النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
النهى عن التكلم فيما لايعنى
أَوَ لَا تَدْرِى(١)؟ فَعَلَّهُ تَكَلَمْ فِمَا لَا يَعْنِيهِ (٢) أَوْ تَخْلَ بِمَاَ لَا يَنَقْصُهُ(٣) . رواه الترمذى
٠٠
وقال : حديث حسن غريب .
[ قال الحافظ ]: رواته ثقات ..
٥٤ - وَرَوَى ابْنُ أَبِى الدُّنْيَاَ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسِ أَيْضًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ :
أُسْتَشْهَدَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ (٤) فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ فَسَحَتْ أُمُّهُ
التَّابَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَالَتْ: هَنِيْئًا لَكَ يَا بَنَّ الْنَّةُ (٥)، فَقَالَ النَِّيُّ صلى اللهُ عليه وسلم:
مَا يُدْرِكِ(٦)؟ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيَا لَا يَعْنِهِ، وَيَمْنَعُ مَلَا بَغُرُهُ(٧) ..
٥٥ - وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم شَهِيدًا، فَبَكَتْ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ،
فَقَالَتْ: وَاشَهِيدَاهُ، قَالَ: فَقَالَ النَّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: مَا يُدْرِيكِ أَنَّهُ شَهِيدٌ؟ لَعَلَّهُ
كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيَا لَا يَعْنِهِ، أَوْ يَبْخَلُ بِمَ لَا يَنْقُصُهُ(٨).
٥٦ - وَعَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّْنِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَت عِنْدَ عَائِشَةَ، وَمَعَهَا نِسْوَةٌ،
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: وَاللهِ لَأَدْخُلَنَّ الْنَةَ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ، وَمَا سَرَقْتُ، وَمَا زَنَيْتُ، فَأَتِيَتْ
فِى الَمِ، فَقِيلَ لَمَ: أَنْتِ المُتَأْلِيَةُ(٩) لَتَدْخُلِنَّ الْنَةَ؟ كَيْفَ وَأَنْتِ نَبْخَلِينَ(١٠) بِمَ
(١) أتقول ولا تعلم .
(٢) فى الأمور التى تشغله ولا تهمه .
(٣) كان غنيا ولم ينفق، وشح فى إخراج حقوق الله ومنع الزكاة التى تنمى ماله.
(٤) غزوة خرج فيها المشركون والكفار نحو ثلاثة آلاف مقاتل منهم سبعمائة دارع، وفى المسلمين
مائة وفرسان فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لأبى برة وقاتل المسلمون، واشتد القتال.
(٥) أبشر بالجنة .
(٦) ما يعلمك، أ كان ثرثاراً كثيراً القول واللغو؟
(٧) لا يصد عنه ما يؤذيه: أى أنه غير شجاع وغير كريم، وأقواله لا فائدة فيها ويتتبع أخبار الناس
وبنصت إلى مالا يهمه .
(٨) يضن بالذى لا يجعله فقيراً محتاجا: أى أنه بخيل شحيح مناع للخير معتد أثيم. لم ينفعه هذا
الاستشهاد، والدفاع عن الدين، لأنه لم يصمت ولم يعمل بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعاليمه،
ويمكن أن دفاعه كان لغير الله تعالى وجهاده وهذا يقصد به دنيا أى لعلة.
(٩) الحاكمة على اللّه الذى يحلف به، من الألية أى اليمين، يقال آ لى يولى إيلاء وتألى يتألى تأليا،
ومنه ((وبل للمتألين من أمتى)» يعنى الذين يحكمون على الله.
(١٠) على أى حال تمنعين الخير وتشحين فى إخراج القليل الواجب، قليلة الإنفاق؟

٥٤٢
فضائل الصمت وبيان آفات اللسان
لَا يُغْنِيكِ، وَتَتَكََّّيْنَ فِما لا يُعْنِيكِ، فَلَّا أَصْبَحَتِ المَرْأَةُ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَ
فضائل الصمت كما ينها صلى الله عليه وسلم فى أحاديثه
أولا : يعد الصامت من أفاضل المسلمين .
ثانيا : يدخل الجنة من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل .
ثالثا: يكسب محبة الله، ويدفع غضبه ويسبب الستر ويبعد الفضيحة.
رابعا : يوصل إلى حقيقة الإيمان .
خامسا : يعد الصامت من أصحاب العزيمة القوية والإرادة الصارمة والهمة السامية .
سادسا: الصامت فى ظل الله وينضر وجهه وتشرق طلعته، والثرثار يكب على وجهه فى النار.
سابعا: الصامت العامل بسنة خير الخلق صلى الله عليه وسلم بعيد منه الشيطان قريب من رحتنا الرحمن.
ثامنا : يسلم الساكت عن الأخطاء ويفر من الذنوب بصمته ولا يرد مواطن السوء بكلامه.
تاسعا : يكسو الصامت المهابة والرزينة والوقار «يصبن بعجب).
عاشراً : ينجو الساكت من كل معصية ولا يهوى من سقطاته .
الحادى عشر: يبعد الساكت من اللغو والرفت والفسوق ( أكثر الناس ذنوبا).
الثانى عشر : يضيع الكلام الكثير الحسنات ، ودرجة الجهاد محوها لفظة من سخط الله تعالى
(( الشهداء)) قال ابن المقرى :
ومنطق المرء قد يهديه لنزال
زيادة القول تحكى القص فى العمل
وما ندمت على مالم تكن نقل
فك ندمت على ما كنت فهت به
فتى يعينك أو يهديك السبل
وأضيق الأمر أمر لم تجد معه
كعفة الجود لا تغنى عن الرجل
عقل الفتى ليس يغنى عن مشاورة
أو مخطئء غير منسوب إلى الخطل
إن المشاور إما صائب غرضا
فالنحل وهو ذباب طيب العسل
لا تحقر الرأى يأتيك الحقير به
بيان آفات اللسان كما فى إحياء علوم الدين
أولا : الكلام فيما لا يعنيك .
ثانيا : فضول الكلام: أى الزيادة على قدر الحاجة قل تعالى: ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من
أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) من سورة النبناء.
ثالثا: الخوض فى الباطل: أى الكلام فى الماضى تكتكافة أحوال النساء. ومجالس الخمر ومقامات
الفساق)، وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المكروهة وأحوالهم المذمومة. قال صلى الله عليه وسلم: ((إن
الرجل ليتكلم بالكلمة)».
رابعا: المراء والجدل. قال مالك بن أنس رحمه الله: المراء يقسى القلوب ويورث الضغان، والمراء
طعن فى كلام الغير بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير ، وإظهار مزية الكياسة .
والجدال عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها .
خامسا: الخصومة أى لجاج فى الكلام ليستوفى به مال أو حق مقصود، وذلك تارة يكون ابتداء
أو اعتراضا، والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق.

٥٤٣
بيان آفات اللسان كما فى إحياء علوم الدين
بمَا رَأَتْ، وَقَالَتْ: أْجَمِى النَّسْوَةَ الَّلَافِى كُنَّ عِنْدَكِ حِينَ قُلْتُ مَاقُلْتُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ
عَائِشَةُ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا فَجِيْنَ فَحَدَّتَتْهُنَّ المَرْأَةُ بِمَا رَأَتْ فِى الَمِ. رواه البيهقى.
سادساً : التقعرفى الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالقشبيبات والمقدمات وماجرت
به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة ((الترثارون المتفيهقون))))
سابعا : الفحش والسب وبذاءة اللسان ومصدره الخبث واللؤم .
ثامناً: اللعن إما لحيوان أو إنسان أو جماد.
تاسعا: الغناء والشعر : أى اللذان فيهما منكر وكذب ..
عاشرا : المزاح .
الحادى عشر: السخرية والاستهزاء: أى الاستهانة والتحقيز والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك
منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة فى الفعل والقول ، وقد يكون بالإشارة والإيماء .
الثانى عشر : إفشاء السر .
الثالث عشر: الوعد الكاذب ، فإن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد
خلفا ، وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى (ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) من سورة المائدة
الرابع عشر: الكذب فى القول واليمين، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب.اهـ ص ١١٦ ج ٣.
ولأبى العتاهية :
أسلك بنى مناهج السادات
لا تلهينك عن معادك لذة
وتخلقن بأشرف: العادات
تغنى وتورث دائم. الحسرات
النيات .
عبد الإله بأخلص
إن السعيد غدا زهيد قاع .
. أقم الصلاة لوقتها بشروطها
وإذا اتسعت برزق ربك فاجعلن
الميقات
فمن الضلال تفاوت
منه الأجل لأوجه الصدقات
إن الزكاة قرينة الصلوات
فى الأقربين وفى الأباعد تارة
وارع الجوار لأهله متورعا
واخفض جناحك إن منحث إمارة
بقضاء. ماطلبوا من الحاجات
وأرغب بنفسك عن ردى اللذات
٠
والعميد الطغرائى :
وحلية الفضل زانانى لدى العطل
أصالة الرأى صانتنى عن الخطل
بشدة الأس منه رقة الغزل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت
حلو الكلام كان رجع حديثه
در ساقطه إليك لسانه
وقال ابن السكيت :
وليس يصاب المرء من عبرة الرجل
يصاب الفتى من عثرة بلسانه
وعثرته بالرجل تبرى على مهل
فعثرته بالقول تذهب رأسه.
ولزهير بن أبى سلمى :
زيادته أو نقصه فى التكلم
وكأن ترى من صامتٌ لك معجب
. ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
"لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
ى اللسان أهم جوارح الإنسان نفعا إذا صلح وأعظمها ضررا إذا فسد «المرء بأصغريه قلبه ولسانه».

