النص المفهرس

صفحات 1-20

التَّ غَيْدُ وَالتَّهِيب
مِنْ الحديث الشريف
تأليف
الإمام الحافظ زكى الداين
عبد العظيم بن عبد القوى المنذرى
المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، رحمه الله تعالی آمین
ضبط أحاديثه، وعلق عليه بفتح جديد من الله سبحانه وتعالى المرحوم
مِصْطُ محمد عَارُهُ
خريج دار العلوم ومن كبار مدرسى وزارة المعارف المصرية
الجزء الثّانِى
حتى إعادة الطبع والنقل محفوظ
للناشر
السيَاء التراث العربي
سَيموت - لبنان

٥
الطبعة الثالثة
١٣٨٨ ٥ = ١٩٦٨ م
٠
٠

٣
إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه
بسيِاللّهِ الرَّحْمِنِالرَّحِينَيِ
الترغيب فى الصدقة والحث عليها وما جاء فى جهد المقل
ومن تصدق بما لا يجب
١ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليْه وَسلم :
مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلٍ(١) ◌َمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ (٢)، وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ إلاَّ الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللهَ
يَقبَلُهَا (٢) بِيَعِينِهِ (٤)، ثُمَّ يُرَبِّيْهَا لَِحِيِهَ كَمَ يُرَبِّ أَحَدُ كُمْ فَلَّهُ (٥) حَتَّى تَكُونَ
مِثْلَ الْجَبَلِ. رواه البخارى ومسلم وَالنسائي والترمذى وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه.
٢ - وَفِى رِوَايَةٍ لِأَبْنِ خُزَّيْمَةَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ طَيِّبٍ تَقَبَلَهَاَ اللهُ مِنْهُ،
وَأَخَذَهَا بَيَمِينِهِ فَرَبَّهَ كَا يُرَبِّى أَحَدُ كمُهُ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيَلَهُ(٦)، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ
بِاللَّقْمَةِ فَتَرْبُو فى يَدِ اللهِ، أَوْ قَالَ فِى كَفِّ اللّهِ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الَْلِ فَتَصَدَّقُوا .
٣ - وَفِى رِوَابَةٍ صَحِيحَةٍ لِّرْمِذِيِّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ
الصَّدَقَةَ، وَيَأْخُذُهَ بِيَمِينِهِ فَيْرَبِّهَاَ لِأَحَدِكمُ كما يُرَّبِّى أَحَدُ كُ مُهْرَهُ حَتَّى إِنَّ اللَّعْمَةَالْتَصِيرُ
مِثْلَ أُحُدٍ ، وَتَصْدِيقُ ذُلِكَ فى كِتَبِ اللهِ: أَ يَعْلَمُوا أَنَّاللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،
(١) مقدار. (٢) حلال. (٣) كذا ط وع ص ٢٩٢، وفى ن د : يتقبلها.
(٤) قال المازري: قد ذكرنا استحالة الجارحة على الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحديث وشبهه إنما
عبر به على ما اعتادوا فى خطابهم ليفهموا فكنى هنا عن قبول الصدقة بأخذها فى الكف ، وعن تضعيف أجرها
بالغربية، قال القاضى عياض: لما كان الشىء الذى يرتضى ويعز يتلقى باليمين، ويؤخذ بها استعمل فى مثل هذا
واستعير للقبول والرضا كما قال الشاعر :
إذا ماراية رفعت نجد
تلقاها عرابة باليمين
قال: وقيل : عبر بالمين هنا عن جهة القبول والرضا إذ الشمال بضده فى هذا، قال وقيل : المراد بكف
الرحمن هنا، ويمينه كف الذى تدفع إليه الصدقة، وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه
الصدقة فيها لله عز وجل، قال: وقد قيل فى تربيتها وتعظيمها حتى تكون أعظم من الجبل أن المراد بذلك
تعظيم أجرها ، وتضعيف ثوابها . قال : ويصح أن يكون على ظاهره، وأن تعظم ذاتها ، ويبارك الله تعالى
فيها، ويزيدها من فضله حتى تثقل فى الميزان نحو قول الله تعالى: (يمحق الله الربا ويربى الصدقات) اهـ
ص ٩٩ ج ٧ .
(٥) مبره - سمى بذلك، لأنه فل عن أمه : أى فصل وعزل .
(٦) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل من إرضاع أمه، ومعنى الله طيب: أى منزه عن النقائص، وهو
بمعنى القدوس ، وأصل الطيب : الزكاة والطبارة والسلامة من الخبث، والله أعلم .

٤
إن العبد ليتصدق بالكثرة تربو عند اللهعز وجل حتى تكون مثل أحد
وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ(١)، وَيَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا، وَيُرْبِى(٢) الصدَقَاتِ. ورواه مالك بنحو
رواية الترمذى هذه عن سعيد بن يسار مرسلا، لم يذكر أبا هريرة.
٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ : إِنَّ اللهَ
لَيْرَبِي لِأَحَدِّكُمُ الثَّعْرَةَ وَالْمَةَ(٣) كَاَ ◌َُنِى أَحَدُ كُمْ قَلْزَهُ، أَوْ فَصِيلَهُ حَتى تَكُونَ
مِثْلَ أُحُدٍ . رواه الطبرانى وابن حبان فى صحيحه ، واللفظ له .
[ الغلوّ] بفتح الفاء، وضم اللام، وتشديد الواو: هو المهر أول مايوند.
[ والفصيل]: ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه .
٥ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الْأُسْلَمِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالْكِسْرَةِ (٤) تَرْبُو عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتّى نَكُونَ
مِثْلَ أُحُدٍ . رواه الطبرانى فى الكبير .
٦ - وَرُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُدْخِلُ بِالَّغْمَةِ (٥) الْخَبْزِ، وَقَبْصَةِ التَّمْرِ، وَمِثْلِهِ مَّا يَنْتَفِعُ بِهِ
(١) قال تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطبرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إنه صلانك سكن لهم وإبنه
سميع عليم ١٠٤ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن اللههو التواب الرحيم ١٠٥
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)
١٠٦ من سورة التوبة .
أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ من المسلمين صدقة (تطهرهم) من الذنوب، وحب المال،
وتنمى بها حسناتهم ، وترفعهم إلى منازل المخلصين (وصل عليهم) واعطف عليهم بالاستغفار لهم والدعاء (إن
صلاتك سكن لهم) تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم وجعها لتعدد المدعولهم (ويأخذ الصدقات) يقبلها
قبول من يأخذ شيئاً ليؤدى بدله سبحانه من شأنه قبول توبة التائبين ، والتفضل عليهم اه بيضاوى .
اللهم إنا نتوجه إليك بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل توبتنا، فكما أن الصدقة المعطاة بإخلاص
لك ، ومحبة فى ثوابك تقبل ، كذلك تتوسل إليك بمحيقنا إلى سندنا الأقوى وحبيبنا وقرة عيوننا أن تتفضل
علينا بالرحمة والقبول، وتهب لنا توفيقاً يزيدنا طاعة وإقبالا على الصالحات بمنك وكرمك .
(٢) يضاعف ثوابها ، ويبارك فى مال معطيها .
(٣) يعنى أن الصدقة وإن قل قدرها مثل اللقمة: ( القطعة من طعام ) يضاعف الله أجرها حتى توازى
الجبل المعروف بمكة ، وفيه الحث على الإنفاق وإن قل، وإعطاء المسكين شيئاً ولو حقر مثل الثمرة .
(٤) القطعة من الخبز - والكسرة: القطعة من الشىء الكسور.
(٥) كذا دوع ص ٢٩٢، وفى ن ط: بلقمة أى بسبب دخول الجنة، وكسب نعيم الله، ونيل
رضوانه لثلاثة :

٥
مانقصت صدقة من مال
الْسْكِينُ ثَلاَثَةَ الْجَنَةَ: رَبَّ الْبَيْتِ الْآَمِرَ بِهِ، وَالزَّوْجَةَ تُصْلِحُهُ، وَالَْادِمَ الَّذِىِ يُنَولُ
الْسَكِينَ، فَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الْمْدُ لِلِ الَّذِىِ لمَ يَنْسَ خَدَمَنَا. رواه
الحاكم والطبرانى فى الأوسط ، واللفظ له فى حديث يأتى بتمامه إن شاء الله .
[ القبصة] بفتح القاف وضمها، وإسكان الباء، وبالصاد المهملة: هو ما يتناوله الآخذ
برءوس أنامله الثلاث .
٧ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ :
مَا نَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَقَوٍ إِلَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدَ لِ إلاّ
رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. رواه مسلم والترمذى، ورواه مالك مرسلا .
٨ - وَرُوِىَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا يَرْفَعُهُ قَالَ: مَانَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ
مَثْلِ، وَمَآَ مَدَّ عَبْدْ يَدَهُ بِصَدَقَةٍ إِلَّا أُلْفِيَتْ فِى يَدِ (١) اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِى بَدِ السَّائِلِ ،
وَلَفَتَحَ عَبْدٌ بَبَ مَسْئَلَةٍ (٣) لَهُ عَنْهَا غِى إِلَّا فَحَ اللهُ لَهُ بَبَ فَقْرٍ (٢) . رواه الطبرانى.
٩ - وَرُوِىَ عَنْ جَبِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَ قالَ: خَطَبَنَاَ رَسُولُ اللهِ رجه
فَقَالَ: يَا أَيُّهَ النَّاسْ تُوبُوا إِلَى اللهِ قَبْلَ أَنْ تُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَلِ الصَّالِمَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْفَلُوا،
وَصِلُوا الَِّىِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنُ رَبَّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُ لَهُ(٤)، وَكَْرَةِ الصَّدَقَةِ فى السِّرِّ
وَالْعَلَاَنِيَّةِ تُرْزَقُوا وَتَنْصَرُوا وَنُخْبَرُوا(٥). رواه ابن ماجه فى حديث تقدم فى الجمعة:
١ - صاحب المنزل الأمر الذى يسمح .
ب- الزوجة التى تساعد .
ج - الخادم .
(١) اللّه تعالى منزء عن مشابهة الحوادث، وليست له يد بالمعنى المفهوم من يدنا، وإنما هذا لتقريب الأفهام
إن انته يعطف بالرحمة على المعطى، ويزيده كرامة، وعده بإحسان، ويضاعف ثوابه، ويقبل عليه برعايته
وبركاته. (٢) سؤال. (٣) ذلة وضعة وشره نفس وطمع.
(٤) أى داوموا على ذكر الله وحده وتسبيحه واستغفاره، والصلاة على حبيبه صلى الله عليه وسلم.
(٥) يبين صلى الله عليه وسلم أن الإنفاق لله يجلب سعة الرزق، ويقضى الحاجات، ويكون سبب الفوز
والنجاح والشفاء ، ويل المأمول، ومعنى تخبروا: تجب دعواتكم وتغتنوا، وفى النهاية وفى حديث الدعاء:
((واجبرنى واهدنى»: أى أغنى، من جبر الله مصيبته: أى رد عليه ماذهب منه وعوضه، وأصله من جبر.
الكسر اه وفى أسماء الله تعالى الجبار: أى الذى يقهر العباد على ما أراد من أمرونهى، وقيل: هو العالى فوق خلقه

٦
الحث على الصدقة
١٠ - وَرُوِىَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ ذَنَجُوا شَاةً، فَقَالَ الَّبِيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم: مَآَيَقِيَ مِنْهاَ؟ قَالَتْ: مَ ◌َقِىَ مِنْهَا إِلَّا كَتِهُهَ. قَالَ: يَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِها(١).
رواه الترمذى ، وقال: حديث حسن صحيح، ومعناه: أنهم تصدقوا بها إلا كتفها .
١١ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وَسلمٍ:
يَقُولُ الْعَبْدُ مَلِ مَلِ(٣) ، وَ إِنَّ لَهُ مِنْ مَالِ ثَلاَثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْتَى (٣)، أَوْ لَبِسَ
فَأَبْلَى (٤) ، أَوْ أَعْطَى فَقْتَى (٥) مَاسِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارٍ كُ لِلِنَّاسِ. رواه مسلمٍ.
(١) تصدق صلى الله عليه وسلم بلحم الشاة كلها إلا كتفها القطعة الأمامية فقط، ثم سأل صلى الله عليه وسلم
سؤال بداعة وكمال : ما بقى منها ؟ وأجاب صلى الله عليه وسلم ليعلم المسلمين أن الذى يذهب لله هو الباقى ثوابه
الخالد بنعيمه الجزيل الأجر قال تعالى (ماعندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن
ما كانوا يعملون ٩٧ من عمل صالحاً من ذكر أو أتى وهو مؤمن فلاحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن
ما كانوا يعملون) ٩٨ سورة النحل، وفيه الحث على الصدقة، والإكثار من الإحسان.
(٢) أحب مالى. (٣) فأذهب. (٤) أُخلق وتقطع.
(٥) كذا ط وع س ٣٩٣، وفى ن د: فأبقى، والمعنى يميل الإنسان إلى جمع المال، ويشتاق إليه،
ولكن نصيبه من ماله ثلاثة :
١ - يتنعم به المطعومات ويتذوقه ويتلذذ به .
ب - أنواع الملابس والزينة والمركب والأثاث والأبهة .
ج - التصدق وتشيد المكرمات، فإذا لم يستفد الإنسان فى حياته من هؤلاء فلا فائدة فى ماله، وهو
ذاهب إلى ورثته. قال تعالى ( يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب
المسرفين ٣١ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا
، خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ٣٢ قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهر منها وما بطن
والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) ٣٣ من سورة
الأعراف ( زينة الله) من الثياب، وما يتجمل به كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف والمعادن
كالدروع (الطيبات ) المستلدات من المآكل والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل فى المطاعم والملابس وأنواع
التجملات الإباحة ( الفواحش) ما تزايد قبحه جهرها وسرها (والإثم) الذنب، وقيل: شرب الخمر (والبغى)
الظلم أو الكبر. واجتنبوا الإلحاد فى صفاته تعالى سبحانه، والافتراء عليه تهكماً بالكفرة كقولهم: انته أمرنا
بها . قال الشاعر :
أن السلامة فيها ترك ما فيها
إلا التى كان قبل الموت بانيها
وإن بناها بشر خاب بانيها
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
النفس تبكى على الدنيا وقد علمت
لادار للدرء بعد الموت يسكنها
فإن بناها بخير طاب مسكنه
أين الملوك التى كانت مسلطنة؟
أموالنا لذوى الميراث نجمعها

٧
ماورد فى فضل الصدقة
١٢ - وَعَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"أَتُكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَارَسُولَ اللهِ مَامِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ
إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِنَّ مَلَهُ مَاقَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ . رواه البخارى والنسأبىّ.
١٣ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
بَيْنَا رَجُلٌ فِى فَآَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْنًا فِى سَحَبَةٍ: أَسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَخَّى
ذُلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَهُ فِى حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تَلِكَ الشَّرَاجٍ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ
ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ فَتَنَبَّعَ المَاءِ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فى حَدِيقَةٍ يُحَوِّلُ المَاءَ بِسْحَتِهِ، فَقَلَ
لَهُ: يَاعَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلاَنْ لِلِأَسْمِ الَّذِى سَمِعَ فِى السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَعَبْدَ اللهِ
لمَ سَأَلْتَنِى عَنِ اسْمِى. قالَ: سَمِعْتُ فِى الَّحَابِ الَّذِى هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: أَسْقِ حَدِيقَةَ
فُلاَنٍ لِإِسْمِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هُذَا، فَإِّ أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَاَ
فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآَكُلُ أَنَا وَعِيَالِ ثُلُثَهُ، وَأَرُدُّ ثُلُّتَهُ (١). رواه مسلم.
وقال آخر :
ويحصد الزارعون مازرعوا
غداً توفى النفس ما كسبت
وإن أساءوا فبئس ماصنعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم
(١) يقص لك صلى الله عليه وسلم حكاية المتصدق ((فأتصدق بثلثه)) يسوق الله له غيئاً، ويبعث لممطراً
ويرسل له ماء مسخراً من قبل الله يتوجه لزراعة ذلك الرجل الصالح المحسن ، وقد أسمعه الله كرامة له صوت
ذلك الذى فى السحاب : ( اسق حديقة فلان ) وسط صحراء لانبات فيها . والدرس من هذا الحديث العذب
طلب الإنفاق للّ، وكثرة الصدقة، والعمل لله. والله يهب الأرزاق، ويعطى البركة للمزكين. قال تعالى (وهو
الذى ينزل الغيث من بعد ماقنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد ).
أين الملحدون المنكرون كرامة الأولياء ، وهذا رجل فى بستانه شاهد عمله رجل آخر سمع صوتا فى السحابة
يومشى مع مسيل الماء ، فسأل عن صاحب البستان فطابق الاسم المادى فاستفهم : فما تصنع فيها ؟ فأجاب .
١ - ينفق ثلث إيراد الحديقة لله.
ب - وينفق على أهله وأسرته الثلث الثاني .
ج - ويشترى ما يلزم للزراعة من الثلث الأخير .
هل يتعظ المسلمون بهذا، ملائكة الله شوق الأمطار لقى الصالحين، ورى أرضهم. إن من نظام الله
البديع أن سخر ملائكته لأعمال اقتضتها حكمته سبحانه، ومنها الموكلون بالسحاب وقد سمعت الأمر (اسق
-حديقة فلان ) قال تعالى :
١ - ( أفرأيتم الماء الذى تشربون ٦٨ أأتم أنزلتموه من المزن أم نحن المرلون ٦٩ أو نشاء جعلنا،
أجاجا فلولا تشكرون ) ٧٠ من سورة الواقعة .
فأنت ترى نعم الله العظيمة، ومنها: الماء العذب الذى نشريه يتزاه الله من السحاب حسب إرادته تفضلا

٨
ماورد فى فضل الصدقة
[ الحديقة]: البستان إذا كان عليه حائط .
على عباده ، ولو شاء لجعله ملحاً - من الأجيج الذى يحرق الفم. سبحانه نحمده ونشكر فضله ،"
ومن شكره الإنفاق فىالخير، والصدقة على المحتاجين، وعمل البر، وقال تعالى فى بيان فضله، ودلائل قدرته.
ب - ( أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبقنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم
أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) ٦٠ من سورة النمل .
سبحانه لا يقدر على إنبات الحدائق المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع غيره ، فأنفقوا حباً فى ثوابه.
ج - وقال تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم،
أفلا يبصرون) ٢٧ من سورة السجدة . الجرز : الصحراء.
د - وقال تعالى (وهو الذى أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ٤٩ لنحي
به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنهاما وأناسى كثيرا) ٥٠ من سورة الفرقان (بشرا) مبشر اقدام.
المطر ليترعرع البات . أناسى جمع إنسى أو إنسان .
هـ ــ وقال تعالى (وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلدميت
فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك تخرج الموتى لعلكم تذكرون) ٥٧ من سورة:
الأعراف . سقت لك هذه الآيات لتعلم أن ماء الأنهار من الله تعالى، وأصله من السحاب عسى أن.
تقى اللّه، وتشكر له سبحانه فضله وإحسانه إليك، وتجتهد فى كثرة الإنفاق فى عمل البر، وتشبيد
المكرمات ، وفعل الصالحات وترسم أمامك حب الخير ، وأداء الزكاة ، ووفرة الصدقات ، واقتد.
بذلك الصالح الذى وجه الله له السحاب فسقى زرعه . حافظوا أيها المسلمون على الإنفاق رجاء وفرة.
ماء النيل ، قال تعالى :
١ - ( وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لاتظلمون).؟ من سورة الأنفال.
ب - ( وما تنفقوا من خير بوف إليك) وأداء الزكاة خلة ثالثة للمتقين الكرماء فى قوله تعالى :
ج - ( هدى ورحمة المحسنين ٣ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة ثم يوقنون ؛ أولئك.
على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) ٥ من سورة لقمان. وقال تعالى :
د - ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم
لعلكم تذكرون) ٩١ . (العدل): حب الحق، والتوسط فى الأمور؛ وتوحيد الله، والجود .
( الإحسان ): إحمان الطاعات، وهو إما بحسب الكلمة كالتطوع بالنوافل ، أو بحب الكيفية
كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) (وإيتاء
ذى القربى): وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه. ( الفحشاء ): الإفراط فى متابعة القوة الشهوية
كالزنا، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعبها. (والمنكر): القبيح الذى نهى عنه الشرع، وما
ينكر على متعاطيه فى إنارة القوة الغضبية. (والبغى): الاستعلاء والاستيلاء على الناس »
والتجب عليهم .
وقال تعالى :
هـ - ( إن الله مع الذين اتقوا والذين ثم محنون).
أنفق أيها المسلم لتدرج فى سلك الذين شملهم برحمته، والدمج فى عقد المتقين المشمولين برعايته .
( اتقوا ) المعاصى. ( خنون) فى أعمالهم بالولاية والفضل، أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره
والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه، ومن الرأفة الزكاة وإخراج الصدقة، وإذا اطلعت على أشعار
العرب وجدت المروءة السامية والرغبة فى الإحسان، والتفاخر بالجود .
قال دعبل الخزاعى الشاعر المشهور لتعرف موسيقى تطربه غليان قدره واعتماده على الله تعالى فى طلب الرزق

٩
ماورد فى فضل الصدقة
[ الحرّة] بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء : الأرض التى بها حجارة سود.
بانت سليمى وأسعى حبلها انقضبا
قالت سلامة أين المال ؟ فلت لها
الحمد فرق مالى فى الجفون فما
قالت سلامة دع هذا اللبون لنا
فلت احبسيها فنيها متعة لهم
لما احتى الضيف واعتلت حلوقتها
هذا سبيلى وهذا فاعلمى خلقى
مالا يفوت وما قد فات مطلبه
أسعى لأطلبه والرزق يطلبنى
هل أنت واجد شىء لو عنيت به
اهـ من الأمالى نوادر ص ٩٩ .
وزودوك ولم يرثوا لك الوصبا
المال وبحك لاقى الحمد فاصطحبا
أبقين ذما ولا أبتين فى نشبا
لصبية مثل أفراخ القطا زغبا
إن لم ينخ طارق يبغى القرى سغبا
بكى العيال وغنى قدرنا طربا
فارضى به أوفكونى بعض من غضبا
فلن يفوتنى الرزق الذى كتبا
والرزق أكثر لى منى له طلبا
كالأجر والحمد مرتاداً ومكنسبا
وإن الله تعالى بعث لنا النعم لنتمتع بخيراتها وتنفق ونأكل على شريطة استعمالها فيما يرضى الله. قال تعالى؛
١ - ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما انقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم انقو
وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) ٩٤ من سورة المائدة.
(فيما طعموا): مما لا يحرم عليهم. (اتقوا) المحرم، وثبتوا على الإيمان، والأعمال الصالحة . (ثم
اتقوا) ما حرم عليهم كاخر. (وآمنوا) بتحريمه. (ثم اتقوا): ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصى
(وأحسنوا): وتحروا الأعمال الجليلة، واشتغلوا بها. قال البيضاوى: باعتبار المراتب الثلاث فى المبدع
والوسط والمنتهى . أو باعتبار ما يتقى فإنه ينبغى أن يترك المحرمات توقيا من العقاب والشبهات ، تخرزا عن
الوقوع فى الحرام، وبعض المباحات تحفظا للنفس عن الخسة، وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة اهـ (المحسنين) فلا ..
يؤاخذهم بشىء . وفيه أن من فعل ذلك صار محسنا ، ومن صار محنا صار لله محبوباً .
وإن من الإحسان العطف على الفقراء، والإنفاق على البائسين ، وإخراج جزء من المال لله والمساعدة على
فعل البر وإنشاء مشروعات الخير لتكسب المحامد وهذه تعاليم الله تعالى لبنى إسرائيل. قال البيضاوى: إن بنى
إسرائيل لما فرغوا من فرعون، واستقروا بمصر أمرهم الله سبحانه وتعالى بالمسيرإلى أويحاء من أرض الشام
وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال: إنى كتبتها لكم دارا وقرارا فخرجوا إليها، وجاهدوامن فيها،
فإنى ناصركم . وأمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يأخذ من كل سبط كفيلا عليهم بالوفاء بما أمروا به فأخذ
عليهم الميثاق، واختار منهم النقباء، وساربهم ، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسون الأخبار ،
ونهاهم أن يحدثوا قومهم، فرأوا أجراما عظيمة ، وبأسا شديدا ، فها بوا ورجعوا، وحدثوا قومهم، ونكثوا
الميثاق إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف - قال تعالى: (ولقد
أخذالله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنامنهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكائن أختم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلى
وعزر تموم وأقرضتم اللّه قرضاً حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلكم جان تجرى من تحتها الأنهار فمن
كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ١٣ فيما نقضهم ميثاقهم لعنائم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم.
عن مواضعه ونسوا حظا ما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله
يحب المحسنين) ١٤ من سورة المائدة. (وعزرتموم): نصرُ موم وقويتموم. (قرضاً حسناً): بالإنفاق
فى سبيل الخير (لعنام): طردناهم من رحتنا، أو ضربا عليهم الجزية، أو مسخنائم (قاسية) لا تنفعل عن.
الآيات والنذر. ( بما ذكروا به) من التوراة، أو من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود:

١٠
اتقوا النار ولو بشق تمرة
[ والشرجة] بفتح الشين المعجمة، وإسكان الراء بعدها جيم، وتاء تأنيث: مسيل
الماء إلى الأرض السهلة. [ والمسحاة] بالسين والحاء المهملتين: هى المجرفة من الحديد.
١٤ - وَعَنْ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه
وَسلم يَقُولُ: مَامِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّ سَيُكُلَّهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجَنٌ(١)
فَيَنْظُرُ أَيَنَ مِنْهُ فَلا يَرَي إِلَّ مَقَدَّمَ، فَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّ مَاقَدَّمَ ، فَيَنْظُرُ
بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ ◌َمْرَةٍ(٣) .
وَفِى رِوَايَةٍ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشَقِّ ◌َثْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ .
رواه البخارى ومسلم .
١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: لِيَقِ أَحَدُ كِمُ وَجْهَهُ النَّارَ(٣)، وَلَوْ بِشِقِّ ◌َمْرَةٍ. رواه أحمد بإِسناد صحيح.
١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
يَائِشَةُ أُسْتَرِى مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ ◌َمْرَةٍ فَإِنَّهَ نَهُدُّ مِنَ الْجَارِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَنِ.
رواه أحمد بإسناد حسن .
( قد ننسى المرء بعض العلم بالمعصية). وفيه تنبيه على أن العفو من الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن
غيره ، احتوى الميثاق والمعاهدة على خمس مواد :
أولا : أداء الصلاة. ثانياً: الزكاة. ثالثاً: الإيمان بالرسل. رابعاً: تأييدهم والعمل بشريعتهم وحبهم.
خامساً : الإنفاق فى عمل الخير ، وتشييد الصالحات .
هذا عهد اللّلأولاد آدم يعملون بقرآنه وإلا أزال نعمته منهم وسلب فضله وأخذ خيره وبعث الجهل وفشا
الثقاف وسادت الفوضى وانتزعت البركة، ووقتئذ تتلى المواعظ فلا تتأثر القلوب ولا تتعظ الأفئدة (ونسوا حظاً
ما ذكروا به ). قال الشاعر:
على الناس طراً إنها تتقلب
إذا جادت الدنيا عليك تجدبها
ولا البخل يبقيها إذا هى تذهب
فلا الجود يفنيها إذا هى أقبلت
(١) يبين صلى الله عليه وسلم وقوف الإنسان يوم القيامة للحساب ويرى بنفسه جلال الله وعظمته ويدرك
هيبته وأنواره فيلتفت يميناً ثم شمالا فلا يجد إلا عمله فى حياته إن خيراً وإن شراً، ثم أمر صلى الله عليه وسلم أن
نتجنب نار جهنم فى الآخرة ولو بالتصدق بما يوازى نصف ثمرة. وفيه الحث على الصدقة وإن قلت ، وفعل
الخير ، وإن حقر .
(٢) ليجعل له وقاية وحصناً يبعده عن هب جهنم ولو بهم، ويريد الإنفاق وإن قل .
(٣) فى ع : من النار .
(٤) تمنع الجوع وتدعو النفس إلى الجود وتحثها على عمل الطاعات وتشوتها إلى الخير وتعودها الإحسان.

الصدفة نطفى الخطينة ما يضفى الماء الباز
١٧ - وَرُوِىَ غَنْ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللهُ عِنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الهِ
صلى اللهُ عليه وسلم عَلَى أَعْوَادِ المِنْبَرِ يَقُولُ: أَتْقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ يَمْرَةٍ فَإِنَّهَاَ تَقِيمُ(١)
الْعَوَجَ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَتَقَعُ مِنَ الجَائِعِ(٢) مَوْقِعَهَا مِنَ الشَّبْعَنِ. رواه أبو يعلى
والبزار ، وقد روى هذا الحديث عن أنس وأبى هريرة، وأبى أمامة ، والنعمان بن بشير ،
وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم.
١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ
A
لِكَمْبِ بْنِ عُجْرَةَ: يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: الصَّلَةُ قُرْبَانٌ (٣)، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ (٤)، وَالصَّدَقَةُ
تُطْفِى الْخْطِيئَةَ (٥) كَاَ يُطْفِيّ الَمَاءِ النَّارَ، يَ كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: النَّاسُ غَدِيَنِ (٦) فَبَائِعٌ
نَفْسَهُ تَمُوثِقْ رَقَبَتَهُ ، وَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فِى عِنْقِ رَقَبَتِهِ. رواه أبو يعلى بإسناد صحيح.
١٩ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِىَ اللهُ عنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وَسلم: يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لاَ يَدْخْلُ الْفَةَ لَمْ وَدَمْ نَبَتَ عَلَى سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ (٧).
بَ كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: النَّاسُ غَدِيَانِ، فَفَادٍ (٨) فِى فَكَاكِ نَفْسِهِ فَمُعْتِقُهَا، وَغَدٍ فَمُونِقُها.
بَ كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ: الصََّةُ قُرْبَنٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ نُطْفِى الْطِيئَةَ كَما يَذْهَبُ
الجَديدُ عَلَى الصَّفَا. رواه ابن حبان فى صحيحه.
٢٠ - وَعَنْ مُعَذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ الَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فى سَفَرٍ
فَذَ كَرَ الَحَدِيثَ إِلَى أَنْ قالَ فِيهِ: ثُمَّقَالَ: يَعْنِى الَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ أَدُلُكَ عَلَى
أَبْوَابِ أَخْرِ؟ قُلْتُ: بَلَى(٩) يَارَسُولَ اللهِ. قالَ: الصَّوْمُ جُنَّةَ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىُّ الْخَطِيئَةَ
كما يُطْفِىُّ الْمَاءِ النَّارَ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ويأتى بتمامه فى الصمت
(١) الصدقة تدل على حسن الخاتمة، وتبعد السوءات، وتزيل المكاره.
(٢) وتسد رمق الجائع وتنفعه. (٣) تقربك إلى رحمة الله وتجلب رضاه.
(٤) وقاية له من السوء. (٥) تزيل أثر الذنب. (٦) ذاهبان وقاصدان: أى هما صنفان صنف
يعمل ليبعد من جهنم ويفك أسره من العذاب. وآخر يعمل سوءا ويغضب ربه فيستحق العذاب ويحق عليه
الذل والأسر . (٧) أكل أموال الناس بالباطل كالرشوة والظلم والسرقة والنهب والمكس وكل مال أخذه
بلا طريق شرعى يحرم الله عليه الجنة فلا يدخلها .
(٨) ذاهب لإزالة العذاب بالعمل الصالح فى حياته. والثانى ذاهب إلى تمكين عرى الذل وإدخال جهنم
بما يقترفه من الخطايا .
(٩) نعم دانى .

١٢
إن الصدقة لتطفئ غضب الرب
وهو عند ابن حبان من حديث جابر فى حديث بأتى فى كتاب القضاء إن شاء الله تعالى .
٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم : إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِى غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ الشُّوءِ(١). رواه الترمذى وابن حبانٌ.
فى صحيحه ، وقال الترمذى: حديث حسن غريب، وروى ابن المبارك فى كتاب البرّ شطره.
الأخير ، ولفظه :
إِنَّ اللهَ لَيَدْرَأُ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا(٢) مِنْ مِيتَةِ السُّوءِ.
(١) الإحسان إلى الفقراء والإنفاق فى الخير يبعد سوء الخاتمة، ويرشد إلى المحامد، ويضمن حسن
العاقبة كما قال تعالى :
١ - ( والعاقبة للتقوى ) أى حسن العاقبة لأهل التقوى.
ب - ( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم
فيها سلام ).
وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم ليعلم أمته: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة
ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير) ١٨ من سورة فاطر. (بالغيب): غائبين عن عذابه، أو عن
الناس فى خلواتهم، ومن تطهر من دنس المعاصى، وأنفق فى الخير جاراه الله بالنعيم على تزكيته ؛ على أن عدم
الإنفاق قد يجر إلى الإلحاد وعدم الصدقة وراءها قسوة القلب وغفلته عن انه وقددعا التى صلى الله عليه وسلم
الناس إلى توحيد الله والاستقامة فى العمل: (فاستقيموا إليه واستغفروه وويل المشركين الذين لا يؤتون
الزكاة وثم بالآخرة هم كافرون ) فامتناعهم عن الزكاة كما قال البيضاوى: لاستفراقهم فى طلب الدنيا، وإنكارهم
للآخرة لبخلهم ، وعدم إشفاقهم على الخلق .
وإن الله تعالى أمر أزواج خير الخلق صلى الله عليه وسلم: (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن اللّه
ورسوله ) : أى فى سائر ما أمركن به ونهاكن عنه. وقد عد سبحانه خصالا عشرة يقوم بها رجال أبرار
أطهار أخيار منها: ( والمتصدقين والمتصدقات ) فى قوله تعالى: ( إلى المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات
والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا
عظيما ) ٣٦ من سورة الأحزاب.
فانظر رعاك الله إلى هذا الثواب الجزيل وقد ضمن الله حسن الخاتمة للمنفق فى البر.
(٢) يخبرك صلى الله عليه وسلم فائدة الصدقة أن تدفع سبعين بابا من أبواب الأذى والشر، وتجلب
رضا الله ورحمته وإحسانه ووقايته من المكاره. قال تعالى :
١ - ( وأن تصدقوا خير لكم) .
ب - ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) ٦٩ من سورة العنكبوت.
(جاهدوا فينا) عملوا الصالحات وبذلوا النفس والنفيس فى حقا، وجلب رضانا. (لنهدينهم) سبيل السير.
إلينا والوصول إلى جنابنا - أو انزيدنهم هداية إلى سبيل الخير، وتوفيقا لسلوكها كقوله تعالى: (والذين
اهتدوا زادهم هدى). وفى الحديث: ((من عمل بما علم ورثه الله علم مالم يعلم»، (وإن الله لمع المحسنين):
بالنصر والإعانة . اهـ بيضاوى .

١٣
ماتقص مال عهد من صدقة
[ يدرأ ] بالدال المهملة: أى يدفع ، وزنه ومعناه .
٢٢ - وَعَنْ أَبِى كَبْشَةَ الْأَنْمَرِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وَسلم يَقُولُ: ثَلاَثُ(١) أُقْسِمُ عَلَيِْنَّ، وَأُحَدَّثُكُمُ حَدِينَ فَحْفَظُوهُ ، قَالَ: مَنَقَصَ(٣)
مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلاَ ظُلمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَ إِلَّ زَادَهُ اللهُ عِزَّا، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ
بَابَ مَسْأَلَةٍ (٣) إِلَّ فَتَعَ اللهُ عَلَيْهِ بَبَ فَقْرِ (٤)، أَوْ كَلَةً نَحْوَهَا، وَأَحَدِّئُكُمُ حَدِيثًا
فَاحْفَظُوهُ . قَالَ: إََِّ الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَلاَ وَعِلْمًا فَهْوَ يَتَّقِي فِيهِ
رَبَُّ (٥)، وَ يَصِلُ فِيهِ رَحَهُ (٦)، وَيَعْلَمَ لِهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَغَزِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ
عِلْمَ وَلَ يَرْزُقْهُ مَالاَ فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاَ لَعَمِلْتُ بِعَمَلٍ فَلاَنٍ فَهُوَ
بِذِيَّتِهِ فَأَجُرُهُمَا سَوَاءِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُاللهُ مَالاَ وَلَمَ يَرْزُقْهُ عِلْماً يَخْطُ فى مَالِهِ بِغَيْرٍ عِلٍْ (٧)،
وَلاَ يَتَّقِ فِيهِ رَبٌَّ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحَهُ ، وَلاَ يَعْلَمُ بِهِ فِيهِ حَقًّا فَهُذَا بِأَخْبَثِ (٨)
اللَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمَّ يَرْزُقُهُ اللهَ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِ مَلاً لَعَمِلْتُ فِيهِ
بِعَمَلٍ فَلاَنٍ فَهُوَ بِذِيَّتِهِ، فَوِزْرُ هُمَا (٩) سَوَاء. رواه الترمذى وابن ماجه، وقال الترمذى:
حديث حسن صحيح .
٢٣ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وَسلم مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالمُتَصَدَّقِ: كَمَثَلِ رَجُلَبْنِ عَلَيْهِمَا جُنََّنِ (١٠) مِنْ حَدِيدٍ قَدِ
أخبرك صلى الله عليه وسام أن الصدقة طريق الله موصلة إلى رحمة الله جالبة رضاء مبعدة سخطه طاردة
أى أذى لك أيها المسلم .
(١) كذاع ص ٢٩٥، وفى ن ط ، وفى ن د : ثلاثة أقسم.
(٢) قل. (٣) سؤال.
(٥) يخاف الله ويعمل صالحا .
(٤) احتياج وذلة وضعة واحتقار وشدة طمع وازدراء قومه.
(٦) يزور أقاربه ويمدهم بخيره. (٧) ينفق ماله ابتغاء شهواته. (٨) أرداً. وأفظع.
(٩) ذنبهما . بين طبيب النفوس صلى الله عليه وسلم رغبات الإنسان فى الحياة:
أولا : رجل موفق مسدد الخطوات بر صالح وغنى وعالم فاستعمل بماله ما يشيد له المكرمات الصالحات،
ونفعه الله بعلمه فأثمر فى عرس المحامد ، وفعل المكارم فأفاد واستفاد .
ثانياً: عالم وفقير فعمل بعلمه وتمنى لو اغتنى لفعل خيرا فثوابه ثواب من فعل .
ثالثاً : غنى شرير أطلق عنان ماله فى فعل المفاسد، وارتكاب المحارم وطفى وبغى وقطع أقاربه، وحرم
المسكين ، فهذا فى الدرك الأسفل من النار وأرداً عاقبة ، وبئس مآله .
رابعاً: رجل فقير ولكن نيته خبيثة منعه عن الموبقات ضيق يده ولم يخش الله ولم يرجه سبحانه، ويتمنى
لو يغتنى لأجرم وسلك سبيل الدعارة، فكأنه فعل ذلك وعوقب أشتم عقاب وباء بسوء العاقبة. نسأل الله
السلامة. (١٠) درعان، واحدما جنة: ( أى وقاية). وفى ع: جبتان ص ٢٩٦.

١٤
مثل المنفق المنصدق والبخيل
أُضْطُرَّتْ أَيْدِيهِهَا (١) إِلَى تُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا(٢)، فَجَعَلَ الْتَصَدْقُ كُلَّا نَصَدَّقَ بِصَدَفَةٍ
انْبَسَطَتْ(٢) عَنْهُ حَتَّى نَفْشُى(٤) أَنَامِلَهُ، وَ تَعْفُوَ أَهُ(٥)، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّا عَّ
بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ(٦)، وَأَخَذَتْ كُلْ حَنْقَةٍ بِمَكَانِهَا (٧). قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ فَأَنَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: بِأُصْبَعَيْهِ هُكَذَا فِى جَيْبِهِ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ(٨).
رواه البخارى ومسلم ، والنسائى ، ولفظه :
مَثَلُ الْمُنْفِقِ المُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيَلِ: كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبََّانِ، أَوْجُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ
مِنْ لَدُنْ تُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ المُنْفِقُ أَنْ يَغْفِقَ انَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ، أَوْمَرَّتْ
حَّى تُجِنَّ بَنَنَهُ ، وَ تَشْفُوَ أَثَرَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُغْفِقَ فَلَصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ
مَوْضِعَهَا حَتَّى(٩) أَخَذَتْ بِتَرْقُوْتِهِ، أَوْ بِرَقَبَتِهِ، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ:
أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وَسلم يُؤَسِّعُها(١٠)، وَلاَ تَنَّسِعُ.
[ الجنة] بضم الجيم، وتشديد النون: كل ماوقى الإنسان ويضاف إلى ما يكون منه.
[ التراقى ] جمع ترقوة بفتح التاء، وضمُّها لحن: وهو العظم الذى يكون بين ثغرة نحر
الإنسان وعاتقه .
[وقلصت] بفتح القاف واللام: أى انجمعت وتشمرت، وهو ضد: استرخت وانبسطت.
(١) أى شملت الأيدى والثدى والعضوين المجاورين للعنق فهى تشبه القميص الذى ستر هذه الأعضاء فتقسم
على امحسن المتصدق ، وتضغط على البخيل وتؤلمه .
(٢) عظمتان بارزتان عند الكتف. (٣) اتسعت. (٤) تغطى. (٥) تجعله وتكمله.
(٦) ضغطت عليه وعذبته. (٧) كذاع وط، وفى ن د: مكانها.
قال النووى : معنى تقلصت: انقبضت، ومعنى يعفو أثره: أى يمحى أثر مشيه بسبوغها وكمالها، وهو
تمثيل لماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضد ذلك، وقيل : هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطى
إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعود ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له ، وقيل: معنى يمحو أثره: أى
يذهب بخطاياه ويمحوها ، وقيل فى البخيل قلصت ولزمت كل حلقة مكانها : أى يحمى عليه يوم القيامة
فيكوى بها، والصواب الأول ، والحديث جاء على التمثيل لاعلى الخبر عن كائن . وفيل : ضرب المثل بهما لأن
المتفق بستره الله تعالى بفقته، ويستر عورته فى الدنيا والآخرة كتر هذه الجنة لابسها، والبخيل كمن لبس جنة
إلى تديبه فيبقى مكشوفا بادى العورة مفتضحا فى الدنيا والآخرة. هذا آخر كلام القاضى عياض رحمه الله تعالى.
اهـ ص ١٠٩ - ج ٧ .
(٩) كذاع ود، وفى ن ط: حتى إذا أخذت
(٨) كما ط د ع ص ٢٩٦، وفى ن د : تقسم .
(١٠) كذاع ود، وفى ن ط : يوسع.

١٥
ماورد فى فضل الصدقة وإن قلت
٠ [ والجيب] هو: الخرق الذى يخرج الإِنسان منه رأسه فى الثوب ونحوه.
٢٤ - وَعَنْ مَالِكٍ رَحَهُ اللهُ أَنَّهُ بَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ مِسْكِينًاً
سَأَلَا وَهِىَ صَالْمَةٌ ، وَلَيْسَ فى بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ، فَقَالَتْ أَوْلاَةٍ (١) لَ: أَعْطِهَا إِيَّاهُ،
فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَعْطِهَا إِيَّاهُ. قَلَتْ: فَفَعَلَتْ، فَلَمَا أَمْسَيْنَاَ
أَهْدَى لَا أَهْلُ بَيْتٍ، أَوْ إِنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِي لَا شَاءً وَكَفَنَهَاَ فَدَعَتْهَاَ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ
كُلِي مِنْ هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ.
٢٥ - قَالَ مَالِكٌ: وَلَغَنِى أَنَّ مِسْكِينَا أُسْتَطْعَمَ (٢) عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَاَ
وَبَيْنَ يَدَيْهَاَ عِنَبٌ، فَقَالَتْ لِإِنْسَانِ خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إِيَّاهَا فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْجَبُ(٣)
فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللهُ عِنْهَاَ: أَتَعْجَبُ كمَّ تَرَى فِى هَذِهِ الْخَّةِ مِنْ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ (٤)؟
ذكره فى الموطأ هكذا بلاغاً بغير سند. [قوله ] وكفنها: أى ما يسترها من طعام وغيره.
٢٦ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ :
قالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ سَارقَ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّتُونَ
تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِق لَأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ
بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّتُونَ: تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ: اللَهُمَّ
لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ ، لَأْ تَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَفَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىِّ فَأَصْبَحُوا
يَتَحَدَّتُونَ تُصُدِّقَ الَّيْلَةَ عَلَى غَنِىٌّ. قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِىٌّ فَأَنِىَ
(١) خادمة. معناه أن السيدة عائشة رضى الله عنها جادت بما عندها ثقة بالله، واعتماداً على الرزاق جل وعلا
وإجابة السائل كما أمر صلى اللّه عليه وسلم، فأثابها الله سبحانه، وعوضها خيراً، وزادها برا وأجراً وإحساناً
ونعيما - ( شاة وطعاما وكل مايلزم) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم .
(٢) طلب طعاما. (٣) كذاع وط ، وفى ن د: يتعجب.
(٤) معناه أتصدق بهذا لأنال بوزنه حسنات من الله جل وعلا سبحانه المنفق المعطى المخلف. قال تعالى:
١ - ( وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) من سورة سبأ .
ب - ( وأفرضوا اللّه قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هوخيرا وأعظم أجرا واستغفروا
الله إن الله غفور رحيم ) سورة المزمل.
قال البيضاوى : يريد به الأمر فى سائر الإنفاقات فى سبيل الخيرات ، أو بأداء الزكاة على أحسن وجه
والترغيب فيه بوعد العوض كما صرح به ( وأعظم) من متاع الدنيا ( واستغفروا الله) فى مجامع أحوالكم فإن
الإنسان لايخلو من تفريط اهـ

١٦
كل امرئ فىظل صدقته حتى يقضى بين الناس
فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ: فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ (١):
فَلَعَلَّهَا أَنْ تَشْتَعِفََّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِىُّ: فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنَفْقَ مِمَا أَعْطَهُ اللهُ.
رواه البخارى ، واللفظ له، ومسلم، والنسائىّ ، وقالا فيه:
فَأْتِى، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ تَقُبَّلَتْ، ثُمَّ ذَ كَرَ الْحَدِيثَ.
٢٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ فى ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. قالَ يَزِيدُ: فَكانَ
أَبُو الْرِ مَرْتَدٌ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّ تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَىْءٍ، وَلَوْ بِكَمْكَةٍ (٢) أَوْ بَصَلَةٍ .
رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم .
٢٨ - وَفى رِوَايَةٍ لِأَبْنِ خُزَيْمَةً أَيْضًاً عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ مَرْتَدِ بْنِ
أَبِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَبِىِّ: أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ أَهْلِ مِصْرَ يَرُوحُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا رَأَيْتُهُ دَاخِلَاً
المَسْجِدَ قَطَّ إِلَّ وَفِى كُمِِّ صَدَقَةُ: إِمَّا فُوسٌ، وَإِمَّا خُبْزٌ، وَإِمَّا قَمْحٌ. قَلَ حَتَّى رُّبِمَ رَأَيْتُ
الْبَصَلَ يَحْمِلُهُ: قَالَ: فَأَقُولُ يَأَبَ اتَخْرِ إِنَّ هُذَا يُنْتِنُ فِيَابَكَ، قَالَ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ أَبِى حَبِيِبٍ
أَمَّا إِّى لَمْ أَجِدْ فِى الْبَيْتِ شَيْئًا أَتَصَدَّقُ بِهِ غَيْرَهُ، إِنَّهُ حَدَّ ثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَبِ رَسُولِ اللهِ
صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ظِلُ المُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ.
٠
٢٩ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ الصَّدَقَةَ
لَنُطْفِىُّ عَنْ أَهْلِهَاَ حَرَّ الْقُبُورِ (٢)، وَإََِّا يَسْتَظِلُّ المُؤْمِنُ يَوْمَ الْفِيَامَةِ فى ظِلِّ صَدَفَتِهِ.
رواه الطبرانى فى الكبير والبيهقى ، وفيه ابن لهيعة.
٣٠ - وَعَنِ الْحْسَنِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: فِيماً
(١) قال النووى فى باب ثبوت أجر المتصدق، وإن وقعت الصدفة فى يد فاسق ونحوه - وفيه ثبوت الثواب
فى الصدقة وإن كان الآخذ فاسقاً وغنيا ففي كل كبد حرى أجر، وهذا فى صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزى
دفعها إلى غنى . اهـ ص ١١٠ - ج ٧.
(٢) معناه يوم القامة تكون الصدقة ظلة على صاحبها، وواقية له من عذاب الله، وجنة من الهول ولو
قلت مثل قطعة من الخبر أو البصل وهذا رجل يأخذ من بيته ماوجده ولا يبالى بحقارته رجاء أن توجد له فى
الصالحات ظلل تقيه أهوال يوم الحساب، فاجتهد أخى أن تتصدق فيقيك الله شر ذلك اليوم، ويلقيك نضرة
وسروراً. (٣) الصدفة فى الدنيا تسبب ميم القبر. وتزيل لهب النار منه.

١٧
إن الله إذا ستودع شيئا حفظه
يَرْوِى عَنْ رَبَِّ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ اُفْرُغْ(١) مِنْ كَنْزِكَ عِنْدِى وَلاَ
حَرَقَ، وَلاَ غَرَقَ، وَلاَ سَرَقَ أُوِفِيكَهُ أَحْوَجَ(٢) مَا تَكُونُ إِلَيْهِ. رواه الطبرانى
.والبيهقى، وقال: هذا مرسل، وقد روينا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
إِنَّ اللّهَ إِذَا أُسْتُوْدِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ .
٣١ - وَرُوِىَ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّهَاَ قَالَتْ: يَارَسُولَ اللهِ أَفْتِنَاَ عَنِ الصَّدَقَةِ؟
فَقَالَ: إِنََّ حِجَابٌ(٣) مِنَ النَّارِ لِمَنْ احْتَسَبَهَا (٤) يْتَغِىِ بِهَا وَجْهَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. رواهالطبرانى.
٣٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِىَ اللهُ عنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
لاَيُخْرِ جُ رَجُلٌ شَيْئاً مِنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهَا ◌ْلحَى(٥) سَبْعِينَ شَيْطَانًا. رواه أحمد
والبزار والطبر انى وابن خزيمة فى صحيحه، وتردّد فى سماع الأعمش من بريدة، والحاكم والبيهقى،
وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، ورواه البيهقى أيضا عن أبى ذرّ موقوفا عليه قال:
مَا خَرَ جَتْ صَدَقَةٌ حَتّى يُفَكَّ عَنْهَ لَيَا سَبْعِينَ شَيْطَانًا كُلُّهُمْ يَنَهَى عَنْهاَ .
٣٣ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَ كْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ
مَالًا مِنْ نَخْلٍ ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَإِلِهِ إِلَيْهِ يَبْرُحَءِ، وَ كَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ
رَسُولُ الله صلى الله عليه وَسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ
هَذِهِ الْآيَةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبَرَّ حَتّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَلَى يَقُولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا
◌ِمَّا تُحِبُّونَ، وَ إِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِ إِلَىَّ يَبْرُحَاءِ، وَإِنَّهَ صَدَقَةُ أَرْجُو بِّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ
فَضَعْهاَ يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ . قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ◌َخٍْ ،
ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذُلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مختصراً .
[ بيرحاء] بكسر الباء وفتحها ممدوداً: اسم لحديقة نخل كانت لأبى طلحة رضى الله عنه
(١) ادخر وجد وأنفق من مالك مدخراً ثواب ذلك عندى، سبحانه يحفظ هذا من الضياع فلا يصيبه أى
تلف ثم يثيبه ويقدم له الجزاء الأوفى عندموته يفتح له نعيم الجنة ويغدق عليه رحماته فيدرك جزاء إحسانه ويبعد
عنه الحساب والأهوال. (٢) أقدم لك هذا عند الشدة، واحتياجك إلى من ينقذك من العذاب.
(٣) سائر ومانع وواق. (٤) أعطاها طالباً ثواب الله فقط.
(٥) معناه إخراج الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيما حرصوا على عدم أدائها .
(٢ - الترغيب والترهيب - ٢)

١٨
الحث على الصدقة ولو بترك الأذى
وقال بعض مشايخنا: صوابه بَيْرَحى : بفتح الباء الموحدة ، والراء مقصوراً ، وإنما:
صحفه الناس .
وقوله [ رابح ] روى بالباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت.
٣٤ - وَعَنْ أَبِى ذَرِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا تَقُولُ فِى الصَّلاَةِ؟
قالَ: تَمُ الْعَمَلِ (١). قُلْتُ: يَارَسُولَ الهِ: تَرَ كْتُ أَفْضَلَ عَمَلٍ فِى نَفْسِي أَوْ خَيْرَهُ؟ قالَ:
مَاَهُوَ؟ قُلْتُ: الصَّوْمُ. قالَ: خَيْرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَىُّ الصَّدَقَةِ.
وَذَ كَرَ كَلِمَةَ. قُلْتُ: فَإِنْ كَمْ أَقْدِرْ؟ قَالَ: بِفَضْلِ (٢) طَعَمِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ (٣) لَمْ أَفْعَلْ؟
قالَ: بِشِقِّ(٤) تَمْرَةٍ. قُلْتُ: فَإِنْ كَمْ أَفْعَلْ؟ قالَ : بِكَمَةٍ طَيِّبَةٍ (٥) . قُلْتُ : فَإِنْ كَمْ
أَفْعَلْ؟ قَالَ : دَعِ النَّاسَ(٦) مِنَ الشَّرِّ فَإِنّهاَ صَدَقَةٌ تَصَّدَّقُ بِهَ عَلَى نَفْسِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ كَمْ
أَفْعَلْ؟ قالَ: تُرِيدُ أَنْ لاَتَدَعَ(٧) فِيكَ مِنَ الَخْرِ شَيْئًا. رواه البزار، واللفظ له وابن حبان
فى صحيحه أطول منه بنحوه، والحاكم، ويأتى لفظه إن شاء الله .
٣٥ - وروى البيهقى، ولفظه فى إحدى رواياته قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وَسلم: مَذَا يُنْجِى الْعَبْدَ مِنَ النَّارِ؟ قالَ: الْإِيمَانُ بِاللهِ(٨). قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِمَعَ الْإِيمَانِ
◌َمٌَ؟ قالَ: أَنْ تَرْضَخَ(٩) مِمَا خَوَّلَكَ (١٠) اللهُ، وَتَرْضَخَ يِمَّا رَزَقَكَ اللهُ. قُلْتُ:
يَا نَبِىَّ اللهِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَجِدُ مَا يَرْضَخُ ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالَعْرُوفِ (١١) وَيَنْهَى(١٣) عَنِ
(١) حسن أدائها وإتمام أركانها وسننها. (٢) ما زاد عن حاجتك وحاجة عيالك تصدق به.
(٣) كذا ع ص ٢٩٨ ود، وفى نط: إن. (٤) تصدق إن لم تجد شيئاً بنصف تمرة، أو بما يوازى
قيمتها ليكون لك القدح المعلى مع المتصدقين فتجود النفس بما تملك .
(٥) تصدق بطيب الكلام ، وحسن الألفاظ، واجتناب الكلام البذيء.
(٦) اترك الشر ولا تسع فى الضرر، وكن محضر خير، ورسول سلام، وداعى إصلاح ومودة.
(٧) أن لا تترك. جواب بديع: أى لابد للإنسان أن يكون فيه ذرة من خير، ولا يخلو من محامد ، فهذا
أبو ذر رضى الله عنه يكثر من - فإن لم أفعل ـ فيسهل عليه صلى الله عليه وسلم الجواب، ويدعوه إلى عمل
5. ولو قل من نصف تمرة أو ألفاظ حسنة عذبة أو اجتناب الشرور وترك القبائح وإلافياخيية من لم يفعل ذلك،
ولم تكن فى صحيفته حسنات من الصالحات، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((تريد أن لا تدع فيك من الخير شيئاً)»
أى تود يا أبا ذر ألا يكون لك شىء من المكارم وإن حقر -. وفيه أن الإنسان يضرب بسهم صائب فى
الإنفاق وتشييد الطيبات ويتصدق بما زاد عن طلباته الضرورية ويحسن القول ويتقى الله.
(٨) التصديق بوجوده سبحانه وتعالى، والثقة به. (٩) تعطى عطاء قليلا.
(١٠) ملكك الله، والتخول: التعهد. (١١) يرشد إلى الخير وينصح ويدعو إلى الفضائل، وبحث.
على اجتناب الرذائل، وينهى عن القبائح. (١٢) فليساعد الأحمق وليقبض على يد المجرم وليمع الأشرار.

١٩
إن البلاء لايتخطى الصدقة
المُنْكَرِ . قُلْتُ: إِنْ كَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْمُرَ بِالَعْرُوفِ، وَلاَ يَنْهَى عَنِ الْكَرِ ؟قالَ :
فَلْيُمِنِ الْأَخْرَقَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأيْتَ إنْ كانَ لاَيُحْسِنُ أَنْ يَصْنَعَ ؟ قالَ :
فَلْيُعِنْ مَظْلُمَا(١). قُلْتُ: يَا نَبِىَ اللهِ! أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ضَعِفَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يِمِينَ مَظْلُوماً؟
قالَ: مَاتُرِيدُ أنْ تَتْرُكَ لِصَاحِبِكَ(٢) مِنْ خَيْرٍ، لِيْسِكُ(٢) أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ. قُلْتُ:
يارَسُولَ اللهِ أَرَأيْتَ إِنْ فَعَلَ هُذَا يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ؟ قالَ: مَآَمِنْ عِبْدٍ مُؤْمِنٍ يُصِيبُ حَصْلَةً
مِنْ هَذِهِ الْصَالِ إلَّا أَخَذَتْ بِيَدِهِ (٤) حَتَّى تُدْخِلَهُ الْنَّةَ.
٣٦ - وَرُوِىَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: الصَّدَقَةُ (٥) تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ السُّوءِ. رواه الطبرانى فى الكبير.
٣٧ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَلِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسا: بَاكِرُوا(٦) بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلاَءَ لَا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ. رواه البيهقى مرفوعاوموقوفا
(١) فليزل آلام المكروب وأضرار المصاب ويبعد الباطل ويحق الحق ويفت المستغاث وينجد المتألم.
(٢) كفى هذا الضعف ألا تحب ألا يكون لك عمل صالح ومروءة تثاب عليها؟. (٣) ليمنع ويصد.
(٤) المعنى أن الخصلة المحمودة تقوده إلى نعيم الجنة، وتضىء له سبل الاحترام، وفيه الحث على عمل البر
والضرب بسهم فى تنفيذ أوامر الله، واجتناب مناهيه. (٥) الإحسان والإنفاق لله تمنع الشرور، وتصد
الأذى وغفل سبعين بابا من الضرر والهلاك والفقر والمرض وهكذا من الأعمال المؤلمة المؤذية ، وفيه الحث على
عمل الخير ابتغاء وجه الله ليجاب الطلب ويزول الكرب ، ويفك العسير.
(٦) أسرعوا بتقديم صدقة لله فإنها تمنع المصائب ولا تعدوها الآلام، وكان رأينا من مريض شفاه الله
لإحسانه ومسألة عسيرة سهلها الله بالصدقة، ودين زال بفعل الخير لله، وآمال مسر الله وجودها بالإنفاق وقد
أجد فى قوله تعالى: ( ألم تر إلى الذين قيل أُلهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) دليلا ناجعا ودواء
شافيا للوصول إلى نصر الله ولإغداق رحمته على المحافظ على أداء الصلاة والزكاة فهذا أمر منه سبحانه وتعالى
بالكف عن القتال وإقامة الصلاة وإخراج الزكاة حتى يأتى نصر الله ويشرق فتح الله. الاستفهام تعجبى! أى
تعجب يامحمد من قومك كيف يكرهون القتال ، مع كونهم قبل ذلك كانوا طالبين له ، وراغبين فيه ، منهم :
عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود ، وسعد بن أبى وقاص، وقدامة بن مظعون ، وجماعة كانوا بمكة
يتحملون أذى الكفار ، والله يأمرهم بالتحمل والصبر، فلما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة
أمروا بالقتال، وكراهتهم غلبت الرأفة عليهم أو المحبتهم المعيشة، قال الصاوى: ولما نزلت الآية أقلعوا عما خطر
ببالهم ، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد، وجاهدوا فى الله حق جهاده . اهـ، ودليلنا العكوف على عبادة
اللّه مع الإخلاص فى إقامة هذين الركين: الصلاة، والزكاة. قال تعالى: ( الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله
والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ) ٧٧ من سورة
النساء. يسر الله للمسلمين الخروج إلى المدينة، وبقى بعضهم إلى فتح مكة حتى شعروا بالعزة، وجعل الله لهم من
لدنه خير ولى وناصر، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولما خرج صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أبى أسيد
فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا .

٢٠
باكروا بالصدقة فإن البلاء لايتخطاها
على أنس ، ولعله أشبه .
٣٨ - وَعَنْهُ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تَصَدَّقوا،
فَإِنَّ الصَّدَقَةَ فِكَ كُكُمْ مِنَ النَّارِ. رواه البيهقى من طريق الحارث بن عمير عن حميد عنه.
٣٩ - وَرُوِيَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: بَاكِرُوا(١) بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلاَءَ لَا يَتَخَطَّاهَا(٢). رواه الطبرانى، وذكره
رزين فى جامعه وليس فى شىء من الأصول .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان ينصر الضعيف من القوى حتى كانوا أعز بها من الظالمة. هذه أوامر
الله ياأخى للمستضعفين ( من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أجلها
واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) ٧٦ سورة النساء. والقرية، مكة": قوم ضعفوا عن
الهجرة مستذلين ممتحنين ، ولكن حافظوا على أداء اثنتين: ( الصلاة والزكاة) حتى استجاب الله دعاءهم،
ونصرهم نصرا مؤزرا. قال البيضاوى: وإنما ذكر الولدان مبالغة فى الحث، وتنبيهاً على تناهى ظلم المشركين
بحيث بلغ أذاهم الصبيان ، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم فى الدعاء حتى يشاركوا فى استنزال الرحمة
واستدفاع البلية، وقيل: المراد به العبيد والإماء ، وهو جمع وليد. اهـ بيضاوى ص ١٤٥.
ما أشبه حالتنا اليوم بحالة صدر الإسلام فى الضعف والذلة، ولكن شتان بين عمدا وعمل رجاله الأبطال
رضوان الله عليهم. إنهم أدوا أوامر الله بإخلاص وعزيمة قوية فصبروا ونجحوا، وفتح الله لهم فتحاً مبينا فبدل
الله ذلهم عزا، وفقرهم غنى. ونحن الآن فى هذا الزمان نرى تقصيرا فى حقوق الله)، ورجالا نفوسهم غافلة عن
طاعة اللّه وذكر الله، والصلاة والزكاة لله. ألم يأن للمسلمين أن يتوبوا ويصلوا ويزكوا ويستقيموا رجاء أن
اللّه بعزهم كما أعز أهل مكة، ويرعاهم برحمته وإحسانه، فإنه تعالى أمرهمبالقتال، تجاهدوا واستبسلوا فى سبيل
نصر دين الله، ولكن دعانى إلى ذكر هذه الآيات حى الشديد لأمر الله. لأولئك الصابرين المحتسبين
المستضعفين بالصلاة والزكاة حتى أراد الله فقواهم، وأشرق شمس الإسلام وأضاء الحق، وعم نوره. قال تعالى
لحبيبه صلى الله عليه وسلم: ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد ١٩٧ متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس
المباد ١٩٨ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وماعند الله خير
للأبرار ) ١٩٩ من سورة آل عمران .
قال البيضاوى: الخطاب للنى صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه، والمعنى:
لاتنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ ولا تغتر بظاهر ماترى من تبسطهم فى مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم
روى أن المؤمنين كانوا يرون المشركين فى رخاء ولين عيش ، فيقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد
هلكنا من الجوع والجهد فنزلت قال عليه الصلاة والسلام ((ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه
فى اليم فلينظر بم يرجع؟)) اهـ بيضاوى.
وشاهدنا الزهاد فى المتاع الفانى، والدعوة إلى التصدق فى جنب ما أعد الله للمحسنين.
(١) سارعوا بها. (٢) أى لا يجاوزها، يعنى لا يلحق صاحبها، وفيه طلب الإقبال على الإنفاق لله
رجاء أن يصد العوادى ويمنع المصائب ويخفف سبحانه فى قضائه ويلطف فى قدره .