النص المفهرس

صفحات 21-40

قلت : نَيَّفَ على التسعين .
ابنُ سَمْكُويه : الشيخُ الإِمامُ الحافظُ المُفيد المُصنِّف الثِّقَةُ ، أبو الفتح
محمد بن أحمد بن عبد الله بن سمكويه ، الأصبَهَاني ، نزيلُ هَراةً ، كان مِن
فُرسانِ الحديث ، والمكثرين منه .
سمع ببغداد مِن أَبي محمد الخَلَّال وطبقتِهِ ، وبِنَيْسَابُور مِن أبي حفص بن
مَسرور ، وبأصبَهَان من إبراهيم سِبْط بَحْرويه ، وعدة . وبسمرقند مِن
مُسنِدها عمر بن شاهين ، وبشيرَاز من أبي بكر بن أبي علي الحافظ .
مولِدُهُ في سنة تسع وأربع مئة ، وإنما طلب الحديثَ على كِبَر ، وكان
عابداً صالحاً خيِّراً، يُتَبَرَّكُ بدعائه .
حدَّث عنه إسماعيلُ بن محمد التَّيمي ، وأبو عبد الله الدَّقاق ، وغيرهما .
مات بنيسابور في ذي الحجة سنةً اثنتين وثمانين وأربع مئة .
سُليمان بن إبراهيم : ابن محمد بن سُليمان الحافظ العالمُ المحدِّث المُفيدُ ،
أبو مسعود الأصْبَهاني المِلَنْجي ، وُلد في رمضانَ سنة سبعٍ وتسعين وثلاث
مئة . وسمعَ أبا بكر بن مَرْدويه ، وأبا نُعيم ، وأبا بكر البَرقاني ، ونُظراءَهم ،
وكتب الكثيرَ ، وجمع وصنَّف .
وحدَّث عنه أبو بكر الخطيب ، ومسعودُ بن الحسن الثقفي ،
وآخرون .
قال أبو عبد الله الدَّقاق في ((رسالته)): سليمان الحافظ له الرّحلة
والكثرة ، ووالده إبراهيم يعرف بالفَهم والحفظ ، وهما من أصحاب أبي نُعيم .
تُكُلِّم في إتقان سليمان ، والحفظ هو الإِتقان ، لا الكثرة .
وقال أبو سعد البغدادي : شَنَّع عليه أصحابُ الحديث في جزء ما كان
له به سماع ، وسكتُّ أنا عنه .
قلتُ: الرجلُ في نفسه صدوق، وقد يَهمُ، أو يترخّص في الرواية بحكم الثبت.
- ٢١ -

وقال يحيى بن مَنده : في سماعه كلام ، سمعت من ثقاتٍ أن له أخاً
يُسمى إسماعيل أكبرَ منه، فحك اسمه ، وأثبت اسمَ نفسه ، وهو شيخ شَره
لا يتورَّع، لحَّان وقَاحِ .
تُوفي في ذي القَعدة سنةً ست وثمانين وأربع مئة .
وينبغي التوقفُ في كلام يحيى ، فبينَ آلِ مندَه وأصحاب أبي نُعيم
عداواتٌ وإخَنٌ .
الثَّقَفي : الشيخ العالم المُعَمَّر ، مُسِنِدُ الوقتِ ، رئيسُ أَصْبَهَان ومعتَمَدُها ،
أبو عبد الله القاسمُ بن الفضل بن أحمد بن أحمد بن محمود ، الثَّقفي ،
الأصبهاني، صاحِبُ ((الأربعين)) و ((الفوائد العشرة)). وُلد سنة سبع وتسعين
وثلاث مئة . ورخَّلَه أبوه في صباه إلى خُراسان ، والعِراق ، والحِجاز ، ولقي الكبار .
سمع أبا طاهر محمد بنَ محمد بن مَحْمِش ، وأبا بكر بن مُرْدويه ، وأبا عبد الله
الغَضَائري ، وعِدَّة . وروى الكثيرَ ، وتفرَّدَ في زمانه ، وكان صدراً معظماً .
حدَّث عنه ابنُ طاهر، وإسماعيلُ التَّيمي، والحافظ أبو طاهِرِ السِّلَفي، وآخرون.
قال يحيى بن مَنده : لم يحدِّث في وقت أبي عبد الله الرئيس أوثقُ منه
في الحديث ، وأكثر سماعاً، وأعلى إسناداً، كان فيما قبل يميل إلى الرَّفض.
وكان يَبَرُّ المحدِّثين بماٍ كثير؛ رحلوا إليه من الأقطار .
مات في رجب سنة تسع وثمانين وأربع مئة ، وهو في عَشر المئة .
التَّفْليسي : الإِمام القدوة المقرىء أبو بكر محمد بن إسماعيل بن محمد بن
السَّرِّيِّ بن بَنُّون ، التَّفليسي ، ثم النيسابوري ، الصوفي مولده في رجب سنة
أربع مئة . وسمع من عبد الله بن يوسف بن بامُويه ، وأبي عبد الرحمن
السُّلمي، وحمزة المُهَلَّبي، وعِدةٍ من أصحاب الأُصمّ . وأملى مدَّة.
حدَّث عنه عبد الغافر بن إسماعيل، وأثنى عليه ، وإسماعيل بن المؤذِّن ،
ووجيه الشَّخَّامي .
- ٢٢ -

قال إسماعيل بن محمد التّيمي: شيخ صالح يُتَبِّك بدعائه، سمعَ الكثير من المهلَّبِي.
تُوفِي فِي سَلخ شوال سنةَ ثلاثٍ وثمانين وأربع مئة .
ابنُ زِكْرِي : الشيخُ الجَليل ، الثقة ، الصالح ، أبو الفضل ، عبدُ الله بنُ
علي بن أحمدَ بن محمد بن زِكْرِي البغداديّ ، الدقّاق . سمع أبا الحسين بنَ
بِشران ، وأبا الحسن بنَ الحمامي .
حدَّث عنه إسماعيلُ بنُ محمد التَّيمي ، وجماعة .
قال الأنماطي : كان صالحاً ديِّناً ، ثقة .
مات سنة ستِّ وثمانين وأربع مئة ، ومولدُهُ كان في سنة أربع مئة .
ابنُ الأخضر : الشيخُ ، العالم ، الخطيبُ ، المُسنِد ، أبو الحسن ، علّ بنُ
محمد بن محمد بن محمد بن يحيى بن شعيبٍ ، الشَّياني ، الأنباري ، ابنُ الأخضر .
وُلد سنة اثنتينٍ وتسعين وثلاثٍ مئة في صفر. وسمع أبا أحمد بن أبي مُسلمِ الفَرَضي ،
فكان خاتِمَةَ أصحابه ، وأبا الحسن بنَ رزقويه ، وأبا الحسين بنَ بِشَرَان ، وطائفة .
حدَّث عنه إسماعيلُ بنُ محمد الحافظ ، وابنُ ناصِر ، وابنُ البَطِّي ، وعِدة .
وكان فقيهاً حَنفياً ، خطيباً بالأنبار ، عُمِّر، وارتحل الناسُ إليه .
قال السَّمعاني : كان ثقَةً، نَبيلاً، صدوقاً ، مُعَمَّراً، مُسِنِداً .
تُوفي في شوال سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة .
طِرَادُ بن مُحمد : ابن علي بن حسن بن محمد ، الشيخُ الإِمامُ الأثبل ، مُسِند
العراق ، نقيبُ النُّقباء ، الكامل ، أبو الفوارس بن أبي الحسن القُرشي ، الهاشمي ،
العبّاسي ، الَّيْنَبِي ، البغدادي . وُلدَ سنة ثمان وتسعين ، وسمع أبا نصر بن حسْنُون
النَّرسي، وأبا الحسن بن الحمَّامي، وطائفة. وأملى مجالس عدَّة، وخُرِّج له
((العوالي)) المشهورة و((فضائل الصحابة)).
حدَّث عنه ولداه : علِّي الوزير ، ومحمَّد ، وابنُ ناصر ، وخلق . آخرهُم
موتاً خطيبُ المَوْصِل أبو الفضل الطَّوسي .
- ٢٣ -

قال السِّلَفي : كان حَنَفيّاً مِن جِلَّة الناس، وكُبرائهم، ثقةً ، ثبتاً ، لم
أَحقه .
مات في سَلخ شوال ، سنة إحدى وتسعين وأربع مئة .
وقد مرَّ أخوه مُسند بغداد أبو نصر الَّيْنَبي ، وسيأتي أخواهما نورُ
الهدى الحُسين ، وأبو طالب حمزة سنة بضع وخمس مئة ، وأخوهم الخامس -
هو الأكبر - أبو تمام محمد بن محمد الَّيْنَبي ، ومولاه أبو علي محمد بن وشاح
الَّيْنَبي من كبار الرُّواة ، وأخوهم السادس أبو منصور محمد بن محمد بن
علي ، يروي عن عيسى بن الوزير . كتب عنه الخطيب ، وقال : توفي سنة
إحدى وخمسين وأربع مئة .
هؤلاء أهل المئة الخامسة يا أهل المئة الخمسة عشر بعد الهجرة !!!
ولنلقى الضوء على تلك الحُقبة من الزمان الغابر - أعاد الله أمجاده
وأعماله - بعد خيّرة القرون الثلاثة المباركة واتساع الدولة الإِسلامية شرقاً
وغرباً وشمالاً وجنوباً ودخول النَّاسِ دين الله أفواجاً. وعلو راية الإِسلام وعزة
أهلها وزلزلة عروش الطواغيت وهدم دور الشَّيطان في نواحي وأرجاء المعمورة .
كان ذلك الجيل - وبتعبير أدق أهل تلك المئة - على ميراث حضاري
وعلمي سلمه لهم السلف - عليهم رحمة الله - أكملوا نسج المتقدمين وساروا
على دربهم فخرج لنا ذلك التاريخ المُشَرِّف وقد تميَّز أهل تلك المئة وبرعوا
في كثير من ميادين الحياة والذي يَخُصُّنَا من ذلك الناحية العلمية فإليك :
ظهرت المدارس النظامية ، وأصول الفقه وفُرِّعَتْ عليه الفروع ، وتناول
الحفاظ في تلك الحقبة ميراث السلف العلمى فنقحوا وصححوا وعللوا
وشرحوا وبيّنُوا وتوسعوا في ذلك . فقد سلف هذه العصور عصر تدوين
العلم . ومن الإِنصاف أن نُبين على عُجلة من الأمر ما كان قبل ذلك العصر ،
حيث تفرع عمَّ سبقه ، ويستمد الفرع قوته من الأصل .
- ٢٤ -

خلف رسول الله عَ لِ هديه الظاهر من قول وفعل وإقرار أقره
لصحابته - عليهم السلام - العدول ، وقد توفي النبي عَةٍ في العام العاشر
من الهجرة . فكان نشأ متعطش - التابعون - لمعرفة الهدي النبوي ، لم
يدركوا زمان النبي فاستمعوا لصحابة النبي عَّةٍ ويَجدُر بنا أن نذكر أن المدينة
المنورة ومكة أم القرى كانتا منارتي العلم في زمانهما وهما المِصران ذوا الآثار
في ذاك الوقت .
وخرج الصحابة للجهاد ولنشر دين الله . فحملت الأمصار فقه
الصحابة الذين دخلوها . فحديث عمرو بن العاص وابنه عبد الله يقع في
المصريين ، وحديث أبي أمامة وبُسر يقع في الشاميين ، وحديث ابن عُمر عند
أهل المدينة . وهكذا .
فتوزَّع العلم على الأمصار ، وقد تعددت الوقائع التي تحملها الصحابة
من أقوال وأفعال النبي عَّ المه فربما فعل أمراً بحضرة صحابي وأباحه ، ثم نُسِخَ
ذلك الأمر ونهى عنه أمام صحابى أخر ولم يكن الأول موجوداً ، فكانت
حكمة الله وهو (( المحيط)) بخفاء العلم على البعض في صدر خلافة أبي بكر
وما بعدها .
فما تحمله أهل كل مَصر عملوا به ، ثم بموت الصحابة ظهر جيل آخر
تابعى التابعين فَحملوا العلم بإسناد ؛ فكان أول أدَّاة لنقل العلم فلان عن
فلان .
وكانت أسعد البلدان في ذلك الوقت وأكثرها نصيباً من العلم ، هي
التي دخلها كثرة من الصحابة فجمعت من حديثهم ما فَقَهَها .
ومع الأعلام في هذه الرحلة التي نقطع فيها شوطاً من الزمن- بل قروناً
من المئة الثانية حتى الخامسة حيث الأصبهاني. نتدارس من تراجم المُبْرَزين الأعلام:
الطفرات العلمية التي مر بأطوارها العلم وظهور المذاهب ودواوين الإِسلام .
- ٢٥
٠٠

الإِمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه
٨٠ - ١٥٠ هـ
مولده ونشأته : هو الإِمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن
زوطا بن ماه ، فقيه العراق ، وقدوة أهل الرأي ، وصاحب المذهب المقضّ
به الآن في أكثر الممالك الإِسلامية ، وأول من فتق الفقه وفصل فصوله
وأقسامه وميز مسائله ورتب قياسه . والأشهر أن أصل جده زوطا من فرس
كابل ، ولد سنة ٨٠ ونشأ بالكوفة . وعاصر بعض الصحابة ، واشتغل بالفقه
وأخذ كل علمه عمن شافه من الصحابة ونقل عنهم ، وقد كان كثير من
الزنادقة في عصره يضعون الأحاديث ويقبلها منهم أهل الغفلة ، فحمل
أبو حنيفة شدة تورعه واحتياطه على ألا يأخذ في دينه وفقهه إلا بما لا شك
عنده في صحته وتصعب في ذلك فلم يصح عنده إلا أحاديث قلائل عمل بها .
مذهبه : استنبط فقهه من القرآن واستعمال القياس والرأي ، وتابعه
في ذلك أكثر أئمة العراق لقلة رواة الحديث بينهم وكثرتهم في الحجاز ، ولذلك
امتاز فقهاء الحجاز بمتابعة السنة في أكثر فقههم وأنكروا الرأى على أهل
العراق .
زهده وورعه : وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجداً وقراءة للقرآن
وأكثرهم ورعاً وتقية وتوخياً للكسب من وجه حلّ ، رغب عن وظائف
الملوك والخلفاء ، ورضى أن يعيش تاجر خز ، وعرض عليه القضاء من قِبَل
أمراء بني أمية ثم المنصور ، فأبى حتى سجنه المنصور على ذلك وآذاه ، فكان
يعتذر بأنه لا يأمن نفسه . قيل إن المنصور حلف ليلينّ له عملاً فكفّر عن
يمينه بأن ولاه تعداد الآجر في بناء مدينة السلام ، وكان الناس قبله يعدونه
بالآ حاد فعده بالقصب المكعب بعد رصفه .
- ٢٦ -

وقرأ عليه الفقه علماء الكوفة وبغداد ، وتخرج عليه منهما الأئمة من
أصحابه كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر وربيعة الرأي ووكيع بن
الجراح وغيرهم .
وفاته : مات أبو حنيفة رحمه الله ببغداد سنة ١٥٠ هـ .
مؤلفاته : وله من الكتب التي رواها عنه أصحابه وتابعوا أصحابه كتاب
الفقه الأكبر ، وكتاب العالم والمتعلم ، وكتاب الرد على القدرية .
فانظر أخى إلى أول مدرسة فقهية بالكوفة بل في الأمة الإِسلامية .
ونهجها في الفقه الناشىء من المقومات التي أثرت فيها تأثيراً مباشراً والقصور
الذي لحقها نتيجة غياب حملة العلم والآثار عن هذا المصر ذاك الوقت .
ثم إلى مِصر أكثر حظاً وأوفر نصيباً بحملة العلم : مدرسة المدينة النبوية
وعالمها الرباني :
الإِمام مالك رضي الله عنه
٩٥ - ١٧٩ هـ
مولده ونشأته : هو سيدنا أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك
الأصبحي . ولد بالمدينة سنة ٩٥ هـ ونشأ بها وتفقه وتعلم عن ربيعة الرأي
سنة ١٣٦ هـ وتعمق في علوم الدين حتى صار حجة في الحديث وإماماً في
الفقه ، نوّر الله قلبه وفتح عليه فتحاً مبيناً ورقاه وملأ قلبه إيماناً وورعاً وتقوى
وإخلاصاً ، وأدّبه فأحسن تأديبه ، وقال الحق ، وخشى ربه ، وحارب
البدع ، ونازع الملحد وحاربه .
صنف (الموطأ) وسمعه عليه المهدي. ثم الرشيد سنة ١٧٤ هـ، وتظهر
عليه حلل النعمة وثياب العزة وأبهة العلم ووقاره، وبقي مشرقاً لنور العلم،
وقبلة لرواة الحديث، وعمدة للفتوى حتى أتاه اليقين بالمدينة سنة ١٧٩هـ.
- ٢٧ -

علمه وفضله : كان مالك من حجج الله على خلقه ، لا يحدث إلا عن
صحة ، ولا يروي إلا عن ثقة ؛ قد توفر حظه من السنة ، فبنى مذهبه عليها ،
وانفسح ذرعه في الفقه ، فانتهت إليه الفتوى وهو القائل عن نفسه ( قلّ رجل
كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئني ويستفتيني ) وله كتاب الموطأ في الحديث
وهو أساس المذهب .
ويجدر بنا أن نذكر أن الإِمام مالك - رحمه الله - لم يرتحل خارج بلاد
الحجاز اللهم إلّا ما يستفاد من قصة إرسال المهدي الربيع لمالك فقال : إن
أمير المؤمنين يجب أن تُعاد له إلى مدينة السلام - أي بغداد - فقال مالك :
قال رسول الله - عَ ◌ّم -: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))(١). فلفظة
((تعاد)) قد تفيد أنه دخل قبل مدينة السلام . ويفسد ذلك علينا أن المهدي
لم يلق مالكاً إلا عندما خرج حاجاً . من هذا نعلم أن مالكاً - رحمه الله -
لم يرتحل من بلاد الحجاز . فكانت حصيلته علم أهلها يظهر هذا في شيوخه
جلياً . حتى إنه خرج من حديث التابعين عن ثمانية وأربعين تابعياً كلهم من
أهل المدينة إلا ستة رجال : أبو الزبير من أهل مكة وحميد الطويل وأيوب
السختياني من أهل البصرة ، وعطاء بن عبد الله من أهل خُراسان ،
وعبد الكريم من أهل الجزيرة ، وإبراهيم بن أبي عبلة من أهل الشام .
وإن كانت بلاد الحجاز بما حباها بها الله من أشرف البقاع وأوفر
(١) جزء من حديث طويل ((حسن)) أخرجه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث جابر -
رضي الله عنه - من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن الجُريري عن أبي النضر عن
جابر به .
وأخرجه مسلم من طريق ابن عُلية عن الجُرَيري به بغير تلك الزيادة الواردة من طريق
الخفّاف وأشار إلى رواية الخفاف في المتابعات وقال ((بنحوه )) . وعندي تحسينه لشواهده
وقد كان لنا في هذا الحديث بحث بعنوان «الفِتَنُ القائمة تُبَشِّر بخِلَافة قَادِمة ».
- ٢٨ -
٠

نصيباً بالعلم وحملة الآثار إلا أن هناك أمصاراً أخرى كانت عندها مسائل
لم تكن عند أهل المدينة تلاحظ هذا في احتجاج مالك بالمراسيل والبلاغات
وتجدها عند غير المدنيين موصولة . هنا تبرز أهمية الرحلة في طلب العلم .
فكان طور الارتحال للوقوف على الخلاف .
ومن فوائد الرحلة الوقوف على الخلاف كما أسلفت واستقرار أوجه
الاختلاف . وظهور الاضطراب في روايات بعض النقلة الأمر الذي حفز على
الاهتمام بالجرح والتعديل ووضع قواعده ، والوقوف على معرفة عدالة النقلة .
ومن الرحلة في الطلب ظهر وتفتق علم العلل . وهو إعلال بعض
مرويات الرواة للوقوف على وجوه أُخر في نفس الباب أو من وجه الرواية
نفسها . فجمع العلوم من الأمصار بيَّن الخطأ من الصواب ، وعندك قول
ابن المديني (( الباب إذ لم تجتمع طرقه ، لم يتبين خطأه )) . فتدبر هذا .
وخلاصة ما سبق .
طور النقل من الصدور : ( التابعون عن الصحابة ).
* طور التدوين : ( انتقال العلم من الصدور إلى الكتب ) ، ومحاولة
التأليف . وتشير المصادر إلى أن أوّل من أشار وأمر بالتدوين أمير المؤمنين
عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فتح الباري ٢٣٤/١ . وأول من دَوَّن العلم
بالشام عبد الرحمن الأوزاعي ( ٨٨: ١٥٧ هـ ) وأسلفنا في ترجمة مالك أنه
أول من وضع تأليفاً يذكر فيه هدى المصطفى عَ لّه مرتباً على الأبواب
الفقهية . وقيل إن الربيع بن صبيح أول من صنف وقيل غير ذلك .
((والمهم متابعة الأطوار التي لحقت بالعلم حتى القرن الخامس الهجري)).
الإِمام الشافعي رضي الله عنه
١٥٠ - ٢٠٤ هـ
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن
- ٢٩ -

وسيع ليه
السائب القرشي المطلبي عالم قريش وفخرها ، وإمام الشريعة وحبرها .
وهو من ولد المطلب بن عبد مناف، ويجتمع مع رسول الله عَ ليه في
عبد مناف .
مولده ونشأته : ولد الشافعي بمدينة غزّة من أرض فلسطين ،
سنة ١٥٠ هـ ، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، فنشأ بها ، وما ميز حتى
صار نادرة الدنيا ذكاء وحفظاً . حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين ، وأولع
بالعربية من النحو والشعر واللغة ، وتتبعها من رواتها ، ورحل إلى البادية في
تطلبها ، ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً . وبينما هو يترنم
بشعر للبيد زجره بعض الحَجبة عن أن يكون مثلُه في شرفه ونسبه راوية
للشعر . وقال له تفقه يعلمك الله ، فانتفع بهذا الكلام وحفظ موطأ مالك ،
وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة . ثم رحل في هذه السن إلى مالك بالمدينة
وقرأ عليه الموطأ من حفظه ، فقال مالك : إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام ،
وضافه مالك على رقة حاله وقتئذ وخدمه بنفسه ، فبقي عنده مدة . ثم رجع
إلى مكة وعلم بها العربية والفقه وصحح عليه الأصمعي فيها شعر الهذليين ،
وكان الشافعي في حداثته فقيراً تربيه أمه وهي أرملة ، فكان يتقبل معونات
الأغنياء من ذوي قرابته من قريش .
هجرته : ولى الرشيد أحد أصدقائه عملاً باليمن ، فخرج معه وولي
بعض الأعمال بها ، فأحسن التصرف ، وبقي مدة حتى وشي به إلى الرشيد ،
وأنه يؤامر الطالبيين للخروج عليه ، فحمل مع الطالببين إلى الرشيد وهو بالرقة ،
فلم يتبين شيئاً في أمره فأطلقه ، فقيل كان ذلك بشفاعة الفضل بن الربيع ، وقيل
بشفاعة محمد بن الحسن ، وقيل غير ذلك . ثم دخل بغداد سنة ١٩٥ هـ ،
فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه . ومنهم أحمد بن حنبل ، فأقام بها حولين
أملى فيهما مذهبه القديم ، واجتمع أثناء إقامته بالعراق بمحمد بن الحسن فأكرمه
وأغدق عليه ، وكتب عنه الشافعي علماً كثيراً ؛ ثم رجع إلى مكة ، ثم عاد
- ٣٠ -

إلى بغداد سنة ١٩٨ هـ فأقام بها شهراً ، ثم خرج إلى مصر فوصل إليها سنة
١٩٩ هـ أو سنة ٢٠٠ هـ فألقى عصاه بها وسكن الفسطاط فكانت دار
هجرته ، وبها أملى مذهبه الجديد بجامع عمرو .
مذهبه : واستنبط الشافعي مذهبه بعد القرآن من الحديث والقياس
والرأي . فكان مذهبه وسطاً بين أهل الرأي من مثل أصحاب أبي حنيفة ،
وبين أهل السنة من مثل أصحاب مالك وأحمد .
وفاته : توفي سنة ٢٠٤ هـ ، ودفن بالقرافة ، وقبره بها مشهور حتى
صارت تنسب إليه ، وكان الشافعي أفضل من رأى الناس ذكاء وعقلاً وحفظاً
وفصاحة لسان وقوة حجة ، ولم يناظر أحداً إلا ظهر عليه ، وكان يقول :
ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الحق على يديه .
وجملة القول : أنه كان إماماً في كل شيء حتى الرمي فكان يصيب
تسعة من عشرة .
مؤلفاته : ومن كتبه التي أملاها على أصحابه ((المبسوط )) الذي سمي
في مصر باسم (( الأم))، وأكثر الناس على أنه أول من صنف في أصول الفقه ،
وله كتب أخرى كثيرة .
ومما سبق تستفيد الأتي :
• الرحلة وأهميتها في تكوين الحصيلة العلمية للإِمام الشافعي .
• ظهور أعلام في الأمصار بمثابة الأوتاد يشد لها الرحال ليطلب العلم
منها ويتضح هذا جلياً في ترجمة الأوزاعي من السير - قال الذهبي :
((وهو في الشاميين نظير مَعْمَر لليمانيين ، ونظير الثوري للكوفيين ، ونظير
مالك للمدنيين ، ونظير الليث للمصريين ، ونظير حمّاد بن سلمة للبصريين)).
· ظهور العلوم المساعدة على فهم كتاب الله والسنة النبوية وطريقة
الاستدلال منهما - أصول الفقه .
- ٣١٠ -

الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه
١٦٤ - ٢٤١ هـ
مولده ونشأته : هو إمام أهل السنة ، وأفقه أهل زمانه . الحافظ الحجة
(( أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني))، ولد
ببغداد سنة ١٦٤ هـ ونشأ بها يتيماً ، وطلب الحديث لست عشرة سنة .
وقد كثرت رواته ، وعرفت ثقاته ، وتميز صحيحه ، فجاب الأقطار الإِسلامية
في تلقيه وجمعه حتى حفظ ألف ألف حديث ، تنحل منها أربعين ألفاً ونيفاً ، فدوّنها
في كتابه المسند، وقد سبقه إلى تصنيف المسانيد جَمْعٌ ، وقيل: (( إن أول من
صنف المسند عبيد الله بن موسى العبسي . وكان الإِمام أحمد من أصحاب الشافعي
وصفوة تلاميذه . وقد قيل فيه وهو راحل إلى مصر خرجت من بغداد وما
خلفت بها أتقى ولا أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من ابن حنبل .
ورعه وزهده : استنبط مذهبه من الكتاب والسنة وشابه بشيء من
القياس ، فقلّ أتباعه لبعده عن الاجتهاد وتمسكه بالرواية . وتصدى هو وشيعته
المجادلة المتكلمين ، ومناضلة الفلاسفة في عصر الرشيد والمأمون ، ودعي إلى
الخَلق : أي القول بخلق القرآن زمن المعتصم فأبى ، فضرب تسعة وعشرين
سوطاً حتى تقطر دمه ، وغاب رشده ، واعتل جسمه ، ولم ينعم باله ، إلا
في عهد المتوكل ، وعاش في التقوى والجدّ والعمل ، وخشي الله حتى انتقل
إلى دار كرامته ومثوبته سنة ٢٤١ هجرية فشيعه ثمانمائة ألف رجل وستون ألف
امرأة مما يدل على مكانته الغالية في نفوس المسلمين ، ورفعة شأنه وعلوّ قدره .
قال قتيبة : أحمد إمام الدنيا . وقال إبراهيم الحربي : كأن الله قد جمع
له علم الأولين والآخرين .
ومما سبق تعرف : انتشر العلم في البقاع الإِسلامية في تلك الآونة ،
وتوسع الحفظ في الرواية والعناية - فالإِمام أحمد رحمه الله يحفظ ألف ألف
- ٣٢ _

حديث : مليون وغيره يحفظ مثله أو أقل - ويؤثر عن البخاري قوله : كأني
أنظر إلى سبعين ألف حديث .
ومع تلاميذ الإِمام أحمد :
الإِمام البخاري رضي الله عنه
١٩٤ - ٢٥٦ هـ
مولده ونشأته : هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي رضي الله عنه . وهو المحدّث الذي ملأ
ذكره الآفاق ، وعم صيته ، وانتشر اسمه ، وذاع فضله ، وشملته بركة النبي
عَةٍ. وقد ولد ببخارى يوم الجمعة أو ليلتها ثالث عشر شوال سنة ١٩٤ هـ
وتوفي ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ وقد نشأ بها يتيماً ، وحفظ
القرآن وثقف العربية وأجادها وفقه معنى ألفاظها . وطلب الحديث في التاسعة
من عمره ، أراد الله له أن يستضيء بالأنوار المحمدية ، ويستظل بالرحمات
الإِلهية ، ويتغذى بالحكم المصطفوية ، فلم يكد يبلغ الحلم حتى حفظ
عشرات الألوف منها .
هجرته لطلب العلم ، ولأداء فريضة الحج : خرج إلى مكة سنة
٢١٠ هـ مع أمه وأخيه ، فعاد هذان ، وتخلف هو للتوسع في الحديث ، فرحل
إلى معظم الممالك الشرقية ، وقد روى عن علمائها وأخذ عن فقهائها .
ورعه وزهده : هو رجل عظيم قويّ العزيمة ، رصين القول وصادقه ،
كثير الخوف من الله جل وعلا . قيل : كان يصلي فلسعته ستة عشر زنبوراً
فما قطع صلاته ، وبعد أن أتمها مدّ ظهره لجاره . فإذا به عدة لسعات
مميتات . قيل : كان قبل أن يضع الحديث يتوضأ ويغتسل ويصلي ركعتين لله ،
ويطلب الإِرشاد ، ويستلهم الصواب ، ويستجدي المغفرة ، ويتطلب الحق ،
ويستغيث بمولاه أن يلهمه الرشد ، ويرزقه الإِقبال والقبول .
- ٣٣ -
م٢ الترغيب والترهيب جـ١

تأليفه : وقد جمع كتابه [ الجامع الصحيح ] في ست عشرة سنة ،
وضمنه تسعة آلاف حديث تنحلها من ستمائة ألف ، وفيها أربعة آلاف مكررة
بتكرر وجوهها ، وقد أجمع العلماء على أنه أصح كتاب في الحديث .
وفاته : ومن حوادثه أنه ابتلي بفتنة القول بخلق القرآن ، فثبت على
إيمانه ، ولم يخش صولة الحاكم وإلحاده وزيغه ، وأفتى بأنه قديم غير مخلوق ،
لأن القرآن صفة من صفات الله جل وعلا القديم ، فأخرج من بخارى
مطروداً ، فلاقته المنية سنة ٢٥٦ هـ بقرية على ثلاثة فراسخ من سمرقند .
شهادة الأئمة فيه
وقد قال ابن خزيمة الحافظ : ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من
البخاري .
وقد قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل .
وقد قال الأحزم : رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري وهو
يسأله سؤال الصبي المتعلم .
وقد قال أبو عمر الخفاف : حدثنا النقّ التقّ العالم الذي لم أر مثله
محمد بن إسماعيل البخاري ، وهو أعلم بالحديث من إسحق وأحمد وغيرهما
بعشرين درجة .
• ظهور عمدة الأحكام وتأليف أصح كتاب في العلم بعد كتاب الله -
عز وجل - باتفاق أمة الإِسلام . معناه استقرار الخلاف ورسوخ المحكم
ووضوح المتشابه . وقد أثر البخاري رحمه الله في من أتى بعده فنحوا نحوه
ونهجوا نهجه وجوَّدوا ، فكان :
الإِمام مسلم رضي الله عنه
٢٠٦ - ٢٦١ هـ
مولده ونشأته : هو الإِمام المحدث والبحاثة العلامة ، والمقتفي أثر
- ٣٤ - .

رسول الله عَ له قولاً وفعلاً، والراوية الأوحد ، والعلم المفرد أبو الحسن
مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري ولد سنة ٢٠٦ هجرية ، ورحل إلى
العراق والحجاز والشام ، وسمع من أئمتها ، وقدم بغداد مراراً . وكان رحمه الله
تعالى يستفيد من الإِمام البخاري رضي الله عنه وناضل عنه ، وشهد بسبقه
وأنه وحيد دهره ، وفريد عصره في الحديث ، وأخذ عن الإِمام أحمد بن حنبل
رضي الله عنه وإسحق بن راهويه ومحمد بن مسلمة القعنبي . وقد جمع
رحمه الله أربعة آلاف حديث أصولاً دون المكررات ، وتوفي رحمه الله سنة
إحدى وستين ومائتين .
فأتم مسلم - رحمه الله - بناء أستاذه واستكملتْ قنطرة الأحكام
الفقهية اللَّهم إلا النزر القليل الذي لا يكاد يخرج من كتاب السنن الأربعة :
• سنن أبي داود :
الإِمام أبو داود
٢٠٢ - ٢٧٥ هـ
هو سليمان بن الأشعث بن إسحق الأزدي السجستاني الحافظ الإِمام
الثبت. قال محمد بن إسحق الصاغاني: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود
الحديد. وقال الحافظ موسى بن إبراهيم : خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي
الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه. وقال الحاكم: أبو داود إمام أهل الحديث في
زمانه بلا مدافعة، ولد سنة ٢٠٢ هـ، ومات بالبصرة في ١٦ شوال سنة ٢٧٥ هجرية.
• سنن الترمذي :
الإِمام الترمذي
٢٠٩ - ٢٧٩ هـ
هو الحافظ الكبير الحجة أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي
- ٣٥ -

تلميذ البخاري وابن المديني ، وكان يضرب به المثل في الحفظ ، قال
الترمذي : صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان
ورضوا به ، ومن كان في بيته هذا الكتاب : يعني الجامع الشهير بالسنن فكأنما
في بيته نبّ يتكلم . ولد سنة ٢٠٩ هـ ومات بترمذ في ١٣ رجب سنة ٢٧٩ هـ.
• سنن النسائي :
الإِمام النسائي
٢١٥ - ٣٠٣ هـ
هو الإِمام شيخ الإسلام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي
الخراساني النسائي القاضي . قال الدارقطني : كان أفقه مشايخ مصر في
عصره . وأعلمهم بالحديث والرجال . ولد سنة ٢١٥ هـ . خرج من مصر
في ذي القعدة سنة ٣٠٢ هـ . وتوفي بفلسطين يوم الاثنين ١٣ صفر سنة
٣٠٣ هـ .
• سنن ابن ماجه :
الإِمام ابن ماجه
٢٠٩ - ٢٧٣ هـ
بإسكان الهاء ، وكتابته بالتاء المثناة كما يكتبه الكثيرون خطأ ، لأنه اسم
أعجمي ، وهو الحافظ الكبير المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ،
وابن ماجه هو لقب أبيه يزيد ، ولد سنة ٢٠٩ هـ ومات في رمضان سنة
٢٧٣ هـ .
فهذه دواوين الإِسلام ولا يخرج صحيح الأحكام خارجها :
((الموطأ ، مسند أحمد ، صحيح البخاري ، صحيح مسلم ، سنن
أبي داود، سنن الترمذي الموسوم ((بالجامع الصحيح))، سنن النسائي ، سنن
ء
- ٣٦ -

ابن ماجه )).
فكفوا من أتى بعدهم ، فعمد الحفاظ من بعدهم إلى تلك الدواوين
فتناولوها بالشرح والتعليق والتنقيح . ووضع مستخرجات لها من غير طريق
أهلها فظهرت زيادات في المتون والأسانيد فَبَرَزَت علل الأخبار .
وليس بظهور دواوين الإِسلام توقفت حركة التصنيف ، بل بقي
الإِسناد خاصية في هذه الأمة ونحا كثير من الحفاظ نهج السلف في تدوين
العلم وتأليف العلوم المساعدة .
فوضعت معاجم الشيوخ ومسانيد الأمصار والتوسع في ذلك ، وتلك
المصنفات وإن لم تبلغ مرتبة دواوين الإِسلام إلّا أنها ساعدت الكثير على كشف
غوامض بعض بل كثير من المسائل وعملت على ترجيح الآراء ونصرة المذاهب
السالفة .
فصنف في الصحيح بعد الشيخين :
الإِمام ابن خزيمة
٢٢٣ - ٣١١ هـ
إمام الأئمة ، الذي شهد له أهل الفضل بالسبق ، وإتقان الرواية ،
وحسن الدراية، وجليل العمل، قال عنه الذهبي : (هذا الإِمام كان فريد عصره).
وقال الدارقطني : ( كان إماماً ثبتاً معدوم النظير . هو أبو بكر
محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري ، ولد سنة ٢٢٣ هـ . وتوفي
يوم ١٢ من ذي القعدة سنة ٣١١ هـ ) .
الإِمام ابن حبان
٢٧٢ - ٣٥٤ هـ
هو الإِمام الحافظ العلامة القاضي أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن
- ٣٧ -

حبان التميمي البستي . قال أبو سعد الإِدريسي : ( كان على قضاء سمرقند
زماناً ، وكان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار ، عالماً بالطب والنجوم وفنون
العلم ) . وقال تلميذه الحاكم : كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة
والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال ، مات في شوّال سنة ٣٥٤ هجرية.
الإِمام النيسابوري
٣٢١ - ٤٠٥ هـ
هو الأستاذ العلامة والبحر الفهامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن
محمد الضبي النيسابوري المعروف في زمنه بابن البيع : إمام المحدثين ، والحافظ
المتقن الكبير .
قال عبد الغافر إسماعيل : ( هو إمام أهل الحديث في عصره ، العارف
به حق معرفة ، ولد في ربيع الأول سنة ٣٢١ هـ ، ومات في صفر سنة ٤٠٥
هجرية ) .
وللأخير أوهام كثيرة وذهول عن شرطه ، حط من شأنه .
ومن أشهر المصنفات في تلك الحقبة - بعد تصنيف دواوين الإِسلام -
التي بقت رواية للإِسلام ، وإن لم تنفرد بحديث في الأحكام الفقهية فات
أصحاب الدواوين تخريجه .
• المعاجم الثلاثة :
الإِمام الطبراني
٢٦٠ - ٣٦٠ هـ
هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الشامي اللخمي ، الإِمام الحافظ
الحجة الذي نفع الله به. وأكثر من الاطلاع على أحاديث الرسول عَ له. ينسب
إلى طبرية قرية على بحيرة طبرية بالأردن . ولد سنة ٢٦٠ هـ وسمع الحديث
- ٣٨ -

سنة ٢٧٣ هـ، وحدّث عن ألف شيخ أو أكثر، ومات في ذي القعدة سنة ٣٦٠هـ.
الإِمام أبو يعلى
٢١٠ - ٣٠٧ هـ
هو الحافظ الثقة أحمد بن علي بن المثنى التميمي صاحب المسند الكبير .
ولد في شوال سنة ٢١٠ هـ . ومات سنة ٣٠٧ هـ .
: والمسند المعلل الموسوم بالبحر الزخار : للإِمام البزار .
هو الحافظ أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري ، بزار نسبة إلى بيع
البزور أو إخراج دهنها . قال الدارقطني : كان ثقة يخطىء كثيراً ، ويتكل
على حفظه . مات بالرملة سنة ٢٩٢ هجرية .
وغيرها كثير ولكني اقتصرت على الأشهر منها فقط ، ويجب الإشارة إلى
أن ذروة العلم والحقبة الزمانية التي شاهدت جمعاً من العلماء الجهابذة ، يقول فيها
الذهبي - رحمه الله - بعد أن ختم الطبقة الخامسة بترجمة (( الحارث بن أبي أسامة))
من رسالته المفيدة القيمة ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل :
((وخلق كثير لا يحضرني ذكرهم ، ربما كان يجتمع في الرِّحلة منهم المئتان
والثلاث مئة بالبلد الواحد، فأقلهم معرفة كأحفظ من في عصرنا !!! )) ص١٨٣.
وقال في تذكرة الحفاظ بعد فراغه من تراجم الطبقة التاسعة وقد ذكر فيها
١٠٦ من الحفاظ الذين تتراوح وفياتهم بين حدود ٢٥٠ - ٢٨٠، ما ملخصه :
(( لقد كان في هذا العصر وما قاربه من أئمة الحديث النبوي خلق
كثير، وما ذكرنا عشرهم هنا))، [٦٢٧/٢ و٦٢٨ ].
في ذلك الوقت صارت الأمصار الإِسلامية حاوية وزاخرة بأهل العلم
في شتى بقاع المعمورة(١)، وفي نهاية القرن الرابع ومشارف القرن الخامس من
(١) نعم وربي كانت زاخرة، يرجع في هذا إلى كتاب الذهبي - رحمه الله - ((الأمصار ذوات =
٠ - ٣٩ -

الهجرة .
انحصر العلم في بقاع من الأرض ، وفي ذلك يقول الذهبي في ختم
الطبقة العاشرة بترجمة أبي عمر أحمد بن عبد الله بن محمد بن الباجي
الأندلسي )) من رسالته القيمة : ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل :
(( وكانت السنة قائمة الدولة بالأندلس وبخراسان ، وقل أمرها وضعف
بمصر والشام والمغرب . وما ذاك إلا لظهور دولة الشيعة والعبيدية ، فلله
الأمر جميعاً)). ويقول في نهاية الطبقة التي سبقتها وختمها بترجمة الحافظ :
أبو أحمد الحاكم
٢٨٥ - ٣٧٨ هـ
((ومن هذا الوقت تناقص الحفظ ، وقل الاعتناء بالآثار ، وركن العلماء
إلى التقليد ، وكان التشيع والاعتزال والبدع ظاهرة بالعراق ، لاستيلاء آل بويه
ثم ، وبمصر والشام والمغرب ، لاستيلاء بني عبيد الباطنية ، نسأل الله
العافية)). اهـ. فكان دور الأعاجم وسنة الاستبدال الربانية ﴿وإنْ تَتَوَلُّوا
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيَرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْتَالَكُم﴾ [ محمد: ٣٨]. فانحصر العلم
في هاتين البقعتين : دولة الأندلس أقصى المغرب الإسلامي - الدولة الأموية - وأقصى
المشرق الإِسلامي حيث نشأ المصنف الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الجُوزي .
أما باقى الأمصار الإِسلامية فانصرفت عناية أهل العلم منهم لتصنيف
الكتب العقائدية لنصرة أهْل السُّنة ودحض شبه الشيعة والباطنيين الذين
استولوا على البلاد .
والتوسع في علم الكلام للجدال به ، ومنهم من انصرف إلى التصوف
المشوب بالبدع والدعوة إليه ، فكان الدَّاء العضال .
الآثار)) وهي رسالة طيبة جداً، تُلقي الضوء على البلدان التي حملت العلم والحديث . لا
=
غنى لطالب العلم عنها .
- ٤٠ -