٥٤٤
الآيات الدالة على فضائل الصمت الناهية عن اللغو
الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر
١ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم قالَ: إِنَّ كُمُ
لا ترانى راتعا فى مجلس
لحوم الناس كالسبع الضرم
ذى الخنا أبقى وإن كان ظ!
ولبعض الصفح والإعراض عن
والنابغة الذبياني :
وليس وراء الله للمرء مذهب
خلفت فلي أترك لفك - ريبة
فبلغك الواشى أغش وأكذب
لئن كنت قد بلغت عنى رسالة
على شعث أى الرجال المهذب ؟
ولست بمستبق أخا لاتلمه
الآيات الدالة على فضائل الصمت الناهية عن اللغو
١ - قال الله تعالى: ( قد أفلح المؤمنون١ الذين هم فى صلاتهم خاشعون ٢ والذين هم عن اللغو معرضون) ٣
من سورة المؤمنين .
واللغو كل مالا فائدة فيه لا للجسم ولا للنفس ولا للروح ولا للعقل، فالمؤمن لا يشغل وقته إلا بما يفيده
فى حياته العاجلة أو حياته القابلة .
ب - وقال تعالى: ( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغوم واكراما ) ٧٢ من سورة الفرقان.
جُ - وقال تعالى: ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى
الجاهلين) ٥٥ من سورة القصص ..
فلا تجاة من خطر اللسان إلا بالصمت بحفظه من جميع الآفات. ألا ترى المؤمن قاتلاوقته بالجلوس على
المقامى بلعب الفرد أو الشطرنج ، أو يخوض فى أعراض الناس أو يتحدث فى شئونهم بما لا يجدى نفعا أو
يتدخل فيما لا يعنيه من شئون السياسة، وليس من أربابها ولا من المنوط بهم درسها والدفاع عنها ،
بل ترا هادئًا ثابتا صامتا ساكتا لا يتكلم إلا فى مفيد ولا يتحرك إلا فى نافع، ولا يفكر إلا فى منتج.
يجد فى تحصيل رزقه وأهله وولده ليكف يده عن المسألة ويصون وجهه عن بذل مائه ويجلب العزة
والكرامة والنبالة . قال الحسن : ماعقل دينه من لم يحفظ لسانه. وفى الغريب: اللغو من الكلام
مالا يعتد به ، وهو الذى يورد لاعن روية وفكر فيجرى مجرى اللغا وهو صوت العصافيرونحوها
من الطيور . قال أبو عبيدة : لغو ولغا نحو عيب وعاب وأنشدهم عن اللغا ورفت التكلم يقال لغيت
تلغى نحو لقيت تلقى وقد يسمى كل كلام قبيح لغوا، قال تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذا با) ٣٥
من سورة النبأً . ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأتيما) ٢٥ من سورة الواقعة اهـ.
- وقال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليم ١٤٨ إن تبدوا
خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عنموا قديرا) ١٤٩ من سورة النساء.
هـ - وقال تعالى: (لاخير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروفُ أو إصلاح بين الناس ومن
يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) ١١٤ من سورة النساء .
ح - وقال تعالى: (واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين) ١٠٨ من سورة المائدة.
ز - وقال تعالى: (وهو الله فى السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهوكم ويعلم ما تكسبون) ٣ من سورة الانعام
ح - وقال تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره) الآية
من سورة الأنعام .

٥٤٥
الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر
وَالظَّ(١)، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ (٢)، وَلَا تَحَُّوا(٢)، وَلَا تَجَسَّسُوا(٤)،
وَلَا تَنَفَسُوا(٥)، وَلَا تَحَسَدُوا(٦)، وَلَا تَبَغَضُوا(٧)، وَلَا تَدَابَرُوا(٨)، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ
وقد قال الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم (ثم ذرثم فى خوضهم يلعبون) أمن اترك أولئك الكفرة
الذين ينكرون (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً
وهدى للناس ؟) من سورة الأنعام .
ط - وقال تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل
أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) ١٠٨ من سورة الأنعام.
ينهى الله تعالى عن سب الآلهة التى يعبدها الكفار خشية أن يتطاولوا على عظمة الله وجلاله. قال
البيضاوى : وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها اه وكذلك العاقل يصمت
أو يهجر الكلام القبيح فلا يجلس فى مجالس العصاة الفساق .
(١) قال القرطبى: أى التهمة التى لا سبب لها كمن يتهم بفاحشة من غير ظهور مقتضيها، ولذا عطف
عليه ولا تجسسوا ، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد تحققه فيتجسس ويبحث فنهى عن ذلك ،
وهذا موافق لقوله تعالى: ( اجتنبوا كثيراً من الظن) الآية من سورة الحجرات .
ودل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهى عن الخوض فيه بالظن ، فإن
قال أجث لأتحقق قيل له ( ولا تجسسوا ) فان قال تحققت من غير تجسس، قيل له : (ولا يغتب بعضكم بعضا)
وقال الحافظ فى الفتح: ليس المراد به ترك العمل بالظن الذى تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق
الظن الذى يضر بالظنون به ، وكذا ما يقع فى القلب من غير دليل اهـ .
(٢) قيل أريد من الكذب عدم المطابقة للواقع سواء كان قولا أم لا، ويحتمل أن يراد بالظن
ما ينشأ من القول فيوصف به الظن مجازا .
(٣) لا تتسمعوا الحديث ولا تنصتوا لألفاظ من فى البيوت .
(٤) ولا تبحثوا عن عورات الناس ولا تتبعوا سوءاتهم وتبحثوا عن هناتهم وأخطائهم. قال القرطى:
بالجيم : تتبعه لأجل غيره، وبالحاء تتبعه لأجل نفسه . وقيل بالجيم البحث عن العورات، وبالجاء استماع
حديث القوم، ثم يستثنى من التجسس المنهى عنه ما إذا تعين لإنقاذ نفس من الهلاك كأن يخبر باختلاء إنسان
بآخر ليقتله ظلما أو بامرأة أيزنى بها أو إخبار سارق أو كشف سر مؤامرة مدبرة لوقوع إجرام وسطو
فهذا التجسس مشروع حذراً عن فوات استدراكه .
(٥) لا تتزاحموا فى الانفراد بالشىء الحسن ولا ترغبوا فى التفوق عن الند والفوز بالخير دونه، وأن
تتمنوا حرمانه وخسارته وسقوطه .
(٦) لا يحصل منكم تمنى زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة دين أو دنيا، نهى صلى الله عليه
وسلمْ المسلمين عن الحسد: أى إضمار السوء ورجاء اندحار الخصم وكساد تجارته وإزالة خيراته ، وفيه نوع
يسمى الغبطة، وهى تمنى أن تنال مثل هذه النعمة أو العز أو الجاء لتعمل صالحا، فإن كان فى الدين فمحمود
وإلا فلا لقوله صلى الله عليه وسلم ((لا حسد إلا فى اثنتين)).
١ - رجل آتاه الله الحكمة.
ب - غنى ينفق أمواله فى وجوه البر .
(٢) لا يحصل منكم شقاق أو تنافر .
(٨) لا تقاطعوا، ولا يحصل إعراض أو معاداة أو استئثار الإنسان عن أخيه.
(٣٥ - الترغيب والترهيب - ٣ )

