النص المفهرس

صفحات 1-20

التّرْ غَيْرَ وَالتَّهِيب
مِنْ الحديث الشريف
تأليف
الإمام الحافظ زكى الدين
عبد العظيم بن عبد القوى المندرى
المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، رحمه الله تعالى آمين
ضبط أحاديثه، وعلق عليه بفتح جديد من الله سبحانه وتعالى المرحوم
مِصْطُ محمد عمارة
خريج دار العلوم ومن كبار مدرسى وزارة المعارف المصرية
الْجُزْءُ الأولُ
حق إعادة الطبع والنقل محفوظ
للناشر
وَارُ
احيَاء التراث العَربي
بيروت - لبنان

الطبعة الثالثة
١٣٨٨ هـ = ١٩٦٨ م

مقدمة الطبعة الأولى
نسِيَاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى له مافي السموات وما فى الأرض وله الحمد فى الآخرة وهو الحكيم
الخبير ، يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم
الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله بعث فى الأميين رسولا منهم يتلوعليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم
الكتاب والحكمة ، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله ناداه مولاه فزاده إجلالا وإكراما
(يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ،
وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ، ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم
وتو کل على الله و کفی بالله و کیلا) فأدّی صلى الله عليه وسلم الأمانة ، وبلغ الرسالة ، وجاهد
فى الله حق جهاده ، ونطق بالحكمة وفصل الخطاب ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه والعاملين بسنته الأبرار الصالحين المتقين .
أما بعد : فيقول الله تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل
لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ٧٨ من سورة النحل .
يا ابن آدم خلقك الله جاهلا لا تعرف شيئا من الحياة، وهيأ لك ثلاثة أسور الفهم والإدراك
لعلك تصغى إلى ما ينفعك، وترى ما يقدِّمك، فتحمد الله تعالى على ماوهب لك من كمال العقل.
قال البيضاوى : جهالا مستصحبين جهل الجمادية، سبحانه جعل أداة تتعلمون بها فتحسون
مشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها، ثم تنتبهون بقلوبكم لمشاركاتها ومبابنات بينها بتكرّر
الإحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر
فيها (لعلكم تشكرون) كى تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور فتشكروه اهـ.
ذكرت هذه الآية استدلالا على أن الإِنسان فى حاجة إلى البحث وكثرة الاطلاع ليغذى
نفسه بلبان العلوم والمعارف ويذكرها بالموعظة الحسنة، ولن أجد نبراسامضيئا، وسراجا وهاجا
ومصباحا منيرا أدعى إلى الهداية والإرشاد، مثل كتاب الله جلّ وعلا، وأحاديثرسول اللهصلى
الله عليه وسلم يهديان الناس إلى المحجة الواضحة، ويبصرانهم مواطن الحجة الناصعة، وجماع
الخير كله [ الترغيب والترهيب] عكفت على قراءته من سنة ١٣٤٩ من هجرة سيدنا رسول الله

- ٤ -
صلى الله عليه وسلم وأخرجت مختارات تزيد عن ألفين ولما تطبع . ثم راجعت الكتاب كله
وضبطت ألفاظ أحاديثه ضبطا وافيا وأسماء الرواة رضى الله عنهم ، ثم عقبت كل باب من
أبوابه بذكر طائفة من الآيات القرآنية التى تناسب أن يذكرها الواعظ المرشد ، والناصح
الأمين، والمهدى المخلص ، والشارح الوافى كما ذيلتها بشرح [فتح جديد] كما ألهم الله سبحانه
وتعالى يفسر غريب ألفاظها ، ويحلّ مستغلق كمتها ، وأوردت كل ما تمس إليه الحاجة
فى فهمها، والاستدلال بعرضها، فجاء والحمد لله كتابا جميلا حوى آيات بينات، وحكما
خالدات ، وقرآنا عربيا مبينا، شنف آذان المسلمين بآيه الناطقة ، وأثلج صدورهم بحكمه
البالغة ، وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة ، فكان مصدر خير ، ومبعث نور ، وشمس
هداية أضاءت للعالم سبل المصالح ، وهدتهم خطط العمل الناجح. ثم حوى جملة من كلام
خير البشر عليه الصلاة والسلام الذى أرسله الله على حين فترة من الرسل ، وحاجة من البشر،
فأهاب بالعقول من سباتها ، وأخذ بالنفوس عن غيها ، وعرض على الأنظار خيالة تمثلت فيها
آى الكون الصامتة صلى الله عليه وسلم، أدّبه ربه فوصفه سبحانه بقوله ( وإنك لعلى خلق
عظيم) فكان تكوينه خير تكوين وتثقيفه أوّل تثقيف صلى الله عليه وسلم، بلغ الرسالة، وأدى
الأمانة ، وإنها لأحاديث منتقاة متخيرة آية فى الإبداع والإرشاد، تفصل شؤون الحياة، وتوضح
مجمل المحامد، وتجلب كل المحاسن، وتضرب فى صميم المفكرات والقبائح، فتزيل كل معوج،
وتجارى العصر الحاضر ونهضته المباركة فى طلب الاستقامة والكدّ والجدّ وَالاشتغال بالأعمال
الصالحة ، وشرحتها بعبارة سهلة يلمحها الأديب فيروقه وصفها ، ويقرؤها المربى فيسايره
نهجها، وينظرها القارئ الساذج فيسهل عليه فهمها، وتروى منها نفسه. تراه ياأخى لكل
واعظ غنية ، ولكل تقيّ بغية ، ولكل راغب فى الدين منية ، ولكل خلق ثمرة غضة
(وجنى الجنتين دان) مالئا نفس الراغب، سادّا جوعة الناهم، وأعدّ هذا إلهاما، راجيا
من العلم سبحاته أن يهب لى توفيقا، ويرزقتى الهداية والصحة والعافية، ويمدنى بروح منه،
ويظلفى فى ظلال السعادة، ويمدنى بعنايته لأبعد من الزلل، فهو الهادى المستعان ( يؤتى
الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب).
وحسبك قول الحافظ المنذرى فى فائدة هذا الكتاب المستطاب (سألنى بعض الطلبة الخذاق
أولو الهمم العالية ممن اتصف بالزهد فى الدنيا والإقبال على الله عز وجل بالعلم والعمل، زاده الله
قربا منه وعزوفا عن دار الغرور، أن أملى كتابا جامعا فى الترغيب والترهيب مجردا عن التطويل
بذكر إسناد أو كثرة تعليل ؛ فاستخرت الله تعالى وأسعفته بطلبته ؛ لما وقر عندى من صدة

-
نيته ؛ وإخلاص طويته ، وأمليت عليه هذا الكتاب صغير، الحجم ، غزير العلم ؛ حاويا لما
تفرّق فى غيره من الكتب ) اهـ.
أعجبنى هذا القول العذب فأ كثرت الإمعان فيه، والنظر إلى مراميه ، وعقلت معانيه،
وأشعر بانشراح صدر، والحمد لله لجنى ثماره، وقطف أزهاره ، ونحن الآن فى حاجة إليه لأنا
فى زمن كثر الانصراف فيه عن الدين ، وحبب إلى الناس الدنيا وزخارفها ، وغرّتهم المدنية
الحديثة بسرابها الخادع وبعدوا من السنة وآدابها، ولنا رجاء فى المولى جلّ وعلا أن يشمل
المسلمين برحمته فيعملوا بالكتاب والسنة ليسعدوا ، ولعل هذا السفر ينال حظا وإقبالا على
قراءته وينظر إليه المؤمنون ، فينقع غلة الصادى ، ويشفى علة المرتاب .
وإنى أمدّ أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة المضطرّين أن ينفع به كأصله ويرزقنى فيه
الإخلاص ، ليكون لى كفيلا فى الآخرة بالخلاص ، وإنى أشكر الله مدده ورعايته إذ أشرقت
شموس الوعظ والإرشاد فى ربوع العالم وتصدّى للعلم وتعليمه العلماء الأكفاء، والسادة الفضلاء،
وقاموا بقسط وافر، وعمل زاخر، جزاهم الله خيرا. والفأل الحسن اليوم ١٣٧٣/٥/٢٧ هـ
إقبال قادة المسلمين على الاطلاع عليه والاستضاءة بأنوار أحاديثه صلى الله عليه وسلم.
وإنى أشكر لرجال دار الكتب الملكية عنايتهم المضاعفة ، وهمتهم العالية ، فقد يسروا
لنا الطرق المعبدة فى البحث والتنقيب والمراجعة والتصحيح على عدة نسخ مخطوطة من كتاب
[الترغيب والترهيب] وقد اعتمدت على كتاب محضر من جامع شيخون فى ٥ يونيه نمرة ١٢٠
حديث ، وقفه المرحوم محمد صالح أفندى شربى زادة لطلبة العلم سنة ١٢٦٢ هـ، وفى آخر
هذه العبارة (ووافق الفراغ من كتابته نهار الثلاثاء تاسع عشر المحرّم سنة ٨٢٥ هـ بصالحية
دمشق المحروسة على يد المرحوم على بن يوسف البانياسى الشافعى غفر الله له ) .
ثم راجعت على نسخة ثانية فى آخرها هذه العبارة (كتبها الشيخ محمد ابن الشيخ محمد
ابن أحمد زهران الأجهورى فى عشرة من صفر سنة ١٢٠٢ هـ).
ثم قام حضرة أخي العزيز المحترم الفاضل الأستاذ (مصطفى أفندى محمد عبد القادر) المدرس
بالمدارس الأميرية بالمراجعة وضبط ألفاظ الأحاديث على النسخ المخطوطة بدار الكتب.
وقد ساعدنى حضرة الأستاذ المحدث التقى الشيخ أحمد بن الصديق المغربى نزيل مصر
الآن على شراء نسخة مخطوطة من سنة ٨٤٩ هـ.
أراجع عليها الآن مرة ثانية فى أثناء الطبع انظر ((ص ٣٧٦ ج أول من الترغيب))

-٦ -
نبدّة فى مصطلح الحديث وفن أصوله
بِسْرِ مُالرّمِالرَّمُ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين .
أقسام الحديث
النوع الأول : الصحيح : ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة :
أى لا أنه غير مقطوع به ؛ ومعنى غير الصحيح لم يصح إسناده ، وقيل المختار أنه لا يجزم
فى إسناد أنه أصبح الأسانيد مطلقا، وقيل أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه ، وقيل عن
ابن سيرين عن عبيدة عن علىّ، وقيل الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ،
وقيل الزهرى عن علىّ عن الحسن عن أبيه عن على ، وقيل مالك عن نافع عن ابن عمر ،
فعلى هذا قيل الشافعى عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهم .
الكتب الصحيحة
أوّل مصنف فى الصحيح المجرد صحيح البخارى . ثم مسلم ، وهما أصح الكتب بعد
القرآن الكريم، والبخارى أصحها وأكثرها فوائد ، واختص مسلم بجمع طرق الحديث
فى مكان . وسنن أبى داود والترمذى والنسائى، تلك أصول خمسة لم يفتها إلا اليسير،
وجملة مافى البخارى ٧٢٧٥ حديثا بالمكرر، وبحذف المكرر (٤٠٠٠). ومسلم بإسقاط
المكرّر نحو (٤٠٠٠).
ثم إن الزيادة فى الصحيح تعرف من السنن المعتمدة كسنن أبى داود والترمذى
والنسائى وابن خزيمة والدارقطنى والحاكم والبيهقى وغيرها منصوصا على صحته.
والكتب المخرّجة على الصحيحين لم يلتزم فيها موافقتهما فى الألفاظ حصل فيها تفاوت
اللفظ والمعنى، وكذا ما رواه البيهقى والبغوى وشبههما قائلين : رواه البخارى ومسلم وقع
بعضه تفاوت فى المعنى .
أقسام الصحيح . أعلاها ما اتفق عليه البخارى ومسلم ، ثم ما انفرد به البخارى ،
ثم مسلم، ثم ما على شرطهما، ثم ما على شرط البخارى، ثم مسلم، ثم صحيح عند غيرها، وإذا
قالوا صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين .

- ٧ -
النوع الثانى: الحسن : قال الخطابي رحمه الله: هو ماعرف مخرّجه واشتهر رجاله، وعليه
مدار أكثر الحديث ويقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وإذا قيل حسن صحيح :
أى روى باسنادين: أحدهما يقتضى الصحة ، والآخر الحسن .
النوع الثالث: الضعيف: وهو مالم يجمع صفة الصحيح أو الحسن، وربمالقب بالموضوع
أو الشاذ .
النوع الرابع: المسند : قال الخطيب البغدادى: هو عند أهل الحديث ما اتصل سنده إلى
منتهاه، وأكثر ما يمتعمل فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره .
النوع الخامس: المتصل: ويسمى الموصول: وهو ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا
على من كان .
النوع السادس: المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا يقع مطلقه
على غيره متصلا كان أو منقطعا .
النوع السابع: الموقوف: وهو المروى عن الصحابة قولا لهم أو فعلا أو نحوه متصلا كان
أو منقطعا ، ويستعمل فى غيرهم مقيدا فيقال وقفه فلان .
النوع الثامن : المقطوع: وهو الموقوف على التابعى قولا له أو فعلا، واستعمله الشافعى
ثم الطبر انى فى المنقطع .
النوع العاسع: المرسل: مارواه التابعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا.
ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدّثين والشافعى وكثير من الفقهاء وأصحاب
الأصول . وقال مالك وأبو حنيفة فى طائفة صحيح ، وقيل مرسل الصحابى محكوم بصحته .
: النوع العاشر: المنقطع: هو الذى لم يتصل إسناده على أىّ وجه كان انقطاعه، وأكثر
ما يستعمل فى رواية من دون التابعى عن الصحابى كالك عن ابن عمر .
وقيل هو الذى اختلّ فيه رجل قبل التابعى محذوفا كان أو مبهما .
النوع الحادى عشر: المعضل: ماسقط من إسناده اثنان فأكثر، ويسمى منقطعا، ويسمى
مرسلا عند الفقهاء ، وقيل ما قال فيه الراوى: بلغنى، كقول مالك بلغنى عن أبى هريرة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((للمملوك طعامه وكسوته)) يقال أعضل فهو معضل.
الإِسناد المعنعن: هو فلان عن فلان ، قيل إنه مرسل، وقيل متصل بشرط أن لا يكون
المعنعن مدلسا ، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا .
وفى اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف: منهم من لم يشترط
شيئا من ذلك وهو مذهب مسلم بن الحجاج ادعى الاجماع فيه ، ومنهم من شرط اللقاء وحده
C

- ٨ -
وهو قول البخارى وابن المدينى والمحققين ، ومنهم من شرط طول الصحبة، ومنهم من شرط
معرفته بالرواية عنه .
النوع الثانى عشر : التدنيس .
(١) تدليس الإسناد: بأن يروى عمن عاصرهم مالم يسمعه منه موهما سماعه قائلا: قال
فلان أو عن فلان ، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره ضعيفا أو صغيرا تحسينا للحديث.
(٢) تدليس الشيوخ: بأن يسمى شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لم يعرف.
أما الأول فمكروه جداً . قال عنه العلماء : من عرف به صار مجروحا مردود الرواية،
وأما الثانى فكراهته أخف ، وسببها توعير طريق معرفته .
النوع الثالث عشر الشاذ: ماروى الثقة مخالفاً رواية الناس ، لا أن يروى مالا يروى
غيره ، هذا عند الشافعى وجماعة من علماء الحجاز .
قال الخليلى: والذى عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة
أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمتروك ، وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به .
النوع الرابع عشر: معرفة المنكر. قال الحافظ البرديجى : هو الفرد الذى لا يعرف متنه
عن غیر راویه ( بردیچ )) بلد بآذربيجان .
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد. فالاعتبار أن يروى حمادمثلا
حديثا لا يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم .
والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهى المتابعة التامة ، أو عن ابن سيرين غير أيوب ،
أو عن أبى هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبى صلى الله عليه وسلم صحابىّ آخر: والشاهد
أن يروى حديثا آخر بمعناه .
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها : مذهب الجمهور قبولها مطلقا .
وقيل تقبل إن زادها غير من رواه ناقصا ، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصا .
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد (١) فرد عن جميع الرواة (٢) بالنسبة إلى جهة
كقولهم : تفرّد به أهل مكة أو فلان .
النوع الثامن عشر : المعلل: أى وجود سبب غامض قادح فيه مع أن الظاهر السلامة منه
يفهمه أهل الحفظ والخبرة والفهم السابق .
النوع التاسع عشر: المضطرب هو الذى يروى على أوجه مختلفة منفردا به، والحكم للراجح
النوع العشرون: المدرج (١) ما يذكر الراوى عقيب كلامه صلى الله عليه وسلم كلاما
لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا فيتوهم أنه من الحديث (٢) أن يكون عنده متنان

- ٩ -
بإسنادين فيرويه بأحدهما. (٣) أن يسمع حديثا من جماعة مختلفين فى إسناده أو متنه
فيرويه عنهم باتفاق ، وكله حرام .
النوع الحادى والعشرون: الموضوع هو المختلَق المصنوع، وشرّه الضعيف، ويحرم روايته
مع العلم به فى أى معنى كان إلا مبينا، ويعرف الوضع باقرار واضعه، أو معنى إقراره، أو ركاكة
فى لفظه ومعناه .
النوع الثانى والعشرون: المقلوب هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليرغب فيه.
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته أن يكون عدلا ضابطا مسلماً بالغا عاقة
سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة ، متيقظا حافظا إن حدّث من حفظه، ضابطا لكتاب
إن حدّث منه ، عالما بما يحيل المعنى إِن روى به .
من كفر ببدعته لم يحتج به، ومن أخذ على التحديث أجرا لاتقبل روايته عند أحمد وإسحق
وأبى حاتم، ولا تقبل رواية من عرف بالتساهل فى سماعه أو إسماعه، وأنفاظ التعديل: ثقة
أو متقن ، أو ثبت، أو حجة، أو عدل حافظ ، أو ضابط، أو صدوق ، أو خله الصدق.
النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه:
بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها
(١) الإِجازة: أن يجيز معينا لمعين كأجزتك البخارى، أو ما اشتملت عليه فهرستى.
(ب) أن يجيز معيناغيره كأجزتك مسموعاتى، جوّز الجمهور الرواية وأوجبوا العملبها ..
(جـ) يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت المسلمين، أو كل أحد، أو أهل زمانى.
(د) إجازة مجهول أوله كأجزتك كتاب السنن، وهو يروى كتبا فى السنن .
المناولة (١) مقرونة بالإجازة، هى أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه ويقول هذا
سماعى أو روايتى عن فلان فاروه، أو أجزت لك روايته عنى ثم يبقيه معه تمليكا، أو لينسخه
أو نحوه، أو يعرض سماعه ليرويه عنه. (٢) المجرّدة أن يناوله مقتصرا على (هذا سماعى)
فلا تجوز الرواية بها .
المكاتبة: هى أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، وهى ضربان : مجردة
عن الإجازة ، ومقرونة بأجزتك ما كتبت لك ، وهى فى الصحة والقوة كالمناولة المقرونة.
إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصرا عليه ، جوّز
أهل الحديث الرواية به .

----
- ١٠ -
الوصية: أن يوصى عندموته أو سفره بكتاب يرويه الصواب لا يجوز للموصى له روايته عنه
الوجادة: أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فا، أن يقول وجدت أو قرأت
بخط فلان أو فى كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن .
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه .
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث .
النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث : على الحديث شريف يناسب مكارم
الأخلاق ومحاسن الشيء، وهو من علوم الآخرة ، من حرمه حرم خيرا عظيما، ومن رزقه نال
فضلا جزيلا ، فعلى صاحبه تصحيح النية وتطهير قلبه من أغراض الدنيا واختلف فى الن الذى
يتصدى فيه لإسماعه، والصحيح أنه متى احتج إلى ما عنده جلس له فى أىّ سن كان. وينبغى أن
يمسك عن التحديث إذا خشى التخليط بهرم أو خرف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس
( فصل) الأولى أن لايحدّث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره، وقيل يكره
أن يحدّث فى باد فيه أولى منه. وينبغى له إذا طلب منه ما يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه
فالدين النصيحة ، ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى محتها ،
وليحرص على نشره مبتغيا جزيل أجره .
(فصل) ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب، ويسرح لحيته
ويجلس متمكنا بوقار، فإن رفع أحد صوته زبره ، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويفتتح مجلسه
ويختتمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، ودعاء يليق بالحال بعدقراءة
قارئ حسن الصوت شيئامن القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سردا يمنع فهم بعضه، واللهأعلم.
ويستحب للمحدِّث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث ، ويستعلى مرتفعا ، ويتخذ متيقظا
يبلغ عنه إذا كثر الجمع، ويستنصت المستعلى الناس بعد قراءة قارئ" حسن الصوت شيئا من
القرآن ، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ويتحرّى الأبلغ فيه.
وإِذا ذكر صحابيا قال: رضى الله عنه، أو ابنه قال: رضى الله عنهما، ويثنى على شيخه حال
الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف .
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث: تصحيح النية والإخلاص لله تعالى
فى طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتديد والتيسير،
وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب. ثم ليفرغ جهده فى تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده
إسنادا وعلما وشهرة ودينا وغيره، فاذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحفاظ المبرزين،
و يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب، فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه والله أعلم

- ١١ -
وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك إجلال العلم وسبب الانتفاع به ، ويتحرى
رضاه ولأيضجره، وليستشره فى أموره وما يشتغل فيه، وإِذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره
فان كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة، فان من بركة الحديث إفادته، وبنشره ينمى، ولا يمنعه الحياء
والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم من دونه فى نسب أوسن أو غيره ، وليصبر على
جفاء شيخه، وليعتن بالمهمّ، ولا يضيع وقته فى الاستكثار من الشيوخ لمجرّد اسم الكثرة.
وليتعرف صحة مايفهم وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققاً كل ذلك
معتليا بإتقان مشكلها حفظا وكتابة ، مقدما الكتب الصحيحة .
النوع التاسع والعشرون : معرفة الإسناد العالى والنازل :
(١) أجلها القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح نظيف.
(٢) القرب من إمام من أئمة الحديث وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٣) العلوّ بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة أو غيرها من الكتب المعتمدة.
النوع الثلاثون : المشهور من الحديث، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن
مثلهم . وهو قسمان : صحيح ، وغيره ، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم،
ومنه المتواتر المعروف فى الفقه وأصوله ، ولا يذكره المحدِّثون.
النوع الحادى والثلاثون : الغريب والعزيز: فالغريب ما انفردوا بروايته، أو بزيادة
فى متنه أو إسناده وانفرد عن الزهرى وشبهه ممن يجمع حديثه رجل ، فان انفرد اثنان
أو ثلاثة سمى عزيزا ، فان رواه الجماعة سى مشهورا، وغريب الحديث ماوقع فى متن الحديث
من لفظة غامضة بعيدة من المهم لقلة استعمالها .
النوع الثانى والثلاثون : المسلسل : وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة ،
للرواة تارة والرواية تارة ، وصفات الرواة أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كملل
التشبيك باليد والعدّ فيها ، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها
كل رجالها دمشقيون وكمسلسل الفقهاء وصفا كالمسلسل بسمعت أو بأخبرنا .
النوع الثالث والثلاثون: ناسخ الحديث ومنسوخه. النسخ رفع الشارع حكما منه
متقدما بحكم منه متأخر . فمنه ماعرف بتصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ ( سكنت
نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) ومنه ماعرف بقول الصحابى ؟ـ((كان آخر الأمرين
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)) . ومنه ما عرف بالتاريخ ،
ومنه ما عرف بدلالة الإجماع كحديث قتل شارب الخمر فى الرابعة . والإجماع لا ينخ
ولا ينسخ ، لكن يدل على ناسخ ، والله أعلم .

- ١٢ -
النوع الرابع والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه . وهو أن يأتى حديثان
متضادان فى المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين
لحديث والفقه والأصوليون الغوّاصون على المعانى.
النوع الخامس والثلاثون : معرفة الصحابة رضى الله عنهم . قيل هو كل مسلم رأى
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل عن أصحاب الأصول: من طالت مجالسته على طريق
التبع ، وكلهم عدول رضى الله عنهم . قال أبو زرعة الرازى : قبض رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة من روى عنه وسمع منه . وأفضلهم
سيدنا أبو بكر، ثم عمر وعثمان وعلىّ ، ثم تمام المشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أحد ، ثم بيعة
الرضوان ، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار ، والسابقون الأولون .
النوع السادس والثلاثون: معرفة التابعين رضى الله عنهم. هو من صحب الصحابىّ .
وقيل من لقيه، ويليهم الذين ولدوا فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم من أولاد الصحابة ،
. ومن التابعين المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية وأسلموا فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم.
ومن أكابر التابعين الفقهاء السبعة : ابن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وعروة ، وخارجة
ابن زيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وسليمان بن يسار .
وعن أحمد بن حنبل قال: أفضل التابعين ابن المسيب ، قيل فعلقمة والأسود . وقال ابن
أبى داود: وسيدنا التابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبدالرحمن، وتليهما أم الدرداء.
وقال أبو عبد الله بن الخفيف : أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب. وأهل الكوفة
أويس، والبصرة الحسن . وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة .
النوع السابع والثلاثون: التاريخ والوفايات . الصحيح فى سن سيدنا سيد البشر رسول الله
صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبى بكر وعمر رضى الله عنهما أنه ثلاث وستون ، وقبض رسول
الله صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ. وأبو بكر فى جمادى الأولى
سنة ١٣ هـ. وعمر فى ذى الحجة سنة ٢٣ هـ وعثمان سنة ٣٥ هـ. وهو ابن اثنتين وثمانين سنة
وقيل ابن تسعين . وعلىّ فى رمضان سنة ٤٠ هـ. وهو ابن ثلاث وستين ، وقيل أربع، وقيل
خمس، وطلحة والزبير فى جمادى الأولى سنة ٣٦هـ. قال الحاكم: كانا ابنى ٦٤ ، وسعدبن أبى
وقاص سنة ٥٥ ابن ثلاث وسبعين. وسعيد سنة ٥١ ابن ثلاث أوأربع وسبعين، وعبدالرحمن
ابن عوف سنة ٣٢ ابن خمس وسبعين، وأبو عبيدة سنة ١٨ ابن ثمانوخمسين، وصحا بيان عاشا
ستين سنة فى الجاهلية وستين فى الإسلام وماتا بالمدينة سنة ٥٤ : حكيم بن حزام، وحسان بن ثابت
ابن المنذر بن حرام رضى الله تعالى عنهم أجمعين، وسيدنا سفيان الثورى سنة ١٦٠ ومولده ٩٧

- ١٢ -
وهو صاحب مذهب مشهور متبوع غير الأربعة اه بعبارة مختصرة من التقريب للنووى
رحمه الله . وبمناسبة تعرضى فى شرحى للأحكام الفقهية ، وذكر صاحب الترغيب الأمة
ورواة الحديث أتفضل بذكر كلمة تعريفا لحقهم ، وقياما ببعض واجبهم ، تكون نبراسا
للقارئين ، وذكرى حسنة للعاملين.
الإمام أبو حنيفة النعمان رضى اللّه تعالى عنه
٨٠ - ١٥٠ هـ
مولده ونشأته : هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه ، فقيه العراق
وقدوة أهل الرأى ، وصاحب المذهب المقضى به الآن فى أكثر الممالك الإِسلامية، وأول من
فتق الفقه وفصل فصوله وأقسامه وميز مسائله ورتب قياسه . والأشهر أن أصل جده زوطا
من فرس كابل، ولد سنة ٨٠ ونشأ بالكوفة . وعاصر بعض الصحابة، واشتغل بالفقه وأخذ
كل علمه عمن شافه من الصحابة ونقل عنهم ، وقد كان كثير من الزنادقة فى عصره يضعون
الأحاديث ويقبلها منهم أهل الغفلة ، فحمل أبا حنيفة شدة تورعه واحتياطه على ألا يأخذ فى دينه
وفقهه إلابما لاشك عنده فى صحته وتصعب فى ذلك فلم يصح عنده إلا أحاديث قلائل عمل بها.
مذهبه: استنبط فقهه من القرآن واستعمال القياس والرأى ، وتابعه فى ذلك أكثر أئمة
العراق لقلة رواة الحديث بينهم وكثرتهم فى الحجاز ، ولذلك امتاز فقهاء الحجاز بمتابعة السنة
فى أكثر فقههم وأنكروا الرأى على أهل العراق ، ولكل حجة كما ترى .
زهده وورعه: وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجدا وقراءة القرآن وأكثرهمورعا
وتقية وتوخيا للكسب من وجه حلّ، رغب عن وظائف الملوك والخلفاء، ورضى أن يعيش
تاجر خز ، وعرض عليه القضاء من قِبَل أمراء بنى أمية ثم المنصور ، فأبى حتى سجنه
المنصور على ذلك وآذاه، فسكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه. قيل إن المنصور حلف ليلين له
عملا فيكفّر عن يمينه بأن ولاه تعداد الآجر فى بناء مدينة السلام، وكان الناس قبله يعدونه
بالآحاد فعده بالقصب المسكعب بعد رصفه .
وقرأ عليه الفقه علماء الكوفة وبغداد ، وتخرج عليه منهما الأمة من أصحابه كمحمد
ابن الحسن وأبى يوسف وزهر وربيعة الرأى ووكيع بن الجراح وغيرهم .
وفاته : مات أبو حنيفة رحمه الله ببغداد سنة ١٥٠ هـ .
مؤلفاته : وله من الكتب التى رواها عنه أصحابه وتابعو أصحابه كتاب الفقه الأكبر،
وكتاب العالم والمتعلم ، وكتاب الرد على القدرية .

