النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
ماأ كل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده
كتاب البيوع وغيرها
الترغيب فى الاكتساب بالبيع وغيره
١ - عَنِ الْقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَِّّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ:
مَا أَكَلَ (١) أَحَدْ طَعَامًا قَطَّ خَيْرًا(٢) مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ (٣)،، وَإِنَّ نَبِيَّ اُللهِ
(١) لم يأكل أحدمن بنى آدم أكلا أفضل عند الله من أكل اكتسبه من كد يمينه وعرق جبينه وسعيه
إلى جلبه من وجوه الحلال .
(٢) خيرا صفة لطعام، وفى رواية الإسماعيلى خير بالرفع، وهو جائز صفة لأحد، والمراد بالخيرية كما
فى الفتح ما يستلزم العمل باليد من الغنى عن الناس.
(٣) وفى رواية ((ما كسب الرجل أطيب من عمل يديه)) رواه ابن ماجه من طريق عمر بن سعدعن خالد
ابن معدان. وفى فوائد هشام بن عمار عن بقية حدثنى عمر بن سعد وزاد (من أت كالا من عمله بات مغفوراًله).
وفى الحديث فضل العمل باليد وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره. والحكمة فى تخصيص داود
بالذكر أن اقتصاره فى أكله على ما يعمله لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة الأرض كما قال الله تعالى وإنما
ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد التى صلى الله عليه وسلم قصته فى مقام الاحتجاج بها على
ما قدمه من أن خير الكب عمل اليد ، وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلا شرع لنا ، ولا سيما إذا ورد فى
شرعنا مدحه ، وتسينه مع عموم قوله تعالى: ( فبهداثم اقتده) وفى الحديث أن التكسب لا يقدح فى التوكل
وأن ذكر الشىء بدليله أوقع فى نفس سامعه اهـ ص ٢١٣ج ٤: فتح. وأورد البخارى أن عائشة رضى اللهعنها
قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق، قال: لقد علم قوى أن حرفى لم تكن تعجز عن مؤنة أهلى وشغلت بأمر
المدين فيأكل آل أبى بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه. قال ابن الأثير: أراد باحترافه للمسادين
نظره فى أمورهم، وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم، وكذا قال البيضاوى. المعنى أكتب للمسلمين فى أموالهم
بالسعى فى مصالحهم، ونظر أحوالهم. وال المهلب: أحترف لهم: أى أتجر لهم فى مالهم حتى يعود عليهم من
ربحه بقدرما آكل أوأكثر، وليس بواجب على الإمام أن يتجرفى مال المسلمين بقدر مؤته إلا أن يطوع بذلك
كما تطوع أبو بكر اهـ رضى الله عنه. خرج تاجراً إلى بصرى فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمباجرون
كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وقالت عائشة رضى الله عنها: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال
أنفسهم، فكان يكون لهم أرواح ،فقيل لهم أو اغتلم أى خدام أنفسهم، وكانوا يروحون إلى الجمعة فأمروا
بالاغتال . وأرواح جمع ريح ، وأصله روح، كانوا يعملون فيعرفون، ويحضرون قتفوح تلك الروائح
منهم، يعنى لو اغتلم الذهبت عنك تلك الروائح الكريهة، وفيه ما كان عليه الصحابة من اختيارهم الكسب
بأيديهم، وما كانوا عليه من التواضع اهـ. ووقم فى المستدرك بعد واء، كان داود زراداً، وكان آدم حرائا
وكان نوح تجاراً، وكان إدريس خياباً، وكان موسى راعياً، وفى العينى. وقال أبو الزهراوية: كان داود
عليه السلام يعمل القفاف ويا كل منها. قلت كان يعمل الدروع بنص القرآن. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم
يأكل من سعيه الذى بعثه الله عليه فى القتال، وكان يعمل طعامه بيده لياً كل من عمل يده. قيل لعائشة كيف
كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم يعمل فى أهله؟ قالت كان ومهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة اهـ
ص ١٨٧ ج ١١ .

٥٢٢
ماكسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده
دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ . رواه البخارى وغيره، وابن ماجه
ولفظه قالَ: مَا كَسَبَ الرَّجُلْ كَسْباً أَطْيَبَ(١) مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ
وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ .
٢ - وَعَنْ أَبِىِ هَرَيْرَةَ رضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
لَأَنْ يَخْتَطِبَ أَحَدُكُمُ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأْلَ أَحَدًا فَيَعْطِيَهُ ، أَوْ يَمْنَعَهُ.
رواه مالك والبخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
٣ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِىَ اللهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسولُ اللهِ صلى اللّهَ عليه
وسلم: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدْمُ(٢) أَخْبَهُ(٣) ، فَتَأْنِىَ بِحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبِ عَلَى ظَهْرِهٍ فَيَدِيعَها
فَيَكُفَّ(٤) اللهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَمْ مَنَعُوا . رواه البخارى.
٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه
ءِسلمٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَمَا فِى بَيْتِكَ شَىْءٍ ؟ قالَ: بَلَى حِلْسٌ(٥) فَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَبَبْسُطُ بَعْضَهُ.
وَقَعْبُ (٦) نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ المَاءِ، قالَ: انْتِنِى بِهِمَا، فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللهِ عَالَّه
بِيِّدِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِى هَذَيْنِ؟ قالَ رَجُلٌ: أنَا آخُذُهَا بِدِرْهِمٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَ مَّ فَيْنِ، أَوْثَلاَثًا؟ قَالَ رَجُلْ: أَنَا آخُذُهَا ◌ِدِرْ هَمَيْنٍ فَأَعْطَهَا
(١) لم يوجد كسب أفضل من كد يده كما قال صلى الله عليه وسلم:
١ - ((إن أطيب ما أكل الرجل من كبه)) رواه النسائي.
ب ـ ((إن أطيب ما أكلتم من كسبك)) رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب. وقال الماوردى: أصول
المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة، وأيها أطيب؟ فيه ثلاثة مذاهب للاس وشبهها مذهب الشافعى أن
التجارة أطيب، والأشبه عندى أن الزراعة أحليب لأنها أقرب إلى التوكل. قال النووي: وحديث البخارى
صريح فى ترجيح الزراعة والصنعة لكونها عمل يده لكن الزراعة أفضلبما لعموم النفع بها للآدى
وغيره ، وعموم الحاجة إليها اه عبنى من ١٨٦ ج ٠١١
(٢) والله لأن يذهب أحدكم فيجمع عبدان الوقود فيبيعها بشىء يقيه ذل السؤال أفضل عند الله من
الشحاذة والدناءة والحاجة .
(٣) جمع حبل مثل فلس وأفلس : قال ابن المنذر، إنما فضل عمل اليد على سائر المكاسب إذا نصح
العامل قال صلى الله عليه وسلم: ((خير الكسب يد العامل إذا نصح)).
(٤) فيمنع السؤال ، ويبعد الفقر : ويلزم القناعة ويتحرى المروءة والهمة.
(٥) كماء على ظهر البعير تحت القتب شبهبابه للزومها ودوامها، ومنه حديث أبى بكر رضى الله عنه
كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية)» اه نهاية.
(٦ ) إنه خار .

٥٢٣
البيع المبرور من أطيب الکسب
إِيَّهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَيْنِ فَأَعْطَاهُمَ الْأَنْصَارِىَّ، وَقَالَ أَشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَأَنْبِذْ.(١) إِلَى
أَهْلِكَ، وَأَشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا (٢) فَأَخْذِنِى بِهِ، فَأَتَهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم عُوداً بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذْهَبْ فَاخْتَطِبْ رَبِعْ، وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةً عَشَرَ(٣) يَوْمًا
فَفَعَلَ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ (٤) عَشَرَةَ دَرَاهِمٍ، فَأَشْتَرَى بِبَعْضِهاَ ثَوْبَا، وَبِبَعْضِهَاَ طَعَمًا، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَنْأَلَةُ بُكْتَةً(٥)
فى وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْحَدِيثَ. رواه أبو داود واللفظله والنسائى والترمذى، وقال: حديث
حسن، وتقدم بتمامه فى المسئلة .
٥ - وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ عَمْرٍ عَنْ عَمِِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم أَىُّ الْكَسْبِ أَلْيَبُ(٦) ؟ قالَ: عَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ كَسْبٍ مَبْرُورٍ . رواه
الحاكم وقال : صحيح الإسناد . قال ابن معين: عمّ سعيد هو البراء . ورواه البيهقى عن سعيد
ابن عمير مرسلاً ، وقال: هذا هو المحفوظ، وأخطأ من قال عن عمه .
٦ - وَعَنْ ◌َُيْعِ بْنِ مُمَيْرٍ عَنْ خَلِهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عَنْ
أَفْضَلِ الْكَسْبِ؟ فَقَالَ: بَيْعٌ مَبْرُورٌ(٧)، وَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ. زواء أحمد والبزارِ
والطبرانى فى الكبير باختصار ، وقال: عن خالد أبى بردة بن نيار، وروى البيهقى عن محمد
ابن عبد الله بن نمير، وذكر له هذا الحديث، فقال: إنما هو عن سعيد بن عمير .
٧ - وَعَنِ ابْنِ مُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أىُّ
الْكَنْبِ أَفْضَلُ؟ قال: عَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعِ مَبْرُورٍ . رواه الطبرانى فى الكبير
والأوسط ، ورواته ثقات .
(١) فقدمه إلى أولادك.
(٢) آلة نجارة .
(٣) أى انتظر مدة، واقنع واكدح، واصنع لتريح. (٤) ربح.
(٥) أى أثرا قليلا كالنقطة شبه الوسخ فى المرآة والسيف ونحوهما اهنهاية. فأنت ترى رجلا أنصاربا
سائلا خير الخلق وأجودهم، صلى الله عليه وسلم فيربيه على الاعتماد على النفس، وعلو الهمة، والعى وراء
.رزقه بكده، والاقتصاد فباع رداء كان عنده فأطعمه أهله بجزء من منه، والآخر اشترى به عدة النجارة
فيما رزقه وورد عيشه: ثم علمه الحكمة فى قوة العزبمة وشرف النفس، وإن الشحاذ يغير وجهه ويسود وتنقش
عليه علامات الكآبة ، وذل السؤال .
(٦) أفضل وأحل وأقرب إلى الله وأكثر ثوابا. وفيه ذم العمالة، والدعوة إلى العمل بنشاط بلا فتور.
(٧) تجارة يتحرى فيها صاحبها وجوه الحلال .

٥٢٤
إن الله يحب المؤمن المحترف
٨ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيحٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ يَارَسُولَ اللهِ: أَىُّ الْكَبِ
أَطْيَبُ؟ قَالَ: عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ، وَكُلُّ بَيْعِ مَبْرُورٍ . رواه أحمد والبزار، ورجال إسناده
رجال الصحيح خلا المسعودىّ فإِنه اختلط، واختلف فى الاحتجاج به، ولا بأس به فى المتابعات.
٩ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَجْلٌ، فَرَأَى أَصْحَبُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِنْ جَلَِّهِ(١) وَنَشَطِهِ، فَقَالُوا :
بَأَرَسُولَ اللّهِ: لَوْ كَانَ هُذَا فِى سَبِيلِ اللهِ(٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنْ كانَ
خَرَجَ بَسْعَى عَلَى وَلَِهِ (٣) صِغَاراً فهو فى سَبِيلِ اللهِ، وَ إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ
كَبِرَبْنِ، فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَ إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْمَى عَلَى نَفْسِهِ بُعِفُهَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللهِ،
وَ إِنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى رِبَِّ، ومُفَخَرَةُ فَهُوَ فِى سَبِيلِ الشَّيْطَانِ. رواه الطبرانى، ورجاله
رجال الصحيح.
١٠ - وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ عَنِ الَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْمُحْتَرِفَ (٤). رواه الطبرانى فى الكبير والبيهقى.
١١- وروىَ عَنْ عَثَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: مَنْ أَمْسَى كَالأَ(٥) مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، أَمْسَى مَغْفُوراً لَهُ . رواه الطبرانى فى الأوسط
(١) رأوا قوته .
(٢) في الحرب لنصر دين الله .
(٣) يكسب لينفق على ذريته ويطعم أهله، بين صلى الله عليه وسلم أن المجد لكسب رزقه وجلب قوته
وقوت أهله عمل صالحا، وجاهد فى ناعة الت، واكتسب ثواب جليلا وعده كالدفاع فى سبيل نصر دين انت، وكذا
الإنفاق على الوالدين وجلب برعما وإطاعتهما والإحسان إليهما، وكذا لينفق على نفسه، ويغتنى عن الناس"
وبعد عن سؤالكم وتخفف، كل ذلك بضاعف الثواب، ويجعله فى صفوف المجاهدين الذابين عن الدين، ثم بين
صلى الله عليه وسلم سعى رجل العز والأبهة والافتخار والسمعة والصبت، وهكذا من أعمال السفهاء الأدنياء
الفرورين أتباع الشياطين فلا نواب له فى كده ولا أجر له فى عمله لأنه لا يريد وجه الله تعالى. قال الله تعالى :
( من كان يريد العاجلة عملنا له فيها مانشاء لمن تريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ١٨ ومن أراد
الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) ١٩ من سورة الإسراء، هذه الآية
ز المنافقين كانوا براءون المسلمين ويغزون معهم، ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم فى الغنائم ونحوها (مدحورا)
مطرودا من رحمة الله تعالى (مشكورا) مقبولا عند الله تعالى .
(٤) له مهنة وعمل .
(٥) تعا عانيا: المعنى جاءه الميل فأضناه شغله الكثير فعفا الله عنه لكده نهارا ( أمسى) دخل فى
المباء ( كالا) متعبا،من كل السيف : لم يقطع .
يبين لك النبى صلى الله عليه وسلم إعزاز النفس وحفظها من الامتهان ويمقت البطالة والتوا كل والاستجداء

٥٢٥
الآيات الواردة فى طلب السعى للرزق
والأصبهانى من حديث ابن عباس، وتقدم من هذا الباب غير ما حديث فى المسألة أغنى عن
إعادتها هنا .
ويبحث على العمل ، وكسب الرزق من الطرق المشروعة، ولو أدت إلى اقتحام المخاطر وركوب متن الأحوال
وأن الشحاذة مضرة تورث المذلة والاستكانة ، وتسقط المروءة، وتدعو إلى ارتكاب الجرائم ، والوقوع فى
مخالب الفقر ، وحبائل الأشرار ، ومدعاة إلى فساد الأخلاق ، والعمل مفضل على نافلة الصلاة والصوم ، وهو
فضيلة ، والفراغ رذيلة .
إن الشباب والفراغ والجده
مفسدة المرء أى مقده
وقد كان صلى الله عليه وسلم يشتغل بالتجارة قبل بعثته ويعيش من ربحها وكذلك الصحابة وعظماء المسلمين
بعده ، وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إنى لأرى الرجل فيعجبنى. فأقول: أنه حرفة؟ فإن قال !! لا،
سقط من عينى. وقال بعض الصالحين: ليست العبادة عندنا أن تصف قدميك، وغيك يقوت لك ولكن ابدأ
بزغيفيك فأحرزهما ثم تعبد، ومدح رجل عند النبى صلى الله عليه وسلم بكثرة الصلاة والصوم. فقال: من كان
بمونه ويقوم به ؟ قالوا كلنا . قال : كلكم أعبد منه.
ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب
أولا : الحث على العمل والأكل من ثمرته .
ثانياً : الأسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى اختيار العمل وإيجاد حرفة .
ثالثاً : عدم البطالة ، وذم الرجل الحالى من العمل.
رابعاً : الثواب الكثير لمن سعى فى الأرض يبتغي الإنفاق على أهله وأقاربه .
خامساً : ذم الشحاذة والتغير من السؤال .
سادساً: فتح أبواب التجارة أو الصاعة، والضرب فى الزراعة ((واشتر بالآخر قدوما)).
سابعاً: اغبرار وجوه السائلين الأدنياء، وذهاب الحياء والأدب منهم.
ثامناً : السعى فى طلب الرزق كالجهاد فى سبيل الله تعالى .
تاسعا: الشراهة فى الدنيا والكد فيها بلا قناعة مع البخل، والشح يبعد عن الله تعالى ويقرب إلى
الشيطان الخناس .
عاشراً : يرضى الله عن صاحب العمل المختار مهنة .
الحادى عشر: التعب فى العمل يكفر الذنوب، ويمحو الخطايا، ويجلب غفران الله تعالى وإحسانه ((من
أمسى كالا)» فى ١كتابه لنفسه وعياله من حلال .
الآيات الواردة فى طلب السعى للرزق
أولا: قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) والنبى صلى الله عليه وسلم بعث والناس يتعاملون بالبيع
فأفرهم عليه، والاجماع منعقد على شرعيته، والبيع مبادلة المال بالمال على سبيل التراضى. وركنه الايجاب والقبول
وشراله أهلية المتعاقدين. وعله المال. وحكمه ثبوت الملك للمشترى فى المبيع. والبائع فى الثمن إذا كان تاما
وعند الإجازة إذا كان موقوفا ، وحكمته :
١ - السماع أمور المعاش والبقاء .
ب- إطفاء نار المنازعات والنهب والسرق والخيانات، والحيل المكروهة.
ج - بقاء نظام المعاشر، وبقاء العالم لأن المحتاج يميل إلى ما بيد غيره فيغير المعاملة يفضى إلى التقاتل والتنازع
وفناء العالم واختلال نظام المعاش، وغير ذلك اه عينى ص ١٥٩ ج ١١.

٠٢٦
الآيات الواردة فى طلب السعى الرزق
•
ثانياً: وقال تعالى ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ٢٩ سورة النساء وهذه قطعة من آية
المعاينة وعى أطول آية إلى القرآن، وقال تعالى (يا أيها القرين آمنوا إذا تهايتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)
قال التعالى: أى لكن إذا كانت تجارة، وهو استثناء منقطع: أى إلا التجارة، فإنها ليست بباطن إذا كان
البيع بالحاضر بداً يد فلا بأس بعد الكتابة لاخفاء المحذور فى تركها .
ثالثاً: وقال تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا انه كثيرا
لحكم فلحون ١٠ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك فائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن
التجارة وات خير الرازنين) ١١ من سورة الجمعة.
فى المينى (قضيت) أدبت، أو فرغ منها (فانتشروا) التجارة، والتصرف فى حوائجكم (من فضل الله) أى
الرزق، ثم أطلق لهم ماحظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار، وابتغاء الربح مع التوصية باكتاو الذكر.
وأن لا لهيهم شىء من التجارة ولا غيرها عنه، والأمر فيهما للإباحة والتخيير اهص ١٦٠ ج ١١.
عن جابر بن عبد الله قال ((أقبلت عير ونحن نصلى مم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ناقض الناس.
إليها فما بقى غير اثنى عشر رجلا، وأنا فيهم فنزلت)). اللهو: الطبل والتصفيق (قائما) أى على المبر.
سبحان موجد الأرزاق فإياه فاسآلوا ، ومنه فاطلبوا، وعليه فتوكلوا .
راباً: (ياأيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم
ولا تقتلوا أخك إن الله كان بكم رحيما) ٢٩ من سورة النساء. (بالباطل) أى بغير حق، وقام الإجماع على
أن التصرف فى (المال بالحرام بالخل حرام سواء: أ كان أكلا، أو بيعا)، أو حبة، أو غير ذلك، والباطل اسم
جامع لكل مالا يحلٍ فى الشرع كالربا، والغصب، والسرقة، والخيانة، وكل محرم ورد الشري به (عن
قراضى منكم) أى يرضى كل واحد منكم بما فى يده، وقال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من البائسين.
وصاحبه بعد العقد عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يفش ملما. وقد ذكر البخارى هذه
الآيات و إباحة التجارة إلا قوله: وإذا رأوا تجارة. فإنه عنب عليها ولو خلت من العارض الراجح (تركوك
قائما) لم يدخل فى العنب. قال المينى: وقد أباح الله التجارة فى كتابه، وأمر بالابتغاء من فضله، وكان
أفاضل الصحابة رضى الله عنهم يتجرون ويحترفون فى طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون
الرجل لاحرفة له ولاصناعة خشبة أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم . وقد روى عن لقمان عليه السلام أنه قال
لابنه: بابى خذ من الدنيا بلاغك، وأعق من كبك لآخرتك)، ولا ترمس اندنيا كل الرفض فتكون هيالا،
وعلى أعناق الرجال كلالا. اهـ ص ١٦١ ج ١١. ثم نهى سبعاء وتعالى عن قتل النفس، وبخعها كما تفعله جهلة
الهند، أوإلقاء النفس إلى التهلكة أو باقتراف مايدلها ويرديها ويوقعها فى مخالب الفقر المدقع. قال البيضاوى
فإنه القتل الحقيقى النفس ، وقيل المراد بالأخ ما كان من أهل دينهم ، فإن المؤمنين كنفس واحدة ، مچع فى
التوصية بين حفظ النفس والمال الذى هو شقيقها من حيثٌ !) سبب قوامها استيفاء لهم ريما تستكمل النفوس
وتستوفى فضا ئلها رأفة به، ورحمة كما أشار إليه بقوله تعالى ( إن الله كان بكم رحيما ٢٩ ومن يفعل ذلك عدوانا
وظلما فسوف نعليه ناراً، وكان ذلك على الله بيراً) ٣٠ من سورة النساء (ذلك) إشارة إلى القتل أو ماسبق
من المحرمات (عدوانا) إفراما فى التجاوز عن الحق وتعدي على الغير، وظلم النفس تعريضها لعقاب الله جل وعلا
( بيرا ) سهلا لاعسر فيه ولا صارى عنه .
خامساً: (فيوت أذن اله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال !٣٦ رجل لاتلهيهم
تجارة ولا يع عن ذكر الله وإقام الصلاة) ٣٧ من سورة النور، وفى حديث البخارى. وقال قتادة : كان
القوم بتاجون ويتجرون ولكنه إذا نابه حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الحى يؤدوه

٥٢٧
الحكماء والشعراء يطلبون العمل ويمقتون الكسل
إلى الله. قال العينى: أراد بالقوم الصحابة، فإنهم كانوا إذا كانوافى بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادروز
إليها لأداء حقوق الله، ويؤيد هذا ماأخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر أنه كان فى السوق فأقيمت الصلاة
فأغلقرا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت فذكر الآية ، وقال ابن بطال : ورأيت فى تفسير الآية
قال كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدثم إذا رفع الحارقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج الإشفى من
الغرزة ، ولم يوضع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة، وفى الآبة نعت تجار الأمة السالفة، وما كانوا عليه من
مراعاة حقوق الله والمحافظة عليها والتزام ذكر الله فى حال تجاراتهم وصبرهم على أداء الفرائض وإقامتها وخوفهم
سوء الحساب والسؤال يوم القيامة، قيل التجارة فى السفر والبيع فى الحضر، وقيل التجارة الشراء، وأيضا البيع
فى الإلهاء أدخل لكثرته بالنسبة إلى التجارة اهـ ص ١٧٤ ج ١١.
سادساً: ( وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله) ١٢ من سورة فاطر. ومن سورة النحل (وترى
الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) ١٤ أى من سعة رزقه بركوبها للتجارة وتعرفون نعم
الله تعالى فتقومون بحقها، وفى البخارى (باب التجارة فى البحر) وقال مطر: لا بأس به. قال العينى: أى أن
الآية سيقت فى موضع الامتنان، واستدلبه - مطر بن طهمان أبو رجاء الخراسانى سكن بالبصرة - على الإباحة
وهو استدلال حسن لأنه تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله من نعمه التى عددها لهم وأراثم فى ذلك عظيم
قدرته وسخر الرياح باختلافها لحملهم وترددهم اهـ ص ١٧٨ ج ١١ .
سابعاً: قال تعالى ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا لكم من الأرض) ٢٦٧ من سورة البقرة.
أى من حلالات كسبكم ، وعن مجاهد المراد بها التجارة .
الحكماء والشعراء يطلبون العمل ويمقتون الكسل
البارودى :
سواى بتحنان الأغاريد يطرب
وما أنا من تأسر الخمر ليه
ولكن أخوهم إذا ما ترجحت
إذا أنا لم أعط المكارم حقها
ومن تكن العلياء همة قه
وغيرى باللغات يلهو ويلعب
ويملك سمعيه البراع المثقب
به سورة نحو العلاراح يدأب
فلا عزفى خال ولا ضمنى أب
فكل الذى يلقاء فيها محبب
وابشار بن برد :
وخل الهوينى للضعيف ولا تكن
وإنك لا تستطرد الهم بالمتى
والإمام الشافعى رضى الله عنه :
شوما فإن الحر ليس بنائم
ولا تبلغ العليا بغير المكارم
سافر تجد عوضا عمن تفارقه
وانصب فإن لذيذ العيش فى النصب
ولأبى العلاء:
ألا فى سبيل المجد ما أنا فاعل
ولعبيد بن الأبرص :
إذا أنت طالبت الرجال نوالهم
على سائل ذو حاجة إن منعته
ولا تقعدن عن سعى ماقد ورثته
عفاف وإقدام وحزم ونائل
فعف ولا تطلب بجهد فتكد
من اليوم سؤلا أن يسرك فى غد
وما اسطعت من خير لنفسك فازده

٥٢٨
الحكماء والشعراء يطلبون العمل ويمقتون الكسل
وأتقى الدين أبى بكر الحموى :
وموجب الصداقة المساعده
والحزم والتدبير روح العزم
والحزم كل الحزم فى المطاوله
وفى الخطوب تظهر الجواهر .
لا تيأسن من فرج وأطف
فربما جاءك بعد الياس
ينال بالرفق والتأتى
ما أحسن الثين والتجلدا
ليس الفتى إلا الذى طرقه
ومقتضى المودة المعاضده
لا خير فى عزم بغير حزم
والصبر لا فى سرعة المزاوله
ماغلب الأيام إلا الصابر
وقوة تظهر بعد ضعف
روح بلاكد ولا التماس
ما لم ينل بالحرص والتعنى
وأقبح الحيرة والتبلدا
خطب تلقاه بصبر وثقه
واصلاح الدين الصفدى :
الجد فى الجد والحرمان فى الكسل
واصبر على كل ما يأتى الزمان به
إن الفتى من بماضى الحزم متصف
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها
ولا يضيع ساعات الزمان فلن
ولا يصد عن التقوى بصيرته
فمن تكن حلة التقوى ملابسه
فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
صبر الحسام بكف الدارع البطل
وما تعود نقص القول والعمل
حتى يقد أديم السهل والجبل
يعود ما فات فى أيامه الأول
لأنها للمعالى أوضح السبل
لم يخش فى دهره يوما من العطل
ولحسام الدين الواعظى :
من ضيع الحزم فى أفعاله ندما
ما المرء إلا الذى طابت فضائله
والعلم أنفس شىء أنت ذاخره
وصد نفسك عن لهو وعن مرح
وظل مكتئبا والقلب قد سما
والدين زين يزين العاقل الفهما
فلا تكن جاهلا تستورث الندما
وإن حضرت مقاما كنت فيه سما
ولعبد القيس بن خفاف البرجى :
واستأن تظفر فى أمورك كلها
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعا
وإذا هممت بأمر سوء فانئد
وإذا عزمت على الهدى فتوكل
وإذا تصبك خصاصة فتحمل
ترجو الفواصل عند غير المفضل
وإذا هممت بأمر خير فاعجل
ولهذب الدين :
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله
كالبدر 1) أن تضاءل جد فى
سفها حلمك إن رضيت بمشرب
لا تحين ذهاب شك ميتة
فى منزل فالحزم أن يترحلا
طلب الكمال خازه متنقلا
رفق ورزق الله قد ملأ الملا
ما الموت إلا أن تعيش مذللا

٥٢٩
ماجاء فى نوم الصبحة
الترغيب فى البكور فى طلب الرزق وغيره
وما جاء فى نوم الصبحة
١ - عَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الغَامِدِىِّالصَّحَابِىِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم قالَ: اللّهُمَّبَرِهْلِأُمَّتِى فِى بُكُورِهَا(١)، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةٌ(٢)، أَوْجَيْنَا بَعَثَهُمْ مِنْ
أَوَّلِ النَّهَرِ، وَ كَانَ صَخْرٌ تَجِراً فَكَنَ يَبْعَثُ بِمَرَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّارِ فَأَخْرَى(٢) وكَثُرَ
مَالُهُ. رواه أبو داود والترمذى والنسائى، وابن ماجه، وابن حبان فى صحيحه ، وقال الترمذى:
حديث حسن ، ولا يعرف لصخر الغامدى عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث .
[قال المعلى] عبد العظيم: رووه كلهم عن عمارة بن حدیدعن صخر ، و عمارة بن حديد
تَجَلَىٌّ، سئل عنه أبو حاتم الرازى ، فقال: مجهول، وسئل عنه أبو زرعة، فقال لا يعرف، وقال
أبو عمر النمرى: صخرين وداعة الغامدى، وغامد فى الأزد، سكن الطائف ، وهو معدود فى أهل
الحجاز، روى عنه عمارة بن حديد ، وهو مجهول لم يرو عنه غير يعلى الطائفى، ولا أعرف لصخر
غير حديث: بُورك لأَمَّتِى فى بكورها، وهو لفظ رواه جماعة عن النبى صلى الله عليه وسلم
انتهى كلامه .
[قال المعلى ] رحمه الله، وهو كما قال أبو عمر: قد رواه جماعة من الصحابة عن النبى
صلى الله عليه وَسلم . منهم: علىّ، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة ، وأنس
ابن مالك ، وعبد الله بن سلام ، والنواس بن سمعان، وعمران بن حصين ، وجابر بن عبدالله
وبعض أسانيده جيد ، ونبيط بن شريط ، وزاد فى حديثه: يوم خميسها ، وبريدة، وأوس
ابن عبد الله، وعائشة وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين ، وفى كثير من أسانيدها
مقال، وبعضها حسن ، وقد جمعتها فى جزء ، وبسطت الكلام عليها .
٢ - وَرُوِيَّ عَنْ عَائِشَةَ رَىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
(١) التبكير واليقظة وانتهاز فرصة أول الوقت.
(٢) طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو جمعها السرايا وسموا بذلك لأنهم ينفذون سراوخفية،
(٣) كثر ثراؤه وغناؤه .
(٣٤ - الرغيب والترهيب - ٢ )

٥٣٠
نوم الصبحة يمنع الرزق
بَِكِرُوا (١) الغُدُوَّ فِى طَبِ الرِّزْق، فَإِنَّ الغُدُوِّ(٢) بَرَكَةُ وَنَجَاحٌ. رواه البزار والطبر انى
فى الأوسط .
٣- وَرُوِىَ عَنْ عُثْنَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
نَوْمُ(٣) الصُّبْحَةِ يَمْنَعُ الرِّزْقَ. رواه أحمد والبيهقى وغيرهما، وأوردهما ابن عدىّ فى الكامل.
وهو ظاهر النكارة .
٤ - وَرُوِىَ عَنْ فَطِعَةَ بِذْتِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم وَرَضِىَ اللهُ عَنْهَاَ قَالَتْ:
مَّبِىِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ مُتَصَبِّحَةٌ (٤) ◌َّ كَنِى بِرِ جْلِهِ، ثُمَّقَالَ:
يَا بُلَيَّةُ قُوِى أَشْهَدِى(٥) رِزْقَ رَبَّكِ، وَلاَ تَكُونِى مِنَ الْغَافِينَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ
(١) باكروا الغدو فى طلب الرزق، فإن الغدو بركة ونجاح. هكذا فى ن ط ، وفى دع ص ٥٦٠ :
باكروا فى طلب الرزق .
(٢) سيرأول النهار، نقيض الرواح، والغدوة المرةمنه، وقدغدا يغدوغدوا. والغدوة: ما بين صلاة الغداة
وطلوع الشمس. معناه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام صباحاً رجاء السعى الرزق. فإن التبكير يجلب الخير
ويكثر الربح ، ويزيد فى إنجاز الأعمال، وفى إتمامها. وفيه الحث على اليقظة صبحاً والتبكير إلى الأعمال.
(٢) الغفلة وقت الصبح تؤخر الكسب وتعطل السير فى العمل وتدعو إلى الكسل والفتور ، وتضيع
فرصة التقدم والاتفاق على بدء العمل والسير فيه .
(٤) دخلت فى وقت الصبح ، وفى ن د : مصبحة .
(٥) احضرى توزيع الأرزاق وأنت يقظة مجدة عاملة مستعدة للعمل ذاكرة الله سبحانه وتعالى.
النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على اليقظة فى الفجر والتبكير فى العمل
أولا: دعا صلى الله عليه وسلم لكل رجل موفق تنسم نسيم الصبح وبكر فى عمله ((اللهم بارك)).
ثانياً: كل عمل ابتدىء به أنقن وتم، وتقدم وراج وانتشر، وصاحبه يسعد ((فأثرى)).
ثالثاً: أخبر صلى الله عليه وسلم أن التبكير فى كل شىء يعقبه الفوز والفلاح وكثرة الربح وتقدم العمل
((الغدو بركة)) ويفسر بأول النهار مثل البكرة، يقال: بكرفلان بكورا. وبكر، وابتكر، وباكرمباكرة
وتصور منها معنى التعجيل لتقدمها على سائر أوقات النهار فقيل لكل متعجل فى الأمر بكر . قال الشاعر:
بل عليك ملامتى وعتابى
بكرت تلومك بعد وهن فى الندى
رابعاً : لقدضرب الله الغفلة على من تأخر فى النوم حتى أشرقت الشمس، وجمد فكره ، وخمدت قريحته ،
وضل تدبيره، وتأخر عمله، وحرم من نسيم الصبح العليل البليل ومن سعة الرزق وبسطته ((نوم الصبحة)
خامساً : لقد أيقظ صلى الله عليه وسلم ابنته ليعلم أمته اليقظة فى البكور، والانتباه فى الصبح، واستقبال
اليوم من أوله بثغر باسم، وصدر منشرح، وعزيمة قوية، ونفس فتية ندية سخية، وثابة ((اشهدى رزقربك)).
سادساً : حذر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتأخر وافى القيام من لنوم ونهى ، وكل هذا ليعود المسلمين
العمل، كما قال المأمون: الناس أربعة: إمارة، وتجارة، وصناعة، وزراعة، فمن لم يكن منهم صارعيالا عليهم.

٥٣١
ماجاء فى فضل الذكر فى الأسواق ، ومواطن الغفلة
يَقْسِمُ أَرْزَاقَ النَّاسِ مَا بَيْنَ ◌ُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُوعِ الشَّمِْ. رواه البيهقى.
٥ - وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم
عَى فَاطِمَةَ بَعْدَ أَنْ صَلَى الصَّبْحَ، وَهِيَ نَاْمَةٌ فَذَ كَرَهُ بِمَعْنَهُ .
٦ - وروى ابن ماجه من حديث علىّ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم،
عَنِ النَّوْمِ قَبْلَ طُوعِ الشّمْسِ .
الترغيب فى ذكر الله تعالى فى الأسواق ومواطن الغفلة
١ - عَنْ عَمَرَ بْنِ الْطَب رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
قالَ: مَنْ دَخَلَ السُّوق(١) فَقَالَ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَشَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ
يَحْسِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الَخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ . كَتَبَ اللهُ لَهُ
أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَنَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سِيَِّةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ. رواه الترمذى،
وقالَ : حديث غريب .
[قال المملى] وإسناده متصل حسن، ورواته ثقات أثبات، وفى أزهر بن سنان خلاف،
وقال ابن عدىّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الترمذى فى رواية له مكان: وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ
دَرَجَةٍ، وَبَنَى (٢) لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ. ورواه بهذا اللفظ ابن ماجه، وابن أبى الدنيا والحاكم
وصححه كلهم من رواية عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده،
ورواه الحاكم أيضا من حديث عبد الله بن عمر مر فوعا أيضاً، وقال: صحيح الإسناد كذا قال،
وفى إسناده مرزوق بن المرزبان يأتى الكلام عليه .
٣ - وَعَنْ أَبِىِ قِلِاَبَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال: الْتَقَيِ رَجُلاَنِ فِى السَّوقِ، فَقَالَ أَحَدُها
لِلْآخَرِ: تَعَالَ (٢) نَسْتَغْفِرِ اللّهَ فِى غَفْلَةِ النَسِ فَفَلَ مَاتَ أَحَدُهُ، فَقِيَهُ الْآخَرُ فِى النَّوْمِ
(١) السوق: كل مكان البيع والشراء. معناه الذى يذكر الله بهذه الصيغة يقال:
١ - حنات جمة .
ب - تزال عنه الخطايا الكثيرة.
ج - ويقرب من منازل الصالحين ويصعد إلى العز و العلادرجات قدر ما رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ألف
(٢) أنشأ الله له قصرا عظيما تهماً.
(٣) أقبل تذاكر خوف الله الآن وتحد على طاعته، ونطلب منه المغفرة.

٥٣٢
ذا کر الله فی الغافلین کغصن أخضر فى شجر يابس
فَقَالَ : عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ غَفَرَ لَنَا عَشِيَّةَ الْتَقَيْفَ(١) فى السُّوقِ . رواه ابن أبى الدنيا وغيره .
٣ - وَعَنْ يَحْسَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم ◌َِ جُلٍ: لاَ تَزَالُ مُصَلَّيَا قَانِتًا(٢) مَا ذَ كَرْتَ اللهَ قَاْمَا، أَوْ قَاعِداً، أَوْ فِى سُوقِكَ،
أَوْ فى نَادِيكَ(٣) . رواه البيهقى مرسلا ، وفيه كلام .
٤ - وَعَنْ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
كَنَ يَقُولُ: ذَا كِرُ اللهِ فِى الغَافِلِينَ كَالْقَاتِ (٤) خَلْفَ الغَرِّينَ، وَذَا كِرُ اللهِ فِى الَافِلِينَ
كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فى شَجَرٍ يَاِسٍ (٥).
وَفِى رِوَايَةٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْضْرَاءِفِى وَسَطِ الشَّجَرِ الْيَابِسِ، وَذَا كِرُ اللهِ فِىِ الْغَافِلِينَ
مَثَلُ مِصْبَاحٍ(٦) فى بَيْتٍ مُظْلٍ، وَذَاكِرُ اللهِ في الغَا فِلِينَ يُرِيهِ اللهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ
حَىٌّ(٧)، وَذَا كِرُ اللهِ فِى الْغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمَ .
[والفصيح] بنو آدم ، والأعجم البهائم، ذكره رزين، ولم أره فى شىء من نسخ الموطأ،
إنما رواه البيهقى في الشعب عن عباد بن کثیر، وفيه خلاف عن عبد الله بن دينار عن عبد الله
ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه .
! ورواه أيضاً عن عباد بن كثير عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر، وزاد
فيه: وَذَاكِرُ اللهِ فِي الغَافِلِينَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ نظْرَةً لاَ يُعَذِّبُهُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَذَاكِرُ اللهِ
فى السُّوقِ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُورٌ يَوْمَ القِيَامَةِ . قال البيهقى: هكذا وجدته ليس بين سلمة
وبين ابن عمر أحد ، وهو منقطع الإسناد غير قوىّ .
٥ - وَعَنِ ابْ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ذَاكِرُ
(١) تقابلنا كان هذا الاجتماع سبب غفران الذنوب.
(٢) خاشعاً طائعاً مدة ذكر الله فى أى مكان، وعلى أى حالة.
(٣) مكان اجتماعك مع الناس .
(٤) كالمدافع المجاهد وراء الجبناء الفارين من القتال لشجاعته، يهاجمهم ويتعقبهم.
(٥) ذاكر انته تعالى يشبه الدوحة المثمرة الزاهرة؛ بمعنى أن الذاكر قلبه حى، وغيره أموت .
(٦) يعنى أنه نور وهاج أضاء قلبه بذكر الله تعالى .
(٧) يبشره الله برحمة منه ورضوان، ونعيم مقيم ورؤيا مفرحة تدل على فوزه.

٥٣٣
ماجاء في ذم الحرص وحب المال
اللهِ فِى الْغَافِلِينَ بِمَنْلَةِ الصَّابِرِ (١) فِى الْفَارِّينَ. رواه البزار والطبرانى فى الكبيروالأوسط
بإسناد لا بأس به.
٦ - وَرُوِىَ عَنْ عِصْمَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
أَحَبُّ الْعَمْلِ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سُبْحَةُ الْحَدِيثِ ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَلِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّالتَّحْرِيفُ
فَقُلْنَاَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا سُبْحَةُ الْدِيثِ؟ قالَ: ◌َكُونُ القَوْمُ يَتَحَدَّنُونَ، وَالرَّجُلُ
يُسَمِّعُ(٣) قُلْنَاَ: يَارَسُولَ اللهِ وَمَا الَّحْرِيفُ؟ قَالَ: القَوْمُ ◌َكُونُونَ بِخَيْرٍ فَيَسْأَ لَهُ الْجَارُ
وَالصَّاحِبُ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ بِشَرٍ(٣) . رواه الطبرانى.
الترغيب فى الاقتصاد فى طلب الرزق والإجمال فيه
وما جاء فى ذم الحرص وحب المال
١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجَسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
(١) الذى يحبس غيظه ويكتم أله حبا فى سبيل الله تعالى، ويقف فى ميدان الجهاد وحده.
يذكر الله تعالى وسط أولئك الناسين الساهين الذين حرمهم الله نعمة ذكره ، والتلذذ باسمه سبحانه ، وأن
هذا الذاكرله أجر المجاهد الشجاع، دون زملائه الفارين من القتال.
(٢) القوم فى المجلس يكثرون اللغط واللهو، والرجل يذكر الله تعالى ولا يعتنى بحديثهم.
(٣) الذين لم يحمدوا الله على ما أنعم وتفضل. بل بذكرون الخط وينكرون نعمة الله من صمة ورغد عيش
وخيرات متصلة بهم ، وفيه أن الإنسان لا يغفل عن ذكرالله لحظة، ويجتهد أن يسبحه ويحمده ويكبره، ويهجر
لغو المجلس، وإذا سئل عن حاله يشكر الله فضائله، ويحمده ويثنى عليه، ولا يضجر ولا يبطر، ولا ييأس.
صفات الصالحين المتحلين برضوان الله، والساعين لرزقهم من أحاديث رسول الله نقلاليه
أولا: يوحدون اللّ، ويسبحونه ويثنون عليه أول ابتداء عملهم فى أسواقهم ((لا إله إلا الله)).
ثانياً: يتعاون التقى مع أخيه على طاعة الله، وطلب المغفرة منه سبحانه وتعالى ((نستغفره)).
ثالثاً: مثلهم مثل الغصن النضير، والنبراس المضىء لأن لسانهم رطب دائما بذكر الله وسط العصاة القساة
الغافلين عن الله .
رابعاً: لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفي الآخرة ((يريه الله مقعده من الجنة)).
خامساً: يتصفون بالجلد فى ذكر الله، والجهاد والاستقامة، وتذكير النافلين طاعة الله وحبه ((بمنزلة
الصابر من الفارين».
سادساً: أعمالهم مشمولة بحب الله تعالى لها وإحاطته، وعليهم مسحة السعادة والهداية ((سبحة الحديث))

٥٣٤
إن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها
السَّمْتُ (١) الْسَنُ، وَالتُّؤَّدَةُ(٢)، وَالِأَفْتِصَادُ(٣) جُزْءٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ
النَّبُوَّةِ. رواه الترمذى ، وقال: حديث حسن غريب ، ورواه مالك وأبو داود بنحوه من
حديث ابن عباس إلا أنهما قالا: مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ..
٢ -- وَعَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ :
لاَ تَسْتَبْطِئُوا(٤) الرِّزْقَ، فَإِنَّهُ لَمَ يَكُنْ عَبْدٌ لِيَمُوتَ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ رِزْقِ هُوَلَهُ فَأْجِلُوا (٥)
فِى الطَّلَبِ: أَخْذِ الْخْلاَلِ، وَتَرْكِ الْرَامِ. رواه ابن حبان فى صحيحه، والحاكم وقال :
صحيح على شرطهما .
٣ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم: يَا أَيُّها
النَّسُ أُتَّقُوا اللهَ، وَأَْمِلُوا فِى الطََّبِ، فَإِنَّ نَفْسَاً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَاَ، وَإِنْ
أَبْطَأَ عَنْهَ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأْخِلُوا فِى الطّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ . رواه ابن ماجه
واللفظ له ، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم .
٤ - وَعَنْ أَبِى ◌ُحَيْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: أَجْمِلُوا فِى طَلَبِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلاَّ مُيَسَّرُ (٦) لِمَا خُلِقَ لَهُ . رواه ابن ماجه واللفظ له ،
وأبو الشيخ ابن حبان فى كتاب الثواب ، والحاكم إلا أنهما قالا :
فَإِنَّ كُلاَّ مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا، وَقال الحاكم: صحيح على شرطهما .
٥ ٠. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: لَيْسَ
مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنَ الْجُنَّةِ إِلَّ قَدْ أَمَرْتُكُمْ إِه، وَلاَ تَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنَ النَّارِ إِلّ وَقَدْ
◌َيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَلْفَي فى رُوعى أَنَّ أَحَداً
مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ(٧) رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا النَّسُ:
(١) زى الصالحين، وهيئة أهل الخير كما فى المصباح وحسن النحو والتخلق بالكمال. (٢) التأنى والتثبت.
(٣) الإنفاق (لا بخل أو تقتير. والمعنى هذه خصال الأنبياء.
(٤) ينهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يضجروا وييأسوا فيقولوا: سعينافأخر رزقنا فكل شىء
مقدر ، ويسوق اللّ الأرزاق لأصحابها كما يريد جل وعلا. (٥) فاقتصدوا وتحروا الحلال واجتنبوا الحرام.
(٧) يستوفى .
(٦) مساق وذاهب وموجه سفينته إلى دفة المقدر له .

٥٣٥
إن الرؤق ليطلب العبد كما يطلبه أجله
وَأَحْمِلُوا فى الطََّبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأْ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ فَلاَ يَطْلُبُهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ
لاَ يُنَلُ فَضْلُهُ(١) بِمَعْصِيَتِهِ. رواه الحاكم .
٦ - وَعَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قِلَ:
بَ أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْغِنَى لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلُكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَإِنَّ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ يُؤْتِى عَبْدَهُ مَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ فَأْخِلُوا فِى الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا
مَا حَرُمَ . رواه أبو يعلى، وإِسناده حسن إن شاء الله .
٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: فَامَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وَسلٍ فَدَعَا النَّاسَ،
فَقَالَ: هَلُوا إِلَيَّ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ ◌ََُوا، فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالِينَ جِبْرِيلُ صلى الله
عليه وسلم نَفَثَ(٢) فى رُوِ أَنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَشْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَإِنْ أَبْطَأَ (٣) عَلَيْهَاَ
فَاتَّقُوا اللهَ وَأَخِلُوا فِى الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءِ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْضِيَةِ اللهِ،
فَإِنَّ اللهَ لاَ يُنَاَلُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ (٤) . رواه البزار، ورواته ثقات إلا قدامة بن زائدة
بن قدامة ، فإنه لا يحضرنى فيه جرح ، ولا تعديل .
٨ - وَعَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاءِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم :
إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ (٥) العَبْدَ كَاَ يَطْلُبُهُ أَجَاهُ(٦) ، رواه ابن حبان فى صحيحه والبزار، ورواه
الطبرانى بإِسناد جيد إلا أنه قال: إنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ العَبْدَ أَ كْثَرَ مِمَا يَطْلُبُهُ أَجْلُهُ.
٩ - وَرُوِىَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ قالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم المِنْبَرَ يَوْمَ غَزْوَةٍ تَبُوكَ(٧)، ◌َدَ اللهَ وَأَنْىُ عَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَ النَّاسُ
(١) رحمته ورزقه وكثرة خيراته .
(٢) ألقى وأوحى، من النفث بالفم، وهو شبيه بالنفخ ، وهو أقل من الفعل. لأن التفل لا يكون إلا
ومعه شىء من الريق اه نهاية .
(٣) تأخر .
(٤) التقرب إليه بالعبادة والطاعة . قال تعالى:
١ - ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ٣٦ من سورة الأحزاب.
ب - ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) ١٦ من سورة الجن.
ج - ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذنائم بما
كانوا يكسبون) ٩٦ من سورة الأعراف.
د - ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحببكم) ٢٤ من سورة الأنفال.
(٦) الموت، والمعنى أن ما كتبه الله للإنسان من الخير لابد أن يعاله، ويغدق عليه ويتمتع به. (٧) بلد.
(٥) يسعى إليه ويحصله .

٥٣٦
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقهمن حيث لا يحتسب
إِنِى مَ آمُرُكُمْ إِلَّ بِمَا أَمَرَّكُمُ اللهُ، وَلاَ أَنْهَكُ إِلَّ عَمَّا نَهَ كُمُ اللهُ عَنْهُ فَأَجُلُوا (١)
فِى الطَّلَبِ، فَوَالَّذِى نَفْسُ أَبِى الْقَاسِ بِيَدِهِ إِن أَحَدَ كُمُ لَيَطْلُهُ رِزْقُهُ كَ يَطْلُبُهُ أَجِلْهُ،
فَإِنَّ تَعَّرَ عَلَيْكُمُ شَىْءٍ مِنْهُ فَطْلُبُوهُ بِطَاعَةِ اللهِ(٢) عَزَّ وَجَلَّ . رواه الطبراني في الكبير
١٠ - وَعَنْ أَبِ ذَرِّرَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: يَتْلُو
هَذِهِ الْآيَةَ: وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْنَسِبُ. ◌َعَلَ يُرَدِّدُهَا
حَتَّى نَسْتُ، فَقَالَ يَا أَبَذَرٌ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ. رواه الحاكم، وقال:
صحيح الإسناد .
١١ - وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهِ
عليه وسلم: لَوْ فَرَّ(٣) أَحَدُ كُمُ مِنْ رِزْقِهِ أَدْرَكَهُ(٤) كَ يُدْرِكُهُ الَوْتُ. رواه الطبر انى.
فى الأوسط والصغير بإسناد حسن .
١٢ - وَرُوِىَ عَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ أَبِىِ سُفْيَنَ رَضِىَ الله عَنْهُمَاَ قَالَ: قَلّ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وَسلمٍ: لاَ تَمْجَلَنَّ إِلَى شَىْءٍ تَظُنُّ أَنَّكَ إِنِ أُسْتَعْجَلْتَ إِلَيْهِ أَنَّكَ مُدْرِكُهُ إِن
كَانَ مَ يُقَدَّرْ لَكَ ذَلِكَ، وَلاَ تَسْتَأْخِرَنَّ عَنْ شَىْءٍ تَظُنُّ أَنَّكَ إِنْ أُسْتَأْخَرْتَ عَنَهُ أَنَّهُ
مَدْفُوعٌ عَنْكَ إِنْ كَانَ اللهُ قَدَّرَهُ عَلَيْكَ . رواه الطبر انى فى الكبير وَالأوسط .
١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَّ رَضِىَ الله عَنْهُمَا أنَّ النَِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم رَأَى أَعْرَةً
غَابِرَةً(٥) فَأَخَذَهَا فَنَاوَلَا (٦) سَائِلاً، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ لمَ تَأْتِهَاَ لَأَنَنْكَ . رواه الطبرانى
بإسناد جيد، وابن حبان فى صحيحه والبيهقى .
١٤ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودِ رَضِىَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتجهزوا لغزو الروم. فتأهب لها صلى الله عليه وسلم فى زمن عسرة
وشدة من الحر وجدب فى البلاد، وأنفق سيدنا عثمان عشرة آلاف دينار، وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس
وجهز ركابا، وتصدق أبو بكر بجميع ماله فسار عليه الصلاة والسلام فى جيش كبير حتى وصل تبوك ،ومى آخر
(١) اقتصدوا فى طلباتكم.
غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم .
(٢) التجئوا إلى الله بالطاعة: بالتوبة، وبالصلاة النافلة وبالذكر وبالتسبيح ،وبقراءة القرآن أو سماعه.
(٤) لقه .
(٣) هرب .
(٥) غابرة: أى ساقطة ملقاة على الأرض قديمة.
(٦) فأعطاها فقيرا، وقال صلى الله عليه وسلم: هى تبحت عنك، ولا بد أن تصل إليك، فيطمئن
الإنسان ويعمل ویکد ، ورزقه یسعى إليه ما قدر .

٥٣٧
إن ماقل وكفى خير مما كثر وألهى
عليه وَسلم: مَآَ خَلَقَ اللهُ مِنْ صَباحٍ يَعْلَمُ مَلَكٌ مِنَ السَّاءِ، وَلاَ فِى الْأَرْضِ مَ يَصْنَعُ اللهُ
فى ذلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَهُ رِزْقُهُ، فَوَ أُجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلاَنِ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ أَنْ يَصُدُّوا (١)
عَنْهُ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ مَاسْتَطَاءُو(٢) . رواه الطبرانى بإسناد لين، ويشبه أن يكون موقوفً.
١٥ - وَعَنْ حَّةَ وَسَوَاءِ ابْنَىْ خَالِدٍ رَضِىَ اللهُ عَنَهُمَا أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلاَ يَدْنِى بِنَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَنَا فَقَالَ: لاَتَنَفَسَا فِى الرِّزْقِ
مَتَهَزْهَزَتْ رُءُوسُكُمَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَإِدُهُ أُمُّهُ أَحَمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرٌ، ثُمَّ يُعْطِيِهِ اللهُ
وَيَرْزُقُهُ . رواه ابن حبان فى صحيحه .
١٦ - وَعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلمٍ:
مَطَلَمَتْ تَنْسٌ قَطَّ إِلاَّ بُعِثَ بِنْبَتَيْهَاَ مَلَكَانِ يُنَادِيَنِ يُسْمِعَنِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّ التَّقَلَيْنِ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُّوا(٣) إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنَّ مَقَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأْهَى(٤)،
وَلاَ آبَتْ(٥) كَمْسٌ قَطُّ إِلا بُمِثَ بِحَنْبَتَيْهاَ مَلَكَانِ يُقَدِيَنِ يُشِْعَانِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلاَّ
التَّقَلْنِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفَاً، وَأَعْطِ ثُمْسِكً تَلَفاً. رواه أحمد بإسناد صحيح واللفظ له ،
وابن حبان فى صحيحه، والحاكم وصححه.
١٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وَسٍ يَقُولُ: خَيْرُ الذِّكْرِ الَخْفِىُّ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِى(٦). رواه أبو عوانة وابن
حبان فى صحيحيهما .
١٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
مَنِ انْقَطَعَ (٧) إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَفَهُ اللهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْنَسِبُ،
(١) يمنعوا. (٢) لم يقدروا. (٣) أقبلوا . ٥٦٤ ع.
(٤) شغل عن طاعته .
(٥) بزغت. والمعنى وظيفة ملكين من ملائكة الرحمة يطلبان من العباد الإقبال على الله تعالى بأداء
أوامره واجتناب مناهيه والتخلق بالكرم والإنفاق فى مشروعات الخير، وإشادة المكارم الخالدة والصالحات
الباقى ثوابها، وبدعوان للمنفق بالعوض وزيادة الآجر، وعلى البخيل الشحيح بالخراب والدمار ، ونزع
البركة من أمواله .
(٦) ما يقوم بأداء الواجبات، ويمنع ذل السؤال، ويغنى عن الناس.
(٧) تبتل إلى الله تعالى واستقام وفوض أمره إليه جل وعلا، وتوكل عليه وعمل، مده الله بالنعمة
ويسر عليه أرزاقه، وألهمه الصواب والحكمة، وساق له الربح.

٥٣٨
من انقطع إلى الدنيا و کله اللّه إليها
وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا(١) وَكَلَهُ(٢) اللهُ إِلَيْهَا. رواه أبو الشيخ فى كتاب الثواب والبيهقى
كلاهما من رواية الحسن عن عمران ، وفى إسناده إبراهيم بن الأشعث خادم الفضل ، وفيه
كلام قريب .
١٩ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: مَنْ
كانَتِ الدُّنْيَاَ هِمّتَهُ(٣) وَسَدَمَهُ، وَلَا شَخْصٌ (٤)، وَإِيَّاهَا يَقْوِى(٥) جَعَلَ اللهُ الْفَقْرَ
بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَنَّتَ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَمَ يَأْتِهِ مِنْهَاَ إِلَّ مَا كُتِبَ (٦) لَهُ مِنْهَا، وَمَنْ كَانَتِ
الْآخِرَةُ هِمّتَهُ(٧) وَسَدَمَهُ، وَلَا شَخْصرٌ (٨) وَإِيَّاهَا يَنْوِى(٩) جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغِنَى
فِى قَلْبِهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ ضَيْمَتَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ صَاغِرَةٌ(١٠). رواه البزار والطبرانى
واللفظ له ، وابن حبان فى صحيحه ، ورواه الترمذى أخصر من هذا ، ويأتى لفظه فى الفراغ
للعبادة إن شاء الله .
[ سدمه ] بفتح السين ، والدال المهملتين: أى همه، وما يحرص عليه ، ويلهج به .
[ وقوله شنت عليه ضيعته ] بفتح الضاد المعجمة: أى فرّق عليه حاله وصناعته ، وماهو
مهتم به ، وشعبه عليه .
٢٠ - وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَا رَسُولُ الهِ صلى اللهُ
عليه وَسلم فى مَسْجِدِ الْفِ (١١) فَحَمِدَ اللهَ، وَذَ كَرَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتِ
(١) مشى فيها بالشره والطمع، وقصر فى حقوق الله عن شأنه وجشع.
(٢) تركه اللّه تعالى بلا مساعدة، وسلط عليه مشاغل الدنيا وهمومها، وملأ قلبه طمعاً وجزءا، وفزعا
وخوفا من الفقر المدقع فأشقى نفسه، وأتعب بدنه ، ولم يشبع بحطامها .
(٣) طلبه ورجاءه .
(٤) وهو لها هدف تلعب به لخلو قلبه من الإيمان بالله، والثقة به، يجعل كل أغراضه من حياته البذخ
والترف وجمع المال .
(٥) يقصد خدمة الدنيا، ولم يسع إلى الآخرة.
(٦) ما قدره سبحانه له .
(٧) يعمل الأعمال الصالحة ادخارا ليوم القيامة : يوم الجزاء .
(٨) الدار الآخرة مقصده ونهاية آماله.
(٩) يطلب طاعة الله رجاء الآخرة.
(١١) موجود بمنى.
(١٠) ذلية حقيرة .

٥٣٩
من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله فى شىء
الأَنْيَاَ هَّهُ(١) فَقَ اللهُ(٢) شَْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ يُؤْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ
مَا كُتِبَ لَهُ . رواه الطبرانى .
٢١ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِ ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
مَنْ أَصْبَحَ وَهُّهُ الدُّنْيَا(٣) فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِى شَىْءٍ، وَمَنْ لَمَّ يَهْتَّ(٤) بِلمُسْلِنَ فَلَيْسَ
مِنْهُمْ(٥)، وَمَنْ أَعْطَى الدِّلَّةَ(٦) مِنْ نَفْسِهِ طَائِمًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلَيْسَ مِنَّا. رواه الطبرانى.
٢٢ - وَعنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَاللهُ عَنْهُ عَنِ النَّيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ قُضِىَ
الْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ(٧) قالَ فى الدُّنْياً. رواه ابن حبان فى صحيحه ، وهو فى الصحيحين
بمعناه فى آخر حديث يأتى فى آخر صفة الجنة إن شاء الله.
٢٣ - وَرُوِىَ عَنْ أَنْسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ (٨) ◌ُجُودُ العَيْنِ(٩)، وَقَسْوَةُ الْقَلْب (١٠)، وَطُوُلُ الْأَمَلِ(١١)، وَالْخِرْصُ
(١) غرضه فى جمع المال وارتكاب الشهوات وفعل الموبقات، والتباعى بحطامها الفانى.
(٢) أى شتت ما اجتمع من أمرهم كما يقال: جمع الله شملهم: أى ما تفرق من أمرهم.
والمعنى خادم الدنيا لذاتها الفانية وضيع ذليل مصاب بهواجس وأفكار تزيده جشعا، وتبعده عن القناعة
والرضا بما قسم الله تعالى له، ومهما يسع فلن أى شيئا إلا ما قدره الله مولاه جل وعلا:
(٣) غرضه التمتع بملذاتها وجمع خيراتها .
(٤) يخدمهم ، ويسع لقضاء حاجاتهم جهد طاقته، ويحن إليهم ، ويعطف عليهم ويواسيهم.
(٥) خرج من زمرة المسلمين لأنه فاسى القلب جامد الفكر، جاحد نعمة الجاه، ولم ينفع المسلمين، والشجرة
التى لا تظل قطعها أحسن، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول. ((اشفعوا فلتؤجروا)).
(٦) العلمم والشره، وسؤال الناس، وعرض نفسه للمذلة والإهانة .
(٧) يشير إلى قول الله تبارك وتعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر وثم فى غفلة وم لا يؤمنون
٣٩ إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون) ٤٠ من سورة مريم.
أى يوم يتحسر الناس: المسىء على إساءته، والمحسن على قلة إحسانه ( إذا قضى الأمر) فرغ من الحساب
وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار . كذا د وع ص ٥٦٥ ، وزاد فى د: وهم لا يؤمنون: أى أنذرهم غافلين
غير مؤمنين فى الدنيا . سبحانه الملك الباقى وحده يتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك، والدوام لذى الجلال
(٨) الجالب الدمار والعذاب .
والإكرام .
(٩) لا تبكى لتقصيرها فى طاعة الله، بمعنى أن صاحبها عاص.
(١٠) جامد القلب لا يخشى الله تبارك وتعالى. فيتبجح ويعصى ويرتكب المعاصى، وحوله النذير البشير،
والواعظ المرشد الأمين، ولا يستحى ولا ينزجر، ولا يرعوى، ولا يفقه فيعمل صالحا لله. قال تعالى: (إنما
يخشى الله من عباده العلماء ) ٢٨ من سورة فاطر (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ٤٦ من سورة الرحمن.
(١١) إرخاء العنان للنفس أن تطمع فى زهرات الدنيا، وتفسح لها الأفكار فى ملك كيت، وفعل كذا،
ونيل الدرجات ، وهكذا من الأمانى النامية مع تقصيرها فى تشيد الصالحات الخالدة.

٥٤٠
إن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص الخ
عَلَى الدُّنْيَا(١) . رواه البزار وغيره .
٢٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
قَالَ: لاَتُرْضِيَنَّ أَحَداً بِسَخَطِ (٢) اللهِ، وَلاَ تَحْمَدَنَّ أَحَداً عَلَى فَضْلِ اللهِ(٣)، وَلاَ تَذُمَّنَّ(٤)
أَحَداً عَلَى مَ لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ، فَإِنَّ رِزْقَ اللهِ لاَ يَسُوقُهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلاَ يَرُدُّهُ
عَنْكَ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ، وَإِنَّ اللهَ بِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ جَعَلَ الرَّوْعَ وَالْفَرَجَ فى الرِّضَاَ وَالْيَقِينِ،
وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْخِزْنَ فِى السَّخَطِ . رواه الطبرانى فى الكبير .
٢٥ - وَعَنْ كَمْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: مَاذِئْبَانِ جَائِعَنِ أُرْسِلاَ فِي غٍَ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ لَرِهِ عَلَى المَالِ(٥) وَالشّرَفِ
لِدِينِهِ رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه ، وقال الترمذى : حديث حسن.
[قال المعلى] رضى الله عنه: وسيأتى غير ما حديث من هذا النوع فى الزهد إن شاء الله.
٢٦ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ :
(١) كز المال وجمعه بلا إنفاق فى الخير، ووجود البر وحب التباهى بكثرته .
(٢) أى لا يكن رضا أحد بعمل ما يغضب الله جل وعلا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(٣) ولا تشكرن أحدا تعتقد أنه ساق إليك نعمة. فالحمد لله المتفضل المتكرم، المعطى الوهاب. قال تعالى:
(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) أى اعتقد أيها المسلم أن الذى أعطاك الخيرهو الله وحده.
فلا تقصر حمدك على مخلوق مثلك لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. بل احمد الله على ما وهب ووفق .
(٤) ينهى صلى اللّه عليه وسلم المسلم الذى يسخط ويذم إنسانا سعى إلى عمل له فلم يوفق، والمعنى: الأعمال
بيد الله تعالى يتمها ويقضيها، فلا تضجر أيها المؤمن، ولا تصخب ولا تسب، وسلم أمركله، فرزق الله لا يجلبه
حريص نبيه، ولا يمنعه أحد مهما أعطى من القوة، وقد تفضل المولى فأعقب الخير واليسر لمن يرضى ويقنع
وحول الهم والغم لمن يبطر وييأس .
(٥) يريد النبى صلى الله عليه وسلم غرس القناعة، والتسليم لله مع الحذر، فإن الحرص المشوب بالمعاصي
أضر على مال الإنسان من إرسال ذئبين جائعين على ماشيته التى أخرج زكاتها ، وأدى حقوق الله فيها : أى
لا يفسد ذئبان جائعان ماشية محصنة بالزكاة، وإن الذى يفسد المال البخل والشح فى إخراج حقوق الله فيه.
قال صلى الله عليه وسلم: ((حصنوا أموالكم بالزكاة)) وفى الجامع الصغير: ما بمعنى ليس بأفد خبر ما والباء
زائدة أى أشد فساد للغنم ( من حرص المال ) هو المفضل عليه لاسم التفضيل ، والمراد بالشرف الجاه كأنه قيل
بأفسد لأى شىء ؟ قيل لدينه، والقصد أن الحرص على المال والشرف أكثر فسادا للدين من إفساد الذئبين للغنم اهـ .
وعلى هامشه الشيخ الحفنى، أى ما الذئبان الجائعان بأشد إفسادا للغنم من إفساد المرء المذكور لدينه. فإن
الحرص على المال والجاه يوقعان فى البخل والبطر والكبر المفسدات إلصاحبها اهـ ص ٢٤٨ ج ٣.
وفيه الحث على الزكاة وحب الخير، والعمل بالشرع وترك الكبرياء، وحب الصيت الكاذب، والجاه
الذى يشيد على أضداد الأخلاق الكاملة.