٥٤٦
لا يجتمع فى جوف عبد الإيمان والحسد
إِخْوَانً(١) كما أَمَرَ كمُ(٢). المُسْلمُ أَخُرِ لَهُدٍ (٣) لَا يَظْلِمُهُ(٤)، وَلَا يَخْذُلُ (٤)، وَلَا
يَحَقْرُهُ(٦) . النَّقْوَى هُهُنَ، التَّقْوَى هُهُنَا، التَّقْوَى هُهُنَا(٢)، وَاشَارَ إِلَى صَدْرِهِ، بِحَسْبٍ
أَمْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْفِرَ أَخَهُ الْمُسْلِ (٨). كُلُّ المُسْلِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ (١٩) وَمُهُ وَرْضُهُ
وَمَاَ لُهُ. رواه مالك والبخارى ومسلم، واللفظ له، وهو أتمّ الروايات وأبو داود والترمذى.
٢ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم قالَ: لَا يَجْتَمِعُ.
فى جَوْفٍ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ غُبَرٌ فِى سَبِيلِ اللهِ(١٠)، وَفَيْحُ جَهَّمَ ، وَلَا يَجْتَمِعُ فى جَوْفٍ
عَبْدِ الْإِيمَانُ وَاَلْسَدُ . رواه ابن حبان فى صحيحه . ومن طريقه البيهقى .
٣ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمقالَ: إِنَّ كُمُ وَالْحَسَدَ(١)
(١) متآخين أى اكتسبوا ما تصيرون به إخوة، من التآلف والتدابب وترك هذه المنهيات. قال
فى الفتح: أى إذا تركتم هذه صرتم كالإخوان ، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيرون أعداء ، وقيل معناه
كونوا كاخوان النسب فى الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة.
(٢) أى مثل الذى ألزمكم الله أن تتبعوه. قال القرطبى: لعله أشار بذلك إلى الأوامر المتقدم ذكرها
فإنها جامعة لمعانى الآخرة والفاعل مضمر يعود إلى الله، وهو مصرح به فى مسلم .
(٣) لاجتماعهما فى الإسلام كالأخوة فى النسب.
(٤) لا يؤذيه فى نفسه ولا ينقص ماله ولا يسب عرضه .
(٥) لا يترك نصرته وإعادته، ولا يتأخر عنه فى مساعدة ولا يهزمه فى عمل ولا يتركه فى مصيبة.
(٦) لا يهينه ويعبأ به .
(٧) أى خوف الله وخشيته فى القلب الذى هو فى الصدر.
(٨) كافيه من الشر لعظمه وشدته عند الله أن يهمل حق أخيه أو يعرض عنه أو يعجب بنفسه ويحتقر
غيره ويرضى عن نفسه ويسخط عن غيره، وما يدريه أن ذلك المحتقر عند الله بمكان سام كما قال صلى الله
عليه وسلم «رب أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه)).
(٩) محظور وممنوع قناه وأذاء والتعرض له بسوء، والمراد منع هذه الأمور بما لم يأذن الشرع فيه من
نحو قصاص أو تعذير أو قضاء ما امتنع من أدائه مما هو واجب عليه اهـ رياض الصالحين وشرح ٧٤ ج ٨
قال المناوى: ولا تحسسوا: أى لا تطلبوا الشىء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشئ خفية اهـ ولاتتدابروا
ولا تتهاجروا فيهجر أحدكم أخاه مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه .
(١٠) من شدة العراك والهياج تنتشر ذرات التراب فى الجوفيشمها المسلم المجاهدفتكون ضمانة له من دخول
النار وكذلك لا يجتمع الإخلاص لله تعالى وحسن عبادته والاعتماد عليه جل وعلا وأنه الرزاق وتمنى زوال
النعمة من أخيه المسلم، لأن نور الإيمان يسطع بأشعته فى القلب فيثمر بمحبة أخيه المسلم فيودله كل سعادة وسيادة
(١١) احذروه، وفى الجامع الصغير: الجسد حب زوال النعمة عن المنعم عليه. أما من لا يحبزوالها ولا يكره
وجودها ودوامها ، ولكن يشتهى لنفسه مثلها فهذا يسمى غبطة ( فإن الحسد ) أقام المظهر مقام المضمر حثا
على الاجتناب ( يأكل الحسنات ) أى يذهبها ويحرقها ويحبطها ( الحطب) اليابس لسرعة إيقادها فيه . وقال

٥٤٧
لا يزال الناس بخير مالم يتحاسدوا
فَإِنَّ الْسَدَ يَأْ كُلُ الْحَسَنَتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْطَبَ، أَوْ قالَ: الْمُشْبَ. رواه أبوداود
والبيهقى ورواه ابن ماجه والبيهقى أيضاً وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه
وسلمقالَ: الْسَدُ بَأْكُلُ الْسَنَتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْطَبَ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىُّ الخَطِيئَةَ(١)
كما يُطْفِىُ الماءِ النَّارَ، وَالصَّلَاةُ نُورُ المُؤمِنِ (٣)، وَالصِّمُ جُنَّةٌ (٣) مِنَ النَّارِ.
٤ - وَعَنْ ضُرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَاَلَمْ يَتَحَسَدُوا(٤). رواه الطبرانى ورواته ثقات.
٥ - وَرُوِىَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
قالَ : لَيْسَ مِنِّي ذُو حَسَدٍ، وَلَا نَمِيمَةٍ، وَلَا كَهَنَةٍ (٥)، وَلَا أَنَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا كْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَنَا وَإِنْماً مُبِينًا(٦)). رواه الطبرانى، وتعدم فى باب أجلاء العلماء حديثه أيضاً عن النبى
صلى اللهُ عليه وسلم: لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى إِلَّ ثَلاَثَ(٧) خِلَالِ أَنْ يَكْثُ(٨) لَهُمْ مِنَ الُّنْياً
فَيَتَحَسَدُونَ .
الحفنى : يأكل الحسنات : أى بسبب أنه يفضى بصاحبه إلى إيذاء المحسود بإتلاف ماله مثلا، وإلا فمذهب أهل
السنة أن السيئة لامحبط الحسنة اهـ ص ٩٨ ج ٢ .
(١) الإحسان والإنفاق لله يمحو الذنب.
(٢) أى تمنع من المعاصى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدى إلى الصواب وقيل يكون أجر الصلاة
نورا لصاحبها يوم القيامة ، وقيل لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ
القلب فيها وإقباله على الله عز شأنه بظاهره وباطنه اه نووى من مختار الإمام مسلم ص ١٧٦.
(٣) وقاية تمنع الصائم من دخول النار، لأنه يمتنع عن المفطر ابتغاء ثواب الله جل وعلا ويتباعد عن
جميع المعاصى وبذا يستحق نعيم الجنة فلا يعذب .
(٤) مدة عدم تحاسدهم فهم فى عن وخير وإن محاسد واحلت عليهم النقمة وعمهم الشقاق والعذاب وسوء المآب
(٥) أى ليس على طريقتى الكاملة ثلاثة :
١ - الحاسد .
ب - النمام.
ج - الكاهن .
هؤلاء مخالفون شريعته صلى الله عليه وسلم نابذون سنته معلنون الحرب عليه فساق عصاة .
(٦) يرمونهم بجريرة ويتمنون زوال نعمهم والله تعالى هو الذى أعطاهم وأمدهم بخيراته فقد ارتكبوا
آناما جمه من جراء أعمالهم السيئة الشريرة المؤذية .
(٧) لا أخاف على أمتى إلا ثلاث كذا ط وع ص٢٤٧ وفى ند: بحذف إلا. والمعنى يخشى صلى الله عليه
وسلم زيادة النعم ووفرة المال عند المسلمين فتكثر الشرور وتزداد العداوة ويتمنون الأذى لخصومهم وينسون
(٨) من كثر الخير يكثر، كذاع بفتح الياء .
آداب الله ورسوله «لاتحاسدوا».

٥٤٨
إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار العشب
٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وَسلم قالَ: مَا ذِ ئْبَانِ جَائِعَنِ أُرْسِلَا فِى زَرِيبَةٍ غٍَ بِأَفْسَدَ لَاَ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ
وَاَلْسَدِ فِي دِينِ المُسْلِمِ(١)، وَإِنَّ الْسَدَ لَيَأْ كُلُ الْسَنَتِ كَمَا تَأْكُلُ الغَّارُ الْطَبَ.
٧ - وفى رواية: إِيَّاكُمُ وَالْسَدَ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْمُشْبَ
ذكره رزين، ولم أره فى شىء من أصوله بهذا اللفظ إنما روى الترمذى صدره وصححه،
ولم يذكر الحسد بل قال: عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ، وقمة الحديث تقدمت عند أبى داود من
حديث أبى هريرة .
٨ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: دَبَّ(٢)
إِلَيْكُ دَاءِ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْسَدُ وَالْبَغْضَاءِ، وَالْبَغْضَاءِ هِىَ الْخَالِقَةُ: أَمَا إِنِّى لَا أَقُولُ
تَخْلِقُ الشِّعَرَ ، وَلْكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ. رواه البزار بإسناد جيد والبيهقى وغيرهما .
٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وَسلمٍ: يَا بُنَّ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تُصْبِحَ وَنتُمْسِىَ لَيْسَ فى قَلْبِكَ غِشٌِّ(٣) لِأَحَدٍ فَفْعَلْ
الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب .
١٠ - وَعَنْ أُنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسَا مَعَ رَسُولِ اللهِ
(١) ثنتان يضران كثيرا أكثر من ضرر انطلاق الذئب على حظيرة الحاشية:
١ - الجشع والشح وحب جميع المال مع البخل وإنكار الخقون.
ب - تمنى زوال نعم المسلمين وكراهة الصالحين ومحاربتهم، وتمنى عدم الإكثار من طاعة الله جل وعلا وعبادته
(٢) سار. وقال الحفنى: أى سرى إليكم، يقال دب على الأرض فهو خاص بالأجسام ودب إليه المرض
فى المعانى: أى سرى إليه ففيه تجوز ( الحالقة) أى مثلها فالبغضاء تزيل بركة الإيمان والدين كما يزيل الموسى
الشعر اهـ وقال العزيزى: فى الخصلة التى شأنها أن تحلق: أى تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر
اهـ ص ٢٦٠ ج ٢.
يخبر صلى الله عليه وسلم عن ثنتين بقيتا من خصال الأمم البائدة الجاهلة.
١ - تمنى زوال نعم الغير.
ب - حب الشقاق، والميل إلى العداوة، ولكن المسلم الصالح الكامل الإيمان خلو منهما، لأنه يحب الله
وبنوی الخير ويفكر فى طاعته .
(٣) خيانة وكيد ومكر وخبث وحسد، وهكذا من خلال العاصين.

٥٤٩
فضل التخلى عن الحمد
صلى الله عليه وَسلمٍ فَقَالَ: يَطْلُعُ(١) الآنَ عَلَيْكُمُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْنَّةِ، فَطَعَ رَجُلٌ مِنَ
الْأَنْصَارِ تَنْطُفُ ◌ْخِيَّتُهُ مِنْ وَضَوْئِهِ قَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الثَّالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ(٣) قالَ
النَِّيُّ صلى الله عليه وَسلم مِثْلَ ذُلِكَ، فَطَلَعَ ذُلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الَرَّةِ الْأُولَي، فَلَمَّا كَانَ
الْيَوْمُ الثَّالِثُ قالَ النَبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وَسلم: مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًاً، فَطَلَعَ ذُلِكَ الرَّجُلُ عَلَى
وِثْل حَالِهِ الْأُوَّلِ ، فَلَمَّا قامَ الَّبِىُّ صلى اللهُ عليهِ وَسلم تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ، فَقَالَ:
إِّى لَا حَيْتُ(٣) أَبِى، فَأَفْسَمْتُ أَنِّى لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاَثً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِ يَنِى إِلَيْكَ
حَّى تَخْضِىَ فَعَلْتَ. قالَ: نَعَمْ. قالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ الثَّلاثَ
الليَالِ فَلَمْ يَهُ يَقُومُ مِنَ الَّيْلِ شَيْئًا(٤) غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَرَّ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَائِهِ (٥) ذَكَرَ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ ، وَ كَبَّرَ حَتَّى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّى كَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيْرًا،
فَلَّا مَضَتِ الثَّلاَثُ الَّيَالِ، وَكِدْتُ أَنْ أَخْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ: يَعَبْدَ اللهِ لَمْ يَكُنْ بْنِى
وَبَيْنَ أَبِى غَضَبٌ وَلَا هُجْرَةٌ، وَلَكِنْ سَمْعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ لَكَ
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْنَةِ، فَطَلَمْتَ أَنْتَ الثَّلاَثَ الَّاتِ،
فَأَرَدْتُ أَنْ آوِىَ إِلَيْكَ، فَأَنْظُرَ مَا عَلُكَ، فَأَقْتَدِىَ بِكَ، فَلَمْ أَرَكَ عِلْتَ كَبِيرَ عَمَلٍ،
◌َ الَّذِى بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسام؟ قالَ: مَاهُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ،
فَلَمَّا وَأَّيْتُ دَعَانِ(٦) فَقَالَ:مَا هُوَ إِلَّ مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِى لَا أَجِدُ فى نَفْسِى لِأَحَدٍ مِنَ الُسْلِمِينَ
غِشًّا وَلَا أَحْسُمُ أَحَداً عَلَى خَيْرِ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَلُ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِى بَلَغَتْ بِكَ.
رواه أحمد بإسناد على شرط البخارى ومسلم والنسائى، ورواته احتجا بهم أيضاً إلا شيخه
سويد بن نصر ، وهو ثقة وأبو يعلى والبزار بنحوه، وسمى الرجل المبهم سعداً .
(٣) جادلته وخاصمته رجاء أن يقبله ذلك الرجل الصالح لينظر إلى فعله
(١) يظهر. (٢) اليوم الثانى.
(٤) استيقظ ووحد الله جل وعلا وأكثر من تسبيحه وتحميده وتكبيره حتى مطلع الفجر.
(٥) أى يتهجد ويذكر الله .
(٦) طلبنى، وأخبر أنه لا يحب الغش والخديعة. وفى النهاية: الغش ضد النصح من العشش، وهو المشرب
الكدر ولا أتمني زوال نعمة أحد . ثنتان تعملى بهما ذلك المؤمن الكامل :
١ - إبداء النصيحة .
ب - حب الخير للمسلمين وطلب زيادته للمستزيد.

٥٥٠
فضل ترك الحسد
وقال فى آخره: فَقَالَ سَعْدٌ: مَاهُوَ إِلَّ مَا رَأَيْتَ مَا ابْنَ أَخِى إِلاَّ أَنِّي كُمْ أَبِتْ ضَاغِنً(١)
عَلَى مُسْلٍ. أو كلمة نحوها .
زاد النسائى فى رواية له والبيهقى والأصبهانى: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِ بَلَغَتْ بِكَ،
وَهِىَ أَِّى لَا تُطِقُ .
١١ - ورواه البيهقى أيضاً عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كُنَّا جُوسَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ
صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَقَالَ: لَيَطْلُمَنَّ عَلَيْكُمُ رَجُلٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ أَهْلِ الَجْنَّةٍ،
فَجَاءَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فَدَخَلَ مِنْهُ. قال البيهقى: فذكر الحديث قال: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو
رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَاَ: مَ أَنَا بِالَّذِى أَنْتَعِي حَتَّى أُبَيِتَ(٢) هَذَا الرَّجُلَ، فَأَنْظُرَ عَلَهُ قالَ :
فذكر الحديث فى دخوله عليه قال: فَنَاوَلَنِ عَبَاءَةً، فاضْطَجَعْتُ عَلَيْهاَ قَرِيباً مِنْهُ، وَجَعَلْتُ
أَرْمُقُهُ(٣) بِعَيْنِى لَيْلَهُ(٤) كُلَّا تَعَرَّ سَبَّحَ، وَكَبَّرَ ، وَهَلَّلَ، وَحِدَ اللهَ حَتَّى إِذَا كَانَ
فِى وَجْهِ السَّحَرِ قامَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّ خِذْتَيْ عَشَرَةَ رَكْمَةً بِنْذَتَىْ عَشْرَةً
سُورَةٌ مِنَ الْفَصَّلِ (٥) لَيْسَ مِنْ طِوَالِهِ، وَلَا مِنْ قِصَارِهِ، يَدْعُو فى كُلِّرَ كْمَتَيْنِ بَعْدَ
النَّشَهّدِ بِثَلاَثِ دَعَوَاتٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ آتِنَ فى الدُّنْيَا حَسَيَّةً(٦)، وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَّةً(٧)
وَقِينَ عَذَابَ النَّارِ . اللَّهُمَّ أَ كْفِئَ مَا أَهَا مِنْ أَمْرٍ آخِرِ ◌ِذَا وَدُنْيَانَ. الَهُمَّ إِنَّا نَسْأَ لُكَ مِنَ
اَخْرِ كُلِّهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلُّهِ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قال، فذكر الحديث فى استقلاله عمله،
وعوده إليه ثلاثاً إلى أن قال: فَقَالَ: آخُذَ مَضْجَعِى، وَلَيْسَ فى قَلْبِىِ غِمْرٌ عَلَى أَحَدٍ .
(١) حاقدا، من ضغن صدره: أى حقد. وفى النهاية. الضفن الحقد والعداوة والبغضاء وكذا الضعينة اهـ
(٣) أطفع وأنظر.
(٢) أبيت معه وألازمه صباح مساء.
(٤) طيلة ليله يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر صيغة غراس الجنة. قال الله تعالى:
فى وصفها (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) ٤٦ من سورة الكهف .
أى أمال الخيرات التى تبقى له ثمرتها أبد الآباد ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج
وصيام رمضان والكلام الطيب .
(٥) السبع الأخير ، ذلك المفصل بين القصص بالسور القصار .
(٦) الصحة والكفاف والتوفيق للخير .
(٧) الثواب، والرحمة فى الآية طلب محاسن الدنيا والآخرة وهى جماع كل خير .

٥٥١
قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان الحديث
[ الْغِعْرُ] بكسر الغين المعجمة وسكون الميم: هو الحقد، وقوله: تنظف : أى تقطر.
[لاحيت] بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت: أمم خاصمت.
[ تعارٌ ] بتشديد الراء : أى استيقظ.
١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَىُّ
النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُّ ◌َخْتُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللََّانِ. قَالُوا: صَدُوقُ اللَّانِ نَعْرِفُهُ،
ثُمَا يَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قالَ: هُوَ التَّقِيُّ الَّقِىُّ لَا إِنْمَ فِيهِ وَلَا بَغْىَ ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ .
رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والبيهقى وغيره أطول منه .
١٣ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَضىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ بَدَلَاءٍ(١) أُمَِّ كَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَّةٍ، وَلَا صَوْمٍ ، وَلَا صَدَقَةٍ ، وَلُكِنْ
دَخَلُوهَا بِرَْمَةِ اللهِ، وَسَخَوَةِ الْأَنْفُسِ(٣)، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ(٣). رواه ابن أبى الدنيا
فى كتاب الأولياء مرسلا .
١٤ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِى ذَرُّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم قالَ:
قَدْ أَفْلَحَ(٤) مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَجُعِلَ قَلْبُهُ سَلِيماً (٥) وَلِسَانُهُ صَدِقاً، وَنَفْسُهُ
مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتُهُ مُسْتَقِيمَةً (٦) الحديث رواه أحمد والبيهقى، وتقدم بتمامه فى الإخلاص
(١) الأولياء والعباد، سموا بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل بآخر.
(٣) نقاويها من الحمد وإضمار العداوة .
(٢) جودهم وكرمهم وكثرة إنفاقهم .
(٥) سيرته وأفعاله .
(٤) فاز ..
يخبر صلى الله عليه وسلم عن صفات الناجى الفائز المفلح السعيد:
١ - مطيع الله ورسوله وآمن بهما وعمل صالحا .
ب - قلبه طاهر من أدران المعاصى والنفاق والشقاق .
ج - كلامه طيب يرضى الله جل وعلا.
د - نفسه هادئة تحب الخير راضية مرضية صابرة محتسبة قانعة.
(٦) طبعه حسن وأخلاقه كريمة وباطنه نقى من الشرور .
خلاصة أضرار الحسد كما قال صلى الله عليه وسلم وثمرات اجتنابه
أولا : الحاسدتعرض لما ينهى الله عنه ورسوله ((ولا تحاسدوا)).
ثانيا: ليس فى قلبه الإيمان بالله ((لا يجتمع)).

٥٥٢
الآيات القرآنية الدالة على ذم الحسد وسوء عاقبته
ثالثا : يمحو حسناته من صحيفته كما تأكل النار الحطب .
رابعا : يدل على عدم فائدة الحاسد ورداءة صحبته.
خامسا : ليس مساما كامل الإيمان ذو حد .
سادسا: الحمد يجلب المصائب ويزيل النعم ويفتك بصاحبه فتكا ذريعا ((ماذابان)).
سابعا : يجعل صاحبه جاهلا غرا متصفا بأعمال الأمم الحقيرة ((دب إليكم)).
ثامنا: عدم الحسد يدل على الاستقامة والهداية ((إن قدرت)).
تاسعا : ترك الحسد يدخل الجنة ((ولا أحسد أحدا)).
عاشرا: اجتنابه عنوان النجابة ومعين السعادة ((قد أفلح)).
الاستشهاد من القرآن الكريم على وخامة الحسد وسوء عاقبته
١ - قال الله جل ذكره (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حدا من عند
أنفسهم من بعد ماتبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شىء قدير) ١١٠
من سورة البقرة .
(كفارا) مرتدين: أى تمنوا من عند أنفسهم وتشهيهم لامن قبل التدين والمبل مع الحق: أى حسدا
منبعثا من أصل نفوسهم، والعفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه.
إن شاهدنا هذا الخلق النعيم الذى منع الكفار أن يقتبسوا من نور الله تعالى المحمدى ويهتدوا بهديه
كما قال سيدنا معاوية: ليس فى خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود
وقال ابن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لاذنب له بخيل بما لا يملكه، طالب ما لا يجده اهـ وقد أمر الله
الصحابة بترك محاسبة أولئك الحساد مع الحذر واليقظة .
ب - وقال تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة
وآتيناهم ملكا عظيما ٥٤ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفي بجهنم سعيرا) ٥٥ من سورة النساء
بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب والناس، لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد
الناس كلهم كمالهم ورشدهم. ويخهم وأنكر عليهم الحسد كما ذمهم على البخل وهما شر الرذائل (من
فضله) النبوة والكتاب والنصرة والإعزاز وجعل النبى الموعود منهم، فلا يبعد أن يؤتيه الله تعالى
مثل ما آتى إبراهيم وآنه (فمنهم ) أى اليهود من آمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وترك الحمد،
ومنهم من أعرض عنه ولم يؤمن به . وقيل معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر، ولم
يكن فى ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك (سعيرا ) نارا مسعورة يعذبون بها إن
لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سغير جهنم .
إن شاهدنا أولئك الحساد ابتعدوا عن الاعتراف من العذب والاستضاءة بنبراس رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولم يمنعهم من الخير سوى الحسد.
ج - وقال تعالى: ( ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن) من سورة الأنعام .
( قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لـ
ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) ٣٣ من سورة الأعراف.
وعد العلماء الحسد من الفواحش الباطنة .
د - وقال تعالى: (واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال

٥٥٣
الآيات الدالة على سوء عاقبة الحاسد
لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ٢٧ لكن بسطت إلى بدك لتقتلى ما أنا باسط يدى إليك لأقتلك
إلى أخاف الله رب العالمين ٢٨ إلى أريد أن تبوء بإمى وإنك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء
الظالمين ٢٩ قطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ٣٠ فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض
ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخى فأصبح
من النادمين ) ٣١ من سورة المائدة.
قابيل وهابيل أخوان شقيقان أوحى الله سبحانه وتعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منها توعمة الآخر.
فخط منه قابيل وحده، لأن توعمته كانت أجمل فقال له) آدم قربا قربانا فمن أيكما قبل منه تزوجها
فقبل قربان هابيل ، بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطا وحداً وضعنا.
انظر رعاك الله تعالى إلى الحسد جر إلى جريمة قتل مع أن المؤرخين قالوا كان هابيل أقوى منه، ولكن
تخرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله سبحانه وتعالى ،قبل القتل بالبصرة فى موضع المسجد الأعظم،
وهابيل عمره عشرون سنة ، وقيل عند عقبة حراء (ياويلتا) كلمة زجروتحسر وتأنيب الضمير ، واحتار
فى أمره وحمله على رقبته سنة واسودلونه مثل الغراب، دليله وقائده. قال الشاعر. إذا كان الغراب دليل قوم.
هـ - وقال تعالى: ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفانات
فى العقد ومن شر حاسد إذا حسد ) سورة الفلق.
أمره الله سبحانه وتعالى ليستعيد أمته ويطلب الحصن المنيع من أذى الحاسد إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه
وانبعث الشر من الحاسد كما ينبعث من الخلق ومن ظلام الليل الحالك ومن السواحر النفوس والنساء اللاتى
يعقدن عقلا فى خيوط وينفان عليها للضرر ، وأورد البخارى: باب ماينهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى:
( ومن شر حاسد إذا حسد) قوله صلى الله عليه وسلم ((ولا تحاسدوا)) وأورد أيضا باب قول الله تعالى:
١ - ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية من سورة النحل.
ب - وقوله تعالى: ( إنما بغيك على أنفسكم) من سورة يونس.
ج - وقوله تعالى: ( ثم بغى عليه لينصره الله) من سورة الحج .
وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر. ثم ذكر فيه حديث عائشة رضى الله عنها فى قصة الذى سحر النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف ليهود أناه رجلان فى الرؤيا وأرشده إلى جف
طلعة ذكر فى مشط ومشاطة تحت رعوفة فى بئر ذروان، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه البثرالتي أريتها
كأن رء وس نخلها رء وس الشياطين وكأن ماءها نقاعة الحناء، فأمر به النبى صلى الله عليه وسلم فأخرج قالت
عائشة فقلت يارسول الله فهلا تعنى تنشرت فقال النبى صلى الله عليه وسلم. أما الله فقد شفانى، وأما أنافأ كره
أن أثير على الناس شراً اه قال ابن بطال: وجه الجميع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث أن الله تعالى
لما نهى عن البغى، وأعلم أن ضرر البغى إنما هو راجع إلى الباغى وضمن النصر لمن بغى عليه، وقد امتثل التى
صلى الله عليه وسلم فلم يعاقب الذى كاده بالسحر مع قدرته على ذلك انتهى ملخصا. قال الحافظ: ويحتمل أن
يكون مطابقة الترجمة للآيات والحديث أنه صلى الله عليه وسلم ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس
منه شر فسلك مسلك العدل فى أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشئ عن السحر شر، وسلك
مسلك الإحسان فى ترك عقوبة الجانى اه فتح ص ٣٦٨ ج ١٠ قال الغزالى: اعلم أن الحد من نتائج الحقد
والحقد من نتائج الغضب فهو فرع فرعه والغضب أصل أصله. وقال زكريا عليه السلام قال الله تعالى ((الحاسدعدو
لنعمى متسخط الفضائى غير راض بقسمتى التى قسمت بين عبادى)) وقال بعض السلف: أول خطيئة كانت هى الحسد:
حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له حمله الحسد على المعصية، وقال رجل للحسن على ما يحد
المؤمن؟ قال ما أنساك بنى يعقوب ، نعم ولكن عمه فى صدرك فإنه لا يضرك مالم تعد به يدا ولا لسانا. وقال
تے

٥٥٤
ليس المؤمن بحسود
٠
معاوية: كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة، فإنه لايرضيه إلا زوالها ، ولذلك قيل:
إلا عداوة من عاداك من حسد
كل العداوة قد ترجى إماتتها
ليس المؤمن بحسود ولذا يسود وينجح فى أعماله
و - وفى كتاب الزواجر: الكبيرة الثالثة الغضب بالباطل والحقد والحسد. قال ابن حجر الهيتمى: لما كانت
هذه الثلاثة بينها تلازم وترتب، إذ الحسد من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب كانت بمنزلة خصلة
واحدة، قال الله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله
وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) من سورة الفتح .
الله سبحانه وتعالى ذم الكفار؟! تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل
عليهم من السكينة والطمأنينة الناشىء عنها إلزامهم كلمة التقوى وأنهم ثم أهلها وأحق بها اهـ ص ٤٣ ج١
( الحمية ) الأنفة، والسكينة الثبات والوفاء ، وكلمة التقوى الشهادة أو بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول
اللّه اختارها لهم، أو الثبات والوفاء بالعهد والتحلى بآداب الله وتنفيذ أوامره.
ز - وقال تعالى: (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن
أكثرهم لا يشكرون ٦٠ وما تكون فى شأن وماتتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم
شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك
ولا أكبر إلا فى كتاب مبين) ٦١ من سورة يونس.
أى شىء ظنهم؟ أيحسبون أن لايجازوا عليه؟ ، وفيه إنذار العصاة، ويدخل الحسد فىذلك، وفيه إيهام
الوعيد تهديد عظيم؛ فالله تعالى أنعم عليهم بالعقل وهداهم إرسال الرسل وبإنزال الكتب فعليهم أن يتعظوا
ويعملوا صالحا ( شأن) أى أمر يقصد إلا والله يعلمه، وكذا الأعمال جليلها وحقيرها (تفيضون )
تخوضون فيه وتندفعون، وما يعزب ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه (كتاب) اللوح المحفوظ ، قال تعالى:
( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) ٤٤ من سورة يونس .
ح - وقال تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا والنساء نصيب
مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما) ٣٢ من سورة النساء.
١ - وقال تعالى: ( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالبكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا
عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ١١٩ إن تمسك حسنة
تسؤثم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط)
١٢٠ من سورة آل عمران .
ى - وقال تعالى: ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ٨٩ من سورة الشعراء.
٤ - وقال تعالى: ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم
حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ٩
والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاللذين
آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) ١٠ من سورة الحشر.
(تبوءوا) نزلوا، والمراد الأنهار تبوءوا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فانشرحت صدورثم المسلمين
الغرباء ويفرحون بقضاء طلبهم، وذهبت عنهم الحزازة والحسد والعيظ، ويقدمون المهاجرين على أنفسهم

٥٥٥
ماذكره الغزالى فى الإحياء استدلالا على تحريم الحسد
حتى إن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدم .
بخ بخ ذلك العمل الرابح الفائز بالثناء العاجل والثواب الآجل (غلا) حقدا، هذا طلب الذين هاجروا
حين قوى الإسلام أو التابعون بإحسان أو المؤمنون إلى يوم القيامة صفاتهم المحبة فى الله وتقديم الخير المسلمين،
وإزالة الأثرة والأنانية من نفوسهم والاعتصام والاتحاد ، قال الشاعر :
فإن صبرك قاتله
اصبر على كيد الحسود
إن لم تجد ما تأكله
كالنار تأكل نفسها
وقال آخر :
أندرى على من أسأت الأدب
يا حاسدأ لى على نعمتى
لأنك لم ترض لى ماوهب
أسأت على الله فى حكمه
وسد عليك وجوه الطلب
فأخزاك ربى بأن زادنى
أدلة على تحريم الحسد من إحياء علوم الدين
وأورد الغزالى فى تفسير الحسد بكراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه وبتفسير الغبطة : أن لا تحب
زوالها ، ولا تكره وجودها ودوامها ، ولكن تشتهى لنفسك مثلها، وقد تختص باسم المنافسة ، وقد قال
صلى الله عليه وسلم ((إن المؤمن يغيط والمنافق يحد)) فأما الأول فهو حلال، وأما الثانى فهو حرام بكل حال
إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا يضرك كرامتك لها
ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هى نعمة بل من حيث هى آلة الفساد، ولو آمنت فساده لم يعمك
بنعمته، ثم أورد قوله تعالى: (إن عسكم حسنة تسؤم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) من سورة آل عمرن
وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة يتلازمان . ثم قال: إن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله تعالى
فى تفضيل عباده على بعض ، وذلك لاعذر فيه ولا رخصة ، وأى معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير
أن يكون لك منه مفرة . ثم أورد الغزالى قول الله تبارك وتعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون
سواء) من سورة النساء .
وذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف عليه السلام وعبر عما فى قلوبهم ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى
أمينا منا ونحن عصبة إن أبانا افى ضلال مبين ٨ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم) من
سورة يوسف .
فلما كرهوا حب أبيهم له وساءهم ذلك وأحبوا زواله عنه فغيبوه عنه ( ولا يجدون فى صدورثم ماجة مما
أوتوا ) من سورة الحشر .
أى لا تضيق صدورهم به ولا يفتمون ، فأثنى عليهم بعدم الحسد وقال تعالى: ( كان الناس أمة واحدة
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) إلى قوله تعالى: ( إلا الذين أوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم )
من سورة البقرة .
قيل فى التفسير حسدا. وقال تعالى ( وما تفرقوا إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيا بينهم) من سورة الشورى.
فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته وأمرهم أن يتآ لفوا بالعلم فتحاسدوا، واختلفوا إذ أراد كل
واحد منهم أن ينفرد بالرياسة وقبول القول فرد بعضهم على بعض . قال ابن عباس : كانت اليهود قبل أن يبعث
النبى صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا قوما قالوا نسألك بالنى الذى وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذى تنزله إلا ما نصرتنا
فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام عرفوه وكفروا به بعدمعرفتهم

'₪
قطعة من كلام الأدباء فى ذم الحسد
·
٠
٠
٠
٠
إياه فقال تعالى (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءثم ما عرفوا كفروابه. إلى قوله: بئسما اشتروا
به أنفسهم أن يكفر وابما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فاء وابغضب على غضب) من سورة البقرة
أى حسدا، والذى يدل على إباحة المنافسة قوله تعالى (فليتنافس المتنافسون) ٢٦ من سورة المطففين.
وقال تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم) من سورة الحديد .
وإنما المسابقة عند خوف الفوت، وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه
صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى الآخر بها . ثم عدد أسباب الحسد والمنافسة :
(٢) الكبر .
(١) العداوة والبغضاء .
(٣) التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره.
(٦) حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه.
(٥) الخوف من فوت المقاصد .
(٤) التعجب .
(٧) خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى. ثم أشار الغزالى إلى الدواء الذى ينفيه، وهو العلم والعمل
أى ضرر الحسد عليك فى الدنيا والدين ، وأنت لك فى أعدائك ثلاثة :
الأول : أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك، وميل قلبك إليه بعملك وتمقت نفسك عليه، وتود
لو كانت لك حيلة فى إزالة ذلك الميل منك، وهذا معفو عنه قطعا، لأنه لا يدخل تحت الاختيارأكثر منه
الثانى : أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا.
الثالث: وهو بين الطرفين أن تحد بالقلب من غير مقت لنفسك على حسدك، ومن غير إنكار منك على
قلمك ، ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد فى مقتضاه، وهذا فى محل الخلاف، والظاهر أنه.
لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله.
ونعم الوكيل اهـ ص ١٧٤ ج ٣.
قطعة من أدب الجاحظ فى ذم الحسدمن نبع السنة النبوية
الحمد - أبقاك الله - داء ينهك (١) الجسد. علاجه عسير وصاحبه ضجر (٢) وهو باب غامض (٣) ومة
ظهر منه فلا يداوى ، وما بطن منه فمداويه فى عناء ، ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم :
((دب (٤) إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء)».
الحسد عقيد (٥) الكفر وحليف (٦) الباطل وضد الحق. منه تتولد العداوة وهوسبب كل قطيعة (٧)
ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الأقرباء (٨) ومحدث التفرق بين القرناء (٩) وملفح (١٠) الشر بين،
الحلفاء . ولابن سعيد المغربى :
فإنه أدعى إلى هيبتك
ـاندا
ولا تجادل أبداً
وابغ رضا الأعين عن هيبتك
وامش الهوينى مظهرا عفة
ونبه الناس إلى وتبتك
أفش التحيات إلى أهلها
ولأبى الحسن التهامى :
ضمنت صدورهم من الأوغار
إنى لأرحم حاسدى من حرما
تقاروا صنيع اللّه بي فعيونهم
فى جنة وقلوبهم فى النار
(١) يضنيه .
(٥) معاهده ومحالفه. (٦) ملازمه .
(٩) الناظرين .
(٤) سرى فيكم
(٣) مسلك خفي يعسر الخروج منه .
(٢) متبرم .
(٨) كل قرابة واتصال .
(٧) افضال .
(١٠) يولد الشر بين المتحالفين.

٥٥٧
كلام الأدباء فى ذم الحسد
الترغيب فى التواضع، والترهيب من الكبر والعجب والافتخار
١ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حَّادٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
، لا ذنب لى قد رمت كتم فضائلى
بتواضعی
وسترتها
فتطلعت
ومن الرجال! معالم ومجاهل
والناس مشتبهون فى إيرادهم
عمرى لقد أوطأتهم طرق العلا
لو أبصروا بقلوبهم لا ستبصروا
هلا سعوا سعى الكرام فأدركوا
وفشت خيانات الثقات وغيرهم
ولربما اعتضد الحليم بجامل
وقال آخر :
وجه نهار
فكأنما برقعت
الأستار
أعناقها تعلو على
ومن النجوم غوامض ودرارى
الإصدار
وتفاضل الأقوام فی
آثاری
فعموا فلم يقفوا على
الأبصار
وعمی البصائر من عمی
الأقدار
لمواقع
سلموا
أو . .
الأبصار
رؤية
اتهمنا
حتی
لا خير فى يمنى بغير يسار
ما الزمان على المروءة عار
أشكو إلى الله الزمان فدأبه
لا غرو إن حسدت بنوء مناقبي
منارحم
وارحمتا الحاسدين
وإذا جرى ذكرى تكاد قلوبهم
كرهوا عطاء الله لى ياويحهم
ويزيدهم ناراً وقود قريحتى
فاحذر بنى الدنيا وكن فى غفلة
واحفظ لصاحبك القديم مكانه
وقال المتنى :
ما عنده فى منكر من عار
وذلة الأحرار
عز العبيد
كل على مجرى أبيه جار
بعداً لها من نار
سعرت
أو تغتالـنى بشرار
تنشق
قد
لشقائهم كرهوا صنيع البارى
وبلوغ أخبارى إلى الأقطار
عنهم وجانب كل كلب ضار
اطارى
لا تترك الود القديم
قلت هذا الصبح ليبل
وهبنی
فدائى
فداءه وم
وأنت امرؤ
الحاسدين
تطیع
نفسه من لم يميز
وهاجی
وقال الطغرائى :
جامل عدوك ما استطعت فإنه
واحذر حسودك ما استطعت فإنه
إن الحسود وإن أراك تودداً
ولربما رضى العدو إذا رأى
ورضا الحسود زوال نعمتك التى
فاصبر على غيظ الحسود فناره
اُيعمی
الضياء
العالمون على
جعلت
كلامى من كلامهم الهراء (١)
٠
بالرفق يطمع فى صلاح الفاسد
إن ثمت عنه فليس عنك براقد
منه أضر من العدو الحاقد
منك الجميل فصار غير معاند
طارف أو تالد
أوتيتها من
ترمى حشاه بالعذاب الخالد
(١) أى الساقط من الكلام .

٥٥٨
مازاد الله عبدا بعفو إلا عزا
إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا(١) حَتّى لَا يَفْخَرَ(٢) أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَبْغِىَ(٣) أَحَدٌ
عَلَى أُحَدٍ . رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه .
٢ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ:
مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ(٤)، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْرٍ (٥) إِلَّا عِزَّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ بِ
إِلَّ رَفَهُ اللهُ(٦). رواه مسلم والترمذى.
٣ - وَعَنْ نَصِيحِ الْعَنْسِيِّ عَنْ رَكْبِ المِصْرِىِّ وَرِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم : طُوبَ(٧) ◌ِنْ تَوَاضَعَ فِى غَيْرٍ مَنْقَصَةٍ (٨)، وَذَلَّ فِى نَفْسِهِ(٩) مِنْ غَيْرٍ
مَدْأَلَةٍ (١) ، وَأَنْفَقَ مَالا ◌َجَعَهُ فِى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذَّلِّ وَالمَسْكَنَةِ، وَخَالَطٌ
أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ. طُوبَى لَنْ طَبَ(١١) كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَنُهُ(١٢) ، وَكَرُّمَتْ
عَلَانِيَتُهُ، وَعَزَلَ(١٣) عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ. طُوبَى لَنْ عَمِلَ بِ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ(١٤) مِنْ
مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ (١٥). رواه الطبرانى، ورواته إلى نصيح ثقات، وقدحسن
حتى تعود إلى الرماد الهامد
ويذوب من كمد فؤاد الحاسد
أو ما رأيت النار تأكل نفسها
تضفو على المحسود نعمة ربه
أرانى أطنبت فى الاستدلال على أضرار الحمد .
(١) تظهروا اللين والبشاشة وحسن المعاملة .
(٢) يتكبر ويتعاظم.
(٣) يظلم ويتعدى . قال العلقمى: قال ابن رسلان لعله وحى إلهام أو برسالة. قال أبو زيد: مادام العبد
يظن أن فى الخلق من هو أشر منه فهو متكبر، وقيل التواضع: الاستسلام للحق وترك الإعراض عن الحكم
من الحاكم . وقيل هو خفض الجناح للخلق ولين الجانب لهم، وقيل قبول الحق من كان كبيراً أو صغيراً شريفا
أو وضيعا حراً أو عبداً ذكراً أو أنثى . قال بعضهم: رأيت فى المطاف إنسانا بين يديه شاكرية يمنعون الناس
لأجله عن الطواف. ثم رأيته بعد ذلك على جسر بغداد يسأل الناس فيجبت منه فقال لى إنى تكبرت فى موضع
تتواضع الناس فيه فابتلانى الله بالذل فى موضع ترتفع فيه الناس . وقال بعضهم: الشرف فى التواضع والعز
فى التقوى، والحرية فى القاعة اهـ جامع صغير ص ٣٣٩ ج ٣.
(٤) يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية والنمو المبارك .
(٥) إقالة مذنب وسمحه. (٦) زاده عزا ويرفعه فى الدنيا ويثبت له بتواضعه فى القلوب منزلة سامية،
أوبرفعه الله عند الناس ويجل مكانه. (٧) مكان فى الجنة واسع جداً .
(٩) خشع .
(٨) نقص ومعصية وارتكاب دنيئة .
(١٠) فقر وحاجة. (١١) حل. (١٢) نبته. (١٣) منع. (١٤) الزائد عن قوته ودينه
وقوت أهله. (١٥) حبس لسانه عن اللغو.

٥٥٩
من مات وهو برىء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة
هذا الحديث أبو عمر المّرى وغيره. وركب . قال البغوى: لا أدرى سمع من النبى
صلى الله عليه وسلم أم لا ، وقال ابن منده: لانعرف له صحبة ، وذكر غيرهما أن له صحبة ،
ولا أعرف له غير هذا الحديث .
٤ - وَعَنْ تَوْبَانَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ
مَتَ، وَهُوَ بَرِىءٌ مِنَ الْكِبْرِ (١) وَالْغُولِ(٢) وَالدَّيْنِ(٣) دَخَلَ الْجَنَّةَ. رواه الترمذى،
واللفظ له والنسائى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما،
وقد ضبطه بعض الحفاظ . الكنز بالنون والزاى، وليس مشهور ، وتقدم الكلام عليه
فى الدَّين .
٥ - وَعَنْ طَارِقٍ قَالَ: خَرَجَ عَمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ، وَمَعَنَا أَبُو عَبَيْدَةَ،
فَأَتَوْا عَلَى مَخَضَةٍ (٤)، وَعُمَرُ عَلَى نَقَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ وَخَلَعَ خَفَّيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ (٥)
وَأَخَذَ بِمَامِ نَاقَتِهِ (٦) فَخَضَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنْتَ تَفْعَلُ هُذَا!
مَا يَسُرُّنِيِ أَنَّ أَهْلَ الْبَدِ أُسْفَشْرَ فُوكَ(٧)، فَقَالَ: أَوَّةُ(٨)، وَلَوْ يَقُلْ ذَا غَيْرُكَ أَبَ عُبَيْدَةَ
جَعَلْتُهُ تَكَلًا(٤) لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَزَّنَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَا نَظْلُبُ
(١) التعالى على الناس والتعاظم والتجبر.
(٢) كل من خان فى شىء خفية يسمى غلولا : أى بعد عن الخيانة والسرقة الخفية .
(٣) أخذ أموال الناس : أى يدخل الجنة من تحلى بصفات ثلاث :
١ - التواضع.
ب- الأمانة .
ج - الاقتصاد الداعى إلى عدم الاقتراض .
(٥) ما بين المتكب والعنق، وهو موضع الرداء
(٤) مستنقع اجتمع فيه ماء كثير يخوضه المارون .
(٨) كلمة توجع وتضجر .
(٧) اطلعوا عليك ورأوك .
(٦) بحطامها يقودها ويجرها .
(٩) مقيدا بسلاسل تمثيلا به، من نكلته: قيدته ونكلت به إذا فعلت به ما ينكل به غيره واسم ذلك
الفعل نكال قال تعالى: ( جعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) من سورة البقرة .
الدرس الأخلافى من هذا الحديث تواضع ذلك الملك العظيم عزيز الجانب جليل القدر المطاع نافذ الأوامر
المرموق بعين الاحترام يقود دابته ويخلع نعليه ويخوض الماء ويستنكر عليه صديقه سيدنا أبو عبيدة بن الجراح
ويشهد بأن اللّه رقم أمة محمد بعد انحطاطها وأعزها بعد إذلالها بالإسلام على شريطة أن تعمل بآداب رسولها
صلى الله عليه وسلم، وإذا حاد المسلمون عن قواعد دينهم ذاقوا الذل ألوانا .

٥٦٠
من تواضع لله رفعه الله
الْعِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِ أَذَلَّنَ اللهُ. رواه الحاكم، وقال صحيح على شرطهما .
٦ - وَعَنْ أبى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ لِهِ دَرَجَةً يَرْفَعُهُ اللهُ دَرَجَةً كَّى يَجْمَلَهُ اللهُ فِى أَعْلَى عِلَّيِينَ(١)، وَمَنْ
تَكَّرَ عَلَى اللهِ دَرَجَةً يَضَعُهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِى أَسْفَلِ سَافِلِينَ (٢)، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ كُ
يَعْمَلُ فِى صَخْرَةٍ حَتَاءَ لَيْسَ عَلَيْهَ بَبٌ، وَلَا كَوَّةٌ لَخَرَجَ مَا غَيِّبَهُ لِلنَّاسِ كَائِنَا مَا كَانَ.
رواه ابن ماجه وابن حبان فى صحيحه كلاهما من طريق دراج عن أبى الهيثم عنه وليس عند
ابن ماجه: وَوْ أَنَّ أَحَدَكم، إلى آخره.
٧ - وَعَنْ ◌ُمَرَ بْنِ الْطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ لَا أَعْلَمَهُ إِلاَّ رَفَعَهُ قَالَ: يَقُولُ اللهُ
تَبَارَكَ وَتَعَلَى: مَنْ تَوَاضَعَ لِ هُكَذَا ( وَجَعَلَ يَزِيدُ بَاطِنَ كَفٍَّ إِلَى الْأَرْضِ وَأَدْنَاهَا)
زَفَعْتُهُ هُكَذَا ( وَجَعَلَ بَاطِنَ كَفٍَّ إِلَى السَّماءِ، وَرَفَعَهَا نَحْوَ السَّماءِ). رواه أحمد والبزار
ورواتهما محتج بهم فى الصحيح والطبرانى ، ولفظه :
قالَ عُمَرُ بْنُ الْطَّابِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْبَرِ: أَيُّهَ النَّاسُ تَوَاضَعُوا، فَإِى سَمْتُ
- سُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ تَوَاضَعَ لِهِ (٣) رَفَعَهُ اللهُ(٤)، وَقَالَ: أُنْتَعِشْ(٥)
نَشَكَ اللهُ، فَهُوَ فِى أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَفِى نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَمَنْ تَكَبَِّ قَصَمَهُ اللهُ(١)،
وَقَالَ: أَخْتَأْ(٧) فَهُوَ فِى أَعْبُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِى نَفْسِهِ كَبِيرٌ .
(١) أسمى مكان فى قلوب الناس ، وفى الجنة فى الفردوس .
(٢) أحط منزلة ويرمى فى قاع جهنم، ففيه الترغيب فى التواضع. والكوة المشكاة.
(٣) أى لأجل عظمة الله وخشيته .
(٤) زاده الله إجلالا فى الدنيا والآخرة.
(٥) أى ارتفع وانهض من عثرتك .
وأذله ، وقيل قرب موته .
(٦) كسره وأخره ، وفى المصباح قصمه الله: أى أهانه
(٧) أبعد ، يقال خسأت الكلب: أى طردته وأبعدته والخاسى المبعد، ومنه قوله تعالى: (اخسئوا
فيها ولا تكلمون) ١٠٨ من سورة المؤمنون .
والخاسئ الصاغر القمى، والمعنى الذى يشعر فى نفسه الضعة والذلة لت والاحتياج لمساعدته ونفسه متواضعة
احترمه الناس وعظموه وأجلوه ، والذى يتفاخر ويتكبر على الناس أذله الله وتراه من ضعف عقله معتزلا مهانا
حقيرا ويحسب أنه كبير :
على صفحات الماء وهو رفيع
تواضع تكن كالنجم لاح الناظر
إلى طبقات الجو وهو وضيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه