النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ المقدمة الذين بين موسى وعيسى ومن ثم شبه النبي ◌ّ علماء أمته بهم. قال: فإن قيل كيف يصح هذا وقد قال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل﴾ [البقرة: ٨٧] وقد بين ذلك في الكشاف بالأنبياء بين موسى وعيسى. قلت: لعل المراد بالرسل في الآية المعنى اللغوي. وقال ابن عطاء الله من الناس من ظن أن النبي الذي هو نبي في نفسه والرسول هو الذي أرسل لغيره وليس كما ظن ولو كان كذلك فلماذا خص الأنبياء بالذكر دون الرسل في قوله ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)» ومما يدل على بطلان هذا المذهب قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ [الحج: ٥٢] الآية فدل على أن حكم الإرسال يعمهما وإنما الفرق أن النبي لا يأتي بشريعة جديدة وإنما يجيء مقرراً لشرع من قبله ولهذا قال المصطفى: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل))(١) أي يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا بشرع جديد. وقال الصفوي: اختار بعض المحققين أن الرسول نبي أتاه الملك - وقيل جبريل - بوحي لا نوم ولا إلهام والنبي أعم واعترض بعدم شموله لما لم يكن بواسطة كما هو ظاهر المنقول في موسی قبل نزول الملك علیه ورفعه بأنه يصدق عليه أنه أتاه في وقت لا ینجع إذ يلزم أن يكون النبي قبل البعثة رسولاً حقيقة ولا قائل به. وقد أفاد ما قرره المحققان التفتازاني والجرجاني أن مجرد الإيحاء لا يقتضي نبوة إنما المقتضي لها إيحاء بشرع وتكليف خاص فخرج من بعث لتكميل نفسه كزيد بن نفيل ومن ثم قيل ونعم ما قيل يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي وهو باطل وإلا لزم نبوة نحو مريم وآسية والتزامه شاذ. وما أورد على التفتازاني من أن قوله: النبي من بعث لتبليغ ما أوحي إليه أنه لا يشمل المبعوث إليه لتبليغ ما أوحي لغيره كما في بني إسرائيل أجيب بأنه مأمور بتبليغ ذلك وهو مما أوحي إليه أو أن شرع غيره المشير إليه فيما أوحي إليه في الجملة. ومن هذه النقول اللامعة والمباحث الجامعة عرف صحة عزو العلامة ابن الهمام القول بالترادف إلى المحققين وأن الإمام الشهاب ابن حجر قد انحرف هنا عن صوب الصواب حيث حكم على من زعم الاتحاد بالغلط ونسب الكمال ابن الهمام إلى الاسترواح في نقله والسقط ثم قال: إن الذي في كلام أئمة الأصوليين خلاف الاتحاد قال رأى المحققين خلاف هؤلاء فإن أراد أن محققي أئمة الأصوليين خلاف العضد والتفتازاني والجرجاني وأن هؤلاء ليسوا بمحققين فهذا شيء لا يقوله محصل وإن أرادهم فهذه نصوصهم قد تليت عليك ولسنا ننازعه في أن المشهور بين الفقهاء ما ذكره الحليمي من التغاير وأن الفارق الأمر بالتبليغ إنما الملام في إقدامه على تغليط ذلك المحقق ونسبته إلى الغفول عن كلام المحققين من رأس القلم (تتمة) قال بعض الأكابر لم يشتغل الأكثر بتعريف النبوة والرسالة بل بالنبي والرسول وقد عرفهما الأسد بن الأسد إمام الحرمين في قوله النبوة لا تكون عن قوة في النفس كما قاله ولا عن رياضة يحصل بها الصفاء فيحصل التجلي في النفس كما قاله بعض الصوفية ولا عن قربان الهياكل السبعة كما قاله المنجمون ولا هي بالإرث كما قاله بعض أهل البيت ولا هي علم المرء بربه لأنه عام ولا علم النبي (١) الحديث متكلم فيه والصحيح من قول النبي ويلي ((العلماء أمناء الرسل)) الحديث ((والعلماء أمناء الله على خلقه». ٢٢ -- المقدمة. وتوهينها، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ليوث الغابة وأسد عرينها. بكونه نبياً لتأخره بالذات عنها بل هي صفة كلامية هي قول الله تعالى هو رسولي وتصديقه بالأمر الخارق. إلى هنا كلامه. وقال الراغب: النبوة قيل سفارة العبد بين الله وبين خلقه وقيل إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح المعاش والمعاد وجمع بعض المحققين بينهما فقال: سفارة بين الله وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجون من مصالح الدارين وهذاحد كامل جامع بين المبدإ في المقصود بالنبوة وهي الخصوصية وبين منتهاها وهي إزاحة عللهم انتهى (تنبيه) إن قلت: لم عدل المؤلف عن النبي إلى الرسول؟ قلت: لما كان المقام مقام بيان الأحكام وتبليغ الأوامر والنواهي كان حقه أن يذكر فيه وصف الرسالة. ثم عقب ذلك بالإشارة إلى ما يفيد مقصود البعثة ويتفرع على النبوة وهو غايتها فقال (المبعوث لرفع) أي لأجل إعلاء (كلمة الإسلام) أي تنفيذ أحكامها من الكلم وهو التأثير، سمي بها اللفظ لأنه يورث في النفس فرحاً وانبساطاً إن كان طيباً وهماً وانقباضاً إن لم يكن والمراد بالكلمة الكلام التام أعني كلمة الشهادة أو القرآن كله على ما عليه المتقدمون من عدم الفرق بين الكلمة والكلام، نقله القناوي عن شرح اللب قال: وإعلاء كلمته تنفيذ أحكامه (وتشييدها) أي إحكامها ورفع منارها وتوثيق عراها. والرفع الاعلاء قال الزمخشري: رفعه فارتفع ورفع فهو رفيع ومن المجاز رفعه على صاحبه في الجنس ويقال للداخل ارتفع أي تقدم ورفعت الرجل سميته والسند ورفع الحديث إلى النبي ◌َّ اهـ قال الراغب: الرفع يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها وتارة في البناء إذا طولته وتارة في المنزلة إذا شرفتها، وأمثلتها كل ما في النصوص والإسلام الخضوع والانقياد الظاهر لما أخبر به الرسول. قال في الكشاف: كل ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان ومنه أخذ الدواني قوله: الإسلام الكامل الصحيح لا يكون إلا مع الإيمان والإتيان بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج وقد ينفك الإسلام الظاهر عن الإيمان: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤] ويصح أن يكون الشخص مسلماً في ظاهر الشرع ولا يكون مؤمناً حقيقة والإسلام الحقيقي المقبول عند الله لا ينفك عن الإيمان الحقيقي بخلاف العكس انتهى (وخفض) أي ولأجل إهانة وإذلال (كلمة الكفر) من دعوى الند والشريك لله أو الصاحبة أو الولد أو غير ذلك من صنوف الكفر وضروب الضلال (وتوهينها) أي إضعافها وتحقيرها، والكفر لغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح أي الستر ومنه سمي الزارع كافراً لستره البذر وقيل الليل كافر لذلك ومنه الكفارة لأنها تكفر الذنب أي تستره ومنه. فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ الثُّجُومَ غَمَامُها ومنه المتكفر بسلاحه أي المغطي به بدنه ثم نقل شرعاً إلى عدم الإذعان لما علم مجيء الرسول به ضرورة قولاً أو فعلاً لما فيه من ستر نور الفطرة الأصلية الذي هو بدر الكمال ومحاولته الإبداع بذكر الخفض والرفع لا يحسن هنا إذ لا يليق إلا بكتب النحو والمناسب هنا ذكر المسند والمرسل والصحيح والضعيف والحسن ونحو ذلك من أنواع علوم الحديث. ثم لما نعته بعلو الشأن وظهور السلطان ووصفه بما هو منشأ كل سعادة وكمال تحرك قلبه إلى إنشاء الصلاة والسلام عليه فقال (مَلقد) من ٢٣ المقدمة الصلاة وهي من الله الرحمة ومنا الدعاء ومن الملك استغفار كذا أثر عن الحبر قال المحقق الدواني وسها من زعم أنها ثنائية المعنى بالحقيقة نظراً إلى أن الأخيرين يجمعهما طلب الرحمة فإنها لم توضع للقدر المشترك بل تارة لهذا الفرد وتارة لذاك وابن عباس أعرف منا بوضع اللغة ولو صح ذاك أمكن إرجاعه إلى معنى واحد مشترك بين الأمور الثلاثة كالإمداد بالرحمة فلم يكن مشتركاً لفظياً بل معنوياً وكذا جميع الألفاظ المشتركة يمكن جمع معانيها المتعددة في أمر واحد فيبقى المشترك رأساً وهو باطل قطعاً ثم تعلق لفظ على بهما لتضمن معنى النزول وقد أحسن من عبر عن معناه باستنزال الرحمة، إلى هنا كلامه. والسلام التسليم من الآفات المنافية لغاية الكمال وجمع بينهما لكراهة إفراد أحدهما أي لفظاً لا خطاً أو مطلقاً والجملة لإنشاء طلب الرحمة والسلام وإن كانت بصورة الخبر وجعلها خبراً معنى لإنشاء الدعاء قياساً على الحمد أبطل بأن الأخبار بثبوت الحمد يستلزم حمداً والأخبار بثبوت الدعاء لا يستلزم الدعاء. ولما كان لآله وصحبه نوع مشاركة في التوسط لمعاونتهم في التبليغ أشركهم معه فقال (وعلى آله) أصله عند سيبويه والبصريين وعليه اقتصر الكشاف وإليه مال الشاطبي أهل بدليل أهيل إذ التصغير يرد الأشياء إلى أصولها قلبت هاؤها همزة وهي ألفاً وعند الكسائي أول بدليل أويل وأيده الجوهري ونصره أبو شامة زاعماً أن الأول مجرّد دعوى وأن لغة العرب تأباه وصححه في الارتشاف، فإن قلت في الكشاف: الهاء أبدلت ألفاً وظاهره أنه مذهب ثالث؟ قلت: کلا إذ مراده كما قال بعض العظماء أبدلت الهاء همزة وهي ألفاً وبدل البدل بدل فرجع إلى الأول وخص استعماله بعد القلب أو مطلقاً بمن له شرف ورفعة من ذوي العقول أي أو ما نزل منزلتهم للاهتمام بشأنه فلا يرد النقض بنحو : ـب وعابديه اليوم الك الصليـ وانصر علی آل دیناً كآل النبي أو ديناً كآل فرعون أشار إليه المحققون منهم البيضاوي وبه عرف أن قول البعض إنما قيل آل فرعون لتصورهم بصورة الأشراف أو لشرفه في قومه تكلف مستغنى عنه، نعم هو في التنزيل وارد على منهج التهكم كما بينه صاحب القاموس في شرح خطبة الكشاف على حد: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] على أن لاختصاص المذكور غالبي فقد سمع استعماله في غير ذي عقل لشرفه في جنسه کقوله في فرس ليس في العرب أفحل منه ولا أکثر نسلاً. صوت حصاناً كان مِنْ آَل أعْوَجَا واختصاصه بالإضافة لذي الشرف لا ينافي التصغير لأن التصغير يرد للتعظيم وبفرض سواه فالتصغير في المضاف مع أن مراتب الحظر متفاوتة فيقبل التصغير وآل النبي من حرمت عليهم الزكاة وهم بنو هاشم عند الحنفية والمطلب أيضاً عند الشافعية. قال البعض: والمؤمنون وبنو تغلب فيشمل إناثهم لكن استدلالهم بخبر ((ان لكم في خمس الخمس» يقتضي خلافه وقيل بنو غالب وقيل ذريته أو أزواجه وقيل أتباعه وقيل أمته واختاره النووي كجمع في مقام الدعاء وجرى عليه الدواني فقال إذا أطلق في المتعارف شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان. فإن قلت: هل الإتيانه بلفظ على هنا من ٢٤ المقدمة فائدة؟ قلت: نعم وهي الإشارة إلى مخالفة الرافضة والشيعة فإنهم مطبقون على كراهة الفصل بين النبي وآله بلفظ على وينقلون في ذلك حديثاً كما بينه المحقق الدواني وصدر الأفاضل الشيرازي وغيرهما (وصحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي. وهو لغة من صحب غيره لما ينطلق عليه اسم الصحبة، واصطلاحاً من لقي المصطفى يقظة بعد النبوة وقبل وفاته مسلماً وإن لم يره لعارض كعمل وإن لم يره المصطفى ولو بلا مكالمة ولا مجالسة ككونه ماراً ولو بغير جهته ولو لم يشعر كل بالآخر أو تباعدوا أو كان أحدهما بشاهق والآخر بوهدة أو بئر أو حال بينهما مانع مرور كنهر يحوج إلى سباحة أو ستر رقيق لا يمنع الرؤية أو ماء صاف كذلك إن عده العرف لقاء في الكل على الأقرب من تردد وإسهاب فيه وكذا لو تلاقيا نائمين أو كان غير النبي مجنوناً محكوماً بإسلامه على ما بحث وقيل لا وقيل إلا زمن إفاقته وذلك لشرف منزلة النبي فيظهر أثر نوره في قلب ملاقيه وعلى جوارحه فشمل التعريف غير المميز وهو ما جري عليه جمع منهم البرماوي لكن اختير اشتراط التمييز وعلى عدمه دخل من حنكه النبي وَلقد کعبد الله بن الحارث أو مسح وجهه کعبد الله بن ثعلبة أو رآه في مهده کمحمد بن أبي بكر والجن کوفد نصيبين واستشكال ابن الأثير بأنه لا تعبد لنا بالرواية عنهم رده الحافظ ابن حجر والأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء والملائكة الذين اجتمعوا به فيها أو غيرها وبه جزم بعضهم لكن جزم البلقيني بخروج النبي والملك ككل من رآه تلك الليلة ممن لم يبرز لعالم الدنيا وتبعه الكمال المقدسي موجهاً بأن المراد الاجتماع المتعارف لا ما وقع خرقاً للعادة وأيده بعض المحققين بأنه المتبارد عرفاً من لفظ اجتمع أو لقي ومن هذا البيان انكشف ضعف جزم الذهبي باستثناء عيسى وادخاله في التعريف وما احتج به من اختصاصه عن بقية الأنبياء برفعه حياً ونزوله الأرض وحكمه بشرعه لا ينهض حجة له عند التأمل وعدم الاعتداد بالرؤية الواقعة خرقاً للعادة يفيد أنه رأى بدنه الشريف فقط کرامة له بفرض وقوعه غير صحابي وإثبات ابن عبد البر الصحبة لمن أسلم في حياته ولم يره شاذ ودخل من رآه بعد البعثة وقبل الأمر بالدعوة كورقة بخلاف من رآه قبل البعثة وإن آمن بأنه سيبعث كما في شرح العباب وغيره ومن لقيه مؤمناً بغيره من أهل الكتاب كما صرح به الحافظ ابن حجر في الإصابة تبعاً لما نقله ابن الأثير وغيره عن الإمام البخاري وغيره وعبارته في (أسد الغابة)) قال البخاري من صحب رسول الله أو رآه من المؤمنين فهو من أصحابه ووقع لبعضهم في هذا المقام من الخيالات والأوهام ما كنا أومأنا أولاً إلى شيء مما يدفعه فغضب لذلك بعض من تمكن في قلبه داء الحسد والحمية وبلية المعصية للعصبية وانتصب لدفع الإيراد بما هو قادح في أصل مطلوبه ورام ترميمه وتتميمه بما عسى الفطرة السليمة المبرأة عن العصبية تكفي مؤنة رده لكنا مع ذلك تعرضنا لكشف حاله وتزييف مقاله في مؤلف مستقل. ثم إن المؤلف أورد من صفاتهم ما يدل على حيازتهم قصب السبق في مضمار المآثر وتبرزهم على من سواهم في اقتناء المناقب والمفاخر فقال (ليوث الغابة) استعارة لفرط شجاعتهم يعني أنهم أدحضوا الباطل بالبأس الساحق والسيف الماحق فكانوا كالأسود الضارية التي ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. قال ابن . عبد البر في خطبة الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أن الصحب لما دخلوا الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالسيوف والمناشير وصلبوا على المقدمة ٢٥ . هذا كتاب أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفاً، ومن الحكم المصطفوية صنوفاً، الجذوع بأشد اجتهاداً من هؤلاء ومع ذلك كان عندهم للسلم والعفو موضع فلم يكن الواحد منهم ضراراً قهاراً دائماً بل كانوا كمتبوعهم حسبما يقتضيه المقام في مكان القهر على العفو وفي وقت السلم محض اللطف أشداء على الكفار رحماء بينهم يعفون عمن ظلمهم ويصلون من قطعهم ويعطون من حرمهم ويعينون على نوائب الدهر بطلاقة وجه وسماحة نفس وكف أذى وبذل ندى فهم كما قيل فیھم : شُمُوس العُلَا سُحْبُ النَّدَا بالمَوَاهِب جِبَالُ الحِجَى أُسْدُ الوَغَا غُصَصُ العِدَا والليوث جمع ليث وهو الأسد وخصه لأنه بمنزلة ملك الوحش وأشده شكيمة وأقواه نفساً وعزيمة وأعظمه شجاعة وبطشاً. والغابة الأجمة من نحو قصب أو شجر ملتف تأوي إليه الأسود سميت غابة لأنها تغيب ما فيها يقال إنه ليث غابة وهو من ليوث الغابة قال الزمخشري ومن المجاز أننا في غابة أي رماح كثيرة كالشجر وزاد قوله (وأسد عرينها) دفعاً لتوهم عدم احتمال إرادة الحيوان المفترس بلفظ الليث إذ الليث أيضاً نوع من العنكبوت والأسد بضمتين أو بضم فسكون جمع أسد بفتحهما. قال الزمخشري: ومن المجاز استأسد عليه أي صار كالأسد في جراءته والعرين والعرينة مأواه الذي يألفه يقال ليث غابة وليث عرينة. ومن كلامهم: أشم العرين كالأسد في عرينه لا كالجمل الأنف الأنف في عرانه وهو العود الذي يجعل في برة أنف البختي ذكره الزمخشري. وعلم مما تقرر أن تشبيهم بالأسد استعارة بالكناية وإثبات الغابة لهم استعارة تخييلية رشحها بذكر العرين (هذا) أي المؤلف الحاضر في العقل استحضر المعاني التي جمعها فيه على وجه الإجمال وأورد اسم الإشارة لبيانها وأسماء الإشارة قد تستعمل في الأمور المعقولة وإن كان وضعها للأمور المحسوسة المبصرة الحاضرة في مرأى المخاطب لكن لا بد من نكتة وهي هنا الإشارة إلى إتقانه هذه المعاني حتى صارت لكمال علمه بها كأنها مبصرة عنده ويقدر على الإشارة إليها ذكره العصام تلخيصاً من كلام الدواني وغيره (كتاب) أي مكتوب وتنوينه للتعظيم وهو في الأصل مصدر سمي به المكتوب على التوسع ثم غلب في العرف على جمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين. وقال الحراني: الكتاب من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفيفة من أصله كالخرز في الجلد يقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله للأول فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام (أودعت) أي صنت وحفظت (فيه) أي جعلته ظرفاً لصون الحديث وحفظه من أودعته مالاً دفعته إليه ليكون وديعة محفوظة عنده من الدعة وهي الراحة كأن به تحصل الراحة لطالب الفن بجمع ما هو مشتت في الأقطار متفرق في الكتب الكبار قال الزمخشري: ومن المجاز أودعته سراً وأودع الوعاء متاعه وأودع كتابه كذا وأودع كلامه معنى حسناً قال: فَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ العِلْمِ القَرَاطِيسُ اسْتُودِعَ العِلْمُ قِرْطَاساً فَضَيَّعَهُ. (من الكلم) بفتح فكسر جمع كلمة كذلك من الكلم بفتح فسكون وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر سمي به اللفظ لما مر. قال الحراني: والكلام إظهار ما في الباطن على الظاهر ٢٦٠ المقدمة اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الاظهار انتهى. وآثر الكلم على الكلمات لأنها جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل وعلى الكلام لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير وعرف بعض أهل الأصول الكلام بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة وقال السيد وقد یزاد قيدان آخران فيقال المتواضع عليها إذا صدرت عن قادر واحد (النبوية) أي المنسوبة إلى النبي (ألوفاً) بضم أوله جمع ألف وهو العدد المخصوص المعروف. قال الراغب: سمي به لكون الأعداد فيه مؤلفة فإن الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت وما بعده يكون مكرراً قيل وعدته عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون والمراد بالكلم الأحاديث المعروفة بالنبي المنسوبة إلى سيدنا محمد واله (ومن الحكم) جمع حكمة وهي اسم لكل علم وعمل صالح وفي الكشاف هي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة وفي المفردات اسم لكل علم حسن وعمل صالح وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري والحكمة من الله إظهار الفضائل المعقولة والمحسوسة ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر وعرفت أيضاً أنها العلم المشتمل على معرفته تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك، ولا يبلغ الحكمة إلا أحد رجلين مهذب في فهمه موفق في نظمه ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر، وأما الذي يصطفيه فإنه يفتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي ويلقي إليه مقاليد جوده فيبلغه ذروة السعادة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (المصطفوية) نسبة إلى المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي المختار والاصطفاء افتعال من الصفوة وهي ما خلص اللطيف عن كثيفه ومكدره ذكره الحراني (صنوفاً) أي أنواعاً من الأحاديث فإنها متنوعة إلى أنواع كثيرة فمنها مواعظ واداب ورقائق وأحكام وترغيب وترهيب وغير ذلك وفي الكتاب من كل منها لكنه لم يكثر من أحاديث الأحكام اكتفاء بكون معظم تآليف القوم فيها وتعبيره بالمصطفوية بالواو إنما يتخرج على خلاف ما عليه الجمهور فإن عندهم أن ألف المقصور إذا كانت خامسة فصاعداً تحذف مطلقاً ولا تقلب سواء كانت أصلية نحو مصطفى أو للتأنيث نحو حبارى أو لغير ذلك (اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة) أي القصيرة فلم أتجاوزها إلى إيراد الطويلة أي غالباً. قال في الصحاح: قصر الشيء على الشيء لم يتجاوزه لغيره والاقتصار على الشيء الاكتفاء به. وفي الأساس: اقتصر عن الشيء كف عنه وهو يقدر عليه وقصر عنه قصوراً عجز عنه يقال اقصر عن الصبا واقصرء عن الباطل. والأحاديث قال في الكشاف: يكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله ﴾ ويكون جمعاً للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة هي ما يتحدث به الناس تلهياً والمراد هنا الأول قال سميت أحاديث لأنه محدث بها عن الله ورسوله فيقال قال رسول الله كذا انتهى قال الكرماني: والمراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي وكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن لأنه قديم وهذا حديث انتهى وفي شرح الألفية الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح ما أضيف إلى النبي أو إلى صحابي أو إلى دونه قولا أو فعلاً أو تقريراً أو صفة، ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية، ويحد بأنه علم يشتمل على نقل ذلك، وموضوعه ذات النبي وَ لهو من حيث كونه نبياً؛ وغايته الفوز بسعادة الدارين؛ وأما علم الحديث دراية وهو المراد عند الاطلاق كما في الألفية فهو علم يعرف به حال الراوي والمروي ٢٧ ٠ المقدمة تحرير التخريج: فتركت القشر، وأخذت اللباب، وصنته عما تفرّد به وضاع أو كذاب، من حيث القبول والرد اهـ. والمراد هنا ما يضاف إلى النبي ◌َي خاصة ولا مجال الإرادة غيره والوجيز القليل اللفظ الكثير المعنى ووجز اللفظ وجازة فهو وجيز وموجز أي قصير (ولخصت فيه) من التلخيص وهو تهذيب الشيء وتصفيته مما يمازجه في خلقته مما هو دونه وفي الصّحاح هو التبيين والشرح وفي النهاية هو التقريب والاقتصار، يقال لخصت القول أي اقتصرت فيه واختصرت منه ما يحتاج إليه (من معادن) جمع معدن بفتح فسكون فكسر اسم مكان ويراد به الحال فيه أيضاً (الأثر) بالتحريك أي المأثور أي المنقول عن النبي ◌َّله يقال أثرت الحديث أثراً أي نقلته والأثر بفتحتين اسم منه وحديث مأثور أي نقله خلف عن سلف وسنن النبي آثاره كذا في مختار الصحاح. وقال الزمخشري: يقال وجدت ذلك في الأثر أي في السنة وفلان من جملة الآثار وحديث مأثور يأثره أي يرويه قرن عن قرن ومنه التليد المأثور للقديم المتوارث كابراً عن كابر، وفي شرح الألفية: الأثر بفتح الهمزة والمثلثة هو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة، وقصره بعض الفقهاء على الموقوف (إبريزه) أي خالصه وأحسنه والإبريز كما في التهذيب بكسر الهمزة والراء وسكون الموحدة التحتية بينهما: الذهب الخالص يقال ذهب إبريز وإبريزي بكسرهما خالص شبه أصول الحديث بالمعادن وما أخذه منها بالذهب الخالص وجمعه لها بالتلخيص فهو كناية عن كونه غاص على الأحاديث العزيزة البليغة المعدودة من جوامع الكلم واستخرجها من أماكنها ومكامها وهذبها ورتبها بكلفة ومشقة كما يقاسيه من يستخرج الذهب من معدنه الذي خلق فيه، فشبه ما لخصه مما انتزعه من بطون الدفاتر الحديثية المتشعبة المنتشرة بالذهب المعدني المستخرج من البقاع التي خلق فيها بجامع أن كلا منهما قد ارتقى في النفاسة إلى الغاية التي لا ترتقى وبرز تبريزاً فاق أصحابه عقلاً وشجاعة. وكذا في القاموس وفي الأساس: ذهب إبريز خالص وتقول ميز الخبيث من الإبريز والناكصين من أولي التبريز (وبالغت) أي تناهيت في الاجتهاد قال الزمخشري تبالغ فيه المرض والهم إذا تناهى (في تحرير التخريج) أي تهذيب المروي وتخليصه وتلخيصه. قال الزمخشري: ومن المجاز حرر الكتاب حسنه وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه والتخريج من خرج العمل تخريجاً واخترجه بمعنى استخرجه قال الزمخشري ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجاً إذا نبغ وخرجه واخترجه بمعنى استخرجه وخرج الغلام لوحه ترك بعضه غير مكتوب وإذا كتبت الكتاب فتركت مواضع الفصول والأبواب فهو كتاب مخرج وخرج الكتاب جعله ضروباً مختلفة والإخراج والاستخراج الاستنباط بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين. قال ابن الكمال: كتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة وكأكابر الفقهاء فإن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح الموضوع، وممن عدت عليه في هذا الباب هفوات وحفظت عليه غلطات الأسد بن الأسد الكرار الفرار الذي أجمع على جلالته الموافق والمخالف وطار صيته في المشرقين والمغربين الأستاذ الأعظم إمام الحرمين وتبعه عليها معمار القواعد دهقان المعاقل والمعاقد الذي اعترف بإمامته العام والخاص مولانا حجة الإسلام في كثير من عظماء المذاهب ٢٨ المقدمة الأربعة وهذا لا يقدح في جلالتهم بل ولا في اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا. قال الحافظ الزين العراقي في خطبة تخريجه الكبير للإحياء: عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم وعدم بيان من خرجه وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادراً وإن كانوا من أئمة الحديث حتى جاء النووي فبين. وقصد الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء مع كونه أعلم بالحديث من النووي. إلى هنا كلامه (فتركت القشر) بكسر القاف (وأخذت اللباب) أي تجنبت الأخبار التي حكم عليها النقاد بالوضع أو ما قاربه مما اشتدت نكارته وقويت الريبة فيه المكنى عنه بالقشر وأتيت بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره وما لم يشتد ضعفه المكنى عنه باللباب. والترك: أن لا يتعرض للأمر حساً أو معنى والقشر واحد القشور والقشرة أخص منه ومنه قشر العود وغيره نزع عنه قشره والأخذ حوز الشيء وتحصيله. قال الزمخشري: ومن المجاز جاء بالجواب المقشر. واللباب بالضم الخالص ولب كل شيء خالصه وآخذ لبابه خالصه ورأيته يلب اللوز يكسره ويستخرج لبه (وصنته) أي هذا الجامع يعني حفظته يقال صان الرجل عرضه عن الدنس فهو صين والتصاون خلاف الابتذال وفلان يصون عرضه صون الربط وحب مصون وصنت الثوب من الدنس والثوب في صوانة والفرس في صوانها ومصوانها ومصابها وهذا ثوب صينة لا ثوب بذلة وهو يتصون من العجائب ومن المجاز فرس ذو صون وابتذال وهو یصون خبزه إذا ادخر منه ذخيرة ذکره الزمخشري (عما) أي عن إیراد حديث (تفرد به) أي بروايته راو (وضاع) للحديث على النبي وَّر (أو كذاب) وإن لم يثبت عنه خصوص الوضع أي اتهمه جهابذة الأثر بوضع الحديث على النبي ويل﴿ أو الكذب وصيغة المبالغة هنا غير مرادة إذ غرضه صونه حتى عمن لم يعهد عليه سوى وضع حديث واحد أو كذب ولو في لفظة واحدة أما إذا لم ينفرد بأن شاركه في روايته غيره فلا يتحاشى المؤلف عن إيراده لاعتضاده. ثم إن ما ذكره من صونه عن ذلك غالبي أو ادعائي وإلا فكثيراً ما وقع له أنه لم يصرف إلى النقد الاهتمام فسقط فيما التزم الصون عنه في هذا المقام كما ستراه موضحاً في مواضعه لكن العصمة لغير الأنبياء متعذرة والغفلة على البشر شاملة منتشرة وقد أعطي الحفظ حقه وأدى من تأدية الغرض مستحقه فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. والكتاب مع ذلك من أشرف الكتب مرتبة وأسماها منقبة والذنب الواحد أو المتعدد مع القلة لا يهجر لأجله الحبيب والروض النضير لا يترك بمحل قبر قريب. قال الراغب وغيره: ليس يجب أن نحكم بفساد كتاب لخطأ ما وقع فيه من صاحبه كصنيع العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسألة حكموا على صنعته بالفساد ودأبهم أن يعتبروا الصناعة بالصانع خلاف ما قال علي كرم الله وجهه: ((الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله)) وليس يدرون أن الصناعة على شيء روحاني والمتعاطي لها يباشرها بجسم وطبع لا يفارقهما العجز فهو خليق بوقوع الخطأ منه اهـ. قال المؤلف كغيره: والموضوع ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحاً بل بزعم واضعه؛ وسبب الوضع نسيان الراوي لما رواه فيذكر غيره ظاناً أنه المروي أو غلطه بأن سبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع مكانه مما يظن أنه يؤدي معناه أو افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول تنفيراً للعقلاء عن شريعته المطهرة أو ٢٩ المقدمة ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع، كالفائق والشهاب، وحوى من نفائس الصناعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب. للترغيب في أعمال البر جهلاً كبعض الصوفية أو غير ذلك مما هو مبين في علوم الحديث (ففاق بذلك) أي بسبب صونه عما ذكر مع تحرير تخريجه (الكتب المؤلفة في هذا النوع) أي علاهم في الحسن لتميزه عليها بجودة التهذيب والرصانة وكمال التنقيح والصيانة؛ قال الزمخشري: يقال فاق قومه فضلهم ولاجحهم. وقال الراغب. يقال فاق فلان غيره يفوقه علاه وهو من لفظ فوق المستعملة للفضيلة فإنه يقال باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾ [الزخرف: ٣٢] والأخروية نحو: ﴿والذين اتقوا فوقهم﴾ [البقرة: ٢١٢] ويقال باعتبار القهر والغلبة قال السيد: ((والتأليف جمع أشياء متناسبة كما يرشد إليه اشتقاقه من الألف وأصله قول الراغب: المؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة وترتب ترتيباً قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر ما حقه أن يؤخر والألفة اجتماع مع التئام اهـ)) والنوع من الشيء الصنف وتنوع صار أنواعاً ونوعه تنويعاً جعله أنواعاً متنوعة والكتب المؤلفة في هذا النوع (كالفائق) كما يأتي ذكره (والشهاب) بكسر أوله للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المصري قاله السلفي كان من الثقات الأثبات شافعي المذهب والاعتقاد. والظاهر أن مراده بالفائق كتاب: ((الفائق في اللفظ الرائق: تأليف ابن غنام)) جمع فيه أحاديث من الرقائق على هذا النحو. وأما ما يتبادر إلى بعض الأذهان من إرادة فائق الزمخشري فلا يستقيم إذ المشار إليه بهذا النوع هو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مرتبة على الحروف، وفائق الزمخشري ليس إلا في شرح الألفاظ اللغوية والكلمات العربية الواقعة في الحديث ولسان الصدر الأول من الصحب والتابعين الموثوق بعربيتهم المحتج باستعمالهم وبینه وبین هذا الكتاب بون (وحوى) أي جمع وضم يقال حويت الشيء أحويه جمعته وضممته وتحوي الشيء تجمع قال الزمخشري ومن المجاز احتوى على الشيء استولى عليه (من نفائس الصناعة الحديثية) أي المنسوبة للمحدثين (ما لم يودع) بالبناء للمفعول (قبله) أي قبل تأليفه (في كتاب) فإن ذينك وإن كانا أوردا المتون كما ذكر لكنهما لم يعقبا بالرموز للمخرجين ولا رتبا على الحروف وهذا من قبيل المبالغة في المدحة على ما اعتيد من الترغيبات في التأليفات فإن الديلمي رتب الفردوس على حروف المعجم كهذا الترتيب ويأتي بمتن الحديث أولاً مجرداً ثم يضع عليه علامة مخرجه بجانبه بالحروف على نحو من اصطلاح المصنف رحمه الله تعالى في رموزه من کون خ للبخاري وم لمسلم وهكذا لكن بينهما تخالف في البعض فالحروف التي رمز بها الديلمي عشرون والمؤلف ثلاثون وهو إنما رسم كتابه على ذلك فخفت المؤنة عليه في تأليفه هذا الكتاب فانتهب منه ما اختار واغترف اغتراف الظمآن من اليم الزخار وأعانه على ذلك أيضاً سديد القوس للحافظ ابن حجر والنفائس جمع نفيسة لا نفيس لأن فعائل إنما يكون جمعاً لفعيلة والصناعة في عرف الخاصة علم يتعلق بكيفية العمل ويكون المقصود منه العمل سواء حصل بمزاولة عمل أم لا وفي عرف العامة يخص بما لم يحصل إلا بمزاولة والوجه في التسمية على التعريفين أن حقيقة الصناعة صفة نفسانية راسخة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض على وجه البصيرة بحسب الإمكان والظاهر أن المراد بالصناعة هنا متعارف العامة وأن ذكر الصناعات لمشابهتها العلوم في أن تفاضل أصحابها بحسب ٠٠٫٠٠ ٣٠ المقدمة ورتبته: على حروف المعجم، مراعياً أوّل الحديث فما بعده، تسهيلاً على الطلاب . الدقائق دون الأصول ذكره كله الشريف الجرجاني قال وقد يقال كل علم مارسه رجل وصار حرفة له سمي صناعة له تعلق بعمل أم لا انتهى. قال في الكشاف: كل عامل لا يسمى صانعاً ولا كل عمل صناعة حتى يتكرر منه ويتدرب وينسب إليه وقال الأكمل الحق أن كل علم مارسه الإنسان سواء كان استدلالياً أو غيره حتى صار كالحرفة له يسمى صنعة ووصفها بالنفاسة إيذاناً بخطر قدرها وعلو شأنها وههنا نكتة سرية وهو أنه مدح الجامع أولاً بتهذيب تخريجه وصونه عن الأخبار الموضوعة. ثم وصفه ثانياً بتفرده بحسن الصنعة ونفاسة الأسلوب في بابه إشعاراً بأنه قد أحاط به الشرف من كل جهة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، والقبل كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو الزمان (ورتبته) أي الكتاب من الترتيب. قال الشريف: وهو جعل الأشياء بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية، فهو أخص من التأليف: إذ هو ضم الأشياء مؤتلفة سواء كانت مترتبة الوضع أم لا (على حروف المعجم) أي حروف الخط المعجم كمسجد الجامع، وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط، سميت معجمة لأنها أعجمية لا بيان لها، أو لأنها أعجمت على الناظر في معناها. ذكره ابن عربي. وقال غيره: المعجم إما اسم مفعول صفة لمحذوف: أي حروف الخط الذي وقع عليه الإعجام وهو النقط، أو مصدر ميمي كالإعجام وعليهما فإطلاق حروف المعجم على الكل من قبيل التغليب وجوز التفتازاني أن يكون معنى الإعجام إزالة العجمة بالنقط. واعترضه الدماميني بأنه إنما يتم إذا كان جعل الهمزة للسلب مقيساً أو مسموعاً في هذه الكلمة وقيل معناه حروف الاعجام أي إزالة العجمة وذلك أن ينقط أكثرها والحرف يذكر ويؤنث وأصله طرف الشيء الذي لا يوجد منفرد أو طرف القول الذي لا يفهم وحده. وأحق ما يسمى حروفاً إذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم يفهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزءاً من كلمة مفهومة فتسمى عند ذلك حروفاً وعند النطق بها كهذا ألف لام ميم يقال فيها أسماء وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف أب ت ث فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وأنها إنما تسمى حروفاً عندما تكون أجزاء كلمة محركة للابتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء ذكره الحراني (فائدة) قال العارف ابن عربي الحروف أمة من الأمم مخاطبون مكلفون وفيهم رسل من جنسهم قال ولا يعرف ذلك إلا أهل الكشف (مراعياً) أي ملاحظاً في الترتيب (أول الحديث فما بعده) أي محافظاً على الابتداء بالحرف الأول والثاني من كل كلمة أولى من الحديث واتباعهما بالحرف الثالث منهما وهكذا فيما بعده على سياق الحروف كما لو اشترك حديثان في الحرف الأول واختلف في الثاني من الكلمة نحو أبى وأتى فيوضع على هذا الترتيب فإن اشتركا في حرفين روعي الثالث وهكذا وإن اشتركا في الثالث روعي كذلك كقوله: ((آخر قرية)) و((آخر من يحشر)) وهكذا إن اشتركا في كلمات كقوله: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)) وقوله: ((من رآني في المنام فقد رآني)) هذا هو قضية التزامه الدال عليه كلامه هنا. فإن قلت هو لم يف بما التزمه بل خالفه من أول وهلة فقال: ((آخر من يدخل)) ثم قال: ((آخر قرية)) ٣١ المقدمة وسميته: ((الجامع الصغير، من حديث البشير النذير)) لأنه مقتضب من الكتاب · الكبير الذي سميته ((جمع الجوامع)) وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها. وهذه رموزه: - (خ) للبخاري، (م) لمسلم، (ق) لهما، (د) لأبي وحق الترتيب عكسه؟ قلت: إنما يخالف الترتيب أحياناً لنكتة ككون الحديث شاهداً لما قبله أو فيه تتمة له أو مرتبط المعنى به أو نحو ذلك من المقاصد الصناعية المقتضية لتعقيبه به. وإنما رتبه على هذا النحو (تسهيلاً على الطلاب) لعلم الحديث أي تيسيراً عليهم عند إرادة الكشف عن حديث يراد مراجعته للعلم أو للعمل به فإن الكتاب إذا كان جنساً واحداً غير مبوب عسر التتبع منه وإذا جعلت له تقاسيم وأنواع واشتملت أقسامه على أصناف كان أسهل على الكاشف وأنشط للقارىء سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام وتجاذبت النظائر بحسن الالتئام وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وكمال الأحكام والتسهيل التيسير. قال الزمخشري: ومن المجاز كلام فيه سهولة وهو سهل المأخذ (وسميته الجامع الصغير) قال النحرير الدواني: يعني سميته بمجموع الموصوف والصفة وما أضيف إليهما (من حديث البشير النذير) أي البالغ في كل من الوصفين غاية الكمال فهو بشير للمؤمنين بالجنة ونذير للكافرين من النار وفيه من أنواع البديع الطباق وهو إيراد المتضادين وهما البشارة والنذارة وقدم الوصف بالبشارة على الوصف بالنذارة إما رعاية للسجع أو إشارة إلى سبق الرحمة وغلبة وصف الكرم وكثرة المسامحة وإجزال المواهب، ولا مانع من كون الوصف في الأصل يصير علماً بالشخص أو بالغلبة أو بهما. قال الحراني: والجامع من الجمع وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفاً أو قهراً. ثم بين وجه مناسبة تسميته بخصوص ذلك الاسم بقوله (لأنه مقتضب) أي مقتطع من اقتضب الشيء اقتطعه ومنه قيل للغصن المقطوع قضيب فعيل بمعنى مفعول. قال الزمخشري ومن المجاز اقتضب الكلام ارتجله واقتضب الناقة ركبها قبل أن تراض ورجل قضابة قطاع للأمور مقتدر عليها (من الكتاب الكبير) حجماً وعلماً (الذي) صنفته في الحديث و (سميته بجمع الجوامع) لجمعه كل مؤلف جامع فتسميته بذلك إيماء إلى ما ذكر ومن ثم قال (وقصدت) أي طلبت يقال قصدت الشيء وله وإليه قصداً طلبته بعينه (فيه) أي في الكتاب الكبير (جمع الأحاديث النبوية بأسرها) أي بجميعها والأسر القِدَّ الذي يشد به الأسير فإذا ذهب الأسير بأسره فقد ذهب بجميعه فقال هذا لك بأسره أي بقده يعني بجميعه كما يقال برمّته ذكره في الصحاح وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر لتعذر الإحاطة بها وإناقتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم وقد اخترمته المنية قبل إتمامه. وفي تاريخ ابن عساكر عن أحمد: صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر. وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال البخاري: احفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم: صنفت الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث إلى غير ذلك ثم شرع في بيان رموز اصطلح عليها فقال (وهذه رموزه) أي إشاراته الدالة على من خرج الحديث من أهل الأثر جمع رمز وهو الإشارة بعين أو حاجب أو غيرهما قال في الكشاف وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر وفي الأساس رمز إليه وكلمه ٣٢ المقدمة رمزاً بشفتيه وحاجبه ويقال جارة غمازة بيدها همازة بعينها لمازة بفمها رمازة بحاجبها ودخلت عليهم فترامزوا وتغامزوا انتهى وقال الحراني الرمز تلطف في الافهام بإشارة تحرك طرف كيد ولحظ والغمز أشد منه. وقال الراغب يعبر عن كل كلام كإشارة بالرمز كما عبر عن السعاية بالغمز انتهى. ثم توسع فيه المصنف فاستعمله في الإشارة بالحروف التي اصطلح عليها في العزو إلى المخرجين (خ للبخاري) زين الأمة وافتخار الأئمة صاحب أصح الكتب بعد القرآن ساحب ذيل الفضل على مر الزمان الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة: ((ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه)) وقال بعضهم إنه من آيات الله التي تمشي على وجه الأرض. وقال الذهبي: ((كان من أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة)) هذه عبارته في الكاشف ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين: ((ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ تركه لأجلها الراويان» هذه عبارته وأستغفر الله نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان. قال التاج السبكي: ((شيخنا الذهبي عنده على أهل السنة تحامل مفرط وإذا وقع بأشعري لا يبقي ولا يذر فلا يجوز اعتماد عليه في ذمّ أشعري ولا شكر حنبلي)» تفقه البخاري على الحميدي وغيره من أصحاب الشافعي وكتب عن أحمد زهاء ألف حديث وكتب عنه المحدثون وما في وجهه شعرة وكان يحضر مجلسه زهاء عشرين ألفاً وسمع منه الصحيح نحو تسعين ألفاً، وقال إنه أنه من زهاء ستمائة ألف وأنه ما وضع فيه حديثاً إلا اغتسل بماء زمزم وصلى خلف المقام ركعتين وصنفه في ستة عشر سنة. وروى عنه مسلم خارج الصحیح. وکان یقول له: دعني أقبل رجلك یا طيب الحديث يا أستاذ الأستاذين. ولد بعد الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومائة ومات عشاء ليلة الفطر سنة ستة وخمسين ومائتين، وما أحسن قول ابن الكمال ابن أبي شريف ولد في صدق ومات في نور ومناقبه مفردة بالتأليف فلا نطیل فيها منها أن کتابه لم يقرأ في کرب إلا فرج ولا رکب به في مركب فغرق وإنما رمز له المؤلف بحرف من حروف بلده دون اسمه لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ورمز إليه بالخاء دون غيرها من حروف بلده لأنها أشهر حروفه وليس في حروف بقية الأسماء خاء (م المسلم) أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري صاحب الصحيح المشهود له بالترجيح، صنفه من ثلاثمائة ألف حديث كما في تاريخ ابن عساكر، أخذ عن أحمد وخلق وعنه خلق، روى له الترمذي حديثاً واحداً. وسبب موته أنه ذكر له حديث فلم يعرفه فأوقد السراج وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد عليّ فقالوا أهديت لنا سلة تمر وقدموها فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث فمات سنة واحد وستين ومائتين. وإنما رمز له بالميم لأن اسمه أشهر من نسبته وكنيته عكس البخاري والميم أوّل حروف اسمه (ق لهما) في الصحيحين واتفقت الأمّة على أنهما أصح الکتب وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: «الأصح الموطأ» کان قبل وجودهما والجمهور على أن ما في البخاري دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحب والتابعين أصح مما في مسلم وعکسه أطیل في ردّه وجميع ما أسند في الصحيحين محتوم بصحته قطعاً أو ظناً على الخلاف المعروف سوى مائتين وعشرة أحاديث انتقدها عليهم الدارقطني وأجابوا عنها. (د لأبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الشافعي أخذ عن أحمد وخلق وعنه الترمذي ومن لا يحصى. ولد سنة ثنتين ومائتين ومات سنة خمس ٣٣ المقدمة داود، (ت) للترمذي، (ن) للنسائي، (هـ) لابن ماجه، (٤) لهؤلاء الأربعة، (٣) لهم إلا وسبعين ومائتين قالوا: ((ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد، وقال بعض الأعلام: سننه أمّ الأحكام. ولما صنفه صار لأهل الحديث كالمصحف. قال: ((كتبت خمسمائة ألف حديث انتخبت منها السنن أربعة آلاف وثمانمائة ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما فيه لين شديد بينته)). قال الذهبي: قد وفى فإنه بين الضعيف الظاهر وسكت عن المحتمل فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده ولا بد کما زعمه ابن الصلاح وغیره بل قد یکون فیه ضعف وهذا قد سبقه إلیه ابن منبه حیث قال کان يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ويخرج الاسناد الضعيف إذا لم يجده في الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأي الرجال. قال ابن عبد الهادي هذا ردّ على من يقول إن ما سكت عليه أبو داود يحتج به ومحكوم عليه بأنه حسن عنده، والذي يظهر أن ما سكت عنه وليس في الصحيحين ينقسم إلى صحيح محتج به وضعيف غير محتج به بمفرده ومتوسط بينهما، فما في سننه ستة أقسام أو ثمانية صحيح لذاته صحيح لغيره بلا وهن فيهما، ما به وهن شديد، ما به وهن غير شديد، وهذان قسمان: ما له جابر وما لا جابر له، وما قبلهما قسمان: ما بين وهنه وما لم يبينه، ورمز له المؤلف بالدال لأن كنيته أشهر من اسمه ونسبه، والدال أشهر حروف كنيته وأبعدها عن الاشتباه ببقية العلائم انتهى (ت للترمذي) بكسر الفوقية والميم أو بضمهما وبفتح فكسر كلها مع إعجام الذال نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون وهو الإمام أبو الحسن محمد بن عيسى بن سورة من أوعية العلم وكبار الأعلام، ولد سنة تسع ومائتين ومات سنة تسع وسبعين ومائتين. وقول الخليلي: بعد الثمانين ردوه وصنيع المؤلف قاض بأنّ جامع الترمذي بين أبي داود والنسائي في الرتبة لكن قال الذهبي انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. وقال في الميزان في ترجمة يحيى بن اليمان لا تغتر بتحسين الترمذي فعند المحاققة غالباً ضعاف ورمز له بالتاء لأن شهرته بنسبته لبلده أکثر منها باسمه وكنيته (ن للنسائي) الإمام أحمد بن شعيب الخراساني الشافعي ولد سنة أربع أو خمس عشرة ومائتين واجتهد ورحل إلى أن انفرد فقهاً وحديثاً وحفظاً وإتقاناً. قال الزنجاني له شرط في الرجال أشد من الشيخين. وقال التاج السبكي عن أبيه والذهبي: النسائي أحفظ من مسلم. وقال أبو جعفر بن الزبير لأبي داود في استيعاب أحاديث الأحكام ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره. وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها وكان شهماً منبسطاً في المأکل کثیر الجماع للنساء مع كثرة التعبد، دخل دمشق فذكر فضائل علي رضي الله عنه فقيل له فمعاوية فقال ما كفاه أنه يذهب رأساً برأس حتى نذكر له فضائل فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت فأخرج فمات بالرملة أو فلسطين سنة ثلاث وثلاثمائة وحمل للمقدس أو مكة فدفن بين الصفا والمروة، ورمز له بالنون لأن نسبته أشهر من اسمه وكنيته ولم يرمز له بالسين لئلا يتصحف بابن أبي شيبة (ه لابن ماجه) الحافظ الكبير محمد بن يزيد الربعي مولاهم القزويني، مماجه لقب لأبيه، كان من أكابر الحفاظ مجمع على توثيقه. ولما عرض سنته على أبي زرعة قال: أظن أن هذا الكتاب إن وقع بأيدي الناس تعطلت الجوامع أو أكثرها، مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال المزني: كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف واعترض ثم حمل تارة على الأحكام وطوراً على الرجال، ورمز له بالهاء لأن اشتهاره بلقب أبيه فيض القدیرج١ م٣ ٣٤ المقدمة ابن ماجه، (حم) لأحمد في مسنده، (عم) لابنه عبد اللّه في زوائده، (ك) للحاكم: فإن كان في مستدركه أطلقت، وإلا بينته، (خد) للبخاري في الأدب، (تخ) له في أكثر منه باسمه وبلده (٤ لهؤلاء الأربعة) أي أصحاب السنن الأربعة أبي داود ومن بعده (٣ لهم إلا ابن ماجه) وهذه السنن الأربعة فيها الصحيح والحسن والضعيف فليس كل ما فيها حسناً ولهذا عابوا على محيي السنة في تقسيمه المصابيح إلى الصحاح والحسان جانحاً إلى أن الحسن ما رواه أصحاب السنن والصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما. وقول لسلفي اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في الكتب الخمسة زلل فاحش (حم لأحمد في مسنده) بفتح النون يقال لكتاب جمع فيه ما أسنده الصحابة أي رووه وللإسناد كمسند الشهاب ومسند الفردوس أي إسناد حديثهما ولم يكتف في الرمز إليه بحرف واحد كما فعل في أولئك لئلا يتصحف بعلامة البخاري. والإمام أحمد هو ابن محمد بن حنبل الناصر للسنة الصابر على المحنة الذي قال فيه الشافعي ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة. ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق، وعنه الشيخان وغيرهما، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وارتجت الدنيا لموته. قال ابن المديني: مسنده وهو نحو أربعين ألفاً أصل من أصول الإسلام. وقال ابن الصلاح مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلى والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها أي كسنن ابن ماجه في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فیه حدیث لا أصل له إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً قال أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد (عم لابنه عبد الله)، روى عن أبيه وابن معين وخلق، وعنه النسائي والطبراني وغيرهما. روى علماً كثيراً. قال الخطابي: ثقة ثبت، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة تسعين ومائتين (في زوائده) أي زوائد مسند أبيه جمع فيه نحو عشرة آلاف حديث (ك للحاكم) محمد بن عبد الله بن حمدویه الضبي الشافعي الإمام الرحال المعروف بابن البيع. قال أبو حاتم وغيره: قام الإجماع على ثقته ونسب إلى التشيع وقال الذهبي: ثقة ثبت لكنه يتشيع ويحط على معاوية والله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي كما زعمه ابن طاهر أما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فمجمع عليه. وقال السبكي: اتفق العلماء على أنه من أعظم الأئمة الذين حفظ الله بهم الدين. ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وأكثر الرحلة والسماع حتى سمع من نيسابور من نحو ألف شيخ ومن غيرها أكثر، ولا تعجب من ذلك فإن ابن النجار ذكر أن أبا سعيد السمعاني له سبعة آلاف شيخ واستملى على ابن حبان وتفقه على ابن أبي هريرة وغيره، روى عنه الأئمة: الدار قطني، والقفال الشاشي وهما من شيوخه، والبيهقي وأكثر عنه، وبكتبه تفقه الأستاذ أبو القاسم القشيري ورحل الناس إليه من الآفاق، وحدثوا عنه في حياته، وأفرد المديني ترجمته وذكر أنه دخل الحمام فاغتسل وقال: آه فخرجت روحه وهو مستور لم يلبس القميص (فإن كان في مستدركه) على الصحيحين ما فاتهما الذي قصد فيه ضبط الزائد عليهما مما على شرطهما أو شرط أحدهما أو هو صحيح (أطلقت) العزو إليه عارياً عن التقييد بأن أذكر صورة حرف ((كـ)) يقال ٣٥ المقدمة التاريخ، (حب) لابن حبان في صحيحه، (طب) للطبراني في الكبير، (طس) له في أطلقت القول أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة شهدت من غير تقييد بتاريخ، ذكره الزمخشري (وإلا) بأن كان في تاريخه أو المدخل أو الإكليل أو غيرها من كتبه التي بلغت، كما قال السبكي وغيره، نحو خمسمائة، بل قال عبد الغافر والفارسي: ألفاً، بل قيل أكثر (بينته) قالوا وقد تساهل الحاكم فيما استدركه على الشیخین لموته قبل تنقيحه، أو لكونه ألفه آخر عمره وقد تغير حاله أو لغير ذلك، ومن ثم تعقب الذهبي كثيراً منه بالضعف والنكارة وقال: ما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل وإن علم فهذه خيانة عظيمة، وجملة ما فيه مما على شرطهما أو أحدهما نحو نصفه وما صح . بسنده نحو ربعه، وأما قول الماليني: لم أر فيه حديثاً واحداً على شرطهما فأبطله الذهبي بأنه غلو وإسراف قال وما انفرد بتصحيحه ولم يكن مردوداً بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن وظاهر تصرف الحاكم أنه ممن يرى اندراج الحسن في الصحيح. قال ابن أبي شريف بنحو الاعتراض بتساهله في الصحيح (خد للبخاري في الأدب) أي في كتاب الأدب المفرد وهو مشهور (تخ له في التاريخ) أي الكبير فأل فيه للعهد إذ هو المعهود المشهور فيما بين القوم وأطلقه لغلبة اشتهاره وتبادر الأذهان إليه ويحتمل أن المراد واحد من الكتب التي صنفها في التاريخ وهي ثلاثة وهي: كبير، وأوسط، وصغير. والكبير صنفه وعمره ثماني عشرة سنة عند قبر النبي ◌َّر. قال ابن منده: لو كتب الرجل ثلاثين ألفاً ما استغنى عن تاريخ البخاري. وقال السبكي تاريخه لم يسبق إليه، ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الکنی عیال علیه فمنهم من نسبه لنفسه کمسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ومنهم من حکاه عنه (حب لابن حبان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة. وهو محمد بن حبان أبو حاتم التميمي الفقيه الشافعي البستي أحد الحفاظ الكبار، روى عن النسائي وأبي يعلى وابن خزيمة وخلق، وعنه الحاكم وغيره، وصنف كتباً نفيسة منها تاريخ الثقات وتاريخ الضعفاء. ولي قضاء بسمرقند، وكان رأساً في الحديث، عالماً بالفقه والكلام والطب والفلسفة والنجوم، ولهذا امتحن ونسب للزندقة وأمر بقتله، ثم مات بسمرقند سنة أربع وخمسين وثلثمائة في عشر الثمانين (في صحيحه) المسمى بالتقاسيم والأنواع المقدم عندهم على مستدرك الحاكم. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم والحاكم أشد تساهلاً منه غايته أن ابن حبان يسمى الحسن صحيحاً اهـ وما اقتضاه كلام التقريب كأصله مما يخالف ذلك رده الزين العراقي بأن ابن حبان شرط تخريج مراويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الأخذ عنه ووفى بالتزامه ولم يعرف للحاكم قال وصحيح ابن خزيمة أعلى رتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه فأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم. قال ابن حجر: وذكر ابن حبان في كتابه أنه إنما لم يرتبه ليحفظ لأنه لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتكل كل من يكون عنده على سهولة الكشف فلا يحفظه، وإذا توعر طريق الكشف كان أدعى لحفظه ليكون على ذكر من جمعه (طب للطبراني) سليمان اللخمي أبو القاسم أحد الحفاظ المكثرين الجوالين، صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ منهم أبو زرعة وطبقته، وعنه أبو نعيم وغيره قال الذهبي: ثقة صدوق، واسع الحفظ، بصير بالعلل والرجال والأبواب كثير التصانيف إليه المنتهى في كثرة الحديث وعلومه، تكلم ابن مردويه في أخيه فأوهم أنه فيه وليس به، بل هو حافظ ثبت، مات بأصبهان سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة ٣٦ المقدمة الأوسط، (طص) له في الصغير، (ص) لسعيد بن منصور في سننه، (ش) لابن أبي شيبة، (عب) لعبد الرزاق في الجامع، (ع) لأبي يعلى في مسنده، (قط) للدارقطني: فإن كان في السنن أطلقت، وإلا بينته، (فر) للديلمي في مسند الفردوس، (حل) لأبي نعيم -- %4ar وعشرة أشهر (في الكبير) أي معجمه الكبير المصنف في أسماء الصحابة قيل أورد فيه ستين ألف حديث (طس له في الأوسط) أي معجمه الأوسط الذي ألفه في غرائب شيوخه يقال ضمنه نحو ثلاثين ألفاً وفي تاريخ ابن عساكر أن الطبراني كان يقول: هذا الكتاب روحي (طص له في الصغير) أي أصغر معاجيمه فيه نحو عشرين ألفاً، ومما يستغرب أني وقفت على تذكرة المقريزي بخطه فوجدته ذكر في ترجمة الحافظ ابن حجر أنه كان سريع الكتابة سريع القراءة بحيث قرأ المعجم الصغير للطبراني في مجلس واحد بصالحية دمشق. قال في اللسان وقد عاب عليه أبو الفضل جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة والشذوذ والموضوعات وفي بعضها القدح في كثير من قدماء الصحابة وغيرهم. وهذا أمر لا يختص به الطبراني فلا معنى لإفراده باللوم بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته انتهى (ص لسعيد بن منصور في سننه) هو أبو عثمان الخراساني ويقال الطالقاني ثقة ثبت صاحب السنن، روى عن مالك والليث، وعنه أحمد وأبو داود وغيرهم. مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين في عشر التسعين، وسننه قال المصنف في شرح التقريب ومن مظان المعضل والمنقطع والمرسل سنن سعيد بن منصور، السنن جمع سنة قال الحافظ العراقي والتعبير بها أدنى من التعبير بالحديث لأنه لا يختص عندهم وصفه بالمرفوع بل يشمل الموقوف، بخلاف السنة، قال الزين زكريا وبما قاله علم أن بينهما عموماً مطلقاً، قال والحديث الضعيف لا يسمى سنة هكذا جزم به في شرح الألفية (ش لابن أبي شيبة) الحافظ الثبت العديم النظير، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي صاحب المسند والأحكام والتفسير وغيرها سمع من ابن المبارك وابن عيينة، وتلك الطبقة، وعنه الشيخان وأبو داود وابن ماجه وخلق. قال الفلاس: ما رأيت أحفظ منه. مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (عب لعبد الرزاق في الجامع) هو ابن همام بن نافع أبو بكر أحد الأعلام، روی عن ابن جريج ومعمر، وعنه أحمد وإسحاق، مات عن خمس وثمانين ببغداد سنة إحدى عشرة ومائتين وكان يتشيع (ع لأبي يعلى في مسنده) الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما أهل صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاثمائة (قط للدارقطني) نسبة إلى الدار والقطن، ركب الاسمان وجعلا واحداً ونسب إليه كما نبه عليه في المصباح (فإن كان في السنن أطلقت) العزو إليه عارياً عن التقييد (وإلا) بأن كان في غيرها من تصانيفه كالعلل (بينته) أي عينت الكتاب الذي فيه، وهو جهبذ العلل الحافظ الحبل على ابن عمر البغدادي الشافعي إمام زمانه، وسيد أهل عصره، تفقه على الإصطخري، وروى عن البغوي وابن صاعد والمحاملي، وعنه القاضي أبو الطيب والبرقاني والصابوني وغيرهم. قيل للحاكم: هل رأيت مثله؟ قال هو ما رأى مثل نفسه فكيف أنا، وله مصنفات يطول سردها، قال أبو الطيب: هو أمير المؤمنين في الحديث ومن تأمل سننه عرف 925 ٣٧ المقدمة في الحلية، (هب) للبيهقي في شعب الإيمان، (هق) له في السنن، (عد) لابن عدي في الكامل، (عق) للعقيلي في الضعفاء، (خط) للخطيب: فإن كان في التاريخ أطلقت، وإلا بينته . قدر علمه بمذاهب العلماء. قال الخطيب: رفيع دهره، وإمام وقته، صحيح الاعتقاد، عارف بمذاهب الفقهاء، واسع الاطلاع، لكن رأيت في كلام الذهبي ما يشير إلى أنه كان يتساهل في الرجال، فإنه قال مرة: الدارقطني مجمع الحشرات، وقال أخرى لما نقل عن ابن الجوزي في حديث أعله الدار قطني: إنه لا يقبل تضعيفه حتى يبين سببه ما نصه: هذا يدل على هوى ابن الجوزي، وقلة علمه بالدار قطني، فإنه لا يضعف إلا من لا طب فيه انتهى، ولد سنة ست وثلاثمائة ومات سنة خمس وثمانين عن نحو ثمانين سنة وصلى عليه الشيخ أبو حامد ودفن بقرب معروف الكرخي (فر للديلمي في مسند الفردوس) المسمى: ((بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب» والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتباً على الحروف ليسهل حفظه وأعلم بإزائها بالحروف للمخرجين كما مر، ومسنده لولده سيد الحافظ أبي منصور بن شیرویه، خرج سند كل حديث تحته وسماه إبانة الشبه في معرفة كيفية الوقوف على ما في كتاب الفردوس من علامات الحروف (حل لأبي نعيم) أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني الصوفي الفقيه الشافعي الحافظ المكثر أخذ عن الطبراني وغيره، وعنه الخطيب وغيره وهو من أخص تلامذته وعجب عدم ذكره له في كتاب تاريخ بغداد مع كونه دخلها. قال الذهبي: صدوق تكلم فيه بلا حجة لكنه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوی، وكلام ابن منده فيه فظيع لا أحب حكاياته ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما مقبولان ولا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عليها، وكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به وما علمت عصراً سلم من ذلك أهله سوى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، مات بأصبهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنةً. هذا كلام الذهبي (في الحلية) أي كتاب: ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)» قالوا: لما صنفه بيع في حياته بأربعمائة دينار، واشتهرت بركته، وعلت في الخافقين درجته، وناهيك بقول الإمام أبي عثمان الصابوني، كما نقله عنه في الوضوء وغيره، كل بيت فيه حلية الأولياء لأبي نعيم لا يدخله الشيطان (هب للبيهقي) نسبة إلى بيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور. وهو الإمام الجليل الحافظ الكبير أحد أئمة الشافعية الموصوف بالفصاحة والبراعة، سمع من الحاكم وغيره، وبلغت تصانيفه نحو الألف؛ قال السبكي: ولم يتفق ذلك لأحد، قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بورك له في مروياته، وحسن تصرفه فيها، لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال، واعتنى بجمع نصوص الشافعي وتخريج أحاديثها حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فله عليه المنة (في شعب الإيمان) بكسر أوله كتاب نفيس غزير الفوائد في ستة أسفار كبار (هق له في السنن) الكبرى الذي قال السبكي: لم يصنف أحد مثله تهذيباً وترتيباً وجودة. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ومات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور وحمل لبيهق فدفن بها (عد لابن عدي) الحافظ عبد الله بن عدي بن القطان أبو أحمد عبد الله الجرجاني ٣٨ المقدمة والله أسأل أن يمن بقبوله، وأن يجعلنا عنده من حزبه المفلحين، وحزب رسوله، آمین أحد الحفاظ الأعيان وأحد الجهابذة الذين طافوا البلاد، وهجروا الوساد، وواصلوا السهاد، وقطعوا المعتاد، طالبين للعلم، لا يعتري هممهم قصور ولا يثني عزمهم عظائم الأمور وقواطع الدهور، روى عن الجمحي وغيره، وعنه أبو حامد الاسفرايني وأبو سعيد الماليني، قال البيهقي حافظ متقن لم يكن في زمنه مثله. وقال ابن عساكر: ثقة على لحن فيه، مات سنة خمس وستين وثلاثمائة عن ثمان وثمانين سنة (في) كتاب (الكامل) أي في كتابه المسمى بالكامل الذي ألفه في معرفة الضعفاء، وهو أصل من الأصول المعول عليها والمرجوع إليها، طابق اسمه معناه ووافق لفظه فحواه، من عينه انتجع المنتجعون، وبشهادته حكم الحاكمون، وإلى ما قاله رجع المتقدمون والمتأخرون (عق للعقيلي) في كتابه الذي صنفه (في الضعفاء) أي في بيان حال رجال الحديث الضعفاء جمع ضعيف والضعف بفتح الضاد في لغة تميم وبضمها في لغة قريش خلاف القوة والصحة (خط للخطيب) الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر البغدادي الفقيه الشافعي أحد الأعلام الحفاظ، ومهرة الحديث، له نحو خمسين مؤلفاً، ولد سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة، وسمع خلائق لا يحصون، وأخذ الفقه عن المحاملي وأبو الطيب. وقال ابن السمعاني: كان مهاباً موقراً ثقة حجة حسن الخط كثير الضبط فصيحاً ختم به الحفاظ، له ثروة ظاهرة، وصدقات طائلة، مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد وحمل جنازته صاحب المهذب، ودفن بجانب بشر الحافي. وكان شرب ماء زمزم لذلك. وأن يحدث بتاريخه بجامع بغداد وأن يملى بجامع المنصور فاستجيب له، وكان سريع القراءة جداً، قرأ البخاري على كريمة المروزية في خمسة أيام وسمع على إسماعيل الضرير البخاري في ثلاث مجالس، وله نظم حسن، منه : والدُّرُّ يَضْحَكُ والمَرْجَانُ مِنْ فِيهِ الشَّمْسُ تُشْبِهُه والبَدْرُ يَحْكِيهِ فوَجْهُهُ عَنْ ضِيَاءِ الْبَدْرِ يُغْنِهِ ومَنْ سَرى وظَلامُ اللَّيْلِ مُعْتَكِرٌ (فإن كان) الحديث الذي أعزوه إليه (في التاريخ) تاريخ بغداد المشهور (أطلقت) العزو إليه (وإلا) بأن كان في غيره من تأليفه المشتهرة المنتشرة (بينته) بأن أعين الكتاب للذي هو فيه قال الحضرمي وغيره: ولعمري إن تاريخه من المصنفات التي سارت ألقابها بخلاف مضمونها، سماه: ((تاريخ بغداد)» وهو تاريخ العالم كالأغاني للأصبهاني سماه: ((الأغاني)) وفيه من كل شيء (والله أسأل) لا غيره كما يؤذن به تقديم المعمول كما في: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] (أن يمن) أي ينعم علي (بقبوله) مني بأن يثيبني عليه في الآخرة؛ إذ لا معول إلا على نفعها (وأن يجعلنا) أتى بنون العظمة مع أن المقام مقامٍ تعجيز وإظهار افتقار، إظهاراً لملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى له بتأهيله للعلم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١] أولاً للتواضع والإشارة إلى أن ذلك الجعل لا يكون له وحده بل مع إخوانه من الأفاضل أشار إليه التفتازاني ونازعه الشريف (عنده) عندية إعظام وإكرام لا عندية مكان، تعالى الله عن ذلك (من حزبه) بكسر الحاء أي من خاصته وجنده يقال حزب قومه فتحزبوا أي صاروا طرائف وفلاناً يحازب فلاناً ينصره ويعاضده ذكره الزمخشري (المفلحين) أي المقدمة ٣٩ الكاملين في الفلاح الفائزين بكل خير المدركين لما طلبوا الناجين عما رهبوا. الفلاح درك البغية أو الفوز والنجاة (وحزب رسوله) أي اتباع الله واتباع رسوله المقربين لديه، وكان ينبغي تأخير المفلحين عنه لكنه قدمه رعاية للفاصلة والتسجيع. وحزب الله هم المفلحون الغالبون ﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢] فإن حزب الله هم الغالبون. قال القاضي: وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وقال الراغب: جماعة فيها غلظ. إلى هنا تمام الكلام على شرح الخطبة وقد ختمها المؤلف كأكابر المحدثين بحديث النية وصيره جزءاً منها ولأمر مّا بديع تطابقوا على هذا الصنيع وهو أن الخلفاء الأربعة خطبوا به، فلما صلح للخطبة على المنابر صلح أن يجعل في خطب الدفاتر فكأنه قال: قصدت بجمع هذا الجامع جمع حديث المصطفى القائل ((إنما الأعمال بالنيات)) فإن كنت قصدت وجه الله فسيجزيني عليه وينفع به، أو عرضاً دنيوياً فسيكافئني بنيتي، ولما صحح فيه النية وأخلص الطوية نشره الله في الإسلام ونفع به الخاص والعام. قال النووي في بستانه وغيره: استحب العلماء أن تفتتح المصنفات بهذا الحديث، وممن ابتدأ به البخاري في صحيحه، ثم روى أعني النووي بإسناد عن ابن مهدي: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ به، ورواه عنه أيضاً العراقي في أماليه. قال ابن الكمال: ولما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئتها تأثير فيما تباشره أبدانها من الأعمال، فكل عمل بنية صادقة رحمانية عن هيئة نورانية صحبته بركة ويمن وجمعية وصفاء، وكل عمل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة غاسقة ظلمانية صحبه محق وشؤم وتفرقة. ولهذا قال يسير: ٤٠ المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم ١ - ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أُمْرِىءٍ مَا نَوَىُ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ١ - (إنما الأعمال بالنيات) أي إنما هي مرتبطة بها ارتباط الأشياء العلوية الملكية بالأسرار المكنونية. قال النووي في بستانه: قال العلماء من أهل اللغة والفقه والأصول: (إنما) لفظة موضوعة للحصر تفيد إثبات المذكور وتنفي ما سواه. وقال الكرماني والبرماوي وأبو زرعة: التركيب مفيد للحصر باتفاق المحققين وإنما اختلف في وجه الحصر فقيل دلالة إنما عليه بالمنطوق أو المفهوم على الخلاف المعروف. وقيل عموم المبتدأ باللّم وخصوص خبره أي كلّ الأعمال بالنّات، فلو صح عمل بغير نية لم تصدق هذه الكلية. و (الأعمال) جمع عمل وهو حرکة البدن فیشمل القول ویتجاوز به عن حركة النفس والمراد هنا عمل الجوارح وإلّ لشمل النيّة؛ إذ هي عمل القلب فتفتقر لنية فيتسلسل. وأل للعهد الذهني أي غير العادية إذ لا تتوقف صحتها على نيّة وجعلها جمع متقدمون للاستغراق وعليه فلا يرد العادي أيضاً فإنه وإن كان القصد وجود صورته لكن بالنسبة لمزيد الثواب يحتاجها. و (النيات) بشد المثناة تحت: جمع نية. قال النووي: وهي القصد وهي عزيمة القلب، وردّه الكرماني بأنه ليس عزيمة للقلب لقول المتكلمين: القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد والعزم قد يتقدّم عليه ويقبل الشدّة والضعف بخلاف القصد ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به . وقال القاضي البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مالاً والشرع خصّها بالإرادة والتوجه نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالاً لحكمه. والنية في الحديث محصولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا فإنه تفصيل لما أجمله واستنياط للمقصود عما أصله. قال: وهذا اللفظ متروك الظاهر لأن. الدوات غير منتفية إلى تقدير إنما الأعمال بالنّات لا عمل إلا بنية. والغرض أن ذات العمل الخالي عن النيّة موجود فالمراد نفي أحكامها كالصحة والفضيلة والحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء بنفسه ولأن اللفظ يدل بالصريح على نفي الذوات وبالتبع على نفي جميع الصفات انتهى. قال ابن حجر: وهو في غاية الجودة والتحقيق ولا شك أن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة فلا يصح عمل بلا نية كالوضوء عند الثلاثة خلافاً للحنفية ولا نسّلم أن الماء يطهر بطبعه والتيمم خلافاً للأوزاعي إلّ بنية. قال بعض الحنفية الحق أن الدليل قائم على اعتبار النيّة في جميع العبادات لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] والإخلاص هو النية وهو جعله بنفسه متلبساً بحال من أحوال العابدين والأحوال شروط انتهى. على أن تقديرهم الكمال لا يخلو عن مقال لأنهم يشترطون النيّة في المقاصد ومحل عدم اعتبارها عندهم إنمّا هو في الوسائل فحسب وإنمّا لم تشترط النيّة في إزالة