النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
وهكذا نقول ان عمل العالم او فتياه على وفق حديث ليس حكما منه بصحة ذلك الحديث.
و کذلك مخالفته للحديث لیستقدحاً منه في صحته ولا في راویه والله اعلم.
( الثامنة ) في رواية المجهول وهو في غرضنا ههنا اقسام. (احدها) المجهول العدالة من حيث
الظاهر والباطن جميعاً وروايته غير مقبولة عند الجماهير على مانيهنا عليه اولاً (١).
(الثاني ) المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور. فقد قال
بعض أئمتنا المستور من يكون عدلاً في الظاهر ولا نعرف عدالة باطنه. فهذا المجهول يحتج
بروايته بعض من ردرواية الأول وهو قول بعض الشافعيين وبه قطع منهم الأمام سليم بن
(قوله) وهكذا نقول ان عمل العالم او فتياه على وفق حديث ليس حكماً منه بصحة
ذلك الحديث انتهى . وقد نعقبه بعض من اختصر كلامه. وهو الحافظ عماد الدين بن كثير
فقال وفى هذا نظر اذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث اذا تعرض للأحتجاج به فى فتياه
او حكمه واستشهدبه عند العمل بمقتضاه انتهى. وفي هذا النظر نظر لأنه لا يلزم من
كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث ان لا يكون ثم دليل آخرمن قياس او اجماع
ولا يلتزم المفتى او الحاكم ان يذكر جميع ادلته بل ولا بعضها ولعل له دليلاً آخر
واستأذس بالحديث الوارد في الباب. وربما كان المفتى او الحاكم يرى العمل بالحديث
الضعيف وتقديمه على القياس كما تقدم حكاية ذلك عن أبي داود انه كان يرى الحديث الضعيف
اذا لم يرد في الباب غيرهاولى من رأى الرجال. وكما حكى عن الأمام احمد من انه يقدم الحديث
الضعيف على القياس. وحمل بعضهم هذا على انه اريد بالضعيف هنا الحديث الحسن والله اعلم.
(قوله) الثاني المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور
فقد قال بعض أئمتنا المستور من يكون عدلاً في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه انتهى .
وهذا الذي ابهمه المصنّف بقوله بعض أئمتنا هوابو محمد البغوي صاحب التهذيب.
فهذا لفظه بحروفه فيه ويوافقه كلام الرافعى في الصوم فأنه قال فيه ان العدالة الباطة
هي التي يرجع فيها الى اقوال المركين. وحكى فى الصوم ايضاً فى قبول رواية المستوروجهين
من غير رجيح. وصحح النووي فى شرح المهذب قبول روايته. نعم عبارة الشافعي رحمه الله
(١) قال في التدريب وقيل تقبل مطلقاً وقيلان كان من روى عنهفيهم من لا يروي عن غير عدل
قبل والا فلا اه ..

- ١٢٢ -
ايوب الرازي. قال لأن امر الأخبار مبنى على حسن الظن بالراوي. ولأن رواية الأخبار
تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر
وتفارق الشهادة فأنها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن
(قلت) ويشبه ان يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير
واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة المناطئة بهم والله اعلم.
(الثالث) المجهول العين وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية المجهول العين (١)
ومن روى عنه عدلان وعَيّناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة .
ذكر ابو بكر الخطيب البغدادى في اجوبة مسائل سئل عنها ان المجهول عند أصحاب الحديث
في اختلاف العدالة الظاهرة فأنه قال فى جواب سؤال اورده فلا يجوز ان يترك الحكم
بشهادتهما اذا كانا عدلين في الظاهر انتهى. فعلى هذا تكون العدالة الظاهرة هى التى يحكم
الحاكم بها وهى التى تستندالى اقوال المركين خلاف ما ذكره الرافعى فى الصوم والله اعلم .
(قوله) ذكر ابو بكر الخطيب البغدادي فى اجوبة مسائل سئل عنها ان المجهول عند
أصحاب الحديث هو كل من لم تعرفه العلماء ومن لم يُعرف حديثه الامن جهة راو واحد
مثل عمرو ذي ◌ُّر وجبّار الطائي وسعيد بن ذي حُدَّان لم يرو عنهم غير ابي اسحق السبيعى
ومثل الهزهاز بن مِزَنٍ لم يروعنه غير الشعبي ومثل جُرَي بن كليب لم يرو عنه الاقتادة اهـ
ثم تعقب المصنف كلام الخطيب فأنه قدروى عن الهزهاز الثورى ايضاً انتهى. وفيه امور
[احدها] ان الخطيب سمى والدهزهاز مِيزَن بالياء المثناة وتبعه المصنف والذي ذكره ابن
أبي حاتم فى كتاب الجرح والتعديل أنه مازن بالألف. وفي بعض النسخ بالياء ولعل بعضهم
اماله في اللفظ فكتب بالياء والله اعلم .
(١) العبارة في التقريب. وامامجهول العين فقد لا يقبله بعض من يقبل مجهول العدالة. قال
شارحه : ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من اهل الحديث وغيرهم. وقيل يقبل مطلقاً وهو
قول من لا يشترط فى الراوي مزيدا على الأسلام. وقيل ان تفرد بالرواية عنه من لا يروي الا عن عدل
کأبن مهدی ویحی بن سعيد واكتفينا فى التعديل بواحد قبل والافلاء وقيل ان كان مشهوراً في غیر
العلم بالزهد او النجدة قبل والا فلا. واختاره ابن عبد البر. وقيل ان كان زكاه احد من أئمة الجرح
والتعديل مع رواية واحد عنه قبل والافلا. واختاره أبو الحسن ابن القطان وصححه شيخ الإسلاماء.

- ١٢٣ -
هو كل من لم تعرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد مثل عمرو وذي مي
وجبار الطائي وسعيد بن ذي حدان لم يروعنهم غير اني اسحق السبيعي. ومثل الهزهاز بن ميزن
لا راوي عنه غير الشعبي. ومثل جرى بن كليب لم يروعنه الاقتادة .
( الثانى) انه اعترض على المصنف فى قوله ان التوري روى عنه أن الثوري لم يرو
عن الشعبى نفسه فكيف يروى عن شيوخه. وقد يقال لا يلزم من عدم روايته عن الشعبى
عدم روايته عن الهزهاز ولعل الهزهاز تأخر بعد الشعبى. ويقوى ذلك ان ابن أبي حاتم
ذكر فى الجرح والتعديل انه روى عن الهزهاز هذا الجراح بن مليح والجراح اصغر من الثوري
وتأخر بعده مدة سنين والله اعلم .
(الأمر الثالث) ان المصنف عزا ما ذكره عن الخطيب الى اجوبة سئل عنها والخطيب
ذكر ذلك يحملته مع زيادة في كتاب الكفاية (١) والمصنف كثير النقل عنه فأبعد النجمة
(١) الخطيب هو ابوبكر بن احمد بن على المعروف بالخطيب البغدادى المتوفى سنة ٦٣ ٤ له في علوم الحديث
كتا بان جليلان الكفاية هذا ويقال له (الكفاية في معرفة قانون الرواية) و(الجامع لأخلاف الراوى والسامع)
قال الحافظ الجلال السيوطي في التدريب ( ص٩) اول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد
الرامهرمزي فعمل كتابه المحدث الفاصل لكنه لم يستوعب والمحاكم ابو عبد الله النيسابورى لكنه لم
يهذب ولم يرتب. وتلاه أبو نعيم الأصبهانى فعمل على كتابه مستخرجاً وابقى فيه اشياء المتعقب ثم
جاء بعدهم الخطيب البغدادى فعمل في قوانين الرواية كتابا سماه (الكفاية) وفي آدابها كتابا سماه (الجامع
الآداب الشيخ والسامع ) وقل من فنون الحديث الاوقد صنف فيه كتابا مفرداً فكان كما قال الحافظ
ابوبكر ابن نقطة كل من انصف علم ان المحدثين بعده عيال على كتبه .
اقول اما الكفاية فمنه نسخة نفيسة في مكتبة المدرسة العثمانية فى حلب عليها سماعات كثيرة
ونسخة بخط مغربى فى المكتبة الظاهرية بدمشق محررة سنة ٦٣٨ رقمها ٣٩٣ ونسخة فى مدرسة
جامع الباشا فى الموصل . ونسخة في المكتبة السلطانية في مصررقتها ٩٨ (نع، ٦٧٨٥ ١ لكنها ناقصة
من اولها واول مافيها باب ترك الأحتجاج بمن عرف بالتساهل فى سماع الحديث .
واما الجامع لأخلاق الراوى والسامع فمنه نسخة نفيسة في مكتبة المجلس البلدى في الاسكندرية ولا اعلم
غيرها ولا انفس منها وهي محررة كما قال فى فهرس المكتبة بقلم نسخ صحيح سنة ٥٠٠ ومعارضة على
النسخة المنقولة عنها وعلى كل جزء منها سماع لأبي الحسن سعد الخير محمد بن سهل الأنصارى وبنائه
فاطمة وزينب بحضرة السيدة ليلى ورابعة وفتاة نافع وكان ذلك على الشيخ أبي القاسم الشهرزورى
بحق اجازته عن المصنف فى سنة ٥٢٩ وهي جلد ١ رقمه (٣٧١١) والكتابان جديران بالطبع عسى
أن يوفق الله بعض ارباب المطابع في مصر لنشرهما معاً لتعم الاستفادة منهما .

- ١٢٤ -
قلت قد روى عن الهزهاز الثوری ايضاً. قال الخطيب واقل مايرتفع به الجهالة ان يروي
عن الرجل اثنان من المشهورين بالعلم الا انه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. وهذا
مما قدمنا بيانه والله اعلم .
فى عزوه ذلك الى مسائل سئل عنها . قال الخطيب فى الكفاية المجهول عند اصحاب الحديث
هو كل من لم يشتهر بطلب العلم فى نفسه ولا عرفه العلماء به ولم يعرف حديثه الا من
جهة راو واحد مثل عمروذي مُر وجيَّار الطائى وعبد الله بن اعن الهمداني والهيثم بن حنش
ومالك بن اعن وسعيد بن ذي حُدان وقيس بن حُرْكُم وخمر بن مالك فهؤلاء كلهم لم يرو
عنهم غير ابي اسحق السبيعي . ومثل سمعان ابن مشنّج والهزهاز بن ميزن لا يعرف عنهما راو
الا الشعبى. ومثل بكر بن قرواش وحلّام بن جزل لم يروعنهما الا ابو الطفيل عامر بن واثلة.
ومثل يزيد بن سحيم لم يرو عنه الاخلاس بن عمرو ومثل ◌ُجُرَي بن كليب لم يروعنه الا
قتادة بن دعامة ومثل عمير بن اسحق لم يرو عنه سوى عبد الله بن عون وغیر من ذکرنا
انتھی کلام الخطیب . وقدروى عن بعض من ذ کرغير واحدمنهم خمر بن مالك روى عنه
ايضاً عبد الله بن قيس. ذكره ابن حبان فى الثقات الا انه قال خمير مصغرا.
وقد ذكر الخلاف فيه في التصغير والتكبير ابن ابى حاتم في الجرح والتعديل .
ومنهم الهيثم ين حنش روى عنه ايضاً سلمة بن كهيل فيما ذكره أبو حاتم الرازي.
ومنهم بكر بن قرواش روى عنه ايضا قتادة كما ذكره البخارى في التاريخ الكبير وابن حبان
في الثقاث وسمى إن ابى حاتم إباه قريشا. وقد فرق الخطيب بين عبد الله بن اعز ومالك بن اعز
وكلاهما بالعين المهملة والزاي. وجعلهما ابزما كولا فى الأكمال واحداً وانه اختلف في اسمه
على ابى اسحق والله اعلم واما حلام فهو بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام وآخره ميم كذا
ذكره الخطيب تبعاً لأبن ابي حاتم. واما البخاري فأنه ذكره فى التاريخ الكبير حلاب
آخره باء موحدة. ونسبه ابن أبي حاتم الى الخطأ فى كتاب جمع فيه او هامه في التاريخ وقال
انما هو حلام اي بالميم. واما مشنج والد سمعان فهو بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح
النون المشددة وآخره جيم.

- ١٢٥-
[قلت] قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد منهم مرداس
الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم . وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم
غير واحد. منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن .
(قوله) قد خرج البخارى فى صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد منهم
مرداس الاسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم. وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا
رأوي عنهم غير واحد. منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غيرابي سلمة بن عبدالرحمن
وذلك منهما مصير الى ان الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردوداً برواية واحد عنه
الى آخر كلامه. وفيه امور (احدها) انه قد اعترض عليه النووي بأن مردا.) وربيعة صحابيان
والصحابة كلهم عدول قلت لا شك ان الصحابة الذين بينت صحبتهم كلهم عدول.
ولكن الشأن فى انه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه ام لا تثبت الا برواية اثنين عنه
هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم
والحق انه ان كان معروفاً بذكره فى الغزوات او فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك فأنه تثبت
صحبته وان لم يروعنه الاراو واحد. واذا عرف ذلك فأن مرداساً من أهل الشجرة وربيعة
من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحدعن كل منهما على تقدير صحة ذلك .
وقد ذكر المصنف في النوع السابع والأربعين عن ابن عبد البرانه قال كل من لم يروعنه
الا رجل واحد فهو عندهم مجهول الا ان يكون رجلا مشهوراً فى غير حمل العلم كاشتهار
مالك بن دينار بالزهد وعمرو بن معدي كرب بالنجدة انتهى . فشهرة هذين بالصحبة عند
أهل الحديث آكد في الثقة بكونها صحابيين من اشتهار مالك وعمرو والله اعلم .
(الأمر الثانى) ان النووي تابع المصنف فى مختصريه وفي شرح مسلم ايضاً على تفرد
أبي سلمة عن ربيعة وتفرد قيس عن مرداس وتبع المصنف فى ذلك ابا عبد الله الحاكم فأنه
كذلك قال فى علوم الحديث وتبع الحاكم فى ذلك مسلم بن الحجاج فأنه كذا قال في
كتاب الوحدان له. وليس ذلك بجيد بالنسبة الى ربيعة فقد روى عنه ايضاً نعيم بن عبد الله
المجمر وحنظلة بن علي وابو عمران الجوني. وذكر الحافظ أبو الحجاج المزي انه روى عنه ايضاً
محمد بن عمرو بن عطاء وليس ذلك بصحيح انما روى محمد بن معمرو عن نعيم المجمر عنه.

- ١٢٦ -
وذلك منهما مصير الى ان الراوي قد يخرج عن كونه مجهولاً مردوداً برواية واحد عنه، والخلاف في
ذلك متجه في التعديل نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل على ماقد مناه والله اعلم.
( التاسعة) اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يكفّر في بدعته . فمنهم من رد روايته
مطلقًا لأنه فاسق يبدعته وكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول يستوى في الفسق المتأول
وغير المتأول. ومنهم من قبل رواية المبتدع اذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه
او لأهل مذهبه سواء كان داعية الى بدعته او لم يكن .
كذا رواه احمد فى مسنده والطبراني فى المعجم الكبير اللهم الا ان يكون محمد بن عمرو
قد ارسل عنه واسقط نعيما والله اعلم.
والامرداس فقد ذكر الحافظ : الحجاج المزي في التهذيب انه روى عنه ايضاً زياد
ابن علاقة وتبعه عليه الذهبى فى مختصره وهو وثم منهما من حيث ان الذي روى عنه زياد
ابن علاقة انما هومر داس بن عروة صحابى آخر. والذي روى عنه قيس مرداس بن مالك
الأسلمى. وهذا ما لا اعلم فيه خلافاً . ومن ذكره كذلك البخاري في التاريخ الكبير.
وابن ابى حاتم فى الجرح والتعديل وابن حبان فى الصحابة وابو عبد الله بن مندة فى معرفة
الصحابة والطبرانى فى المعجم الكبير وابو عمر بن عبد البر فى الاستيعاب وابن قانع في معجم
الصحابة وغيرهم. وانما نبهت على ذلك وان كان ما ذكره ابن الصلاح بالنسبة الى مرداس
صحيحاً لئلا يغتر من يقف على كلام المزي بذلك لجلالته والله اعلم.
(الأمر الثالث) إذا مشينا على ما ذكره النووى ان هذا لا يؤثر في الصحابة فينبغي
ان يمثل من خرج له البخاري او مسلم عن غير الصحابة ولم يروعنه الاراو واحد وقد جمعتهم
في جزء مفرد. فمنهم عند البخارى جويرية بن قدامة تفرد عنه أبو جمرة نصربن عمران الضبعى
وكذلك زياد بن رباح المدنى تفرد عنه مالك. وكذلك الوليد بن عبد الرحمن الجارودى
تفرد عنه ابنه المنذر بن الوليد. ومن ذلك عند مسلم جابر بن اسمعيل الخضري تفرد عنه
عبد الله بن وهب. وكذلك خباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد والله اعلم.
وسيأتي لذلك مزيد بيان حيث ذكره المصنف فى النوع السابع والأربعين ان شاءالله تعالى.
(قوله) اختلفوا فى رواية قبول المبتدع الذي لا يكفر في بدعته الى آخر كلامه.
١

- ١٢٧-
وعزا بعضهم هذا الى الشافعي لقوله اقبل شهادة أهل الأهواء الا الخطابية من الرافضة
لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقال قوم تقبل روايته اذا لم يكن داعية ولا تقبل اذا
كان داعية الى بدعته. وهذا مذهب الكثير او الأكثر من العلماء.
وحكى بعض اصحاب الشافعي رضي الله عنه خلافًا بين اصحابه في قبول رواية المبتدع اذا لم
يدع الى بدعته. وقال اما اذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته .
وقال أبو حاتم بن حبان البستي احد المصنفين من أئمة الحديث الداعية الى البدع لا يجوز
الأحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافًا. وهذا المذهب الثالث اعدلها واولاها
والأُول بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث فأن كتبهم طافة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة.
وفي الصحيحين كثير من احاديثهم في الشواهد والأصول والله اعلم.
وقد قيد المصنف الخلاف بغير من يكفر ببدعته مع ان الخلاف ثابت فيه ايضاً. فقال صاحب
المحصول الحق انه ان اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته والا فلا. وذهب القاضي ابو بكر الى رد
روايته مطلقاً وحكاه الآمدي عن الأكثرين وبه جزم ابن الحاجب.
(قوله) وعزا بعضهم هذا الى الشافعى انتهى . اراد المصنف بعضهم الحافظ ابا بكر الخطيب
فأنه عزاه الشافعى فى كتاب الكفاية .
[قوله] وحكى بعض اصحاب الشافعى رضي الله عنه خلافاً بين اصحابه في قبول رواية
المبتدع اذا لم يدع الى بدعته. وقال اما اذا كان داعيةً الى بدعته فلاخلاف بينهم فى عدم
قبول روايته . ثم حكى عن ابن حبان انه لا يعلم خلافاً فى انه لا يجوز الاحتجاج بالداعية اهـ
قلت وابن حبان الذي حكى المصنف كلامه قد حكى ايضاً الأتفاق على الاحتجاج بغير الداعية
فعلى هذا لا يكون فى المسألة خلاف بين أئمة الحديث فقال ابن حبان في تاريخ الثقات
فى ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ليس بين أهل الحديث من أمتنا خلاف ان الصدوق
المتقن اذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو اليها ان الأحتجاج بأخباره جائز. فأذا دعا الى بد عته
سقط الأحتجاج بأخباره. وفيما حكاه ابن حبان من الأتفاق نظر فأنه روي عن مالك رد
روايتهم مطلقاً كما قال الخطيب في الكفاية.
[قوله] فأن كتبهم طاقة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة. وفي الصحيحين كثير من احاديثهم

-١٢٨-
( العاشرة ) التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من اسباب الفسق تقبل روايته
الا التائب من الكذب متعمداً في حديث رسول الله ربيع فأنه لا تقبل روايته ابداً وان حسنت
توبته على ماذكر غير واحد من اهل العلم منهم احمد بن حنبل وابو بكر الحميدي شيخ البخاري.
واطلق الأمام ابو بكر الصير في الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال كل
من اسقطنا خبره من اهل النقل بكذب وجدناه عليه.لم نعد لقبوله بتوبة تظهر .
ومن ضعفنا نقله لإنجعله قويّاً بعد ذلك. وذكر ان ذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة.
وذكر الأمام أبو المظفر السمعاني المروزى ان من كذب في خبر واحد وجب اسقاط ماتقدم
من حديثه وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي والله اعلم.
(الحادية عشرة ) اذا روى ثقة عن ثقة حديثاً ورجع المروي عنه فنفاه فالمختار انه ان كان
جازمًا بنفيه بأن قال مارويته او كذب علىّ أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان والجاحد هو الأصل
فوجب رد حدیث فرعه ذلك. ثم لا يكون ذلك جرحاً له يوجب رد باقي حديثه لأنه مكذب
لشيخه ايضاً في ذلك وليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا .
اما اذا قال المروىعنه لاا عرفه اولا اذ کره اونحو ذلك. فذلك لا يوجب ردرواية الراويعنه.
ومن روى حديثاً ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطاً للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور
الفقهاء والمتكلمين خلافاً لقوم من اصحابي ابي حنيفة صاروا الى اسقاطه بذلك .
فى الشواهد والاصول انتهي. وقد اعترض عليه بأنهما احتجا ايضاً بالدعاة فاحتج
البخاري بعمران بن حِطّان وهو من دعاة الشراء واحتج الشيخان بعبد الحميد بن عبد الرحمن
الحماني وكان داعية الى الأرجاء كما قال ابو داود انتهي. قلت قال أبو داود ليس في اهل
الأهواء اصح حديثاً من الخوارج ثم ذكر عمران بن حطان وابا حسان الأعرج .
ولم يحتج مسلم بعبد الحميد الحمانى انما اخرج له فى المقدمة وقد وثقه ابن معين .
[قوله ] التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من اسباب الفسق تقبل روايته
الاالتائب من الكذب متعمداً فى حديث رسول الله عَل ثم قال واطلق الامام ابو بكر
الصير في الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعى فقال كل من اسقطنا خبره
من اهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر الى آخر كلامه فذكر المصنف
١

- ١٢٩-
وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله
وَّ [إذا نكحت المرأة بغير اذن وليها فنكاحها باطل] الحديث من اجل ان ابن جريج قال لقيت
الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه .
ان ابا بكر الصير في اطلق الكذب اى فلم يخصه بالكذب في الحديث والظاهران الصير فى
اطلق الكذب انما اراد الكذب فى الحديث بدليل قوله من اهل النقل.
وقد قيده بالمحدث فيما رأيته في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام فقال وليس يُطعن على
المحدث الا ان يقول تعمدت الكذب فهو كاذب فى الأول ولا يقبل خبره بعدذلك.
(قوله) وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة
عن رسول الله ◌َّ اذا نكحت المرأة بغير اذن وليها فنكاحها باطل الحديث من اجل ان
ابن جريج قال لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه انتهى. وقداعترض عليه
بأن فى رواية الترمذي فسألته عنه فأنكره والجواب عنه ان الترمذي لم يروه وانما ذكره
بغير اسناد والمعروف في الكتب المصنفة في العلل فلم يعرفه كما ذكره المصنف. ومع هذا
فلا يصح هذا عن ان جريج لا بهذا اللفظ ولا بهذا اللفظ فبطل تعلق من تعلق بذلك
في رد الحديث .
اماكون الترمذي لم يوصل اسناده فأنه رواه متصلا عن ابن ابي معمر عن سفيان بن عيينة
عن ابن جريج عن سليمان بن موسى. ثم قال وقد تكلم بعض أهل الحديث فى حديث الزهري
عن عروة عن عائشة عن النبي يُ قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره فضعفوا
هذا الحديث من اجل هذا. واما كونه معروفاً فى كتب العلل باللفظ الذي ذكره المصنف
فهكذا هو فى ؤالات عباس الدوري عن ابن معين وفي العلل لأحمد. واماكونه لا يصح
عن ابن جريج فروينا فى السنن الكبرى للبيهقى بالسند الصحيح الى ابى ماتم الرازي سمعت
احمد بن حنبل يقول وذكر عنده أن ابن علية يذكر حديث ابن جريج لا نكاح الابولى
قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه واثنى على سليمان بن موسى فقال احمد
ابن حنبل ان ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه يعني حكاية ابن علية عن ابن جريج.
وروينا في سنن البيهقى ايضاً بأسناده الصحيح الى عباس الدوري سمعت يحيى بن معين يقول

- ١٣٠ -
وكذا حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن ابي صالح عن ابيه عن أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّه
قضى بشاهد ويمين فأن عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال لقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه
والصحيح ما عليه الجمهور. لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان والراوي عنه ثقة جازم
فلا يرد بالاحتمال روايته. ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول حدثني ربيعة عنى عن أبي ويسوق
الحديث. وقد روي كثير من الأ كابر احاديث نُوها بعد ما حدثوا بها عن من سمعها منهم فكان
احدهم يقول حدثنى فلان عني عن فلان بكذا وكذا . وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب
اخبار من حدث ونسى .
في حديث لا نكاح الا بولي الذي يرويه ابن جريج قلت ان ابن علية يقول قال ابن جريج
فسألت عنه الزهري فقال لست احفظه فقال يحيى بن معين ليس يقول هذا الا ابن علية
وانما عرض ابن علية كتب ابن جريج على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد فأصلحها له.
وروينا فى السنن للبيهقى ايضاً بسنده الصحيح الى جعفر الطيالسى سمعت يحيى بن معين
يقول رواية ابن جريج عن الزهرى انه انكر معرفة حديث سليمان بن موسى فقال لم يذكر.
عن ابن جريج غير ابن علية وانما سمع ابن علية من ابن جريج سماعاً ليس بذاك انما صحح
كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز وضعف يحيى بن معين رواية اسماعيل عن ابن
جريج جداً. وقد ذكر الترمذى في جامعه كلام يحمى هذا الأخير غير موصّل الاسناد
فقال وذكر عن يحيى بن معين الى آخره وهو متصل الاسناد عند البيهقى. وهذا يدلك
على ان المراد بقوله فأنكره اي انه قال ما اعرفه كما حكاه المصنف فأنه قال فى هذه الرواية
الأخيرة انه انكر معرفة حديث سليمان بن موسى فليس بين العبارتين اذاً اختلاف كما انكره
من اعترض بذلك على المصنف والله اعلم.
(قوله) والصحيح ما عليه الجمهور لأن المروى عنه بصدد السهو والنسيان انتهى.
وقد اعترض عليه بأن الراوي ايضاً معرض المسهو والنسيان فينبغي ان يتهاترا وينظر
فى ترجيح احدهما من خارج والجواب ان الراوي مثبت جازم والمروى عنه ليس بناف
وقوعه بل غير ذا كر فقدم المثبت عليه والله اعلم .

- ١٣١ -
ولأجل ان الأنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن الأحياء منهم الشافعي
رضي الله عنه. قال لأبن عبد الحكم اياك والرواية عن الأحياء والله اعلم.
(الثانية عشرة) من اخذ على التحديث اجراً منع ذلك من قبول روايته عند قوم من أئمة
الحديث. وروينا عن اسمحق بن ابراهيم انه سئل عن المحدث يحدث بالأجر. فقال لا يكتب
عنه . وعن احمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي نحو ذلك . وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين
وعلى بن عبد العزيز المكي وآخرون في اخذ العوض على التحديث وذلك شبيه بأخذ الأجرة
على تعليم القرآن ونحوه . غير ان في هذا من حيث العرف خرما للمروءة والظن يساء بفاعله الا
ان يقترن ذلك بعذر ينفى ذلك عنه كمثل ماحد ثفيه الشيخ ابو المظفر عن أبيه الحافظ أبي سعيد
السمعاني ان ابا الفضل محمد بن ناصر السلامي ذكر ان ابا الحسين بن النقور فعل ذلك لأن
الشيخ ابا اسحق الشيرازي افتاه بجواز اخذ الأجرة على التحديث لأن اصحاب الحديث كانوا
يمنعونه عن الكسب لعياله والله اعلم.
(قوله) ولأجل ان الانسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن الأحياء
منهم الشافعى قال لأبن عبد الحكم اياك والرواية عن الاحياء انتهى. وقد اعترض عليه بأن
الشافعى انما نهى عن الرواية عن الأحياء لأحمال أن يتغير المروى عنه عن الثقة والعدالة
بطاريٌ يطرأ عليه يقتضي رد حديثه المتقدم كما تقدم فى ذكر من كذب فى الحديث انه يسقط
حديثه المتقدم ويكون ذلك الراوى قد روى عنه فى تصنيف له فتكون روايته عن غير ثقة
وإنما يؤمن ذلك بموته على ثقته وعدالته فلذلك كره الشافعى الرواية عن الحي.
والجواب ان هذا حَدْس وظن غير موافق لما اراده الشافعي رضي الله عنه. وقد بين الشافعي
مراده بذلك كما رواه البيهقى في المدخل بأسناده إلى الشافعى انه قال لا تحدث عن حي
فأن الحي لا يؤمن عليه النسيان قاله لأبن عبد الحكم حين روي عن الشافعى حكاية
فانكرها ثم ذكرها. وما قاله الشافعى رحمه الله سبقه اليه الشعبى ومعمر فروي الخطيب
في الكفاية بأسناده الى الشعبي انه قال لابن عون لا تحدثنى عن الأحياء . وبأسناده الى
معمر انه قال لعبد الرزاق ان قدرت ان لا تحدث عن رجل حي فأفعل. وقدفهم الخطيب
من ذلك مافهمه المصنف فقال في الكفاية ولأجل ان النسيان غير مأمون على الأنسان

- ١٣٢ -
(الثالثة عشرة ) لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث او اسماعه كمن لا يبالي
بالنوم في مجلس السماع وكمن يحدث لا من اصل مقابل صحيح ومن هذا القبيل من عرف بقبول
التلقين في الحديث (١) ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمنا كير في حديثه. جاء عن شعبة
انه قال لا يجيئك الحديث الشاذ الا من الرجل الشاذ ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو
في رواياته اذا لم يحدث من اصل صحيح، وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه .
وورد عن ابن المبارك واحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم ان من غلط في حديث وبين له غلطه
فلم يرجع عنه واصر على رواية ذلك الحديث سقطت روايته ولم يكتب عنه.
وفي هذا نظر وهو غير مستنكر اذا ظهر ان ذلك منه على جهة العناد او نحو ذلك والله اعلم .
( الرابعة عشرة ) اعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط
في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم.
وكان عليه من تقدم. ووجه ذلك ما قدمناه في اول كتابنا هذا من كون المقصود المحافظة على
خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليعتبر من الشروط المذكورة
ما يليق بهذا الغرض على تجرده وليكتف في اهلية الشيخ بكونه مسلماً بالغاً عاقلاً غير متظاهر
بالفسق والسخف وفي ضبطه بوجودسماعه مثبتًا بخط غير متهم وبروايته من اصل موافق لأصل شيخه
فيبادر الى جحود ماروى عنه وتكذيب الراوي له كره من العلماء التحديث عن الأحياء
ثم ذكر قول الشعبى ومعمر والشافعى رضى الله عنهم.
(قوله) وورد عن ابن المبارك واحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم ان من غلط فى حديث
وبُين له غلطه فلم يرجع عنه واصر على رواية ذلك الحديث سقطت رواياته ولميكتب عنه.
قال الشيخ وفى هذا نظر وهو غير مستنكراذا ظهر ان ذلك منه على جهة العناد او نحو
ذلك انتهى. وما ذكره المصنف بحثاً قد نص عليه أبو حاتم ابن حبان فقال ان من بُبن له خطأ.
وعلم فلم يرجع عنه وتمادى فى ذلك كان كذاباً بعلم صحيح. فقيد ابن حبان ذلك بكونه
علم خطأه وانما يكون عناداً اذا علم الحق وخالفه. وفيد ايضاً بعض المتأخرين ذلك
بأن يكون الذي بين له غلطه عالماً عند المبيَّن له. اما اذا لم يكن بهذه المثابة عنده فلا حرج اذا.
(١) بأن يلقن الشيء فيحدث به من غيران يعلم انه من حديثه كما وقع لموسى بن دينار ونحوه اهتدريب.

- ١٣٣ -
وقد سبق الى نحو ماذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقى رحمه الله تعالى. فأنه ذكرفيما رويناعنه
توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون
قرآءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد ان تكون القرآءة عليهم من اصل سماعهم.
ووجّه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت او وقعت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت
في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. ولا يجوز ان يذهب شىء منها على جميعهم وان جاز ان يذهب
على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها .
قال البيهقى فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه . ومن جاء بحديث
معروف عندهم فالذى يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره . والقصد من
روايته والسماع منه ان يصير الحديث مسلسلا بحدثنا واخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت
بها هذه الأمة شرفًا لنبينا المصطفى عَّ وعلى آله وسلم والله اعلم.
(الخامسة عشرة) في بيان الألفاظ المستعملة من اهل هذا الشأن في الجرح والتعديل. وقد
ونبها ابو محمد عبد الرحمن بن ابي حاتم الرازي في كتابه في الجرح والتعديل فأجاد واحسن .
ونحن نرتبها كذلك ونورد ما ذكره ونضيف اليه مابلغنا في ذلك عن غيره إن شاء الله تعالى .
اما الفاظ التعديل فعلى مراتب. (الأولى) قال ابن أبي حاتم اذا قيل للواحد انه ثقة او متقن
فهو ممن يحتج بحديثه .
(قوله) اما الفاظ التعديل فعلى مراتب. (الأولى) قال ابن ابى حاتم اذا قيل للواحد انه ثقة
اومتقن فهو ممن يحتج به انتهى. اقتصر المصنف تبعاً لأبن ابى حاتم على ان هذه الدرجة
الأولى. وكذا قال الحافظ ابو بكر الخطيب فى الكفاية ارفع العبارات ان يقال حجة او ثقة انتهى.
وقد زاد الحافظ أبو عبد الله الذهبى فى مقدمة كتابه ميزان الاعتدال درجة قبل هذه
هي ارفع منها وهي ان يكررلفظ التوثيق المذكور فى الدرجة الأولى اما باللفظ بعينه
كقولهم ثقة ثقة او مع مخالفة اللفظ الأول كقولهم ثقة ثبت او ثبت حجة أو نحو ذلك
وهو كلام صحيح لأن التأكيد الحاصل بالتكرار لا بدان يكون له مزية على الكلام
الخالي عن التأكيد والله اعلم .

- ١٣٤ -
قلت وكذا اذا قيل ثبت او حجة. وكذا اذا قيل في العدل انه حافظ او ضابط والله اعلم.
( الثانية ) قال ابن أبي حاتم اذا قيل انه صدوق او محله الصدق او لا بأس به فهو ممن يكتب
حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية .
( قلت ) هذا كما قال لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط فينظر في حديثه ويختبر
حتى يعرف ضبطه. وقد تقدم بيان طريقه في اول هذا النوع .
وان لم يستوف النظرّ المعرِّف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطًا مطلقًا واحتجنا الى
حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له اصل من رواية غيره كما تقدم بيان طريق
الأعتبار في النوع الخامس عشر ومشهور عن عبد الرحمن بن مهدى القدوة في هذا الشأن انه
حدث فقال حدثنا ابو خلْدة فقيل له أكان ثقة. فقال كان صدوقاً وكان مأمونًا وكان خيراً
وفي رواية كان خياراً الثقة شعبة وسفيان .
ثم ان ذلك مخالف لما ورد عن ابن ابي خيثمة قال قلت ليحيى بن معين انك تقول فلان ليس
به بأس وفلان ضعيف. قال اذا قلت لك ليس به بأس فهو ثقة. واذا قلت لك هو ضعيف
فليس هو بثقة لا تکتب حديثه .
(قوله) قلت وكذا اذا قيل ثبت او حجة انتهى. وقد اعترض عليه بأن قوله ثبت ذكرها
ابن أبي حاتم فلا زيادة عليه اذاً انتهى. قلت وليس في بعض النسخ الصحيحة من كتابه
الا ما نقله المصنف عنه كما تقدم ليس فيه ذكر ثبت. وفى بعض النسخ فأذا قيل الواحد
أنه ثقة او متقن ثبت فهو ممن يحتج بحديثه هكذا في نسختى منه او متقن ثبت لم يقل
فيه او ثبت فالله أعلم .
(قوله) الثانية قال ابن ابىحاتم اذا قيل انه صدوق او محله الصدق اولا بأس به فهو
ممن يكتب حديثه وينظر فيه انتهى .. وى ابن ابى حاتم بين قولهم صدوق وبين قولهم محله
الصدق فجعلهما فى درجة وتبعه المصنف وجعل صاحب الميزان قولهم محله الصدق فى الدرجة
التى تلي قولهم صدوق والله اعلم.
(قوله) حكاية عن عبد الرحمن بن مهدي انه قال الثقة شعبة وسفيان انتهى.
وقد اعترض عليه بأن الذي في كتاب الخطيب وغيره الثقة شعبة ومِسعر لم يذكر سفيان

- ١٣٥ -
(قلت ) ليس في هذا حكاية ذلك عن غيره من اهل الحديث فأنه نسبه إلى نفسه خاصة (١)
بخلاف ماذكره ابن ابي حاتم والله اعلم .
(الثالثة ) قال ابن ابي حاتم اذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه الا انه
دون الثانية .
( الرابعة) قال اذا قيل صالح الحديث فأنه يكتب حديثه للاعتبار .
قلت وقدجاء عن ابي جعفر احمد بن سنان. قال كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر
حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق فيقول رجل صالح الحديث والله اعلم .
واما الفاظهم في الجرح فهي ايضاً على مراتب اولاها قولهم لين الحديث . قال ابن أبي حاتم
اذا اجابوا في الرجل باين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً .
قلت وسأل حمزة بن يوسف السهمى ابا الحسن الدار قطنى الأمام . فقال له اذا قلت فلان
لين ايش تريد به قال لا يكون ساقطًا متروك الحديث ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط عن العدالة.
(الثانية) قال ابن ابيحاتم اذا قالوا ليس بقويفهو بمنزلة الأول في گتٍ حديثه الا انه دونه.
(الثالثة) قال اذا قالوا ضعيف الحديث فهو دون الثاني لا يطرح حديثه بل يعتبر به.
( الرابعة) قال اذا قالوا متروك الحديث او ذاهب الحديث او كذاب فهو ساقط الحديث
لا يكتب حديثه وهي المنزلة الرابعة .
جملة انتهى. والجواب ان المصنف لم يحك ذلك عن الخطيب وعلى تقدير كونه في كتاب
الخطيب هكذا فيحتمل انه من النساخ فليس غلط المصنف بأولى من تغليطهم. على ان المشهور
عن ابن مهدي ما ذكره المصنف هكذا حكاه عمرو بن على الفلاس. وكذا رواه ابن أبي حاتم
في الجرح والتعديل . وكذا ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي فى تهذيب الكمال فى ترجمة
اي خَلْدة ونقل فى ترجمة مسعر من رواية الفلاس ايضاً عن ابن مهدي الثقة شعبة ومسعر.
وعلى هذا فلعله سئل عنه مرتين فأن المنقول في هذه الرواية ان احمد بن حنبل سأله وامله
قال الثقة شعبة وسفيان ومسعر فاقتصر الفلاس على التمثيل باثنين فمرة ذكرسفيان ومرة
ذكر مسعر والله اعلم.
(١) قال في التدريب ولا يقاوم قوله عن نفسه نقل ابن أبي حاتم عن أهل الفن. وتمامه فى شرحه
التدريب (ص ١٢٦).

- ١٣٦ -
قال الخطيب ابو بكر ارفع العبارات في احوال الرواة ان يقال حجة او ثقة . وادونها
أن يقال كذاب ساقط . اخبرنا ابوبكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي قرآءة عليه بنيسابور
قال أخبرنا محمد بن اسمعيل الفارسي . قال اخبرنا ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي الحافظ
اخبرنا الحسين بن الفضل . اخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان. قال سمعت احمد بن صالح
قال لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه . قد يقال فلان ضعيف فأما ان يقال
فلان متروك فلا الا ان يجمع الجميع على ترك حديثه .
ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب قولهم فلان قد روى
الناس عنه. فلان وسط . فلان مقارب الحديث، فلأن مضطرب الحديث، فلان لا يحتج به.
(قوله) ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب قولهم فلان
قدروى الناس عنه فلان وسط فلان مقارب الحديث الى آخر كلامه وفيه امور.
(احدها) ان المصنف ذكر هنا الفاظًا للتوثيق والفاظاً للتجريح لم يميز بينها.
وقال ان ابن أبي حاتم وغيره لم يشر حوها واراد بكونهم لم يشرحوها أنهم لم يبينوا الفاظ
التوثيق من اي رتبة هي من الثانية أو الثالثة مثلا . وكذلك الفاظ التجريح لم يبينوا
من ايمنزلة هي. وليس المراد انهملم يبينوا هل هي من الفاظ التوثيق او التجريح فأن هذا
امر لا يخفى على اهل الحديث. واذا كان كذلك فقد رأيت ان اذ كركل لفظ منها من اي رتبة
هو لتعرف منزلة الراوي به فأقول. الألفاظ التى هي التوثيق من هذه الألفاظ التى جمع بينها
المصنف اربعة الفاظ وهي قولهم فلان روي عنه الناس وفلان وسط وفلان متقارب الحديث
وفلان ما اعلم به بأساوهذه الألفاظ الأربعة من الرتبة الرابعة وهي الأخيرة من الفاظ التوثيق
واما بقية الألفاظ التى ذكرها هنا فأنها من الفاظ الجرح وهي سبعة الفاظ.
فن الرتبة الأولى وهي آلين الفاظ الجرح قوله فلان ليس بذاك وفلان ليس بذاك القوى
وفلان فيه ضعف وفلان في حديثه ضعف. ومن الدرجة الثانية وهي اشد فى الجرح من التى
قبلها قوله فلان لا يحتج به فلان مضطرب الحديث. ومن الدرجة الثالثة وهي اشد من اللتين
قبلها قوله فلان لا شيء. فهذا ماذكره المصنف هنا مهملاً من مراتبه.
وذكر فيها ايضاً فلان مجهول. وقد تقدم ذكر المجهول في الموضع الذي ذكره المصنف

- ١٣٧ -
فلان مجهول، فلان لا شيء، فلان ليس بذاك . وربما قيل ليس بذاك القوي فلان فيه او في
حديثه ضعف. وهو في الجرح اقل من قولهم فلان ضعيف الحديث، فلان ما اعل به بأساً. وهو
في التعديل دون قولهم لا بأس به. وما من لفظة منها ومن اشباهها الا ولها نظير شرحناه او اصل
. اصلناه ننبه ان شاء الله به عليها والله اعلم .
النوع الرابع والعشرون. معرفة كيفية سماع الحديث وتحمل وصفة ضبط
اعلم ان طرق نقل الحديث وتحمله على انواع متعددة ولنقدم على بيانها بيان أمور.
أحدها يصح التحمل قبل وجود الأهلية فتقبل رواية من تحمل قبل الأسلام وروى بعده (١)
وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروي بعده . ومنع من ذلك قوم فأخطئوا لأن الناس
قبلوا رواية احداث الصحابة كالحسن بن على وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير واشباههم
من غير فرق بين ما تجملوه قبل البلوغ وما بعده. ولم يزالواقديما وحديثً يحضرون الصبيان مجالس
التحديث والسماع ويعتدون بروايتهم لذلك والله اعلم .
وانه على ثلاثة اقسام فأغنى ذلك عن ذكره هنا.
(الامر الثاني) ان قوله مقارب الحديث ضبط فى الأصول الصحيحة المسموعة على المصنف
بكسر الراء. وكذاضبطه الشيخ محى الدين النووى في مختصره. وقد اعترض بعض المتأخرين
بأن ابن السيد حكى فيه الوجهين الكسر والفتح وان اللفظين حينئذ لا يستويان لأن كسر
الراء من الفاظ التعديل وفتحها من الفاظ التجريح انتهى. وهذا الاعتراض والدعوى
ليسا صحیحین بل الوجهان فتح الراء وكسرها معروفان. وقد حكاهما ابن العربي في كتاب
الأحوذي وهما على كل حال من الفاظ التوثيق. وقد ضُبط ايضًفى النسخ الصحيحة عن البخاري
بالوجهين. وممن ذكره من الفاظ التوثيق الحافظ ابو عبد الله الذهبي فى مقدمة الميزان
(١) قوله فتقبل رواية من تحمل قبل الأسلام وروى بعده الخ قال في التدريب ومن امثلة ماتحمل
في حال الكفر حديث جبير بن مطعم المتفق عليه انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب
بالطور وكان جاء فى فداء اسرى بدر قبل أن يسلم . وفي رواية للبخاري وذلك اول ماوقر الأيمان في
فى قلبي. ولم يجر الخلاف السابق ( أي في رواية من سمع قبل البلوغ وروي بعده) هنا كأنه لأن الصبي
لا يضبط غالباً ما تحمله في صباه بخلاف الكافر. نعم رأيت القطب القسطلانى فى كتابه المنهج في علوم
الحديث اجرى الخلاف فيه وفي الفاسق ايضاً اهـ .

- ١٣٨ -
الثاني قال ابو عبد الله الزُّبيري يستحب كتب الحديث في العشرين لأنها مجتمع العقل
قال واحب ان يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض . وورد عن سفيان الثوري قال كان
الرجل اذا اراد ان يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة .
وقيل لموسى بن اسحق كيف لم تكتب عن أبي نعيم فقال كان أهل الكوفة لا يخرجون
اولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة . وقال موسى بن هرون أهل
البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل الكوفة لعشرين وأهل الشام لثلاثين والله اعلم .
قلت وينبغي بعد ان صار الملحوظ ابقاء سلسلة الأسناد ان يبكر بأسماع الصغير في أول
زمان يصح فيه سماعه. وأما الأشتغال بكتبه الحديث وتحصيله وضبطه وتقييدهفمن حين يتأهل
لذلك ويستعدله. وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس منحصراً في سن مخصوص كما سبق
ذكره آنفًا عن قوم والله أعلم .
وكأن المعترض فهم من فتح الراء ان الشيء المقارب هو الردئ . وهذا فهم عجيب فأن هذا
ليس معروفاً فى اللغة وانما هو فى الفاظ العوام وإنما هو على الوجهين من قوله سددوا
وقاربوا فمن كسرقال ان معناه ان حديثه مقارب لحديث غيره ومن فتح قال معناه ان حديثه
يقاربه حديث غيره. ومادة فاعل تقتضي المشاركة الا فى مواضع قليلة والله اعلم.
واعلم ان ابن سيدة حكى فى الرجل المقارب الكسر فقط فقال ورجل مقارب بالكسر
ومتاع مقارب بالفتح ليس بنفيس. وقال بعضهم دين مقارب بالكسر ومتاع مقارب بالفتح
هذه عبارته في المحكم فلم يحك الفتح الا في المتاع فقط واما الجوهري فجعل الكل بالكسر
وقال ولا تقل مقارَب اي بالفتح.
( الأمر الثالث) ان المصنف احمل من الفاظ التوثيق والجرح اكثر مما زاده على ابن
ابي حاتم فرأيت ان اذكر منها ما يحضرنى لتعرف وتضبط. فأما الفاظ التوثيق فمن المرتبة
الثانية على مقتضى عمل المصنف قولهم فلان مأمون فلان خيار. وهاتان من الرتبة الثالثة
على مقتضى عمل الذهبي في جعله اعلا الدرجات تكرار التوثيق كما تقدم .
ومن الرتبة الرابعة او الثالثة قولهم فلان الى الصدق ما هو . فلان جيد الحديث.فلان حسن
الحديث وفلان صويلح، وفلان صدوق ان شاء الله . وفلان ارجو انه لا بأس به.

- ١٣٩ -
(الثالث) اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير فروينا عن موسى بن هرون الجمال
احد الحفاظ النقاد انه سئل متى يسمع الصبي الحديث فقال اذافرق بين البقرة والدابة . وفي
رواية بين البقرة والحمار. وعن احمد بن حنبل رضى عنه انه سئل متى يجوز سماع الصبي الحديث
فقال اذا عقل وضبط فذكرله عن رجل انه قال لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة
فأنكر قوله وقال بئس القول. واخبرني الشيخ ابو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي عن
ابي محمد عبد الله بن محمد الأشيري عن القاضي الحافظ عياض بن موسى الَّبتي اليحصبي قال
قد حدد اهل الصنعة في ذلك ان اقله سن محمود بن الربيع . وذكر رواية البخاري في صحيحه
بعد ان ترجم متى يصح سماع الصغير بأسناده عن محمود بن الربيع قال عقلت من النبي عمري
مجةٍ مجها في وجهي وانا ابن خمس سنين من دلو . وفي رواية اخرى انه كان ابن اربع سنين .
(قلت) التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل اهل الحديث المتأخرين فيكتبون لأبن
خمس فصاعداً سمع ولمن لم يبلغ خمسًا حضر او احضر، والذي ينبغي في ذلك ان يعتبر في كل
صغير حاله على الخصوص فأن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب ورداً للجواب
ونحو ذلك صححنا سماعه وان کان دون خمس وان لم یکن کذلك لم نصحح سماعه وان كان
ابن خمس بل ابن خمسين .
واما الفاظ التجريح من الرتبة الأولى وهى الين الفاظ التجريح قولهم فلان فيه مقال
وفلان ضعّف . وفلان تعرِف وتُنكر. وفلان ليس بالمتين او ليس بحجة او ليس بعمدة اوليس
بالمرضى وفلان للضعف ماهو. وسيء الحفظ. وفيه خلف. وطعنوا فيه. وتكلموافيه.
ومن الرتبة الثانية وهي اشد من الأولى فلان واهٍ فلان ضعفوه فلان منكر الحديث.
ومن الرتبة الثالثة وهى اشدمنهما قولهم فلان ضعيف جداً فلان واه بمرة. فلان لا يساوى
شيئاً فلان مطرح. وطرحوا حديثه. وارم حديثه . ومن الرتبة الرابعة فلان متهم بالكذب
وهالك وليس بثقة ولا يعتبر به وفيه نظر. وسكتوا عنه. وها تان العبارتان يقولهما البخاري
فيمن تركوا حديثه. ومن الرتبة الخامسة ولم يذكرها المصنف فلان وضاع فلان دجال.
ولهم الفاظ أخر يستدل بهذه عليها والله اعلم .

- ١٤٠ -
وقد بلغنا عن ابراهيم بن سعيد الجوهري قال رأيت صبيّاً ابن اربع سنين وقد حمل الى المأمون
قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير انه اذا جاع يبكي . وعن القاضي ابي محمد عبد الله بن محمد
الأصبهاني قال حفظت القرآن ولى خمس سنين وحملت الى ابي بكر بن المقري لأسمع منه ولى
أربع سنين فقال بعض الحاضرين لا تُسمِّعوا له فيما قرئ فأنه صغير فقال لى ابن المقرئ اقرأ
سورة الكافرين فقرأتها، فقال اقرأ سورة الكوثر فقرأتها، فقال لي غيره اقرأ سورة والمرسلات
فقرأتها ولم اغلط فيها فقال ابن المقري سمعوا له والعهدة علىّ. واما حديث محمود بن الربيع
فيدل على صحة ذلك من ابن خمس مثل محمود ولا يدل على انتفاء الصحة فيمن لم يكن ابن خمس
ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود رضي الله عنه والله اعلم .
حظ بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله. ومجامعها ثمانية أقسام ـ
[ القسم الأول] السماع من لفظ الشيخ وهو ينقسم إلى املاء وتحديث من غير املاء وسواء
كان من حفظه او من كتابه. وهذا القسم ارفع الأقسام عند الجماهير. وفيما نرويه عن القاضى
عياض بن موسى السبتي احد المتأخرين المطلعين قوله لا خلاف انه يجوز في هذا ان يقول
السامع منه حدثنا واخبرنا وانبأنا وسمعت فلانًا يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان. قلت في
هذا نظر وينبغي فيماشاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصً بما سمع من غير لفظ الشيخ على مانبينه
ان شاء الله تعالى ان لا يُطْلَق فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الأبهام والألباس والله اعلم.
النوع الرابع والعشرون معرفة كيفية سماع الحديث ٣هـ
(قوله) وقد بلغنا عن ابراهيم بن سعيد الجوهرى قال رأيت صبيا ابن اربع سنين
قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر فى الرأي غيرانه اذا جاع يبكى انتهى. احسن المصنف
في التعبير عن هذه الحكاية بقوله بلغنا ولم يجزم بنقلها فقد رأيت بعض الأئمة من شيوخنا
يستبعد صحتها ويقول على تقدير وقوعها لم يكن ابن اربع سنين وانما كان ضئيل الخلقة
فيظن صغره . والذي يغلب على الظن عدم صحتها. وقد رواها الخطيب بأسناده في الكفاية
وفي اسنادها احمد بن كامل القاضي قال فيه الدار قطنى كان متساهلاً ربما حدث من حفظه
بماليس عنده فى كتابه واهلكه العجب فأن كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء الأئمة اصلاً.
وقال صاحب الميزان كان يعتمد على حفظه فيَهم .