النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الصدقة تطفىء الخطيئة وتفى ميتة السوء
٤٠ - وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وَسلم
قالَ: إِنَّ اللهَ أوْ خُي إِلَى يَحِى بْنِ زَكَرِيًّا عَلَيْهِالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِخَمْسِ كَلِمَتٍ أَنْ يَعْعَلَ
◌ِنَّ، وَيَأْمُرَ بَنِ إِسْرَائِيلَ أَنْ يَفْعَلُوا بِهِنَّ، فَذَ كَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ: وَآَمُرُ كمُ
بِالصَّدَنَةِ ، وَمَثَلُ ذُلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ(١) الَعَدُوُ، فَأَوْتَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ، وَقَرَّبُوهُ
لِيَضْرِ بُوا عُنُقَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَنْدِىَ نَفْسِ(٣) مِنْكُمْ، وَجَعَلَ يُعْطِ الْقَلِيلَ
وَالْكَثِيرَ حَتَّى فَدَى نَفْسَهُ. الحديث رواه الترمدى وصححه، وابن خزيمة، واللفظ له ،
وابن حبان فى صحيحه، والحاكم وقال صحيح على شرطهما، وتقدم بتمامه فى الالتفات فى الصلاة.
٤١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، وَكَانَ يَمِّنْ شَهِدَ الْدَيْبِيَةَ رَضِىَ اللهُ عنْهُ أنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وَسلم قالَ: حُسْنُ المَلَكَةَ (٣) تَمَاءٌ، وَسُوءٍ(٤) أُخْلُقٍ شُؤْمٌ (٥)
وَالْبِرُّ(٦) زِيَادَةٌ فِى الْمُمُرِ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىُّ(٧) الَخْطِيئَةَ، وَتَقِى(٨) مِينَةَ السُّوءِ. رواه
الطبرانى فى الكبير، وفيه رجل لم يسمّ، وروى أبو داود بعضه .
٤٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: إِنّ صَدَقَةَ المُسْلِ تَزِيدُ فى الْعُمْرِ، وَتَمْنَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَيُذْهِبُ اللهُ بِهَا الْكِبْرَ
وَالْفَخْرَ .. رواه الطبرانى من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عمرو بن عوف،
وقد حسنها الترمذى، وصححها ابن خزيمة لغير هذا المتن .
٤٣ - وَعَنْ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: ذُكِرَ لِ أنَّ الْأَعْمَلَ نَبَهَى(٩) فَتَقُولُ:
(١) وقع فى شركهم وذل. (٢) أن أقدم فدية وعوضا عنى: كذا الصدفة تدى الإنسان من الآلام
والأمراض بمعنى أنها تكون سببا لتخفيفها وإزالتها .
(٣) الذكاء الوقاد والفكر الصائب هبة من الله تعالى.
٠٠
(٤) الغضب والكدر والشتم والشقاق والحمد ، وهكذا من النقائص.
(٥) وبال ويجر السوء والأذى. (٦) فعل الخير وتشييد الصالحات والعمل المحمود يكون سبباً لزيادة
العمر بمعنى أن الله يتكرم بحفظ صحة البار، ويجعل له سيرة حسنة، ويحفظ وقته من الضياع فى اللغو بل ببارك
فيه. والبر ضد العقوق، فكأن إطاعة الوالدين والإحسان إليهما سبب طول العمر. والبر: الصدق، وفلان يبر
خالقه، ويتبرره: أى يطيعه: وإنى أشاهد من أطاع الله متعه بكمال الصحة، وحسن حاله، وأزال آلامه،
وأطال عمره .
(٧) تزيل الذنب. (٨) وتمنع سوء الخاتمة والهلاك بحالة شفيعة رديئة.
(٩) كذا ع ص ٣٠٠، وفى ن د ذي تتباهى، أى تفتخر وتناظر وتجادل .

٢٢
خير الصدقة ما أبقت غنى
الصَّدَقَةُ أَنَا أَفْضَلَكُمْ. رواه ابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
٤٤ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
وَبِيَدِهِ عَصًا، وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ(١) حَشَفٍ (٢)، فَجَعَلَ يَطْمُنُ(٣) فِى ذَلِكَ الْقِنْوِ،
فَقَالَ: لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا، إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ
يَأْكُلُ حَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رواه النسائى واللفظ له وَأبو داود ، وابن خزيمة وابن حبان
فى صحيحيهما فى حديث .
٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَ يْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ : قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
مَنْ بَعَ مَلَا حَرَامًا، ثُمَّ تَصَدَّفَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أجْرٌ، وَكَانَ إِصْرُهُ (٤) عَلَيْهِ . رواه
ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما والحاكم، كلهم من رواية دراج عن ابن حجيرة عنه .
٤٦ - وَعَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ الَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: خَيْرُ
الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ(٥) غِى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا(٦) خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّغْلَى(٧)، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ(٨)
تَقُولُ امْرَ أَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَىَّ أَوْ طَلَقْنِ. وَيَقُولُ تَمْلُوكُكَ: أَنْقْ عَلَىَّ أَوْ بِعْنِ، وَيَقُولُ
وَلَدُكَ إِلَى مَنْ تَكِّلُنَا؟ رواه ابن خزيمة فى صحيحه، ولعلّ قوله: تَقُولُ امْرَ أَنْكَ،
إلى آخره من كلام أبى هريرة مُدرَج .
٤٧ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ :
(١) عذق (سباطة). (٢) أرداً التمر ع ٣٠٠.
(٣) يضرب أى يذم، ويبين صلى الله عليه وسلم رداءة هذه الصدقة وقلة ثوابها عند الله ومنى أن ذلك الرجل
يتصدق بأحسن وأبدع منهالأنها ستقيه يوم القيامة وتكون طعاماً لهيوم لا يجد شيئاً يصد عنه الأهوال، ويدفع
عنه الظمأ والجوع وفيه الحث على اختيار الطيب فى الإنفاق والتصدق من الشىء المفيد القيم . قال تعالى: (لن
تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). هذا نوع من عذاب الله يوم القيامة فتقدم الملائكة له أردأ التمر، وفيه
مافيه ليسيغه جزاء بخله ، وعدم عنايته بالصدقة الطيبة ، و ( إن انته طيب، ولا يقبل إلا طيباً) .
(٤) ذنبه ، وفيه الحث على طلب الحلال ، والتصدق من الحلال .
(٥) ما أفادت وتركت أثراً يمنع السؤال، وأزالت جوعا، ودفعت فقراً، وقدمت عملا يفيد .
:
(٦) المعطية. (٧) السائلة، والمعنى الكريم الجواد خير من الشحاذ الذليل بالسؤال.
(٨) تكفيه معاشه، وتنفق عليه، وتقدم له اللازم. عاله شهراً كفاه معاشه، وفيه الحث على الإنفاق
على الزوجة والخادم والأبناء .

٢٣
سبق درهم مائة ألف درهم
جَهْدُ(١) المُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. رواه أبو داود، وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم، وقال:
صحيح على شرط مسلم .
٤٨ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللّهُ عنْهُ أَيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهٍَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ رَجُلٌ
لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهِمٍ تَصَدَّقَ بِهَ، وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّ دِرْهَمَنِ
فَأَخَذَ أَحَدَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ (٢). رواه النسائي، وابن خزيمة ، وابن حبان فى صحيحه، واللفظ ،
له والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم .
[قوله من عرضه] بضم العين المهملة، وبالضاد المعجمة : أى من جانبه.
٤٩ - وَعَنْ أُمِّ يَجِيدٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا أَنْهَاَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ
عَلَى بَا بِى فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيهِ إِيَّاهُ، فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنْ لَمْ
تَجِدِى إِلَّا ظِلْفًا يُحْرَفًا فَدْفَعِيْهِ إِلَيْهِ فِى يَدِهِ(٣). رواه الترمذى وابن خزيمة .
وزاد فى رواية: لَاتَرُدِّى سَائِلَكٍ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ. وابن حبان فى صححه ، وقال
الترمذى: حديث حسن صحيح. [الظلف]: بكسر الظاء المعجمة للبقر والغم بمنزلة الحافر للفرس.
٥٠ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال : قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
نَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَمَبَدَ اللهَ فِى صَوْمَعَةٍ (٤) سِعِينَ عَمًا، فَأُمْطِرَتِ الْأرْضُ
فَاخْضَرَّتْ، فَأَخْرَفَ (٥) الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ ، فَقَالَ: لَوْ نَزَلْتُ فَذَ كَرْتُ اللهَ،
غَزْ دَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهُ رَغِيفٌ، أَوْ رَغِيفَنِ فَبَيْنَا هُوَ فِى الْأَرْضِ لِقِيَّتَهُ امْرَأَةٌ
فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُ حَتٍَّ غَشِيَهَا(٦)، ثُمَّ أُعِْىَ عَلَيْهِ، فَزَلَ الْغَدِيرَ يَسْتَحِمُّ،
(١) طاقة، أى إخراج شىء من قليل بمعنى أن الإنسان يرى نفسه فقيراً، ولكن يجود من القليل ابتغاء
نواب الله وكرمه، وانتظار فضله، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بإعطاء الصدقة من يهمك أمره. بفتح الجيم وضمها
غ ٣٠١. (٢) يبين لك صلى الله عليه وسلم ثواب الصدقة الخارجة من مال العقير يضاعف أجرها مئات لأن الغنى يجود
عن سعة وينفق عن كثرة، ولكن العقير يدعوه إيمانه بربه إلى الإنفاق، وينتظر رزق الله.
... (٣) معناه قدمى للسائل ماوجد ولو قل، فثوابك مضاعف. (٤) مكان عبادة النصارى.
(٥) نظر إليها. (٦) تقرب إليها وجامعها، يبين صلى الله عليه وسلم أن الصدقة برغيف أو رغيفين
كانت سبب زيادة الحسنات ، فرجحت كفة الصدقة أمام الفاحشة ، وتجلى عليه ربه بالرضوان والرحمة ؛ وعنا
عنه، وإن تعجب فعجب طاعة ستين سنة أمام هذه الكبيرة تضاءل وزنها، وخف حجمها ، ولم تنفعه جزاء
ارتكابه هذه الموبقة، ولكن عاطفة الإحسان لله فى محة أدخلته فى جنة الله، وطاشت دونها هذه الكبيرة

٢٤
الصدقة تطفئ الخطايا ولو عظمت
فَجَاءَ سَائٌِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيفَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ فَوُزِنَتْ عِبَادَةُ سِفِينَ سَنَةً بِلْكَ.
الزَّنْيَةِ فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بِحَسَنَةٍ، ثُمَّ وُضِعَ الرَّغِيفُ أَوِ الرَّغِيفَنِ مَعَ حَسَنَاتِهِ، فَرَ جَحَتْ
حَسَنَتُهُ فَغْفِرَ لَهُ . رواه ابن حبان فى صحيحه، ورواه البيهقى عن ابن مسعود موقوفاًعليه، ولفظه:
إِنَّ رَاهِبَاً عَبَدَ اللهَ فِى صَوْمَعَتِهِ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَرَلَتْ إِلَى جَنْبِهِ، فَنزَلَ
إِلَيْهَا فَوَاقَهَاَ سِتَّ لَيٍَ، ثُمَّ سُقِطَ (١) فِى يَدِهِ فَهَرَبَ فَتَى مَسْجِدًا فَأَوَى فِيهِ ثَلاَثًا لَا يَطْعَمُ
وفيه الحث على الصدقه، والتباعد عن الفاحشة، وانتظار ثواب الله، ووجود خشيته ، والطمع فى جزائه
قال تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم
وأصلح بالهم) ٢ من سورة القتال. قال البيضاوى: يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم
(كفر عنهم سيئانهم): سترها بالإيمان وعملهم الصالح. (وأصلح بالهم ) حالهم فى الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد
وقال تعالى مبينا حال الدنيا وأن الزكاة جزء من المال، وفيها الخير كله: ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن
تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ٣٧ إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضفانكم ٣٨
هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأتم
الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالك) ٣٩ من سورة القتال ( أجوركم ) ثواب إيمانكم
وتقواكم ( ولا يسألكم أموالكم) أى جميع أموالكم بل يقتصر على جزء منها يسير كربع العشر أو العشر
( فيحفكم): فيجهدكم بطلب الكل. ( تبخلوا) فلا تعطوا، ويخرج الله تعالى بالزكاة الأحقاد ويزيل الشقاق.
إن عبادة ذلك الرجل قاصرة عليه لا يتعدى ثوابها لغيره، وهى لغنى حميد سبحانه فلم تنفع إزاء معصية حاسبه الله
عليها ولكن مر بخاطره الكريم وعلاج البخل، والتحلى بالجود والسخاء : فتصدق برغيف أو اثنين، فقبل
الله صدقته فضاعف ثوابه، فثقل ميزانه، فرجحت عن الفاحشة، فغفر الله له.
(١) ندم واستغفر وأقر بذنبه فعفا الله عنه ومتعه بفضله. قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم
وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم ٢٢ ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله بسير
٢٣ لكيلا تأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال لغور ٢٤ الذين يبخلون ويأمرون
الناس بالبخل ومن يتولى فإن الله هو الغنى الحميد ) ٢٥ من سورة الحديد. ( مصيبة) كجدب وعامة في الأرض
( ولا فى أنفسكم) كمرض وآفة إلا مكتوبة فى اللوح المحفوظ مثبتة فى علم الله تعالى، (نبرأها): نخلقها -
والضمير الأرض أو للمعصية أو للأنفس. (بما آتاكم) بما أعطاكم الله منها فإن من علم أن الكل مقدرمان
عليه الأه، والمراد به فى الأسى المانع عن التسليم لأمر الله، والفرح الموجب البطر والاختيال. والمختال
بالمال يضن به غالباً، ومن يعرض عن الإنفاق ،فإن الله غنى عنه وعن إنفاقه، محمود فى ذاته لا يضره الإعراض
عن شكره : ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه، وفيه تهديد، وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق
اهـ بيضاوى .
آمنت بالله واعتقدت أن الصدقة تنفع صاحبها، وتكون سبب غفران ذنوبه وزيادة رزقه :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
فوائد الصدقة كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم
أولا : تنمية ثواب الصدقة وزيادة أجرها وادخارها عند الغنى الوهاب (يقبلها بيمينه ثم يربيها )

٢٥
الصدقة تكفر الذنوب ولو عظمت
شَيْئًا، فَأُتِىَ بِرَغِيفٍ فَكَسَرَهُ فَأَعْطَى رَجُلًا عَنْ يَمِينِهِ نِصْفَهُ، وَأَعْطَى آخَرَ عَنْ يَسَارِهِ نِصْفَهُ
ثانياً: يضع اللّه البركة فى المبال الباقى، ويبعد عنه المصائب، ويريده ماء وربما ( مانقصت صدقة من
م، ل ) .
ثالثاً: الصدقة سبب زيادة الرزق ونصر الله وعنايته بالمتصدق (ترزقوا وتنصروا وتجبروا).
رابعاً : يسخر الله للمتصدق مايفيده من سقى أرض ومساعدة ووجود مال ومحبة الأصدقاء (اسق حديقة
فلان ) وفيه يبارك الله فى ماء الأنهار لتروى الأرض المزكاة. خامساً: تبعد صاحبها عن النار، وتفك عنه ضيق
الدنيا والآخرة (اتقوا النار ولو بشق تمرة). سادساً: الصدقة تزيل الخطايا وتغسل صحيفة صاحبها من الأدناس
وتطبرها من الذنوب (تطفئ الخطيئة). وقد أعلمنا قائد الحكمة، ومبعث الرحمة عابداً راهباً أخطأ فأخش
فلم ينفعه عمله إلا صدقة رغيف أو رغيفين أطفأت خطيئته ( رجح الرغيف) . سابعا : الصدقة تصد الرزايا ،
وتمنع الحوادث، وتجلب حسن الخاتمة، فيموت المحسن على فراشه مبشراً بنعيم إبته لا يموت برصاص ، ولا
يقتله قاتل ، ولا يحسد، ولا يدم، ولا يقتل مؤامرة، ولا يعاكس، (وتدفع سبعين بابا من ميتة السوء)
كالحسد والكيد والدس والتآمر والفقر وموت البغتة، وهكذا من العواقب القبيحة الرذيلة السيئة .
ثامناً : الصدقة درع قوى يلبسه المحسن فيقيه عاديات الدهر وحوادث الزمان ( جنة تفشى أنامله وتعفو
أثره). تاسعاً: الصدقة كشجرة يستظل بها المحسن: ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت
من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه وانته رءوف بالعباد) ٣١ من سورة آل عمران
((ظل المؤمن يوم القيامة صدقته)) عاشراً: الصدقة تهدم حصون الشياطين، وتكر أثيابهم، وتحطم قيوده
وترد كيدهم ، وتصد بغيهم. (بفك عنها لحيا سبعين شيطاناً) المعنى أن الشيطان يضع أنيابه ولحيه عند ما بهم.
المتصدق أن ينفذ الإنفاق فيوسوس له بالبخل والشح والفاقة، وعدم احتياج هذا السائل ، وهكذا من الغواية
فمن تصدق فك أغلاله، وأزال وساوسه، وأنفق لله، حماه الله من أذاثم، ووقاء شرورهم، وحفظه من
إضلاله وأحد عنه أضراره. قال تعالى يحكى عن الشيطان: (قال فيما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم ١٦
ثم لآ تينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائكم ولا تجد أكثرهم شاكرين ١٧ قال اخرج
منها مذموماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) ١٨ من سورة الأعراف .
أحد عشر : الصدقة تضع البركة فى العهر بإذن الله تعالى، وتجلب الصحة، وتدعو إلى الوئام ، وتجلب
محبة الناس ، وتقيم حصونا منيعة من قلوب الفقراء ليحفظوه بأنفسهم، وليدعوا له بخير ، وايصدواعنه كل
باغ، ويحرسوه ويتمنوا خدمته وراحته (صدقة المسلم تزيد فى العمر) .
وإليك أيها الأخ أقدم آية عزاء يوم الاحتضار تبلغ النفس أعالى الصدر (التراقى) وتقول ملائكة الموت
أيكم يرقى بروحه (ويظن) المحتضر (الفراق) وتفتوى ساقه بساقه، فلا يقدر على تحريكهما، أو شدة فراق
الدنيا بشدة خوف الآخرة . لماذا؟ لأنه كان لايتصدق ، ولا يزكى ماله، ولا يؤدى حقوق الله من صلاة وغيرها
ومصداق ذلك قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة ٢٣ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها
فاقرة كلا إذا بلغت التراقى وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق فلا
صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) ٣٢ من سورة القيامة.
(ناضرة) بهية متهللة. (ناظرة) : مستغرفة مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ، أو منتظرة إنعامه .
(باسرة): شديدة العبوس. ( فاقرة): داسية تكسر الفقار. (المساق): سوقه إلى الله تعالى وحكمه.
إن شاهدنا : (فلا صدق): أى حال ذلك الرجل مؤلم لأنه كان بخيلا وشحيحاً لم يزك ولم يصل.
اللهم بلغنا رضاك لفراك .
الإنفاق خصلة الأبرار
ولقد أجمع العقلاء على حقارة الدنيا، ورغب عنها المتقون الذين استبدلوا بحبها طاعة الله وأنفقوا فقال:

٢٦
الصدقة تكفر الذنوب ولو عظمت
فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكَ المَوْتِ فَقَبَضَ رُوحَهُ فَوُضِعَتِ السُّونَ فِى كِفَّةٍ، وَوُضِعَتِ السََّّةُ فِى كِفَّةٍ
الجنة، وفازوا بالتمتع بالأزواج المطهرة الحسان، وأحاطتهم رحمة الله، وعمهم رضوانه مع الأبرار الصالحين
واللّه تعالى يعنيهم بقوله: ( الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ١٧ الصابرين
والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ) ١٨ من سورة آل عمران.
قال البيضاوى: حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل، وإما
طلب والتوسل إما بالنفس، وهو منعها عن الرذائل ، وحبسها على الفضائل ، والصر يشملها ، وإما بالبدن
وهو إما قولى: وهو الصدق، وإما فعلى، وهو القنوت الذى هو ملازمة الطاعة وإما بالمال، وهو الإنفاق
في سبيل الخير، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتخصيص الأسعار لأن الدعاء
فيها أقرب إلى الإجابة لأن العبادة حينئذ أشق، والنفس أصفى والروع أجمع سيما للمجتهدين ، قيل إنهم كانوا
يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون . اهـ بيضاوى ص ٩٣ .
وقد عد الله الإنفاق من صفات المؤمنين فى قوله تبارك وتعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم
الله إن الله عزيز حكيم ٧٢ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن
طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) ٧٣ من سورة التوبة .
(عزيز) : غالب على كل شىء لا يمتنع عليه ما يريده. (حكيم): يضع الأشياء فى مواضعها . (طيبة) :
تستطيبها النفس أو يطيب فيها العيش، وفى الحديث ((إنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر)).
فأنت ترى المفقين والمزكين معدودين فى صفوف العظماء الأبطال الذين رضى المه عنهم وأرضاهم ، خظوا
نعيم جنته (ورضوان من الله أكبر) لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة، والمؤدى إلى نيل الوصول ، والفوز
باللقاء إذ يتجلى الخالق العظيم جل وعلاويقول ((أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) حديث شريف.
الصدقة من العمل الصالح ، وقد قال تعالى :
١ - ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله
له رزقا) ١٢ من سورة الطلاق، وقد أخبر سبحانه وتعالى عن المنافقين الفاسقين البخلاء الذين
يحضون الأنصار على عدم الإنفاق .
ب - (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن
المنافقين لا يفقهون ) ٨ سورة المنافقون. سبحانه بيده الأرزاق والقسم.
ج - ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله
جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) ١٠ من سورة التغابن.
( ليوم الجمع ) : الحساب والجزاء. (التغابن): يغبن فيه بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء
أو كانوا سعداء وبالعكس مستعار من تغابن التجار اه بيضاوى. بمعنى أن الكفار بأخذون منازل المؤمنين
فى النار لو ماتوا كفاراً، ويغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم فى الجنة لو آمنوا، والتفابن ليس على بابه
لأن هذا سرور للمؤمنين ، والله أعلم :
ولا يحض على طعام المسكين
إن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل، وقسوة القلب، وهذه عبارة البيضاوى
يفسر حال رجل قدم كتابه بشماله فعذب عذاباً عسيرا لماذا؟ لسببين:
- لا يؤمن بالله .

٠٫٠
الصدقة تكفر الذنوب ولو عظمت
٢٧
فَرَجَحَتْ، ◌َعْنِىِ السَّنَّةَ، ثُمَّ وُضِيعَ الرَّغِيفُ، فَرَجَحَ، يَعْنِى رَجَحَ الرَّغِيفُ السِّنَّةَ .
ب - لا يحث على بذل طعام المسكين أو إطعامه .
نعوذ بالله من مال وراءه العقاب، وجر المصائب والويلات لأن صاحبه بخيل وفى الحقوق شحيح فكل
عمله قبيح وعاقبته سيئة، ولن تجد أصدق حديثا من كلام اللّه تعالى مبينا حال المؤمنين الصالحين وحال الفاسقين
الكافرين العصاة المذنبين. قل عز شأنه: (فأما من أولى كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرء واكتابيه ٢٠ إلى
ظننت أنى ملاق حسابيه فهو فى عيشة راضية فىجنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم فى الأيام
الحالية ، وأما من أوفى كتابه بشماله فيقول ياليتنى لم أوت كتابيه ولم أدرما حسابيه ياليتها كانت القاضية ما أغنى
عنى ماليه هلك عنى سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان
لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا
الخاطئون) ٣٨ من سورة الحافة. ( ماليه): أى مالى وما يتبعنى. ( سلطانيه): حجتى التى كنت أحتج
بها فى الدنيا، أو ملكى وتسلطى على الناس . (فاسلكوه) فأدخلوه فيها بأن تلقوها على جسده ، وهو فيما
بينها مرهق لا يقدر على حركة . قال الصاوى كأنه قيل: ما باله يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب: لا يؤمن
بالله، ولا يحضى . وقال البيضاوى: تعليل على طريقة الاستئناف للمبالغة، وذكر العظيم للإشعار بأنه هو
المستحق للعظمة فمن تعظم فيها استوجب ذلك، ولا يحض، ويجوز أن يكون ذكر الحض للاشعار بأن تارك
الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل. وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع . اهـ بيضاوى ص ٧٨٦
(حميم): قريب يحميه. (غسلين) غسالة أهل النار وصديدهم. (الخاطئون): أصحاب الخطايا، من خطئء
الرجل إذا تعمد الذنب ، لامن الخطأ المضاد للصواب .
إن شاهدنا : (ولا يحض ) فكأن البخيل يأمر الناس بالبخل ومتخلق بأخلاق الكفار فيعذبه الله انتقاما
منه على تقصيره فى الإنفاق لله، وياليته يسكت بل يدعو إلى القشبه به ليكون قدوة سيئة فى الإجرام والإعار
وأداة مع ، وباب شر وطريق ضر، وبوق حرمان، وقد قال الإمام على كرم الموجهه: ألا أنبئكم بالعالم
كل العالم من لم يزين لعباد الله معاصى الله، ولم يؤمنهم مكره، ولم يؤيسهم من روحه: أى العالم الكامل
علماً من دعا إلى الله، وحذر الناس من الوقوع فى المناعى، ولم يقطع أملهم من رحمته، وقال الشاعر:
ولا تلوح سمات الشر في خالى
فما يمر خيال الغدر فى خلدى
مأمونة ولسانى غير ختال
قلبى سليم ونفسى حرة ويدى
انصف المنفقون بمكارم الأخلاق كما أخبر الله تعالي فى كتابه العزيز
اقرأ سورة المعارج تجد قوله تبارك وتعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً ٢٠ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه
الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) ٢٦
( ملوعا ): شديد الحرص قليل الصبر. (الشر) الضر، يجزع ويتكدر ويضجر. (الخير): السعة
والخيرات، يبالغ بالإمساك والبخل :
قال البيضاوى : طبائع جبل الإنسان عليها، ثم استثنى سبحانه قيل المضادة تلك الصفات لها من حيث إنها
دالة على الاستغراق فى طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء ، والخوف من العقوبة، وكسر
الشهوة ، وإيثار الآجل على العاجل، ونلك ناشئة من الانهماك فى حب العاجل ، وقصور النظر عليها .
اندرج المنفقون فيمن كملهم الله بتوفيقه، فأدركوا لذة طاعة الله فى الجود ، وتشييد الصالحات بالإنفاق ،
فتتزهوا عن الدناءة، والأخلاق الذميمة، وسمت صفاتهم الحميدة؛ وعملوا بآداب الله بتنفيذ أوامره، واتباع
الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو لنا قدوة حسنة.

٢٨
فضل الصدقة
٥١ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْفِىِّ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَبِ النَِّىِّ
انتقل بعد ذلك إلى قراءة سورة ( المؤمنون) تجد استدراج اللّه تعالى للأغنياء، والتنبيه على أن المال
والبنين إمداد من الله، وليس فيهما دليل على مسارعة الخير. قال جل شأنه: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال
وبنين ٥٦ نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون ٥٧ إن الذين ثم من خشية ربهم مشفقون ٥٨ والذين ثم
بآيات ربهم يؤمنون ٥٩ والذين ثم بربهم لا يشركون ٦٠ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم
راجعون ٦١ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ٦٢ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق
بالحق وهم لا يظلمون ) ٦٣ من سورة المؤمنون .
(أنما نمدهم ) : أى أن ما عطيهم ونجعله لهم مدداً، والخير غير معاقب عليه، وإنما المعاتب عليه اعتقاده.
أن ذلك خير لهم - وهذا فى الكفار ، ولكن أريد أن أشبه البخيل غير النفق فى مشروعات الخيرباً ولفك
الذين قست قلوبهم لخلت من الإيمان بالله المعطى المخلف. (مشفقون): حذرون خائفون من عذاب الله،
وإن شاهدنا : ( والذين يؤتون ما آتوا ): أى يعطون ما أعطوه من الصدقات، وقرىء: ( يأتون ماأتوا).
أى يفعلون مافعلوا من الطاعات ، وقلوبهم خائفة أن لايقبل منهم، وأن لا يقع على الوجه اللائق، فيؤاخذ به
(يسارعون) : أى يرغبون فى الطاعات أشد الرغبة ، فيبادرون بها ، أو يسارعون فى نيل الخيرات الدنيوية
الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى: ( فآتاهم الله ثواب الدنيا) فيكون إثباتا لهم مانفى عن.
أضدادهم. ( سابقون ) لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعة، أو الثواب ، أو الجنة.
( وسعها ): قدر طاقتها. يريد به التحريض على ماوصف به الصالحين، وتسهيله على النفوس (كتاب ):
يريد به اللوح، أو صحيفة الأعمال. ( بالحق ): بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع. ( لا يظلمون) :
بزيادة عقاب، أو بنقصان ثواب اهـ بيضاوى. وهل تجد أسمى صفة من الإقدام على الإنفاق ثقة بالله واعتقاد:
بحسن جزائه سبحانه وتعالى .
اعتراف أهل سقر بأعذارم منها: ولم نك نطعم المسكين
يفصل اللّه بين الخلائق فيذهب العصاة والكفرة الفسقة إلى جهنم ، فيتحادث المجرمون : ماستككم فى
سقر ٤٣ قالوا لم نك من المصلين ٤٤ ولم نك نطعم المسكين ٤٥ وكنا نخوض مع الخائضين ٤٦ وكنانكذب
بيوم الدين ٤٧ حتى أتانا اليقين ٤٨ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ٤٩ من سورة المدثر .
أيها المسلم: هذا إقرار من الجهنميين ، وكان من صفاتهم البخل وانعدام الخير منهم ، ولا يعطون الفقراء
١ - لا يؤدون الصلاة الواجبة .
ب - ولا يؤدون مايجب إعطاؤه .
ج - يشرعون فى الباطل ( مع الخائضين ): الشارعين فيه.
د - يكذبون بيوم القيامة .
أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعمون الطعام على حبه
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى فى الكرم والقدوة الحسنة فى الإنفاق فلا غرو أن يظهر
أثر تعاليمه فى أهله وأقربائه . قال البيضاوى فى تفسيره :
وعن ابن عباس رضى اللهعنهما: أن الحسن والحسين رضى اللهعنهما مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى ناس ، فقالوا: لو نذرت على ولديك، فنذر على وفاطمة رضى الله عنهما صوم ثلاث إن برئًا
فشفيا، وما معهم شىء، فاستقرض على من ( شمعون الخبرى ) ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا
واختبرت خمسة أقراص ، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم مسكين ، فآثروه ، وباتوا ولميذوقوا

٢٩
الترغيب فى صدقة السر
صلى اللهُ عليه وسلم يُقَالُ لَهُ خَصْفَةُ بْنُ خَصْفَةَ: فَجَعَلَ يَغْظُرُ إِلَى رَجُلٍ سَمِينٍ، فَقُلْتُ لَهُ:
مَتَنْظُرُ إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ: ذَكَرْتُ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الشَّدِيدِ؟ قُلْنَا: الرَّجُلُ يَصْرَعُ الرَّجُلَ. قالَ: إِنَّ الَّدِيدَ كُلّ
الشَّدِيدِ الَّذِىِ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، تَدْرُونَ مَا الرَّقُوبُ ؟ قُلْفَ: الرَّجُلُ الَّذِى لَا يُولَدُ
لَهُ . قالَ: إِنَّ الرَّقُوبَ الرَّجُلُ الَّذِىِ لَهُ الْوَلَدُ، لَمْ(١) بِقَدُّمْ مِنْهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: تَدْرُونَ
مَ الُّعْلُوكُ ؟ قالَ قُلْنَا: الرَّجُلُ الَّذِىِ لَا مَلَ لَهُ؟ قالَ : إِنَّ الصُّعْلُوكَ كُلَّ الصُّعْلُوكِ
الَّذِي لَهُ الْمَالُ لَمْ يُقَدِّمْ مِنْهُ شَيْتًا . رواه البيهقي وينظر سنده.
[ قال الحافظ]: ويأتى إن شاء الله تعالى فى كتاب الملبس: باب فى الصدقة على الفقير
بما يلبسه .
الترغيب فی صدقة السر
١ - عَنْ أَبِى حُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يقيم فآ ثروه، ثم وقف عليهم فى الثالثة
أسير، ففعلوا مثل ذلك، فنزل جبريل عليه السلام بهذه السورة، وقال: خذها يامحمد هناك اللّه فى أهل بيتك
قال تعالى : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا
يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم
لوجه الله لانريد منكم جزاء ولاشكورا. إناتخاف من ربنا يوماً عبوساً فيمطريرا. فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقائم
نضرة وسرورا . وجزاهم بماصبروا جنة وحريرا. متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولازمهريرا . ودانية
عليهم فثلالها وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآ نية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة قدروها
تقديرا. ويسقون فيها كأساً كان مزاجهازنجبيلا. عيناًفيها تسمى سلسبيلا. ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم
حسبتهم لؤلؤا منشورا. وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا . عاليهم غياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور
من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) ٥ - ٢٢ من سورة الدهر.
فهل تقتدى أيها المؤمن بأولئك الكرام الذين جادوا من قلة وأنفقوا فى ضيق اعتماداً على المه، ورجاء
رحمته ورضوا)). وقال الصاوى فى تفسير: (ويطعمون الطعام) نزلت فى على بن أبى طالب وأهل بيته، وذلك
أنه أجر نفسه ليلة ليسقى نخلا بشىء من شعير حتى أصبح، وقبض الشعير ، وطعنوا ثلثه ، فجعلوا منه شيئاً
ليأكلوه يقال له الحريرة، فل) تم نضجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام إلى آخره (على حبه) أى مع حبه
وشهوته ، ففيه إيثار على النفس، ويصح رجوع الضمير لله: أى على حب الله: أى لوجهه وابتغاء رضوانه،
وخص الثلاثة لأنهم من العواجز المعدمين الكسب ام. والأسير المحبوس بحق: أى وأولى المحبوس بباطل،
وعلى رضى الله عنه سأله سائل وهو راكع فى صلاته نطرح لهخاتمه (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فى الصلاة
حرصاً على الإحسان ومسارعة إليه. قال البيضاوى: نزلت فى على رضى الله عنه اه ( إنما وليكم اللهورسوله
والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) الآية .
(١) فى د: ط ولم ص ٣٠٢.

٢٠
ممن يظلهم الله تعالى يوم القيامة رجل تصدق سرا
يَقُولُ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَاظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَبٌّ نَثَأَ فِى عِبَادَةٍ
اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا فى اللهِ اجْتَمَعَاَ عَلَى ذَلِكَ
وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَالِ فَقَالَ: إِنِى أَخَفُ اللهَ، وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَهَا حَتَّى لَتَعْلَمُ(١) شِمَالُهُ مَأَ تُنْفِقُ يَمِنُهُ، وَرَجُلٌ ذَكُّرَ اللهَ خَلِيًا
فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة هكذا، ورويناه أيضا، ومالك والترمذى
عن أبى هريرة ، أو أبى سعيد على الشك .
٢ - وَرُوِىَ عَنْ أَنَسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : فالَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
لَّا خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُوَنَكَفَّا فَأَرْسَهَ بِالْجِبَالِ فَاسْتَقَرَّتْ فَمَجِبَتِ المَلائِكَةَ
مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ، فَقَالَتْ: يَا رَبَّنَاَ! هَلْ خَلَقْتَ خَلْقاً أَشَدَّ مِنَ الْجِبَالِ ؟ قالَ: نَعَمْ الحَدِيدَ
قالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقَا أَشَدَّ مِنَ الْدِيدِ؟ قالَ: النَّارَ. قالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقَاً أَشَدَّ مِن
النَّارِ؟ قالَ: المَاءَ. قالُوا: فَهَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا أَشَدَّ مِنَ المَاءِ ؟ قالَ: الرِّيحَ قَالُوا : فَهَلْ
خَلَقْتَ خَلْقًا أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ؟ قالَ: ابْنَ آدَمَ إِذَا تَصَدَّفَ بِصَدَقَةٍ بِوَمِينِهِ فَأَخْفَهَا مِنْ شِمَلِهِ
رواه الترمذى واللفظ له ، والبيهقى وغيرهما ، وقال الترمذي : حديث غريب .
٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَّةَ بْنِ حَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ : إِنَ
صَدَقَةَ السِّرِّ تُغْفِىُّ غَضَبَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَلَى. رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه: صدقة
ابن عبد الله السمين ، ولا بأس به فى الشواهد .
٤ - وَعَنْ أَبِى أُمَمَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ: فَفِى مَصَارِعَ الأُّوءِ، وَصَدَقَةُ السَّرِّ: تُطْفِىُّ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَّةٌ
الرَّحِمِ(٢): تَزِيدُ فِى الْعُمُرِ (٣) . رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد حسن.
(١) بضم الميم كذا ع ص ٣٠٢ لأن المعنى الحال .
(٢) زيارة الأقارب ومودتهم ومحبتهم ، وإرسال هدايا لهم وبرهم.
(٣) تضع البركة فى العمر، وتجلب الواصل الصحة وتمام العافية، ويحفظ لله وقته فينفقه فى طاعة وعمل
صالح ، ويقيه الله السوء، ويبعد عنه المصائب، ويوسع له فى رزقه، وفى جواهر البخارى شرح قوله صلى الله
عليه وسلم: ((من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له فى أثره، فليصل رحمه)) ص ٨٦.
فقلت ما يأتى : أى كل ذى رحم محرم ، أو الوارث أو القريب ، وقد تكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة.
واستشكل هذا مع حديث آخر: ((كتب رزقه وأجله فى بطن أمه)) والجواب أن معنى البسط فى الرزق البركة

٣١
صدقة السر تطفىء غضب الرب
٠ ٥ - وَرُوِىَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلم:
فيه إذ الصلة صدقة، وهى تربى المال، وتزيد فيه فينموبها، وفى العمر حصول القوة فى الجسد أو يبقى ثناؤه
الجميل على الألسنة ، فكأنه لم يمت ، وبأنه يجوز أن يكتب فى بطن أمه إن وصل رحمه فرزقه وأجله كذا وإن
لم يصل فكذا .
وفى كتاب الترغيب والترهيب عن عمروبن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الإنسان ليصل
وجه، وما يقى من عمره إلا ثلاثة أيام فيزيد الله تعالى فى عمره ثلاثين سنة، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقى من
عمره ثلاثون سنة، فينقص الله تعالى عمره حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة أيام، ومن حديث إسماعيل بن عياش عن داود
ابن عيسى قال : مكتوب فى التوراة: صلة الرحم، وحسن الخلق، وبر القرابة يعمر الدار ، ويكثر الأموال،
ويزيد فى الآجال ، وإن كان القوم كفارا والبركة فى العمر بسبب التوفيق فى الطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه
فى الآخرة، ويرزق ذرية صالحة يدعون له من بعده، وقد علم الله سبحانه وتعالى بما سيقع من ذلك والزيادة
فى قدر الله مستحيلة، وتتصور الزيادة بالنسبة للمخلوقين، وعلم اللّه تعالى لانفاد له ، ومعلوماته لانهاية لها،
وكل يوم هو فى شأن . انتهى من شرح القسطلانى .
وقديما تفنن الشعراء فى وصف تحمل الأقارب لله، وللمودة رجاء إدامة المحبة . قال معن بن أوس:
بحلمى عنه وهو ليس له حلم
وكالموت عندى أن يحل به الرغم
وليس له بالصفح عن ذنبه علم
سهام عدو يستهاض بها العظم
وما تستوى حرب الأقارب والسلم
على سهمه ما دام فى كفه السهم
وليس له عندى هوان ولا شتم
قطيعتها تلك السفاهة والأثم
ويدعو لحكم جائر غيره الحكم
رعايتها حق وتعطيلها ظلم
بوسم شنار لايشابهه وسم
وليس الذى يبنى كمن شأنه الهدم
وأكره جهدى أن يخالطه العدم
وما إن له فيها سناء ولا غم
عليه كما تحنو على الولد الأم
وذى رحم قامت أظفار ضفنه
يحاول رغمى لايحاول غيره
فإن أعف عنه أغض عيناً على قذى
وإن أنتصر منه أكن مثل رائش
صبرت على ما كان بينى وبينه
وبادرت منه النأى والمرء قادر
ويشتم عرضى فى المغيب جاهدا
إذا سمته وصل القرابة سامنى
وإن أدعه للنصف يأب ويعصنى
فلولا اتقاء اللّه والرحم التى
إذا لعلاه بارقى وخطمته
ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحى
يود لو أنى معدم ذو خصاصة
ويعتد غنما فى الحوادث نكبتى
فما زلت فى لينى له وتعطفى
زاد ابن الاعرابى :
وخفضى له منى الجناح تألفاً
وقولى إذا أخشى عليه مصيبة
وصبرى على أشياء منه تريبنى
لأستل منه الضغن حتى استللته
رأيت اشلاماً بينا فرقعته
وأبرأت غل الصدر منه توسعاً
فداويته حتى ارفأن نفاره
لتدنيه منى" القرابة والرحم
ألا أسلم فداك الحال ذو العقد والعم
وكتظمى على غيفى وقد ينفع الكظم
وقد كان ذا ضغن يضيق به الجرم
برقعى وإحياتى وقد يرقع الثلم
بحلمى كما يشفى بالأدوية الكلم
فعدنا كأنالم يكن بيننا صرم

٣٢
الصدقة خفيا تطفىء غضب الرب
صَنَائِعُ الَعْرُوفِ: تَقِى مَصَارِعَ الُّوءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا (١): تُطٍِ(٢) غَضَبَ الرَّبِّ،
وَصِلَّةُ الرَّحِمِ: تَزِيدُ فى الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ(٢) صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ المَعْرُوفِ فىِ الدُّنْيَا
هُمْ أَهْلُ الَعْرُوفِ (٤) فِى الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ المُفْكَرِ (٥) فى الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمُفْكَرِ (٦)
فى الآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ المَعْرُوفِ . رواه الطبرانى فى الأوسط .
٦ - وَعَنْ أَبِى أُمَمَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ أَبَ ذَرِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: مَا الصَّدَقَةُ؟
قالَ: أَضْعَفٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللهِ الْمَزِيدُ، ثُمَّ قَرَأَ: مَنْ ذَا الَّذِى يُغْرِضُ اللّهَ قَرْضً حَسَنَاً
فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَفَا كَثِرَةً. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قالَ: سِرٌّ إِلَى فَقِيرِ
أَوْ جَهْدٍ مِنْ مُقِلِّ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَتِ (٧) فَنِعِمَّا هِيَ الآية. رواه أحمد مطولا
والطبرانى واللفظ له، وفى إسنادها علىّ بن يزيد.
٧ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّيَّ صلى اللهُ عليه وَسلم قالَ: ثَلاَثَةٌ يُحِبُّهُمُ
اللهُ، وَثَلَاثَةٌ تَبْغَضُهُمُ اللهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ: فَرَجُلٌ أَلَى قَوْمًا فَتَأَلَهُمْ بِلهِ، وَكَمْ
يَسَ لْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَنَعُوهُ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ(٨) بِأَعْقَ بِهِمْ فَأَعْطَهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ
بِعَطِّيَّتِهِ إِلَّ اللهُ وَالَّذِى أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ خَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا
وأطفأ نار الحرب بينى وبينه فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
إن هذا الشاعر عالج مضض القرابة فداواها بحكم سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلة الرحم
تزيد فى العمر)) فتبدل الشقاق وفاقا والجفاء وفاء، والعداوة محبة، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث
على صلة الأرحام ، فتخلق معن بن أوس بأخلاق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحسن وأجاد قال
تعالى: ( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا
ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) ١ من سورة النساء. (نفس واحدة): آدم
(زوجها): أمكم حواء من ضلع من أضلاغه. ( تساءلون به): يسأل بعضكم بعضاً، فيقول: أسألك بالله
( والأرحام ): أى اتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها، وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه الكريم
على أن صلتها بمكان منه، وعنه عليه الصلاة والسلام: (( الرحم معلقة بالعرش تقول: ألا من وصلنى وصله
اللّه، ومن قطعنى قطعه الله)) اهـ يضاوى.
فتجد النبى صلى الله عليه وسلم دعا إلى مودة الأقرباء ليدوم الصفاء والولاء.
(١) خفية. (٢) تزيل. (٣) عمل خير فيه فائدة .
(٤) الذين علت صفاتهم، وزاد ثوابهم، وطاب نعيمهم. (٥) القبائح والشرور والبخل والأذى.
(٦) المتصفون بالرذائل يوم القيامة فيوجدون فى جهم.
(٧) قال الله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار ٢٧٠ إن
نبدوا الصدقات فتعماهى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهوخير لكم ويكفرعنكم من سيئاتكم والله بماتعملون خبير)
٢٧١٠ من سورة البقرة. (٨) المعطى سرا الله.

٣٣
ممن يبغضهم الله تعالى البخيل
يُعْدَلُ بِهِ فَوَضَمُوا رُهُوسَهُمْ، فَقَمَ يَتَّقُنِىِ(١) وَتْلُ آيَانِى، وَرَجُلٌ كَانَ فِى سَرِيَّةٍ فَلَقِىَ
الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُفْتَلَ، أَوْ يُفْتَحَ لَهُ(٢). وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمُ اللهُ
الشَّيْخُ الزَّانِ(٢) وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَلُ(٤) وَالْغَِّىُّ الظَّلُومُ(٥). رواه أبو داود، وابن خزيمة
فى صحيحه، واللفظ لهما إلا أن ابن خزيمة لم يقل فمنعوه. والنسائى ، والترمذى ذكره
فى باب كلام الحور العين وصححه، وابن حبان فى صحيحه إلا أنه قال فى آخره :
وَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الزَّابِيَ، وَالْبَخِيلَ (٦)، وَالمُتَكَبَِّ (٧) والحاكم وقال صحيح الإسناد.
(١) تجافى جنبه عن مضجعه، وذهب لعبادة الله وذكره - العدو فى ن ع القوم ض ٣٠٣.
(٢) المجاهد فى سبيل الله.
(٣) كبير السن هم، ومع ذلك يرتكب الفاحشة ، بمعنى أن عقابه أشد من غيره، رجل ضعفت قوته
- وشهوته وكبر ، ولم يكسر حدته فى الفاحشة . ٧
(٤) لايملك شيئا، ولكن يتكبر على الناس ويتجبر ويختال، والمنهى عنه الخيلاء والعجب والغطرسة
على الناس وهو محتاج .
(٥) صاحب الثروة والنعمة ولكن يتعدى على خلق الله ويسىء إليهم ويمنع حقوقهم ويضيع أموالهم
عدوانا مع أنه فى سعة يمكنه أداء الحقوق كاملة ويتجبر ويقسو ويطغى ويبغى .
(٦) ماغ الخير الشحيح ضعيف المروءة وفاقدها.
(٧) المتصف بالكبر والفظاظة والغلفة المحروم من البشاشة واللطف: أى الله يكره الهرم العاهر الدنىء
والمقتر الذى لا ينفق، والمتصف بالكبرياء.
٠
ياعجبا! رجل موسر ذو سعة نافذ الكلمة، فيميل إلى الدنيا، ويظلم ويقسو ويتجبر إن الله يكرهه ويقصيه
من رحمته ، ويسلط عليه المصائب، وبهذه المناسبة أخبرنا الله تعالى بتكبر فرعون ، فأزال ملكه.
سيدنا موسى عليه السلام يقول لفرعون: هل لك إلى أن تزكى ، ليعتبر المسلمون
قال تعالى: ( هل أتاك حديث موسى ١٥ إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى،اذهب إلى فرعون إنه طفى
فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبريسعى، فشر
فنادى، فقال أناربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى) ٢٦ من سورة النازعات
إن شاهدنا العظة من درس موسى عليه السلام لفرعون، وتكبره على الناس، فطمس الله معالمه، وضيع
ملكه ، لماذا؟ لأنه طغى وبغى، وعلا فى الأرض وأفسد ولم يؤمن بالله ورسله، ولم يعمل صالحا، وساق
الله تعالى لحبيبه هذا الحديث ليسليه على تكذيب قومه، ويعظهم أن يعتبروا، فيعملوا صالحا خشية أن يصيبهم
مثل ما أصاب من هو أعظم منهم - كذلك أدعو الناس أن يعملوا بالكتاب والسنة ويصلوا ويتصدقوا خشية
زوال هذه النعم، وانتشار نعم الله وعذابه بينهم. (تزكى ): أى هل لك ميل يافرعون إلى أن تتطبر من
الكفر، وتبتعد عن الطغيان، وتنقادلأ وامر الله، وتتجنب الظلم، وتترك الضلال والإفساد. (وأهديك إلى
ربك ): أرشدك إلى معرفته عز وجل. (فتخشى): بأداء الواجبات، وترك المحرمات إذ الخشية إنما تكون
بعد المعرفة . ( الآية ): المعجزة ، وفى قلب العصا حية ، فكذب فرعون موسى ، وعصى الله عز وجل ، ثم
أدبر عن الطاعة ساعياً فى إبطال أمره. أدبر بعد مارأى الثعبان مرعوبا مسرعا فى مشيه. (خشر ): تجمع
السحرة أو جنوده. ( الأعلى): أى كل من يلى أمركم. ( نكال الآخرة ) : الإحراق فى جهنم .
( والأولى) الإغراق فى الدنيا. قال تعالى: (آ آن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ٩١ فاليوم
(٣ - الترغيب والترهيب - ٢ )

٣٤
الترغيب فى الصدقة على الزوج والأقارب الخ
الترغيب فى الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم
١ - عَنْ زَيْذَبَ الثّقَفِيَّةِ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَالَ
ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) ٩٢ من سورة يونس.
أى أنؤمن الآن، وقد أيست من فك، ولم يبق لك اختيار. المفسدين: الضالين المضلين عن الإيمان.
( ننجيك ) : تنقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافيا، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك
بنو إسرائيل. (ببدنك ): عارياً عن الروح أو كاملا سوياً، أو عريانا من غير لباس، أو بدرعك وكانت له
درع من ذهب يعرف بها لتكون لمن وراءك علامة إذ كان فى نفوس بنى إسرائيل من عظمته ماخيل إليهم أنه
لايهلك حتى كذبوا موسى عليه الصلاة والسلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على مرهم من الساحل
أو لمن يأتى بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالا عن الطغيان،أو حجة تدلهم على أن
الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن، وكبرياء الملك مقهور ومملوك بعيد عن مظان الربوبية فقد كشف الله
تزويرك وأماط الشبهة فى أمرك وذلك دليل على كمال قدرة الخالق جل وعلا وعلمه وإرادته وإن إزالة ملك
هذا الطاغية معنى من معانى بغض الله وكراهته للظالمين، فالعدل يعمر والظلم يدمر. وقديماً قيل: العدل أساس
الملك. قال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يقبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله
إن الله لايهدى القوم الظالمين) ٥٠ من سورة القصص. أى الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك فى اتباع الهوى
فاللهم وفقنا لنتبع السيد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونترسم شرعه. وقال تعالى: (قد أفلح من زكاها. وقد
خاب من دساها ) ١١ من سورة الشمس: أى أنماها بالعلم والعمل، وفيه الحث على تكميل النفس، والالتجاء
إلى التضرع إلى الخالق جل وعلا رجاء السير على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم. (دساها): نقضها وأخفاه.
بالجهالة والفسوق .
المنفق يعطيه الله حتى يرضى ، ويعافيه من العسر ، وييسر له اليسر
تزود ياأخى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن تتعود السخاء فيزيد الله رزقك، ويقيك
المكاره ، ويعينك على طاعته، ويهيئ لك طرق السداد والرشاد، ويذلل لك سبل السعادة، ومصداق ذلك
قول الله تبارك وتعالى: (فأما من أعطى وانقى ٥ وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى
وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى. وما يغنى عنه ماله إذا تردى. إن علينا للهدى. وإن لنا الآخرة والأولى
فأنذرتكم ناراً تلظى. لا يصلاها إلا الأشقى الذى كذب وتولى. وسيجنبها الأنقى الذى يؤنى ماله يتزكى. ومالأحد
عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف يرضى)٢١ من سورة الليل: أى أعطى الطاعة وجاد
فى الخير، وأحسن إلى الفقراء، وابقى المعاصى، وخاف الله وعمل صالحاً. (بالحسنى): بكلمة التوحيد بمعنى
أنه رجا اللّه، ووثق به وخشيه. ( فسنيسره): فسنهيئه للخلة التى تؤدى إلى يسر وراحة كدخول الجنة.
( بخل): شح بما أمر به، ولم يؤد الزكاة ولم يتصدق بمعنى أنه لم يفعل الواجبات والنوافل. ( للعسرى ):
للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار . ياأخى: ثق بهذا وتصدق وافعل الخير، والله يجازيك الجزاء
الأوفى، ويزيل عنك السوء ويحفظك ويشفيك، ويلهمك الصواب والحكمة، ولقد أخبرك جل وعلا أن مالك
لا ينفعك إذا مت إلا إذا أنفقته فى مرضاة الله، وابتغاء ثوابه (تردى): هلك أو وقع فى حفرة جهم.
( البدى ): تفضل من الله جل وعلا أن يبين الإرشاد إلى الحق. (وإن لنا للآخرة والأولى): أى الله
تعالى مالك الدنيا والآخرة . يقول جلالة وعظمة : نعطى فى الدارين ما نشاء لمن نشاء، أو ثواب الهداية
( تلظى ) : تتلهب . ( لا يصلاها ): لا يلزم مقاسياً شدتها
للمهتدين ، أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء

٣٥
أمر النبى صلى الله عليه وسلم المساء بالصدقة ولو محليه
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: نَصَدَّفْنَ يَمَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حْلِيْكُنَّ، قالَتْ: فَرَجَعْتُ
( إلا الأشقي): الكافر الذى كذب الحق، وأعرض عن الطاعة والعاسق، لا يلزمها ( الأتقى): الذى اتقى
الشرك والمعاصى. ( يؤتى ماله ): يصرفه فى مصارف الخير. ( ولسوف يرضى): وعد بالثواب الذى
يرضيه، والآيات نزلت فى أبى بكر رضى الله عنه حين اشترى بلالا فى جماعة تولائم المشركون فأعتقبم)، ولذلك
قيل: المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف اه بيضاوى .
هذا أبو بكر رضى الله عنه منذ ظهر فجر الإسلام وسيرته أندى من المسك لأنه أنفق بله وأحب فى اللّه،
وهو جدير بكل ثناء ومدح .
فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل (٣)
فسر بنا فى ذمام (١) الليل معتفا (٢)
حول الكناس (٦) لها غاب (٧) من الآسل (٨)
فالحب (٤) حيث العدا(٥) والأسد راضية
ما (٩) بالكرائم من جبن ومن بخل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بهـا
حرى ونار القرى منهم على القائل (١٠)
تبيت نار الهوى منهن فى كبد
الغنى يخلد فى النعيم إذا أنفق ماله لله فى الصالحات، والمال الكثير يجر إلى المعاصى
إذا أعطى الله الإنسان مالا وفيرا فصرفه فى وجوه الخير وفى الطيبات وأدى حقوق الله فيه فاز بعز اللّه،
وتمتع بالسعادة فى حياته ومماته . أما إذا بخل، وقصر فى الزكاة، و أى عن الصدقات جرى مضاره فى شهواته
وضيعه فى الموبقات وارتكب به الخطايا ، وامتلأت مجالسه بالغيبة والنميمة ، وباء بالخسران ، وقد أخبرنا
سبحانه وتعالى عن (الأخفس بن شريق) وكان مغياباً، أو ( الوليد بن المغيرة) واغتيابه رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قال تعالى :
١ - (ويل لشكل همزة لمزة. الذى جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده. كا لينبذن فى الخطمة) ٤ من سورة
الهمزة الهمز: الكسر كالهزم، واللمز: الطعن فشاءا فى الكسر من أعراض الناس، والطعن فيهم. (وعدده)
أى جعله عدة النوازل أو عده مرة بعد أخرى. (أخاده): تركه خالداً فى الدنيا فأحبه كما يحب الخلود ، أو
حب المال أغفله عن الموت ،أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد ، فعمل عمل من لا يظن الموت، وفيه تعريض
بأن المخلد هو السعى للآخرة. (كلا): ردع له عن حسبانه. (لينبذن فى الحطمة"): ليطرحن فى النار
التى من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها .
وشاهدنا رجل ثرى اغتر بكثرة ماله فطغى وبغى واغتاب ونم ، وعادى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يؤمن به صلى الله عليه وسلم، ولم يعمل صالحا فاستحب عذاب الله. (وما أدراك ما الخطمة نار الله الموقدة التى
تعالى على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة فى عمد ممددة) من سورة الهمزة. (تطلع على الأفئدة ): تعلو أوساط
القلوب لأنها محل العقائد الزائغة، ومنشأ الأعمال القبيحة. ( مؤصدة): مطبقة وموثقين فى أعمدة ممدودة مثل
المقاعطر التى تقطر فيها اللصوص اهـ بيضاوى .
انتقل أيها الأخ إلى سيرة أبي له، فإن) صلى الله عليه وسلم جمع أقاربه كما أمره سبحانه وتعالى: (وأنذر
عشيرتك الأقربين ) فأنذرثم ، فقال أبو لهب: تبالك أهذا دعوتنا؟ وأخذ حجراً ليرميه به فلزات.
(١) كفالة وضماة. (٢) سالكا طريقاً من غير دليل. (٣) رائحتهم الذكية تدلنا على بيوتهم.
(٤) المحبوب. (٥) مبتدأ والخبر محذوف أى به. (٦) موضع الظبى فى الشجر. (٧) أجمه .
(٨) الشجر الطويل. صلى الله عليه يامن صاحبت فأحبيت وأثمرت وأعليت. (٩) فاعل زاد.
(١٠) أعالي الجبال.

٣٦
فضل الصدقة على الأقارب
إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ فَائْتِ فَاسْأَ لْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِى وَ إِلَ صَرَ فْتُهَا إِلَى
غَيْرِكُمُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بَلٍ أَثْتِهِ أَنْتِ ، فَنْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَمْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيَبِ رَسُولٍ
اللهِ صلى الله عليه وَسمِ مِثْلُ(١) حَاجَتِهَاَ حَاجَتٍ، وَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلْفِيَتْ
عَلَيْهِ المَهَبَةُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلاَلٌ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ فَقُلْنَاَ لَهُ: انْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وَسلم
فَأَخْبِرْهُ أَنَّامْرَأَ تَيْنِ بِالْبَابِ يَسْأَلاَنِك ◌َأَنْجْزِىُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَ عَلَى أَزْوَاجِهِمَاءٍ ◌َى أَيْتَاءِ فِى حُجُورِ هِا
وَلاَ تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ . قالَتْ: فَدَخَلَ بِلاَلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمٍ فَسَأَ لَهُ، فَقَالَ
ب - ( تبت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب ): أى مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة
والأتباع، أو عمله الذى ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة، وقد افترسه أسد فى طريق الشام وقد أحدق به الغير
ومات أبولهب بالعدسة بعدوقعة بدر بأيام معدودة، وتراك ثلاثاً حتى أنن ثم استأجروا بعض السودان حتى
دفنوه فهو إخبار عن المغيب طابقه وقوعه اه بيضاوى.
وشاهدنا رجل طمس الله على بصيرته، فلم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه الغرور بماله
فلم يشيد به الصالحات، ولعل فى ذلك عبرة للمسلمين الأغنياء أن يقبلوا على طاعة الله، ويعملوا صالحا ،.
وينفقوا حبا فى الله، فالإنسان بفطرته يحب المال، ولكن يعالجها بالإنفاق، والميل إلى فعل الخيرات.
قال تعالى .
ج - ( إن الإنسان لربه لكنود(٦) وإنه على ذلك لشهيد (٧) وإنه لحب الخير الشديد (٨) أفلا يعلم إذا بمتر ما فى
القبور ٩ وحصل مافى الصدور ١٠ إن ربهم بهم يومئذ لخبير) ١١. من سورة العاديات.
( لكنود): أى لكفور يجحد نعمة الله ويعصيه، فإن علامة شكر الله سبحانه طاعته والعمل بكتابته
وسنة حبيبه. (لشهيد): يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو إن الله سبحانه وتعالى على كنران عمه لشهيد
فيكون وعيدا. ( لحب الخبر): المال، من قوله سبحانه وتعالى: ( إن ترك خيراً): أى مالا. (بعثر) : بعث
.( مافى القبور): من الموتى. ( الصدور): ظهر من خير أو شر. (لخبير): عالم بما أعلنوا وما أسروا
فيجازيهم عليه، وعلى هذا الإنفاق من علامات المتقين كما أخبر الله تعالى فى محكم كتابه، والبخل من شيم الأشرار
كما رأيت . قال عن شأنه :
١ - ( ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون )
٢ من سورة البقرة .
ب - (يأيتها النفس المطمئنة ٢٧ ارجعى إلى ربك راضية مرضية ٢٨ فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى ) ٢٩
من سورة الفجر
ج - ( وجوه يومئذ ناعمة ٩ لسعيها راضية. فى جنة عالية. لاتسمع فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر
مرفوعة. وأكواب موضوعة. ومارق مصفوفة. وزرابى مبثوثة) ١٧ من سورة الغاشية.
د - ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ٧ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) ٨ من سورة الزلزال.
هـ - ( فأما من ثقلت موازينه ٦ فهو فى عيشة راضية ٧ وأما من خفت موازينه ٨ فأمه هاوية ٩ وما أدراك
ماهية ١٠ نار حامية) ١١ من سورة القارعة .
(١) فى ن ع حذف مثل ص ٣٫٠٤.

٣٧
الصدقة على المسكين صدقة وعلى القريب صدقتان
لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ هُمَا ؟ فَقَالَ: أَمْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَرِ، وَزَيْنَبُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسلم : أَُّ الزَّيَانِبِ؟ قالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَشْعُودٍ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ(١).
رواه البخارىّ ومسلم، واللفظ له .
٢ - وَعَنْ سَلْمَنَ بْنِ عَامِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ عَنِ الَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَلَ:
الصَّدَقَّةُ عَلَى الْمِسْكِيْنِ صَدَقَةٌ، وَلَى ذَوِى الرَّحِمِ ثِذْتَنِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ (٢) . رواه
النسائىّ والترمذى وحسنه، وابن خزيمة ، وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح
الإسناد ، ولفظ ابن خزيمة قال :
الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِيْنِ صَدَقَةُ، وَعَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ .
٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله
عليه وَسلم: عَنِ الصَّدَقَاتِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَى ذِى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ. رواه أحمد
والطبرانى، وإسناد أحمد حسن. ]
[الكاشح] بالشين المعجمة : هو الذى يضمر عداوته فى كشحه ، وهو خصره ، يعنى:
أَنَّ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِى الرَّحِمِ الْقَطِعِ الْمُضْمِرِ الْعَدَاوَةَ فى بَاطِهِ.
٤ - وَعَنْ أُمّ كُلْتُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْها أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ:
أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ: الصَّدَقَةُ(٣) عَلَى ذِى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ. رواه الطبر انى فى الكبير ،
ورجاله رجال الصحيح، وابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم .
٥ - وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ : إِنْ
الصَّدَقَةَ عَلَى ذِى قَرَابَةٍ يُضَعَفُ أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ. رواه الطبرانى فى الكبير من طريق
عبد الله بن زحر .
(١) أى أعطاك الله الثواب مضاعفا جزاء الإحسان إلى الأقارب والإنفاق لله.
(٢) بر، وعطف ومودة وعنوان محبة وسبب تآلف وراحة ضمير. ومعين شفقة.
(٣) كذا ع ص ٣٠٤ وط، وفى ن د: أفضل الصدقة على ذى الرحم : أى على صاحب قرابة لك من
العمومة والخؤولة .

٣٨
الوعيد الشديد لمن يتصدق على الأجانب وله أقارب محتاجون
الترهيب من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل ماله
فيبخل عليه ، أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون
١ - عَنْ أبى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسهم:
وَالَّذِى بَعَثَنِى بِالْقِّ لاَ يُعَذِّبُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ رَحِمَ (١) الْيَّذِيمَ، وَلَنَ لَهُ فى
الْكَلاَمِ(٢)، وَرَحِمَ يُثْمَهُ وَضَعْفَهُ(٣)، وَلمَ يَتَطَاوَلُ(٤) عَلَى جَارِهِ بِفَضْلِ مَا آتَاهُ اللهُ. وَقَالَ
يَا أُمَّةَ مُحَمٍَّ: وَالَّذِى بَعَثَنِى بِالْحَقِّ لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ رَجُلٍ، وَلَهُ قَرَابَةٌ مُخْتَجُونَ
إِلَى صِلَتِهِ (٥). وَ يَصْرِفُهَا إِلَى غَيْرِهٍ(٦)، وَالَّذِى نَفْسِىٍ بِيَدٍٍ (٧) لاَ يَنْظُرُ اللهُ(٨) إِلَيْهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ. رواه الطبرانى، ورواته ثقات، وعبد الله بن عامر الأسامى، قال أبو حاتم: ليس بالمتروك.
٢ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِ عَنْ جَدِّهِ رَضِىَ اللهُ عِنْهُقالَ: قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ
مَنْ أَبَرٍ (٩)؟ قالَ: أُمَّكَ (١٠)، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَلْأَقْرَبَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لاَ يَنْأَلُ رَجُلٌ مَوْلاَهُ (١١) مِنْ فَضْلٍ هُوَ عِنْدَهُ فَيَمْتَهُ
إِيَّهُ إِلَّا دُعِىَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضْلُهُ الَّذِى مَنَعَهُ شُجَهًا أَفْرَعَ. رواه أبو داود واللفظ له
والنسائىّ والترمذى وقال: حديث حسن. قال أبوداود: الأفرع الذى ذهب شعر رأسه من السمّ.
٣ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
(١) رأف به وساعده. (٢) حادثه بطيب القول، واستعمل البشاشة واللطف فى المعاملة، وعذب
الألفاظ ، واجتنب القوة والغلظة. (٣) حن إليه وأحسن وجاد عليه.
(٤) يفتخر ويمن بنعم الله عليهم ويتباهى ويتغطرص ويتمتع بخيرات الله ليغيظهم ويعجر أمامهم ويتكت
عليهم. (٥) كذاع وط، وفى ن د: صلة. (٦) يعطيها إلى غير أقاربه.
(٧) وهو الله سبحانه وتعالى الذى بيده الأمر. (٨) لاينظر الله إليه نظر رحمة ولا يكرمه.
(٩) أقدم له البر وأفعل فيه الخير. (١٠) أكرم أمك واعتن بها، وأغدق عليها من نعمتك وكرر
صلى الله عليه وسلم ثالثا طالبا الوصاية بها والرأفة وشدة الإكرام والإحسان ، ويلبيها الأب .
(١١) سيده: أى خادم يطلب من مخدومه عليه نفقته وإطعامه وكموته فيبخل إلا جاء هذا الخير والنعيم
متمثلا أفعى يأخذ بليزمتيه ويعذبه. قال فى النهاية: الأفرع: الذى لاشعر على رأسه، يريد حية قد تمعط جادرأسه
لكثرة سمه وطول عمره آهــ وفيه إكرام الوالدين، وتقديم الأم. قال الله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
وبالوالدين إحسانا) وفيه الجود والسخاء وبذل الكريم خشية أن تمثل بآفة يوم القيامة تعذب مانع الخير.

٣٩
ماجاء في فضل الفرض
عليه وسلم: مَآَمِنْ ذِى رَحِمٍ(١) بَأْتِى ذَا رَحِهِ (٣)، فَيَسْأَ لُهُ فَضْلاً أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ فَيَمْخَلُ
عَلَيْهِ إِلَّا أَخْرَجَ اللهُ لَهُ مِنْ جَهَّمَ حَّةً يُقَالُ لَا شُجَاعٌ يَتَّظُ فَيُطَوَّقُ بِهِ . رواه الطبرانى
فى الأوسط والكبير بإسناد جيد. [التمظ] تطعّم ما يبقى فى الفم من آثار الطعام.
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَاَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: أُمَ رَجُلٍ أَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ يَنْأَ لُهُ مِنْ فَضْلِهِ لَعَهُ مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط ، وهو غريب .
الترغيب فى القرض ، وما جاء فى فضله
١ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَاَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه
وَسلم يَقُولُ: مَنْ مَنَعَ(٣) مَنِيحَةَ لَبَنٍ، أَوْ وَرِقٍ(٤)، أَوْ هَدَى زُقَفًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِنْقِ
رَقَبَةٍ. رواه أحمد والترمذى، واللفظ له ، وابن حبان فى صحيحه ، وقال الترمدى : حديث
(١) صاحب أقارب: أى له أسرة وأقرباء، وهو غنى ماله وفير ؛ وخيراته جمة.
(٢) كنا ط وع س ٣٠٥ مصححة، وفى ن د: يأتى رحمه: أى ما من رجل له أقارب، فقصده واحد
منهم يطلب منه شيئاً مما أنعم الله به عليه فيشح، ولا بعطيه إلا عذبه الله بنوع شديد فى الألم، فيسلط عليه
ثعبانا يدخل فى فمه ويقرصه ويحيط بجسمه فيؤله، وفيه الحث على الجود، وإعطاء ما يمكن اتقاء عذاب الله، وحبا
فى ثوابه، وفى حديث أنس فى التحنيك «جعل الصبى يتلمظ)): أى يدير لسانه فى فيه ويحركه، يتتبع أثر التمر.
واسم ما يبقى فى النغم من أثر الطعام لماظة اه نهاية. وخلاصة الباب الترغيب فى بذل الصدقة للأقارب المحتاجين
وتقديم من تعول . قال تعالى :
١ - ( واعبدوا اله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى
والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا محور ٣٦ الذين
يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ٣٧ والذين
ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بانته ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فاء قرينا)
٣٨ من سورة النساء .
ب - ( فآت ذا القربى حقه ) من سورة الروم.
ج - ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا) ٢٦ من سورة الإسراء.
(٣) أعطى عطاء، وفى النهاية : منحة الورق القرض، ومنحة اللبن أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها
ويعيدها وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها .
(٤) كنا ط وع ص ٣٠٦، وفى ن د: زقا، وبدل هدى فى د أهدى، وفى ع: هدى بتشديد الدل،
وفى النهاية هدى بفتح الدال. والزقاق بالضم : الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه، وقيل: أراد
من تصدق بزقاق من النخل ، وهى السكة منها والأول أشبه لأن هدى من الهداية لامن الهدية .

٤٠
كل قرض صدقة
حسن صحيح، ومعنى قوله: مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ. إنما يعنى به فرض الدرهم ، وقوله :
أَوْ هَدَى زُفَاقً: إنما يعنى به هداية الطريق ، وهو إرشاد السبيل انتهى .
٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
كُلُ قَرْضٍ(١) صَدَقَةً. رواه الطبرانى بإسناد حسن والبيهقى.
٣ - وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ رَضَِّى اللهُ عَنْهُ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ
الْجَنَّةَ فَرَأَى مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهَاَ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ ثَانِيَةَ عَشَرَ . رواه
الطبرانى والبيهقى ، كلاهما من رواية عتبة بن حميد .
(١) ما تعطيه من المال لتقضاه، وما سلفت من إحسان. قال تعالى: (وأقرضوا اللّه قرضاً حسناً).
وفى الغريب: وسمى ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضا. قال تعالى: ( من ذا الذى يقرض الله
قرضاً حسناً) اهـ وأعتقد أن بذل المال فى سبيل إرضاء الله سبحانه وتعالى يساوى بذل النفوس بإخلاص اتجاهد
فى نصر دينه، وإذا تصفحت كتاب الله العزيز تجد فى سورة الصف.
(يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ١٠ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل
اللّه بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكمإن كنتم تعلمون ١١ يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرىمن تحتها.
الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم ١٢ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر
المؤمنين ) ١٣ من سورة الصف .
القرض كما قال العلماء الفقهاء فى كتب الفقه
وهو تمليك الشىء على أن يرد مثله، وهو سنة مؤكدة وقديجب للمضطر ويحرم لمن يستعين به على معصية.
وأركانه أربعة: الصيغة والمقرض والمتعاقدان، والصيغة نحو أقرضتك، ويقول الآخذ: قبلت، ويجوز إقراض
كل ما يجوز فيه السلم (١) مما ينضبط أما مالا ينضبط (٢) فلا يجوز إقراضه نعم يجوز إقراض العجين كالخميرة
والخبز وزنا ، وأجازه بعضهم عدا، وعليه العمل فى الأمصار، ويرد المقترن مثل ما اقترض ، ولا يجوز قرض
نقد أو غيره بشرط جر منفعة للمقرض كأن يرد زيادة، أو يرد بلد آخر، فلو رد زائدا قدرا أو صفة بلا
شرط فلا بأس ولا كراهة، ولو شرط أجلا فالشرط لغو، وللمقرض مطالبته قبل حلوله، ويسن الوفاء بالتأجيل
فإن شرط المقرض فى القرض الأجل لمنفعة تعود عليه فد القرض ، ويصح الإقراض بشرط الإشهاد والكفيل
والرهن . اهـ تنوير القلوب ص ٢٧٢.
(١) السلم بيع شىء موصوف فى الذمة بلفظ السلم أو السلف. قال صلى الله عليه وسلم: ((من أسلف
فى شىء فليسلف فى كيل معلوم إلى أجل معلوم». رواه الشيخان.
(٢) كالمعجونات والمطبوخات والخبز، وكل ما دخلته النار وأثرت فيه إلا التمييز كمن وعمل، ولا فى
الخفاف والفعال المركبة والجلود والسرجل والبطيخ عداً، ويصح فى الأخيرين وزناً ، ويشترط فى الحبوب كالبر
والأرز وفى الثمار كالتمر والزبيب ذكر نوعه ولونه وبلده وجرمه، وكونه قديما أو جديداً. قال تعالى:
(يأيها الذين آمنوا إذا تدايتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه). قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت فى السلم
ذكرت لك هذا لعظم ثواب فك ضيق المعسر، وزيادة أجر الكريم ذى المروءة الذى يفرج كرب أخيه،
وينفس عنه آلام احتياجه ، ويبعد فقره المدقع .