ - (أبغض العباد) بكسر العين والتخفيف جمع عبد ويحتمل ضمها والتشديد جمع عابد ويشبه أنه أولى لما في إجزاء أفعل التفضيلى على حقيقته من العموم والصعوبة المحوجة إلى التأويل (إلى الله من) أي إنسان (كان ثوباه) أي إزراه ورداؤه وأصل الثوب رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها أو إلى حالته المقدرة المقصودة بالفكرة فمن الثاني الثوب سمي به لرجوع الغزل إلى الحالة التي قدر لها ذكره الراغب (خيراً من عمله) يعني من تزيا بزي الأبرار وعمله كعمل الفجار كما فسره بقوله (أن تكون ثيابه ثياب الأنبياء) أي كثيابهم الدالة على التنسك والتزهد (وعمله عمل الجبارين) أي كعملهم في البطش بالخلائق ونسيان نقمة الخالق وعدم التخلق بالرحمة والتهافت على جمع الحطام. والجبّار المتكبر المتمّرد العاني. وقال القاضي: فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره وهو من يجبر الناس على ما يريده. وقال الزمخشري: الجبار الذي يفعل ما يريد من ضرب وقتل فيظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن وقيل المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى انتهى. وذلك لأن أحب الخلق إلى الله تعالى الأنبياء والصديقون فأبغض الخلق إليه من يتشبه بهم وليس منهم فمن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مرائي كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب. وفيه أن من ظهر من جهال الطريق وبرز بالعدول عن التحقيق وتقشف تقشف أهل التجريد وتمزّق حتى أوقع عقول العامّة في الحرج الشديد فهو من الأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً (عق) وقال في الأصل إنه منكر واقرّه عليه (فر) كلاهما من حديث يحيى بن عثمان عن أبي صالح كاتب الليثي عن سليم بن عيسى عن النووي عن جعفر بن برقان عن ميمون (عن عائشة) ویحیی جرحه ابن حبان وكاتب الليث فيه مقال وسليم متروك مجهول وابن برقان لا يحتج به. ولهذا قال ابن الجوزي: موضوع وأقره عليه في الأصل. وقال العقيلي: منكر وفي الميزان خبر باطل. وبه علم أن عزو المؤلف الحديث للعقيلي وسكوته عما عقبه به من الرد غير صواب وممن جزم بوضعه ابن عراق والهندي. ٥٧ - (أبغض الناس إلى الله) أي أبغض عصاة المؤمنين إليه كما أفاده قول القاضي: المراد بالناس المقول عليهم جميع عصاة الأمّة وأن الكافر أبغض من هؤلاء المعدودين، وقول الطيبي: أراد بالناس المسلمين بدليل قوله ((ومبتغ في الإسلام)) (ثلاثة) أحدهم إنسان (ملحد) بالضم أي مائل عن الاستقامة (في) حق (الحرم) المكي بأن هتك حرمته بفعل محرم فيه من الإلحاد وهو الميل عن الصواب أو من اللحد وهو الحفرة المائلة عن الوسط ومصداقه ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ [الحج: ٢٥] ذكره القاضي. قال الزمخشري: ومن المجاز لحد السهم عن الهدف ولحد عن القصد عدل عنه وألحد في دين الله وألحد في ١٠٨ - حرف الهمزة الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٍ دَمَ أَمْرِىءٍ بِغَيْرِ حَقٌّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ)). (خ) عن ابن عباس (صح). الحرم وألحد إليه مال إليه انتهى. وقال الراغب: ألحد بلسانه إلى كذا مال ومنه ﴿الذين يلحدون في آياتنا﴾ [فصلت: ٤٠] وألحد مال عن الحق والإلحاد ضربان إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأوّل ينافي الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله وذلك لهتك حرمته مع مخالفته أمر ربه فهو عاص من وجهين فهو بالبغض جدير. واستشكل بأن ظاهره أن فعل الصغيرة في الحرم المكي اشد من فعل الكبيرة في غيره واجيب بأن الإلحاد عرفاً يستعمل في الخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب محرماً كان إشارة إلى عظمه ويدل عليه آية ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ [الحج: ٢٥] الآية فإن الإتيان بالجملة الاسمية يفيد لثبوت الإلحاد ودوامه والتنوين للتعظيم فهو إشارة إلى عظم الذنب. قالوا وهذا من خصائص الحرم فإنه يعاقب الناوي للشر فيه إذا عزم عليه ولم يفعله. وذهب بعض الصحابة إلى أن السيئات تتضاعف فيه كالحسنات (و) ثاني الثلاثة (مبتغ) بضم الميم وسكون الموحدة وفتح الفوقية وغين معجمة طالب (في الإسلام) أي في دينه (سنة الجاهلية) أي إحياء طريقة أهل زمن الفترة سمي به لكثرة الجهالة فيه كقتل البنات والطيرة والكهانة والنياحة والميسر والنيروز ومنع القود عن مستحقه وطلب الحق ممن ليس عليه كأصله وفرعه فإطلاق السنة على فعل الجاهلية وارد على أصل اللغة أو للتهكم (و) الثالث (مطلب) بالضم وشد الطاء وكسر اللام مفتعل من الطلب أي متطلب فأبدلت التاء طاء وأدغم أي التكلف للطلب المبالغ فيه (دم) أي إراقة دم (امرىء) مثلث الراء أي رجل وهو للذكر وخص بالذكر هنا وفي نظائره لشرفه وأصالته وغلبة دوران الأحكام عليه. كما مر في الخنثى والانثى مثله في الحكم وما ذكر من أن المرء يختص بالذكر هو ما عليه كثير، لكن قال الحراني: المرء اسم سن من سنان الضبع يشارك الرجل فيه المرأة ويكون له فيه فضل ما ((والدم» رزق البدن والأقرب إليه المحيط به ولم يقيد هنا بالمسلم اكتفاء بقوله (بغير حق) وقيده به في رواية زيادة للبيان فخرج نحو حربي ومرتد وقاطع طريق ومهدر بأيّ سبب كان والقود (ليهريق) بضم أوله وهاء مفتوحة قد تسكن أي يصب (دمه) أي يقتله بنحو ذبح أو ضرب عنق بنحو سيف فيسيل دمه وخص هذه الكيفية المشتملة على إسالة الدم لكونها أغلب طرق القتل والمراد إزهاق روحه بمحدد أو مثقل أو غيرهما كنحو سم، ولما كان المنع من إراقة الدم من أعظم المقاصد أو هو أعظمها أعاده صريحاً ولم يكتف بيهريقه وإن كفى والمراد الطلب المترتب عليه المطلوب أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالأوّلى ففيه مبالغة، ذكره الكرماني. وإنما كان هؤلاء الثلاثة أبغض المؤمنين إليه لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحاً من الإلحاد وكونه في الحرام وإحداث البدعة في الإسلام وكونها من أمر الجاهلية وقتل نفس لا لغرض بل بمجرد كونه قتلاً ويزيد القبح في الأوّل باعتبار المحل وفي الثاني باعتبار الفاعل وفي الثالث باعتبار الفعل. قال القاضي: القاتل بغير حق يقصد ما كرهه الله من وجهين من حيث كونه ظلماً والظلم على الإطلاق مكروه مبغوض ومن حيث كونه يتضمن موت العبد ومساءته والله يكره مساءته فلذلك استحق مزيد المقت وفي كل من لفظتي المبتغي والمطلب مبالغة أخرى وذلك لأن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني فكيف بالمباشر (خ) في الديات وكذا البيهقي والطبراني (عن ابن عباس) ولم يخرجه مسلم. ١٠٩ حرف الهمزة ٥٨ - (أَبْغُوِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)). (حم م حب ك) عن أبي الدرداء . ٥٨ - (ابغوني) بالوصل من الثلاثي فهو مكسور الهمز أي اطلبوا لي طلباً حثيثاً يقال ابغني مطالبي اطلبها لي وفي رواية بالقطع من الرباعي فهو مفتوح الهمزة أي أعينوني على الطلب يقال أبغيتك الشيء أي أعنتك على طلبه قال رؤبة : فَاذْكُرْ بِخَيْرٍ وابْغِنِي ما ينبغي أي اصنع بي ما ينبغي أن يصنع ذكره الزمخشري. قال ابن حجر: والأوّل أليق بالقياس وأوفق في المذاق وقال الزركشي الأوّل هو المراد بالحديث قال تعالى ﴿يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة: ٤٧] أي يطلبونها لكم (الضعفاء) من يستضعفهم الناس لفقرهم ورثاثتهم. قال القاضي: أي اطلبوا لي وتقربوا إليّ بالتقرب إليهم وتفقد حالهم وحفظ حقوقهم والإحسان إليهم قولاً وفعلاً واستنصاراً بهم. قال الراغب: والضعف يكون في البدن وفي النفس وفي الحال وهو المراد هنا (فإنما ترزقون) تمكنون من الانتفاع بما أخرجنا لكم (وتنصرون) تعانون على عدوكم ويدفع عنكم البلاء والأذى. قال القاضي: والنصرة أخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضر. قال الحراني والنصر لا يكون إلا لمحق وإنما لغير المحق الظفر والانتقام (بضعفائكم) بسبب كونهم بين أظهركم أو بسبب رعايتكم ذمامهم أو ببركة دعائهم والضعيف إذا رأى عجزه وعدم قوته تبرأ عن الحول والقوة بإخلاص واستعان بالله فكانت له الغلبة وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله بخلاف القوي فإنه يظنّ أنه إنما يغلب الرجال بقوته فتعجبه نفسه غالباً وذلك سبب للخذلان کما أخبر الله تعالى عن بعض من شهد وقعة حنین وفي رواية (في ضعفائكم)) وفي أخرى ((في الضعفاء)) بزيادة في. قل الزين العراقي: والذي وقع في أصول سماعنا من كتاب الترمذي: ((ابغوني في ضعفائكم)) وهو عند أبي داود والنسائي بإسقاط حرف الجر: ابغوني الضعفاء، وفي مسند أحمد ((ابغوني ضعفاءكم)) وكذا رواه الطبراني قال: وهو أصح من الرواية المتقدمة والمعنى اطلبوا لي ضعفاءكم انتهى. وفي طيه إعلام بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدة والعدد والآلات المتعبة الشاقة والاستغناء بتعلق القلوب بالله تعالى فنصرة هذه الأمة إنمّا هي بضعفائها لا بمدافعة الأجسام فلذلك افتتح المصطفى المدينة بالقرآن ويفتح خاتمة هذه الأمة القسطنطينية بالتسبيح والتكبير. قال بعض العارفين: ومن حكمته تعالى أنه أمر بالعدة للعدو وأخذه بالقوة وأخبر أن النصر بعد ذلك يكون بالضعفاء ليعلم الخلق فيما أمروا به من الاستعداد وأخذ الحذر أن يرجعوا للحقيقة ويعلموا أن النصر من عند الله يلقيه على يد الأضعف، فالاستعداد للعادة والعلم بجهة النصر في الضعيف للتوحيد وأن الأمر كله لله عادة وحقيقة يدبره كيف شاء. قال الطيبي: وفيه نهي عن مخالطة الأغنياء وتحذير من التكّبر على الفقراء والمحافظة على جبر خواطرهم، ولهذا قال لقمان لابنه: لا تحقرن أحداً لخلقان ثيابه فإن ربك وربه واحد. وقال ابن معاذ: حبك الفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامات الصالحين وفرارك منهم من علامات المنافقين. وفي بعض الكتب الإلهية ١١٠ حرف الهمزة ٥٩ - ((أَبْلِغُوا حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَ حَاجَتِهِ، فَمَنْ أَبْلَغَ سُلْطَاناً حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ تَعَالَى قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). (طب) عن أبي الدرداء (ح). أوحى الله إلى بعض أنبيائه احذر أن أمقتك فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صباً، قالوا: خرج موسى يستسقي لبني إسرائيل في سبعين ألفاً بعد أن أقحطوا سبع سنين فأوحى الله إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ وقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى فلم يعرفه فبينا هو ذات يوم يمشي إذا بعبد أسود يمشي بين عينيه أثر السجود في شملة عقدها على عنقه فعرفه بنور الله فسلم عليه، وقال: إنك طلبتنا منذ حین استسق لنا فخرج فقال في كلامه: ما هذا فعالك وما هذا من حلمك وما الذي بدا لك أنقصت غيوثك أم عاندت الرياح طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين ألست كنت غفاراً قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة فما برح حتى أخصبت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله العشب في نصف يوم. قال حجة الإسلام فهذا عبد غلب عليه الأنس فلم ينغصه خوف التغير والحجاب فأثمر نوعاً من الانبساط وذلك محتمل في مقام الأنس ومن لم يكن في مقامه وتشبه به هلك فالله الله في نفسك (تنبيه) هذا الحديث وما على منواله: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) قد وقع التعارض ظاهراً بينه وبين خبر مسلم ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير)) وعند التأمل لا تدافع إذ المراد بمدح القوة القوة في ذات الله وشدة العزيمة وبمدح الضعف لين الجانب ورقة القلب والانكسار بمشاهدة جلال الجبار أو المراد بذم القوة التجبر والاستكبار وبذم الضعف ضعف العزيمة في القيام بحق الواحد القهار على أنه لم يقل هنا أنهم ينصرون بقوة الضعفاء وإنمّا مراده بدعائهم أو بإخلاصهم أو نحو ذلك مما مر (حم م حب ك) كلهم في الجهاد وكذا ابن حبان والطبراني والبيهقي (عن) حكيم هذه الأمّة بنص المصطفى (أبي الدرداء) بفتح المهملتين وسكون الراء واسمه عويمر مصغر عامر بن مالك أو ابن عامر أو ابن ثعلبة أو غير ذلك قال الترمذي والحاکم صحیح وأقره الذهبي : وفي الریاض، إسناده جيد. ٥٩ - (أبلغوا) أوصلوا. قال القاضي: البلوغ الوصول إلى الشيء ويقال للدنو منه على الاتساع ومنه قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢] (حاجة من لا يستطيع) أي يطيق (إبلاغ حاجته) بنفسه لي أو إلى ذي سلطان وهذا أمر ظاهره الوجوب والترغيب فيه بالوعد بالثواب لا يصلح صارفاً للندب. قال جمع: ولا شك في الوجوب في زمنه لأن عدم ضجره وكثرة صبره محقق وأما بعده فشرطه سلامة العاقبة. قال الراغب والحاجة إلى الشيء الفقر إليه مع محبته، قال الزمخشري: ما يحتاج إليه ويطلب (فمن أبلغ سلطاناً) أي إنساناً ذا قوة واقتدار على إنفاذ ما يبلغه ولو غير مالك وأمير (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) دينية أو دنيوية (ثبت الله) دعاء أو خبر (قدميه) أقرهما وقواهما (على الصراط) الجسر المضروب على متن جهنم (يوم القيامة) لأنه لما حركهما في إبلاغ حاجة هذا العاجز حرف الهمزة ٦٠ - ((أَبْنُوا الْمَسَاجِدَ وَأَتَّخِذُوهَا جُمَّا)). (ش هق) عن أنس (ح). ٦١ - ((ابْنُوا مَسَاجِدَكُمْ جُمَّا، وَأَبْنُوا مَدَائِنَكُمْ مُشَرَّفَةً)). (ش) عن ابن عباس (ح). جوزي بمثلها وهي ثباتهما على الصراط يوم تزل الأقدام وبه يخرج الجواب عما قيل الجزاء من جنس العمل وفعل المبلغ التبليغ فالمناسب أن يقال بلغت عنه، وأصل الصراط الطريق الخطر السلوك وهو كالطريق في التذكير والتأنيث وبينهما في المعنى فرق لطيف هو أن الطريق كل ما يطرقه طارق معتاداً كان أو لا والسبيل من الطريق ما اعتيد سلوكه والصراط من السبيل ما لا التواء فيه ولا اعوجاج فهو أخص الثلاثة والمراد به هنا ما ينصب بين ظهراني جهنم يوم الجزاء وتحفه خطاطيف وكلاليب تجري أحوال الناس معها في يوم القرار على حسب مجراهم مع حقائقها ابتداء في هذه الدار ثم المراد بالأفعال الواقعة في هذا الخبر وما قبله وبعده إيجاد حقائقها على الدوام (طب) وكذا أبو الشيخ (عن أبي الدرداء) وفيه إدريس بن يوسف الحراني: قال في اللسان عن ذيل الميزان: لا يعرف حاله. ثم إن المؤلف تبع في عزوه للطبراني الديلمي. قال السخاوي: وهو وهم، والذي فيه عنه بلفظ ((رفعه الله في الدرجات العلى في الجنّة)) وأما لفظ الترجمة فرواه البيهقي في الدلائل عن علي وفيه من لم يسم انتهى. فكان الصواب عزوه للبيهقي عن علي. ٦٠ - (ابنوا المساجد) ندباً (واتخذوها) أي اجعلوها، قال الحراني من الاتخاذ افتعال مما منه المؤاخذة كأنه الوخذ وهو تصير في المعنى نحو الأخذ في الحس (جماً) بضم الجيم وشد الميم أي اجعلوها ندباً بلا شرف جمع أجم وهو ثور أو كبش بلا قرن فأطلق القرون على الشرف مجازاً. قال الزمخشري: من المجاز حصن أجم لا شرف له وقرية جماء وابنوا المساجد جماً فيكره اتخاذ الشرف لأنه من الزينة المنهي عنها ومن المحدث قال المقريزي في تذكرته: مات عثمان والمسجد بلا شرافات وأوّل من أحدثها عمر بن عبد العزيز. قال الشافعية: وتكره الصلاة في مسجد بشرف لما في سنن البيهقي عن ابن عمر (نهانا أو نهينا أن نصلي في مسجد مشرف)) وأخذ منه كراهتها في المزوق والمنقوش بالأوّلى لما فيه من شغل قلب المصلي، ويحرم نقشه واتخاذ شرافات له من غلة ما وقف على عمارته أو مصالحه (ش هق) من حديث زهدم عن ليث بن أبي سليم عن أيوب (عن أنس بن مالك رمز المؤلف لحسنه هنا وصرح به في أصله فقال حسن وليس كما ذكر فقد جزم الذهبي وغيره بأن فيه ضعفاً وانقطاعاً فإنه لما ساقه البيهقي من سنن أبي داود بسنده استدرك عليه. فقال: قلت هذا منقطع وتقدمه لذلك ابن القطان. فقال: ليث ضعيف وفيه انقطاع وأطال في بيانه وأقره مغلطاي. ٦١ - (ابنوا مساجدكم) أيها المسلمون (جماً) أي مجممة بلا شرف ولا يستقيم جعل المعنى غير مرتفعة نظراً إلى أن المشرف يطلق أيضاً على المطول لأنه إن أريد بالطول الامتداد في الجهات الأربع فلا يقول به عاقل لأنه يرجع إلى السعة وتوسيع المسجد مطلوب لا ينهى عنه وإن أريد الارتفاع فهو مأذون فيه بنص الخبر الآتي ((ارفع البنيان إلى السماء وسل الله السعة)) وأما ما قارنه قصد مباهاة فلا فرق في منعه بين طويل وقصير (وابنوا مدائنكم) بالهمز وتركه قال الكرماني والهمز أفصح جمع مدينة من مدن أقام وهي المصر الجامع وقيل مفعلة من مدنت أي ملكت، قال الجوهري: سألت أبا علي الفسوي عن ١١٢ حرف الهمزة ٦٢ - ((أَبْنُوا الْمَسَاجِدَ، وَأَخْرِجُوا الْقُمَامَةَ مِنْهَا: فَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتاً بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَإِخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِنْهَا مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ)). (طب) والضياء في المختارة عن أبي قرصافة (صح). همز مدائن فقال من جعله فعيلة همز ومن جعله مفعلة لم يهمز (مشرفة) كمعظمة أي اجعلوا لمساكنها شرافات أو اجعلوا لسورها ذلك أو اجعلوها مرتفعة ارتفاعاً حسناً مقتصداً محكماً تحصيناً لها من العدو وذلك لأن الزينة إنما تليق بالمدن دون المساجد التي هي بيوت الله (ش عن ابن عباس) رمز لحسنه. ٦٢ - (ابنوا المساجد) التي هي بيوت الله. قال الراغب: المسجد الموضع المعد للصلاة. وقال غيره: لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق منه اسم المكان فقيل مسجد ولم يقل مركع ثم إن العرف خصه بالمكان المهيأ للصلوات الخمس فخرج نحو مصلى العيد ومدرسة ورباط فلا يعطى حكمه لإعدادها لغير ذلك (وأخرجوا القمامة منها) بضم القاف الكناسة. قال الزمخشري تقول بيت مقموم وقممته بالمقمة أي المكنسة وينادى بمكة على المكانس المقام (فمن بنى الله تعالى) أي لأجله ابتغاء لوجهه (بيتاً) مكاناً يصلي فيه وتقييد البعض بالجماعة غير معتبر (بنى الله له بيتاً في الجنّة) سعته كسعة المسجد عشر مرات فأكبر كما يفيده التنكير الدال على التعظيم: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وإسناده البناء إليه سبحانه مجاز. قال الحافظ العراقي: ولا بد لحصول هذا الثواب من اسم البناء فلا يكفي جعل الأرض مسجداً بدونه ولا نحو تحويطه بطين أو تراب ولا يتوقف حصوله على بنائه بنفسه بل أمره كاف والأوجه عدم دخول الباني لغيره بأجرة وقضية إناطة الحكم بالبناء عدم حصوله لمن اشترى بناء ووقفه مسجداً والظاهر خلافه اعتباراً بالمعنى انتهى. وتبعه تلميذه ابن حجر. قال الراغب: والبناء اسم لما يبنى. وقال الزمخشري: مصدر سمي به المبني بيتاً أو قبة أو خباء ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً والبيت مأوى الإنسان بالليل ثم قيل من غير اعتبار الليل فيه وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص ويقع على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر وبه شبه بيت الشعر ويعبر عن مكان الشيء بإنه بيته. ولما قال المصطفى ذلك قالوا: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطريق؟ قال: ((نعم)) هكذا هو ثابت في رواية من عزى المؤلف له الحديث ثم لما ذكر جزاء البناء عقبه بذكر جزاء إخراج القمامة على طريق اللف والنشر فقال: (وإخراج القمامة) أي الزبالة (منها مهور الحور العين) أي نساء الجنّة النجل العيون السود الحدق سمين به لأنهن يشبهن الظباء يعين له بكل مرة من كنسها حوراء في الجنّة فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وهل يدخل الكناس بأجرة أو بمعلوم قياس ما تكرر فيما قبله عدم دخوله والظاهر أنه يشترط لحصول ذلك قصد الامتثال. ((والحور)) جمع حوراء قال الزمخشري الحور البياض ((والعين)) جمع عيناء وهي النجلاء العين في حسن وسعة وفيه ندب بناء المساجد. قال النووي: ويدخل فيه من عمره إذا استهدم فيتأكد بناؤه وعمارته وإصلاح ما تشعب منه ويسن بناؤه في الدور والمراد بها كما قال ابن دقيق العيد القبائل. وفيه ندب كنسه وتنظيفه وتحريم تقذيره حتى بطاهر لأنه استهانة به . ١١٣ حرف الهمزة ٦٣ - ((أَبِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسَ)). سمويه في فوائده (هب) عن أبي سعيد. ٦٤ - ((أَبْنَ آدَمَ، أَطِعْ رَبَّكَ تُسَمَّى عَاقِلاً، وَلَ تَعْصِهِ فَتُسَمَّى جَاهِلَا)). (حل) عن أبي هريرة وأبي سعيد (ض). (فائدة) أخرج أبو الشيخ من مسند عبيدة بن مرزوق كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها المصطفى فمر على قبرها فقال: ما هذا؟ قالوا أم محجن. قال: التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: نعم فصف الناس فصلى عليها ثم قال: أي العمل وجدت أفضل؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ فقال: ما أنتم بأسمع منها: ثم ذكر أنها أجابته: قم المسجد (طب) وكذا أبن النجار (والضياء) المقدسي (في) كتاب الأحاديث (المختارة) مما ليس في الصحيحين (عن أبي قرصافة) بكسر القاف وفاء مخففة الكناني واسمه جندرة بن خيشنة نزل عسقلان روت عنه ابنته. رمز المؤلف لصحته. وإن تعجب فعجب رمزه مع حكم الحافظ المنذري بضعفه وإعلال زين الحفاظ العراقي في شرح الترمذي له بإن في إسناده جهالة وقول الحافظ الهيتمي وغيره في إسناده مجاهيل لكن المؤلف اغتر بتصحيح الضياء. ٦٣ - (أبن) بفتح فكسر أمر من الإبانة أي أبعد (القدح) بالتحريك الإناء الذي تشرب منه (عن فيك) عند الشرب ندباً ولا تشرب كشرب البعير فإنه يتنفس عند الشرب فيه (ثم تنفس) فإنه أحفظ للحرمة وأبعد عن تغير الماء وأصون عن سقوط الريق فيه وأنفى عن التشبه بالبهائم في كرعها فالتشبه بها مكروه شرعاً وطباً لكن هنا شيء ينبغي التفطن له وهو أن الأمر بالإبانة إنمّا هو فيمن لم يرو من نفس واحد بغير عب، ذكره في المطلب والمفهم (سمويه) بفتح المهملة وشد الميم مضمومة ومثناة تحت مفتوحة وهو أبو بشر العبدي الفقيه الأصبهاني. قال ابن أبي حاتم ثقة مأمون وأبو نعيم من الحفاظ الفقهاء (في فوائده) الحديثية (هب) كلاهما (عن أبي سعيد) الخدري. رمز المؤلف لحسنه وفيه أمران: الأوّل أنه يوهم أنه لا يوجد مخرجاً في أحد دواوين الإسلام وإلا لما عدل لعزوه لسمويه لما مر عنه ولقول مغلطاي كغيره لا يجوز لحديثي أن يعدل عن الستة ويعزو حديثاً لغيرها مع وجوده في شيء منها إلّ إن كان فيه زيادة أو نحو ذلك مع أن هذا الحديث رواه مالك في الموطأ والترمذي في الأشربة عن أبي سعيد المذكور وصححه ولفظهما: ((نهى عن النفخ في الشراب. فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: أهرقها قال: فإني لا أروى في نفس واحد؟ قال: أبن القدح عن فيك ثم تنفس)) انتهى. ورواه أيضاً كذلك البيهقي في الشعب. الثاني أن رمزه لحسنه يوهم أنه غير صحيح وهو غير صحيح بل صحيح كيف هو من أحاديث الموطأ الذي ليس بعد الصحيحين أصح منه. وقال الترمذي: حسن صحيح وأقره عليه النووي وغيره من الحفاظ. ٦٤ - (ابن آدم) منادى محذوف الأداة والابن من البناء لأنه مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع لصانعه فيقال ابن حرب وبنت فكر وآدم أبو البشر. قال القاضي: والمراد من ابن آدم آدم وأولاده فكأنه صار اسماً للنوع كالإنسان والبشر وصدر به تنبيهات للمنادي ليقبل بكليته على ما يلقى إليه (أطع ربك) مالكك الذي رباك بأنواع نعمه وصنوف كرمه، ففي ذكره دون غيره تقريع للمكلف فيض القدير ج١ ٨٢ : ١١٤ نـ حرف الهمزة ٦٥ ــ ((أَبْنَ آدَمَ، عِنْدَكَ مَا يَكْفِيكَ، وَأَنْتَ تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ. أَبْنَ آدَمَ، لَ بِقَلِيلٍ وتذكير بآلاء الله عليه (تسمى) أي تستحق أن تسمى (عاقلاً) كامل العقل (ولا تعصه فتسمى جاهلاً) لأن ارتكاب المعاصي مما يدعو إليه السفه والجهل لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل ومن ركب متن العصيان هو الجاهل السفيه عند أهل الإيمان. والعاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر رث الهيئة. والجاهل من عصاه وإن كان جميل المنظر شريف المنزلة حسن الزي فصوحاً نطوقاً. روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال: قال لي رسول الله صلى عليه وآله وسلم: ((يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً. قلت: من لي بالعقل؟ قال: اجتنب مساخط الله وأد فرائضه تكن عاقلاً. ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً ومن ربك قرباً وغلبة وعزاً» قال الحكيم: وإنمّا سمي العقل عقلاً لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب نوره العقل وبصره في تلك الظلمة وأبصر صار عقالاً للجهل. قال الغزالي فالقردة والخنازير أعظم عند الله ممن عصاه. فلا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين. وقال الزمخشري: من تضرر من مشقة صرف ساعة للطاعة فوقع بسبب ذلك التضرر في مشقة الأبد كان من أجهل الجاهلين فإن العاقل من قاده عقله إلى طاعة مولاه ولم يتابع نفسه وهواه: مَا تَبْلُغُ الأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلِ مَا يَبْلُغُ الجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ وقال ابن القيم: مخالفة الرب تفسد العقل فإن للعقل نوراً والمعصية تطفئه وإذا طفىء نوره ضعف ونقص. ولهذا قال حكيم: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله، إذ لو حضره عقله حجزه عن العصيان وهو في قبضة الرب وتحت قهره وهو مطلع عليه وفي داره وعلى بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه وواعظ الإيمان بالموت والنار ينهاه فهل يقدم على الاستخفاف بذلك والاستهانة به ذو عقل؟ وأخذ أقضى القضاة الماوردي من الخبر أن من صرف فضل عقله إلى المكر والدهاء والشر كزياد وأضرابه من دهاة العرب أن الداهية منهم لا يسمى عاقلاً لأن الخير والدين من موجبات العقل وإنمّا هذا يسمى صاحب رواية ومكر ومن ثم لما عزله عمر قيل له أعن موجدة أو جناية؟ قال: لا عن واحدة منهما وإنمّا خفت أن أحمل الناس على فضل عقله. أرأيت أن الشجاع إذا زاد على حد الشجاعة نسب إلى التهور؟ والسخي إذا زاد على حد السخاء نسب إلى التبذير؟ والعقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم وقيل قوة يتميز بها الحسن عن القبيح وقيل العلم بالمدركات الضرورية وقيل غيرها ومحله القلب أو الدماغ (حل) من حديث علي بن زياد المتوثي عن عبد العزيز بن أبي رجاء عن سهل عن أبيه (عن أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري. ثم قال: غريب انتهى. وعبد العزيز قال في الميزان عن الدارقطني متروك له مصنف موضوع. ثم ساق له منه هذا، قال عقبة في الميزان: هذا باطل وقد اقتصر المؤلف على الرمز لتضعيفه وكان الأولى حذفه. ٦٥ - (ابن آدم عندك ما يكفيك) أي يسد حاجتك (وأنت تطلب) أي تحاول أخذ (ما يطغيك) أي يحملك على الظلم ومجاوزة الحدود الشرعية: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦، ٨] فإذا كان عندك ما يكفيك حالاً فاشكر نعمة ربك ولا تطلب زيادة تطغيك (ابن آدم لا بقليل تقنع) أي ترضى لفقر نفسك إلى الزيادة. ((والقناعة)) الرضا بما قسم وتطلق على الاكتفاء بقدر الضرورة وهو ١١٥ حرف الهمزة تَقْنَعُ، وَلَ بِكَثِيرٍ تَشْبَعُ. أَبْنَ آدَمَ، إِذَا أَصْبَحْتَ مُعَافِى فِي جَسَدِكَ، آمِناً فِي سِرْبِكَ، عِنْدَكَ قُوتُ يَوْمِكَ، فَعَلَى الذُّنْيَا الْعَفَاءُ)). (عد هب) عن ابن عمر (صح). معنى قولهم القناعة الرضا باليسير. ولعل المراد هنا بقوله: ((تقنع)) لا بقيد القلة وإلّ لكفى أن يقول لا تقنع ونكتة قصر القناعة على الرضا والنص على لفظ القلة معه رعاية الطباق بين القلة والكثرة المذكورة بقوله (ولا من كثير تشبع) وهو من أنواع البديع المستحسنة والباء في ((بقليل)) للمصاحبة ومن في ((من كثير)) بمعنى الباء ثم لما نعى إليه حاله وذم إليه خصاله حثه على الزهادة وبين له أن الكفاف مع الصحة والأمن محصل للغرض وزيادة فقال: (ابن آدم إذا أصبحت) أي دخلت في الصباح (معافى) أي سالماً من الأسقام والآثام ومن قصره على الأوّل فقد قصر. والعافية السلامة ودفع البلاء والمكروه (في جسدك) بدنك. قال الراغب: والجسد كالجسم لكنه أخص فلا يقال الجسد لغير الإنسان أو الجسد يقال لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالماء والهواء (آمناً) بالمد وكسر الميم (في سربك) بكسر فسكون نفسك أو بفتح فسكون مذهبك ومسلكك أو بفتحتين بيتك (عندك قوت يومك) ما يقوم بكفايتك في يومك وليلتك وخص اليوم لأنه يستتبعها أو لأن الليل غير محل للاقتيات. قال في الصحاح: القوت ما يقوم به البدن وفي المفردات ما يمسك الرمق (فعلى الدنيا العفاء) بفتح المهملة والفاء كسماء الهلاك والدروس وذهاب الأثر. قال الزمخشري: ومنه قولهم عليه العفاء إذا دعا عليه ليعفو أثره. والمعنى إذا كنت كذلك فقد جمع الله لك ما تحتاجه من الدنيا فدع عنك ما عداه واشتغل بما يقربك إلى الله. قال الغزالي: ومهما تأملت الناس كلهم وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنه وبال عليهم ولا يشكرون نعمة الله فيها. ومر سليمان عليه السلام على بلبل بشجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه. فقال: أتدرون ما يقول. قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وصاحت فاخية فأخبر أنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا. وقال صالح بن جناح لابنه: إذا مر بك يوم وليلة وقد سلم فيهما دينك ومالك وبدنك وعيالك فأكثر الشكر لله. فكم من مسلوب دينه ومنزوع ملكه ومهتوك ستره ذلك اليوم وأنت في عافية، ومن هنا نشأ زهد الزاهدين فاستراحت قلوبهم بالزهد وانكفوا بالورع عن الكد وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد وميز القريب من البعيد والشقي من السعيد والسادة من العبيد وهذا هو المهيع الذي قبض بسطة وجوه القلوب فلم يبق للعاقل حظ فيما زاد على كسرة تكسر شهوته وسترة تواري عورته وما زاد متجر إن أنفقه ربحه وإن ادخره خسره. وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى: وقد أفاد مطلع الحديث أن الصحة نعمة عظيم وقعها جزيل نفعها بل هي أجل النعم على الإطلاق وفي إشعاره إعلام بأن العالم ينبغي له أن لا يغفل عن وعظ الناس إذ الإنسان لما جبل عليه من الغفلات لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترققه وأعمال تصدقه وإخلاص يحققه لترتفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكتسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصداء عن مرائي النفوس ولقد هز القلوب بحسن هذا النظم وبلاغة تناسبه وبداعة ربطه وبراعة تلاحمه: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] (عد هب) وكذا الخطيب وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار (عن ابن عمر) بن الخطاب ونقله عن ابن عدي وسكوته عليه يوهم أنه خرجه وسلمه والأمر بخلافه. بل قال أبو بكر الداهري أحد رجاله ١١٦ حرف الهمزة ٦٦ - ((أَبْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ)). (حم ق ت ن) عن أنس (د) عن أبي موسى (طب) عن جبير بن مطعم، وعن ابن عباس، وعن أبي مالك الأشعري (صح). ٦٧ - ((أَبْنُ السَّبِيلِ أَوَّلُ شَارِبٍ - يَعْنِي مِنْ زَمْزَمَ)). (طص) عن أبي هريرة (ح). كذاب متروك. وقال الذهبي: متهم بالوضع وهكذا هو في مسند البيهقي وذكر نحوه الحافظ ابن حجر فکان ینبغي حذفه. ٦٦ - (ابن أخت القوم منهم) لأنه ينسب إلى بعضهم وهي أمه فهو متصل بأقربائه في كل ما يجب أن يتصل به كنصرة ومشورة ومودة وإفشاء سر ومعونة وبر وشفقة وإكرام ونحو ذلك. قال الطيبي: فمن اتصالية. ومن هذا التقرير تبين أنه لا حجة فيه لمن قال بتوريث ذوي الأرحام. قال ابن أبي جمرة: وحكمة ذكر ذلك إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلاً عن أولاد الأخوات حتی قال قائلهم: بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ بَنُونا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فقصد بالحديث التحريض على الألفة بين الأقارب. قال بعض الأعاظم: ومما يدل على أن الحديث ليس على عمومه أنه لو كان عاماً جاز أن ينسب إلى خاله مثلاً وكان معارضاً للحديث الصحيح: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنّة عليه حرام)) إلى غير ذلك من الأحاديث المصححة المصرحة بالوعيد الشديد على ذلك، فعلم أنه خاص وأن المراد به أنه منهم في الصلة والمعاونة والمدافعة عنه. والابن من البناء لأنه مبنى أبيه كما مر. والأخت تأنيث الأخ وجعل التاء فيها كالعوض من المحذوف منه وهو الواو إذ أصله أخو (حم ق ت ن عن أنس) بن مالك (د) وكذا أحمد والطبراني (عن أبي موسى) الأشعري (طب) وكذا الضياء في المختارة (عن جبير) بضم الجيم مصغراً (ابن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين وبكسر الميم وكسر المهملة الثانية حكاه الكرماني وهو ابن عدي بن نوفل القرشي من سادات قريش وأعاظمها، أسلم يوم حنين أو يوم الفتح وحسن إسلامه وكان حليماً وقوراً سيداً سنداً (وعن ابن عباس) ترجمان القرآن (وعن أبي مالك) كعب بن عاصم أو عبيد أو عمرو أو الحارث (الأشعري) صحابي مشهور يعد في الشاميين ورواه أيضاً أبو يعلى والحاكم وزاد بيان السبب وهو أن النبي وَ لي قال لعمر ((اجمع لي من هنا من قريش فجمعهم. ثم قال: أتخرج إليهم أم يدخلون؟ قال: أخرج فخرج فقال: يا معشر قريش هل فيكم من غيركم قالوا لا إلّ ابن أختنا فذكره. ثم قال يا معشر قريش إن أولى الناس بي المتقون فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصدّ عنكم بوجهي)) قال أبو البقاء في من وجهان: أحدهما زائدة والتقدير هل فيكم غيركم الثاني صفة لموصوف محذوف أي أحد من غيركم كقوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ [التوبة: ١٠١] أي قوم مردوا على كل فالكلام تام وقولهم في الجواب إلّ ابن أختنا يجوز رفعه على البدل ونصبه على الاستثناء. ٦٧ - (ابن السبيل) أي المسافر والسبيل الطريق. قال في الكشاف: يذكران ويؤنثان سمي به ١١٧ حرف الهمزة ٦٨ - ((أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّ النَّيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ)). (حم ت هـ) عن علي (هـ) عن أبي جحيفة (ع) والضياء في المختارة عن. أنس (طص) عن جابر، وعن أبي سعيد. للزومه له (أول شارب) من الشرب. قال الراغب: هو تناول مائع ماء أو غيره قال مخرجه الطبراني وتبعه المؤلف (يعني) هو مقدم على المقيم من شربه (من) ماء بئر (زمزم) أي عند الازدحام لمقاساة المشاق وضعفه بالاغتراب واحتياجه إلى إبراد حر فراق الأحباب وظاهر قوله ((من زمزم)» أن هذه الأولية من خصائصها ولا كذلك ففي خبر البيهقي «ابن السبيل أحق بالماء والظل من الباني علیه» قال ابن الأثير أراد أن ابن السبيل إذا مر بركية عليها قوم مقيمون فهو أحق بالماء منهم لأنه مجتاز وهم مقيمون. وأخرج البيهقي عن الحسن أن رجلاً أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشاً فأغرمهم عمر ديته (طص عن أبي هريرة) قال الهيتمي: رجاله ثقات وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير وحقه الرمز لصحته . ٦٨ - (أبو بكر) عبد الله أمير الشاكرين أفضل من طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء وفاقاً من أهل السنة وإلزاماً للشيعة بما في الصحيح عن علي كرم الله وجهه أنه خير الناس، أسلم وأبوه وابنه وحفدته ولم يسجد لصنم قط ولا شرب خمراً وحديث أنه شربها قبل تحريمها وقعد ينوح على قتلى بدر فنزلت آية التحريم باطل ولهذا كانت عائشة تدعو على من ينسبه إليه: فَهِلْ لي بَعْدَ قَوْمي مِنْ سَلامِ تُحَيَّا بالسَّلامَةِ أُمُ بَكْرٍ وتقول: والله ما قاله. ومن ثم قال الأشعري: لم يزل بعين الرضا وإنما ذكره بكنيته لأن اشتهاره بها أكثر (وعمر) الفاروق ذو المقام الثابت المأنوق الذي أعز الله به دعوة الصادق المصدوق وفرّق به بين الفصل والهزل وأظهر نواميس الفضل والعدل وأيد بما قواه به من لوامع الطول المديد شواهق التوحيد فظهرت الدعوة ورسخت الكلمة بما منحه الله من الصولة حتى شيدت الدولة (سيدا كهول أهل الجنّة) يعني الكهول عند الموت لأنه ليس في الجنّة كهل إذ هو من ناهز الأربعين وخطه الشيب وأهل الجنّة في سن ثلاث وثلاثين فاعتبر ما كانا عليه عند فراق الدنيا ودخول الآخرة كذا قرره القرطبي وغيره وهو غير قويم إذ لو اعتبر ما كانا عليه عند الموت لما قال كهول بل شيوخ لأنهما ماتا شيخين لا كهلين فالأولى ما صار إليه بعضهم من أن المراد بالكهل هنا الحليم الرئيس العاقل المعتمد عليه يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات، على أن ما صار إليه أولئك من أن الكهل من ناهز الأربعين غير متفق عليه ففي النهاية الكهل من زاد عن ثلاثين إلى أربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى خمسين، وفي الصحاح من جاوز الثلاثين وخطه الشيب، نعم ذكر الحراني أن الكهولة من نيف وأربعين إلى نيف وستين وعليه يصح اعتبار ما كانا عليه قبل الموت (من الأولين والآخرين) أي الناس أجمعين. وهذا إطناب أتى به لقصد التعميم ودخول الكافة تحت حيطته إلّ ما أخرجه بقوله (إلّ) وفي رواية لكثيرين ما خلا (النبيين والمرسلين) زاد في رواية ((يا علي لا تخبرهما) أي قبلي ليكون إخباري لهما أسر لهما لا أن ذلك لخوف الفتنة عليهما فقد أخبرهما بما هو أعظم ولم ١١٨ - حرف الهمزة ٦٩ - ((أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ)). (ع) عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده، قال ابن عبد البر: وما له غيره (حل) عن ابن عباس (خط) عن جابر. يفتتنا (حم ق) في المناقب (، عن علي) قال الصدر المناوي سنده سند البخاري (، عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح المهملة وسكون المثناة تحت وبالفاء السوائي بضم المهملة وخفة الواو وبالمد واسمه وهب بن عبد الله أو وهب بن وهب بن سواء بن عامر بن صعصعة ويقال له وهب الخير كان علي يحبه وولاء بيت المال (ع والضياء) المقدسي (في المختارة عن أنس بن مالك (طص) وكذا الحاكم في تاريخه (عن جابر) بن عبد الله. قال الهيتمي رواه عن شيخه المقدام بن داود وقد ضعفه النسائي وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن أبي سعيد) الخدري. قال الهيتمي: فيه علي بن عابس وهو ضعيف، فرمز المؤلف لصحته ينزل على الطريق الأوّل أو مراده المتن. ٦٩ - (أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس) أي هما مني في العزة كذلك أو هما من المسلمين بمنزلة السمع والبصر من البدن أو منزلتهما في الدين بمنزلتهما في البدن ويرجح الأخير بل تعينه رواية أبي نعيم: ((أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس)) قال القاضي: وإنمّا وصفهما بذلك لشدة حرصهما على استماع الحق واتباعهما وشدة حرصهما على النظر في الآيات في الأنفس والآفاق والتأمل فيها والاعتبار بها انتهى. وذلك منه إشارة إلى وجه حكمة تخصيص السمع والبصر دون غيرهما من الحواس والجوارح، وقد عمل أبو بكر في الردّة ما لم يلحقه فيه أحد ولم يكن بعده ردّة مثلها إلى الآن فبعلمه ردّ الله الإسلام إلى الأمّة، فيا لها من فعلة توازي عمل الأمّة. ومن ثم وزن بهم فرجحهم، أما علمت أن من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ثم لم يجد مهلة حتى يمهد الإسلام ويجلي غريبه ويوضع المعالم ويمصر الأمصار ففعل ذلك عمر حتى ضرب الناس بعطن وأوسع منهل الدين وذلك ليس لأحد إلى مثله من سبيل. وعثمان وإن كان أحيى الأمّة وعلي وإن كان أقضى الصحابة والأقضى كما قال السمهودي وغيره أعلم لكنهما وجدا الأمر مفروغاً منه فلم يبق إلّ التمسك به فبذلك اتضح قول الخبر هما مني بمنزلة السمع والبصر. ((والبصر)) إدراك العين ويطلق على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع (ع) وكذا الحاكم في تاريخه (عن المطلب) بفتح الطاء المشددة (ابن عبد المطلب بن حنطب) بفتح المهملة وسكون النون وطاء مهملة مفتوحة المخزومي روى عن أبيه وأبي هريرة. وعنه ابناه. قال أبو زرعة ثقة. وفي التقريب: صدوق كثير التدليس (عن أبيه) عبد الله قال الذهبي: قيل له صحبة ونفاها الترمذي. وقال في التقريب: مختلف في صحبته وله حديث مختلف في إسناده وهو هذا (عن جده) حنطب بن الحارث بن عبيد المخزومي أسلم يوم الفتح (قال) الحافظ أبو عمرو (بن عبد البر) النمري في الاستيعاب. (وما له) حديث (غيره). قال في الإصابة: واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً انتهى. وفي أسد الغابة حنطب هذا له حديث واحد إسناده ضعيف وهو هذا (حل) وكذا ابن النجار (عن ابن عباس) وفيه الوليد بن الفضل عن عبد الله بن إدريس. قال الذهبي في الضعفاء: مجهول واه (خط عن ١١٩ حرف الهمزة ٧٠ - ((أَبُو بَكْرٍ خَيْرُ النَّاس؛ إِلَّ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ)). (طب عد) عن سلمة بن الأكوع. ٧١ - ((أَبُو بَكْرٍ صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ، سُدُّوا كُلَّ خُوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خُوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ)). (عم) عن ابن عباس. جابر) ابن عبد الله لكن بلفظ (( أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس)) ورواه الطبراني أيضاً قال الهيتمي ورجاله ثقات انتهى. فكان ينبغي للمؤلف عزوه إليه. ٧٠ - (أبو بكر خير الناس) لفظ رواية من عزاه له المؤلف: ((أبو بكر خير الناس بعدي)) وهكذا حكاه عنهم في الكبير فسقط من قلم المؤلف لفظ بعدي وفي رواية: ((خير أهل الأرض)) (إلّ أن يكون) أي يوجد (نبي) فلا يكون خير الناس يعني هو أفضل الناس إلا نبي والمراد الجنس، ويكون هنا تامّة ونبيّ مرفوع بها وجواب أن محذوف كما تقرر وهذه البعدية رتبية ويمكن جعلها زمانية والاستثناء لإخراج عيسى وكذا الخضر إن قلنا بما عليه الجمهور أنه نبي (طب عد) وكذا الديلمي والخطيب عن عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة (عن سلمة) بفتح المهملة واللام بن عمرو (بن الأكوع) بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو ومهملة، واسم الأكوع سنان أحد من بايع تحت الشجرة كان رامياً مجيداً يسبق الفرس. ثم قال مخرجه ابن عدي: هذا الحديث أحد ما أنكر على عكرمة. وقال الهيتمي بعد عزوه للطبراني: فيه إسماعيل بن زياد الأيلي ضعيف انتهى. وفي الميزان: تقيد به إسماعيل هذا فإن لم یکن هو وضعه فالآفة من دونه. ٧١ - (أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار) أي الكهف الذي بجبل ثور حين الهجرة كما قال الله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] قالوا من أنكر صحبة الصديق كفر لإنكاره النصّ الجليّ، وفيه وما قبله جواز التكني بأبي فلان وإن لم يكن اسم ابنه إذ لم يكن لأبي بكر ابن اسمه بكر ولا يشترط للجواز كونه ذا ولد فقد كنيت عائشة بأمّ عبد الله ولم تلد وكنى المصطفى ◌َر الصغير. فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير. قال النوويّ في تهذيبه: ويستحب أن يكنى أهل الفضل من العلماء وغيرهم والتكنية نوع تفخيم للمكنى وإكرام له ومن ثم اختلف في حل كنية الكافر على أقوال ثالثها يجوز للذمي لا الحربي. قال: ويحرم تكنية الإنسان بما يكرهه سواء كان صفة له أو لأحد أصوله أو غير ذلك إلّ إن تعين للتعريف وهل الأفضل الاسم أو الكنية قولان في المطامح عن مالك. قال الراغب: والصاحب الملازم إنساناً وغيره ولا فرق بين كون مصاحبته بالبدن وهو الأصل أو بالعناية والهمة ولا يقال عرفاً إلّ لمن كثرت ملازمته (تنبيه) قضية تصرف المؤلف أن سياق الحديث هكذا فحسب والأمر بخلافه بل سقط من قلمه بعضه ولفظه عند مخرجه الذي عزاه إليه: ((أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار فاعرفوا ذلك كله فلو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)) ثم قال (سدوا كل خوخة) باب صغير (في المسجد) النبوي صيانة له عن التطرق. وقال الزمخشري: الخوخة مخترق بيتين عليهما باب. وقال مرة أخرى: الباب الصغير على الباب الكبير. وقال ابن حجر: الخوخة طاقة في الجدار تفتح للضوء ولا يشترط علوها وحيث تكون سفلى يمكن ١٢٠ حرف الهمزة ٧٢ - ((أَبُو بَكْرٍ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَأَبُو بَكْرٍ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). (فر) عن عائشة (ض). الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى محل مطلوب وهو المقصود هنا ولهذا أطلق عليها باب في بعض الروايات (غير) وفي رواية البخاري ((إلا)) (خوخة أبي بكر) فلا تسد تكريماً له وإظهاراً لتميزه بين الملأ. ثم هذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أهل المنازل الملاصقة للمسجد قد جعلوا لبيوتهم مخترقاً يمرون فيه إلى المسجد أو كوة ينظرون منها إليه فأمر بسدها وترك خوخة أبي بكر إعظاماً له ثم رمز للناس في ضمن ذلك إلى شأن الخلافة وإن أريد بها المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب القالة دون التطرق إليها والتطلع نحوها. قال بعضهم: والمجاز أقوى إذ لم يصح أن أبا بكر كان منزله بلصق المسجد بل بعوالي المدينة فالقصد بالأمر بالسد سد طرق منازعته في الخلافة على طريق الاستعارة. وتعقبه المحب الطبري بأنه كان له أيضاً دار بلصق المسجد كما رواه عمر بن شيبة في تاريخ المدينة ثم إن ما ذكر عورض بما في عدة أخبار. قال ابن حجر في موضع بأسانيد قوية وفي آخر برجال ثقات من الأمر بسد كل باب في المسجد إلا باب علي وفي بعضها للطبراني: ((قالوا يا رسول الله سددت أبوابنا فقال ما أنا سددتها ولكنّ الله سدها)) ولأحمد والنسائي والحاكم: ((سدوا هذه الأبواب إلا باب علي)» فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله وَطاهر: ((إني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فأتبعته)) قال ابن حجر: ورجال الكل ثقات، وللطبراني عن ابن سمرة ((أمرنا رسول الله وَايه بسد الأبواب كلها غير باب علي فربما مر فيه وهو جنب)) وللنسائي من طريق العلاء بن عرار قلت لابن عمر أخبرني عن عليّ وعثمان فذكر الحديث وفيه: ((وأما علي فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزلته من رسول الله* سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه)) قال ابن حجر: ورجاله رجال الصحيح إلّ العلاء. وقد وثقه ابن معين وغيره قال: فهذه أحاديث كل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها. وقد أورد ابن الجوزي الحديث في الموضوعات بتوهمه معارضتها لحديث أبي بكر مع أنه قد جمع جمع منهم البزّار والكلاباذي والطحاوي بأن سد الأبواب وقع مرتين ففي الأوّلی استثني باب علي لأن بابه كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلما أمروا بسدها سدوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول للمسجد منها فأمروا بعد بسدها غير خوخة أبي بكر (عم) وكذا الديلمي وابن مردويه (عن ابن عباس). قال في الفتح: رجاله ثقات. ٧٢ - (أبو بكر مني وأنا منه) أي هو متصل بي وأنا متصل به فهو كبعضي في المحبّة والشفقة والطريقة أو هو عندي بمكان جليل أو هو بمكان مني في المودّة وأنا منه بمكان فيها (وأبو بكر أخي) أي هو في القرب مني واللصوق بي كالأخ من النسب وزاد قوله (في الدنيا والآخرة) إشارة إلى كمال الارتباط وعدم الافتراق إلى الأبد، وأصل الأخ المشارك في الولادة والرضاع ويستعار لكل مشارك لغيره في فضيلة أو دين أو صنعة أو معاملة أو مودّة أو غير ذلك من المناسبات، ذكره الراغب ((والدنيا)) تأنيث الأدنى ((والآخرة)) تأنيث الآخر غلبتا على الدارين فجريا مجرى الأسماء (فر عن عائشة) رمز لضعفه وليس يكفي منه ذلك بل كان ينبغي حذفه إذ فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة. قال الذهبي