- ١٤ -
الإمام مالك رضى الله عنه
٩٥ - ١٧٩ هـ
مولده ونشأته: هو سيدنا أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحى . ولد بالمدينة
سنة ٩٥هـ ونشأ بها وتفقه وتعلم عن ربيعة الرأى سنة ١٣٦ هـ وتعمق فى علوم الدين حتى
صار حجة فى الحديث وإماما فى الفقه ، نوّر الله قلبه وفتح عليه فتحا مبينا ورفاه وملأ قلبه
إيمانا وورعا وتقوى وإخلاصا ، وأدّبه فأحسن تأديبه ، وقال الحق ، وخشى ربه ،
وحارب البدع ، ونازع الملحد وحاربه .
فتاويه وتأليفه : قيل إنه أفتى بخلع المنصور ومبايعة محمد بن عبد الله من آل على. فأحفظ
ذلك جعفر بن سليمان عم الخليفة وأمير المدينة فجرّده وضربه سبعين سوطا ، فما ازداد إلا علاء
وشرفا، ولما علم المنصور بذلك اعتذر إليه وترضاه ، وقال له : لم يبق فى الناس أفقه منى
ومنك ، وقد شغلتنى الخلافة ، فضع للناس كتابا ينتفعون به . وتجنب رخص ابن عباس،
وشدائد ابن عمر ، وشواذٌ ابن مسعود، ووطئه للناس توطئة. فصنف (الموطأ)) وسمعه عليه
المهدى . ثم الرشيد سنة ١٧٤ هـ، وتظهر عليه حلل النعمة وثياب العزة وأبهة العلم ووقاره، وبقى
مشرقاً لنور العلم، وقبلة لرواة الحديث ، وعمدة للفتوى حتى أتاه اليقين بالمدينة سنة ١٧٩هـ.
أخى: تأمل فى حادثة الإِمام مالك مع أبى جعفر المنصور يحكم بعزله ، ولكن يقدمه
عنه التبريز فى التأليف وبلوغ قمة المجد والشرف والعز، ويصبح الإمام مالك صاحب مذهب
ومجتهدا علامة يعمل بآرائه ملايين المسلمين من لدن ظهوره إلى الآن ، بل مادامت الدنيا
لن يفنى العاملون بمذهبه، ولن يضل متبعوه، ولن يذل أو يضل المهتدون بهديه.
علمه وفضله: كان مالك من حجج الله على خلقه ، لا يحدث إلا عن صحة ، ولا يروى
إلا عن ثقة ؛ قد توفر حظه من السنة ، فبنى مذهبه عليها ، وانفح ذرعه فى الفقه ، فانتهت
إليه الفتوى وهو القائل عن نفسه (قلّ رجل كنت أتعلم منه مامات حتى يجيثنى ويستفتينى)
وله كتاب الموطأ فى الحديث وهو أساس المذهب .
ولما جاء ولى عهد المنصور (المهدى) حاجا سمعه منه، وأمر له بخمسة آلاف دينار
وبألف لتلاميذه. ثم رحل إليه الرشيد وأولاده ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه.
صفته وأخلاقه: كان مالك أشقر شديد البياض، أصلع، كبير الرأس، حسن البزة، وقورا
مهيبا عفيفاً سخيا كريما ، يشرك أهل العلم فى ماله . متصفا بالنبل والتواضع والحب لرسول الله

- ١٥ -
صلى الله عليه وسلم ، لا يحدّث إلا عن وضوء، ولا يركب دابة فى دار الهجرة إجلالا لأرض
ضمت جد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه ضعيف . وكان أمينا على العلم ، فلا يترفع
أن يقول فى الشىء ( لا أدرى). اتفق أن امرأة توفيت بالمدينة، فغسلتها غاسلة فلصقت
يدها على فرجها فاحتاروا فى أمرها هل يقطعون يدها؟ أو يقطعون جزءا من لحمها؟ فاستفتوا
الإمام مالكا رضى الله عنه ، فقال : أرى عليها حداً نجلدوها وأقاموا عليها حدّ القذف
والسبّ، وبعد ذلك خلصت يد الغاسلة . فهذا سبب قولهم : لا يفتى ومالك بالمدينة .
ومن كلامه رضى الله عنه :
إذا رفع الزمان مكان شخص وكنت أحق منه ولو تصاعد
ينيلك إن دنوت وإن تباعد.
أنله حق رتبته تجده
تكن رجلا عن الحسنى تقاعد
ولا تقل الذى تدريه فيه
فكم فى العرس أبهى من عروس ولكن العروس الدهر ساعد
ولما قدم الرسول المدينة استقبله الناس إلا مالكا ، فأرسل له يعتب عليه ؛ فأرسل
إليه : إنى شيخ كبير ، ولى عذر من الأعذار لا يذكر .
فأرسل إليه يا أبا عبد الله نريد أن تأتينا لتحدّثنا بكتابك، فأرسل إليه إن هذا العلم عنكم
أخذ، وأنتم أولى بصيانته، العلم يؤتى له ولا يأتى، فقال صدقت. ثم ركب الرشيد إلى مالك
حبه ببابه، فقال يا أبا عبد الله لم تأتنا وإذا أتيناك حبستنا بالباب؟ فقال: علمت أن أمير المؤمنين
قصدنى إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأردت أن أتأهب لذلك ، فطلب أن يقرأ
عليه فى مجلس خاص به، فقال الإمام: اعلم أن الخاص لا ينتفع به فنصب له كرسى فقعد عليه
فقال الإِمام : حدثنا فلان عن فلان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من تواضع لله رفعه
ومن تكبر وضعه الله)) فنزل الرشيد عن كرسيه وقعد على الأرض بين الناس .
انتهى من كتاب حاشية الشيخ يوسف الصفتى المالكى رحمه الله تعالى ص ١٣.
فانظر رعاك الله فقهه وورعه، أرشده الله إلى الحق وألهمه الرشد . اللهم وفقنا أن ننهج
منهجه ، و نسير على ضو ئه .
ونسأل الله جلّ وعلا أن يزيدنا إيمانا به وفقها فى دينه إنه الرب العليم الحكيم، وصلى
الله على سيدنا محمد النبي الأمى وعلى آله وصحبه وسلم .

- ١٦ -
الإمام الشافعى رضى الله عنه
١٥٠ - ٢٠٤ هـ
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشى المطلبي
عالمٍ قريش وفخرها ، وإمام الشريعة وحبرها
وهو من ولد المطلب بن عبد مناف، ويجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فى عبد مناف .
مولده ونشأته: ولد الشافعى بمدينة غزّة من أرض فلسطين سنة ١٥٠، وحمل إلى مكة
وهو ابن سنتين، فنشأ بها، وما ميز حتى صار نادرة الدنيا ذكاء وحفظا . حفظ القرآن وهو
ابن تسع سنين، وأولع بالعربية من النحو والشعر واللغة، وتتبعها من رواتها، ورحل إلى البادية
فى تطلبها، ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئا كثيرا. وبينما هو يترنم بشعر للبيد زجره
بعض الحَجَبة عن أن يكون مثلُه فى شرفه ونسبه راوية للشعر. وقال له تفقه يعلمك الله، فانتفع
بهذا الكلام وحفظ موطأ مالك، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة . ثم رحل فى هذه السن
إلى مالك بالمدينة وقرأ عليه الموطأ من حفظه، فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الْغَلام
وضافه مالك على رقة حاله وقتئذ وخدمه بنفسه ، فبقى عنده مدة . ثم رجع إلى مكة وعلم بها
العربية والفقه وصحح عليه الأصمعى فيها شعر الهذليين ، وكان الشافعى فى حداثته فقيرا تربيه
أمه وهى أرملة ، فكان يتقبل معونات الأغنياء من ذوى قرابته من قريش .
هجرته : ولى الرشيد أحد أصدقائه عملا باليمن ، خرج معه وولى بعض الأعمال بها ،
فأحسن التصرف، وبقى مدة حتى وشى به إلى الرشيد، وأنه يؤامر الطالبيين للخروج عليه،
محمل مع الطالبيين إلى الرشيدوهو بالرقة فلم يتبين شيئا فى أمره فأطلقه، فقيل كان ذلك بشفاعة
الفضل بن الربيع ، وقيل بشفاعة محمد بن الحسن ، وقيل غير ذلك . ثم دخل بغداد سنة ١٩٥
فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه . ومنهم أحمد بن حنبل، فأقام بها حولين أملى فيهما مذهبه
القديم، واجتمع أثناء إقامته بالعراق بمحمد بن الحسن فأ كرمه وأغدق عليه، وكتب عنه الشافعى
علما كثيرا؛ ثم رجع إلى مكة ، ثم عاد إلى بغداد سنة ١٩٨ فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى
مصر فوصل إليها سنة ١٩٩ أو سنة ٣٠٠ فألقى عصامبها وسكن الفسطاط فكانت دار مجرته
وبها أملى مذهبه الجديد بجامع عمرو
مذهبه : واستنبط الشافعى مذهبه بعد القرآن من الحديث والقياس والرأى . فكان
--

- ١٧ -
مذهبه وسطا بين أهل الرأى من مثل أصحاب أبى حنيفة وبين أهل السنة من مثل أصحاب
مالك وأحمد .
وفاته: توفى سنة ٢٠٤، ودفن بالقرافة، وقبرهبها مشهور حتى صارت تنسب إليه، وكان
الشافعي أفضل من رأى الناس ذكاء وعقلاوحفظا وفصاحة لسان وقوة حجة، ولم يناظر أحدا
إلا ظهر عليه، وكان يقول : ماناظرت أحدا إلا وددت أن يظهر الحق على يديه.
وجملة القول: أنه كان إماما فى كل شىء حتى الرمى فكان يصيب تسعة من عشرة.
مؤلفاته: ومن كتبه التى أملاها على أصحابه (المبسوط)) الذى سمى فى مصر باسم ((الأم))
وأكثر الناس على أنه أول من صنف فى أصول الفقه ، وله كتب أخرى كثيرة .
الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه
١٦٤ - ٢٤١ هـ
مولده ونشأته: هو إمام أهل السنة، وأفقه أهل زمانه. الحافظ الحجة (( أبو عبد الله أحمد
ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانى)» ولد ببغداد سنة ١٦٤ ونشأ بها يتيما ، وطلب
الحديث لست عشرة سنة. وقد كثرت رواته، وعرفت فقاته، وتميز صحيحه ، نجاب الأقطار
الإسلامية فى تلقيه وجمعه حتى حفظ ألف ألف حديث، تنحل منها أربعين ألفا ونيفا، فدونها
فى كتابه المسند، وهو من أصحاب الشافعى وصفوة تلاميذه. وقد قيل فيه وهو راحل إلى مصر
خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من ابن حنبل .
ورعه وزهده: استنبط مذهبه من الكتاب والسنة وشابه بشىء من القياس فقلّ أتباعه
لبعده عن الاجتهاد وتمسكه بالرواية. وتصدى هو وشيعته لمجادلة المتكلمين ، ومناضلة الفلاسفة
فى عصر الرشيد والمأمون، ودعى إلى الخلق: أى القول بخلق القرآن زمن المعتصم فأنى، فضرب
تسعة وعشرين سوطا حتى قطر دمه، وغاب رشده ، واعتل جسمه، ولم ينعم باله ، إلا فى عهد
المتوكل، وعاش فى التقوى والجدّ والعمل، وخشى الله حتى انتقل إلى دار كرامته ومثوبته
سنة ٢٤١ هجرية فشيعه ثمانمائة ألف رجل وستون ألف امرأة مما يدل على مكانته المالية فى نفوس-
المسلمين ، ورفعة شأنه وعلوّ قدره.
قال قتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال إبراهيم الحربى: كأن الله قد جمع له على الأولين والآخرين
أيها المسلمون هذه ترجمة سيدنا أحمد الذى كان يعبد الله ليل نهار، ويخشى بأسه، ويرجو
رحمته ويرحل إلى تمحيص حديث سيد الخلق، وقد عمل له مذهبا يعبد الله على منهجه خلق

- ١٨ -
تحلوا بآدابه ، وأخلصوا له فى الطاعة ، وانفادوا لأوامره ، واجتنبوا مناهيه . وقد روى عنها
صاحب [ الترغيب والترهيب] أريد أن نقرأه ونعمل به، أرجو ذلك، والله غفور رحيم .
الإمام البخارى رضى الله عنه
١٩٤ - ٢٥٦ هـ
مولده ونشأته: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بروزبه البخارى .
الجعفى رضى الله عنه. وهو المحدّث الذى ملأ ذكره الآفاق، وعم صيته، وانتشر اسمه، وذاع
فضله، وشملته بركة النبى صلى الله عليه وسلم. وقد ولد ببخارى يوم الجمعة أو ليلتها ثالث عشر
شوال سنة ١٩٤ هـ وتوفى ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ وقد نشأ بها يتيما، وحفظ
القرآن وثقف العربية وأجادها وفقه معنى ألفاظها. وطلب الحديث فى التاسعة من عمره، أراد
الله له أن يستضىء بالأنوار المحمدية، ويستظل بالرحمات الإلهية، ويتغذى بالحكم المصطفوية،
فلم يكد يبلغ الحلم حتى حفظ عشرات الألوف منها .
هجرته لطلب العلم، ولأداء فريضة الحج: خرج إلى مكة فى سنة ٢١٠ مع أمه وأخيه
فعاد هذان، وتخلف هو للتوسع فى الحديث، فرحل إلى معظم المالك الشرقية، وقد روى عن
علمائها وأخذ عن فقهائها .
٠٠
ورعه وزهده : هو رجل عظيم قوىّ العزيمة ، رصين القول وصادقه ، كثير الخوف من
الله جل وعلا. قيل كان يصلى فلسعته ستة عشر زنبورا هما قطع صلاته، وبعد أن أتمها مدّ
ظهره لجاره. فإذا به عدة لسعات مميتات. قيل كان قبل أن يضع الحديث يتوضأ ويغتسل
ويصلى ركعتين لله، ويطلب الإرشاد ، ويستلهم الصواب، ويستجدى المغفرة ، ويتطلب
الحق ، ويستغيث بمولاه أن يلهمه الرشد ، ويرزقه الإقبال والقبول .
تأليفه: وقد جمع كتابه [ الجامع الصحيح ] فى ست عشرة سنة ، وضمنه تسعة آلاف
حديث تنحلها من ستمائة ألف ، وفيها ستة آلاف مكررة بتكرر وجوهها، وقد أجمع العلماء
على أنه أصح كتاب فى الحديث .
وفاته: ومن حوادثه أنه ابتلى بفتنة القول بخلق القرآن، فثبت على إيمانه ولم يخش صولة.
الحاكم وإلحاده وزيغه وأفتى بأنه قديم غير مخلوق، لأن القرآن صفة من صفات الله جل وعلا.
٠
القديم ، فأخرج من بخارى مطرودا، فلاقته المنية سنة ٢٥٦ هـ بقرية على ثلاثة فراسخ من
سمر قند. ولما دفن رحمه الله تعالى فاح من قبره رائحة الغالية أطيب من المسك واستمرت أياما.

- ١٩ -
كثيرة حتى تواتر ذلك عن جميع أهل البلاد، وكان يأكل فى كل يوم لوزتين، وكانت أمه
مجابة الدعوة، وكان رضى الله عنه قد ذهب بصره فى صغره فرأت أمه الخليل إبراهيم عليه السلام
فى المنام فقال لها : يا هذه قد ردّ الله على ابنك بصره لكثرة دعائك فأصبح بصيرا ، وهذا
صحيح ، لأنه أخلص لتمحيص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
شهادة الأئمة فيه
وقد قال ابن خزيمة الحافظ: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخارى .
وقد قال أحمد بن حنبل : ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل .
وقد قال الأحزم: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدى البخارى وهو يسأله سؤال الصبى المتعلم
وقد قال أبو مصعب : محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حقبل .
وقدقال أبو عمر الخفاف: حدثنا الفقىّ التقيّ العالم الذى لم أر مثله محمد بن إسماعيل البخارى
وهو أعلم بالحديث من إسحق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة .
أيها المسلمون : إن القلوب تضاء بأنوار الله بالاطلاع على حديث رسول الله، فأرجوأن
تستزيدوا منها كل يوم ، وتزوّدوا بالعمل بها ، واهتدوا بهديها رجاء النجاح والفلاح
((سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)».
الامام مسلم رضى الله عنه
٢٠٦ - ٢٦١ هـ
مولده ونشأته: هو الإمام المحدث والبحاثة العلامة، والمقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه
وسلم قولا وفعلا، والراوية الأوحد، والعلم المفرد أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابورى
ولد سنة ٢٠٦ هجرية، ورحل إلى العراق والحجاز والشام، وسمع من أتمتها، وقدم بغدادمرارا.
وكان رحمه الله تعالى يستفيد من الإمام البخارى رضى الله تعالى عنه وناضل عنه، وشهد بسبقه
وأنه وحيد دهره، وفريد عصره فى الحديث ، وأخذ عن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه
وإسحق بن راهويه ومحمد بن مسلمة القعنبى. وقد جمع رحمه الله أربعة آلاف حديث أصولا
دون المكررات ، وتوفى رحمه الله سنة إحدى وستين ومائتين .

- ٢٠ -
ميزاته: سلك رحمه الله تعالى فى كتابه الصحيح طرقا بالغة فى الاحتياط والإتقان والمعرفة
والورع، جزاه الله خيرا على هذه الخدمة الجليلة. قال عنه العلماء : سيرته حسنة، وكلامه عذب
تامّ المعرفة . غزير العلم ، حاز قصب السبق والتبريز فى استخراج الحديث وتمييز صحيحه من
ضعيفه ، وعلّ محله فى التمييز بين دقائق علومه .
هذا هو الإمام أحد الرواة الذين نقل عنهم الحافظ المنذرى بعض أحاديث كتابه ونفع الله
به وينفع، وإنى أعتقدأنه محظوظ إلى يوم القيامة، لا يعتريه تغيير ولا تبديل، تحوطه عناية الله
ويرعاه رب السموات والأرضين، ونعمة وبركة من صاحب الأحاديث السيد المصطفى صلى الله
عليه وسلم، والحمدلله تكرم جل وعلا وأعاننى على نقل ألفى حديث من صحيحه ((مختار الإمام
مسلم)) فى جزءين ، ضبطت لفظه وشرحت غامضه. فأشرقت شمس معارفه، تضىء للمسلمين
سبل الهداية والحكم المحمدية . قال عنه إسحق بن منصور الكوسج: لن نعدم الخيرما أبقاك
الله للمسلمين (يخاطب الإمام مسلما صاحب الترجمة) وقال عنه النيسابورى: ما تحت أديم
السماء أصح من كتاب مسلم. وقال الحافظ بن حجر العسقلانى: حصل لمسلم فى كتاب به
حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل
البخارى، وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق ، والمحافظة على أداء الألفاظ
كما هى من غير تقطيع ولا رواية بمعنى .
الامام أبو داود
٢٠٢ - ٢٧٥ هـ
هو سليمان بن الأشعث بن إسحق الأزدى السجستانى الحافظ الإمام الثبت . قال محمد
ابن إسحق الصاغانى: ألين لأبى داود الحديث كما ألين لداود الحديد وقال الحافظ موسى
ابن إبراهم: خلق أبو داود فى الدنيا للحديث وفى الآخرة للجنة ، ما رأيت أفضل منه .
وقال الجاكمز: أبوداود إمام أهل الحديث فى زمانه بلا مدافعة، ولد سنة ٢٠٢ هـ ومات بالبصرة
فى ١٦ شوال سنة ٢٧٥ هجرية .
الإمام الترمذى
٢٠٩ ٢٧٩ هـ
هو الحافظ الكبير الحجة أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذى تلميذ البخارى وابن
المدينى، وكان يضرب به المثل فى الحفظ قال الترمذى: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجا: