النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب المهادنة
كتاب المهادنة
ذكر فيه رحمه الله عشرة أحاديث
أحدها
((أنه التّ صالح سهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر
سنين))(١).
هذا الحديث صحيح رواه أحمد(٢) وأبو داود(٣) كذلك -ورواه
البخاري في ((صحيحه)) (٤) من غير ذكر المدة- كلاهما من حديث عروة
ابن الزبير، عن المسور ومروان، وهو حديث طويل مشتمل على أحكام
في عدة ورقات ذكره في الشروط. قال البيهقي: (٥) والمحفوظ أن المدة
كانت عشر سنين، وأما ما رواه عاصم بن عمر العمري، عن ابن دينار،
عن ابن عمير ((وأنها كانت أربع سنين)) فعاصم مما لا يتابع عليه، ضعفه
يحيى [و](٦) البخاري وغيرهما.
قلت: وينكر إذن على الحاكم كيف أخرجه في ((مستدركه)) وقال:
إنه صحيح. وكذا ابن السكن كيف أخرجه في ((صحاحه)).
(١) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٥٣).
(٢) ((المسند)) (٣٢٣/٤-٣٢٦، ٣٢٨-٣٣١).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٣٩/٣-٣٤١ رقم ٢٧٥٩).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٨٨/٥-٣٩٢ رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢).
(٥) ((السنن الكبرى)) (٢٢١/٩-٢٢٢). (٦) سقط من ((أ)) المثبت من ((السنن الكبرى)).

٢٢٢
البدر المنير
قال الرافعي(١): وحكي عن الشعبي وغيره أنه قال: لم يكن في
الإسلام [فتح](٢) كصلح الحديبية.
الحديث الثاني
((أنه وَّ لما بلغه تألب العرب واجتماع الأحزاب، قال للأنصار: إن
العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة فهل ترون أن ندفع شيئًا من
ثمار المدينة إليهم؟ قالوا: يا رسول الله، إن قلت عن وحي فسمع وطاعة،
وإن قلت عن رأي فرأيك متبع، كنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا بشرى أو قِرِى
ونحن كفار، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟! فسر النبي ◌َّ- بقولهم))(٣).
هذا الحديث ذكره ابن إسحاق في ((السيرة))(٤) قال: حدثني عاصم
ابن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري
قال: ((لما أشتد على الناس البلاء بعث رسول الله وَه إلى عيينة
ابن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة
المري -وهما قائدا غطفان- فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا
بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا
الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك، فلما
أراد رسول الله ﴿ أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمرًا تحبه
فنصنعه أم شيئًا أنزل الله لابد لنا من العمل، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: بل
شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن
(١) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٥٧).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٥٥٥/١١).
(٢) من ((الشرح الكبير)).
(٤) ((السيرة)) لابن هشام: (٢٣٩/٣).

٢٢٣
كتاب المهادنة
قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم
إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء
القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا
يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام
وهدانا له وأعزنا بك وبه؛ نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا
نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا. قال رسول الله وَ له: فأنت وذاك.
فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله (َالر والمسلمون وعدوهم يحاصروهم)).
ثم ساق ابن إسحاق أحسن سياقة على عادته، وأخرجه الطبراني
في ((أكبر معاجمه))(١) بلفظ آخر فقال: ثنا زكريا الساجي، ثنا عقبة
ابن سنان الدارع، ثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، ثنا محمد بن عمرو،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: ((جاء الحارث الغطفاني إلى النبي
وصل* فقال: يا محمد، شاطرنا ثمر المدينة. قال: حتى أستأمر السعود.
فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع، وسعد
ابن خيثمة وسعد ابن مسعود فقال لهم: قد علمتم أن العرب قد
رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث يسألكم أن تشاطروه ثمر المدينة،
فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا حتى ينظروا في أمركم بعد. فقالوا: يا
رسول الله، أوحي هذا من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو
هواك فرأينا تبع لهواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد
رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منها ثمرة إلا بشراء أو قرى. فقال
رسول الله: ◌َ و هؤلاء يسمعون ما تقولون. قال: غدرت يا محمد. فقال
(١) ((المعجم الكبير)) (٦/ ٢٨ - ٢٩ رقم ٥٤٠٩).

٢٢٤
البدر المنير
حسان بن ثابت :
[يا](١) جار من يغدر بذمة جاره أبدًا فإن محمدًا لا يغدر
كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
وأمانه [المرئ](٢) حين لقيتها
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبر
فائدة: ((التألب)) بالتاء المثناة فوق ثم همزة ثم لام ثم باء
موحدة: الاجتماع. يقال: ألب الإبل- بالتخفيف على وزن ضرب- إذا
جمعها فهو يألبها- بضم الباء وكسرها- وتألبوا إذا اجتمعوا، وهم ألب-
بفتح الهمزة وكسرها- إذا كانوا مجتمعين. قاله الجوهري(٣).
قال: وأما ((كالبتكم)) فمقتضاه ساررتكم، فالمكالبة: المساررة.
وكذلك التكالب، تقول: هم يتكالبون على كذا. أي: يتواثبون عليه.
الحديث الثالث
((أن النبي وَّ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر فأسلم قبل مضي
المدة)» (٤).
هذا الحديث ذكره الشافعي كذلك، وقد ذكرنا في باب نكاح
المشرك أنه التقلي ستره شهرين ليس إلا ، قال الشافعي: وقول الله -تعالى-
﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾(٥) كان عند منصرف النبي ◌َّ من تبوك
في أول الأمر، يعني فيجوز أكثر من ذلك كما تقدم في قصة الحديبية.
(١) من ((المعجم الكبير)).
(٢) في ((أ)) المرين. وفي ((المعجم الكبير)): المرء والمثبت من ((مجمع الزوائد» (٦/ ١٣٥
- ١٣٦).
(٣) ((الصحاح)) (٧٥/١).
(٥) التوبة: ٢.
(٤) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٥٧).

٢٢٥
كتاب المهادنة
الحديث الرابع
((أنه ◌َ لل هادن قريشًا بالحديبية عشر سنين وكان قد خرج ليعتمر لا
بأهبة القتال، وكان بمكة مستضعفون، فأراد أن يظهروا ويكبر
المسلمون))(١).
هذا الحديث هو بعض من الحديث الأول، وقد نبهنا هناك على من
خرجه.
الحدیث الخامس
((أنه وَ لّ هادن قريشًا ثم أبطل العهد قبل تمام المدة))(٢).
قال الرافعي(٣): واختلف الأصحاب في ذلك فقيل: نسخت الزيادة
على أربعة أشهر فلذلك أبطله، والأصح أنها ما نسخت وإنما أقام على
الهدنة سنين، وإنما أبطل العهد؛ لأنه وقع شيء بين حلفاء النبي وَ ل وهم
خزاعة وبين حلفاء قريش وهم بنو بكر، [فأعانت قريش حلفاءها](٤) على
حلفاء رسول الله وَةٍ فانتقضت هدنتهم.
قال الرافعي(٥): وروي ((أنه الظّ لما هادن قريشًا عام الحديبية دخل
بنو خزاعة على عهد رسول الله وَّيه وبنو بكر في عهد قريش، ثم عدا بنو
بكر على خزاعة وأعانهم ثلاثة نفر من قريش، فجعل النبي وَلّ ذلك نقضًا
للعهد وسار إلى مكة وفتحها)).
(١) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٥٧).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٥٥٨/١١).
(٣) ((الشرح الكبير)): (٥٥٨/١١).
(٤) في ((أ)): فأعان قريش حلفاؤهما. والمثبت من ((الشرح)) وهو الصواب.
(٥) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٦١).

=
٢٢٦
البدر المنير
هذا الحديث رواه البيهقي(١) من حديث ابن إسحاق قال: حدثني
الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة
أنهما حدثاه جميعًا [قالا] (٢): ((كان في صلح رسول الله وَّ﴾ يوم الحديبية
بينه وبين قريش: أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن
شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل. فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن
ندخل في عهد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في
عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر
شهرًا، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا
على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله وَيفر وعهده ليلًا بماء لهم يقال
له: الوتير، قريب من مكة فقالت [قريش](٣): ما يعلم بنا محمد وهذا
الليل وما يرانا أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوهم معهم
للضغن على رسول الله وَّر وإن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله
عندما كان من أمر بني خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على
رسول الله ﴾ يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله
وَ﴾ أنشده إياها :
اللهم إني ناشد محمدًا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنا والدا وكنت ولدا ثمت أسلمنا ولم نتزع يدا
فانصر رسول الله نصرًا عتدا وادعوا [عباد] (٤) الله [يأتوا مددا](٥).
(١) ((السنن الكبرى)) (٢٣٣/٩- ٢٣٤).
(٢) في ((أ)): قال. والمثبت من ((السنن الكبرى)).
(٣) من ((السنن الكبرى)).
(٤) في ((أ)): عبد. والمثبت من ((السنن الكبرى)).
(٥) في ((أ)): تأيدا. والمثبت من ((السنن الكبرى)).

٢٢٧
كتاب المهادنة
فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفا وجهه تربدا
إن قريشا (أخلفوا)(٢) الموعدا
في [فیلق](١) کالبحر يجري مزبدا
وزعموا أن لست أدعو أحداً
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
قد جعلوا إلى بكداك المرصدا
فهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا فقتلونا ركعًا وسجدًا
فقال رسول الله وَلو: نصرت يا عمرو بن سالم. فما برح حتى مرت
(غمامة)(٣) في السماء فقال رسول الله وَله: إن هذه السحابة تستهل بنصر
بني كعب. وأمر النبي ◌َّر الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن
يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم)) وفي رواية للبيهقي(٤)
أيضًا من حديث موسى بن عقبة ((أن أبا بكر قال لرسول الله وَلين: تريد
قريشًا؟ قال: نعم. قال: أليس بينك وبينهم مدة؟! قال: ألم يبلغك ما
صنعوا ببني كعب؟ وأذن رسول الله وَّير في الناس بالغزو)) وفي ((صحيح
ابن حبان))(6) من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: ((كانت خزاعة حلفاء
لرسول الله وَحر وكانت بنو بكر رهطًا من بني كنانة حلفاء لأبي سفيان.
قال: وكانت بينهم موادعة أيام الحديبية، فأغارت بنو بكر على خزاعة
في تلك المدة، فبعثوا إلى رسول الله وَل﴾ (يشهدونه)(٦) فخرج رسول الله
﴿ ﴿ ممدًّا لهم في شهر رمضان، فصام حتى بلغ قديدًا، ثم أفطر وقال:
ليصم الناس في السفر ويفطروا، فمن صام أجزأ عنه صومه، ومن أفطر
(١) في ((أ)): فليق. والمثبت من ((السنن الكبرى)).
(٢) عند البيهقي: أخلفوك.
(٣) عند البيهقي: عنانة.
(٤) ((السنن الكبرى)) (٢٣٤/٩).
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (١٣/ ٣٤٠ رقم ٥٩٩٦).
(٦) عند البيهقي: يستمدونه.

٢٢٨
البدر المنير
وجب عليه القضاء. ففتح الله مكة، فلما دخلها أسند ظهره إلى الكعبة ثم
قال: كفوا السلاح إلا خزاعة وبكر ... )) ثم ساق الحديث.
الحدیث السادس
((أنه ◌َيّر وادع يهود خيبر وقال: أقركم ما أقركم الله)(١).
هذا الحديث تقدم بيانه في الباب قبله فراجعه منه.
الحديث السابع
(أنه وَّ وادع بني قريظة، فلما قصد الأحزاب المدينة آواهم سيد بني
قريظة وأعانهم بالسلاح، ولم ينكر الآخرون ذلك، فجعل النبي وَلـ
[ذلك](٢) نقضًا للعهد من الكل، وقتلهم وسبى ذراريهم إلا ابني سعية
فإنهما فارقاهم وأسلما))(٣).
وأما موادعته العلّة بني قريظة؛ فرواه أبو داود(٤) من حديث عبد
الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله وَ له ((أن
رسول الله ﴿ غدا بني النضير بالكتائب، ونزل ببني النضير ودعاهم إلى
أن يعاهدوا، فعاهدوه، فانصرف عنهم ... )) وهو حديث طويل.
وأما نقضهم للعهد؛ فرواه البيهقي في ((سننه))(٥) من حدیث یونس
ابن بكير، عن ابن إسحاق قال: ثنا يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير.
وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي وعثمان بن يهوذا -
(٢) من ((التلخيص)).
(١) ((الشرح الكبير)) (٥٥٩/١١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٦١).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٤٧٠/٣- ٤٧٢ رقم ٢٩٩٧).
(٥) («السنن الكبرى)) (٢٣٢/٩-٢٣٣).

٢٢٩
كتاب المهادنة
أحد بني عمرو بن قريظة- عن رجال من قومه قال: ((كان الذين حزبوا
[الأحزاب](١) نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وكان من بني
النضير حيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق [وأبو عمار،
ومن بني وائل حي من الأنصار من أوس الله وحوج بن عمرو ورجال
منهم](٢) خرجوا حتى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله
وَ﴾ فنشطوا لذلك)) ثم ذكر القصة في خروج أبي سفيان بن حرب
والأحزاب قال: ((وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد
صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق حصنه دونه
فقال: ويحك يا كعب، افتح لي حتى أدخل عليك. فقال: ويحك يا حيي
إنك امرؤ مشئوم، وإنه لا حاجة لي بك ولا بما جئتني به، إني لم أر من
محمد إلا صدقًا ووفاء، وقد وادعني ووادعته فدعني وارجع عني. فقال:
والله إن غلقت دوني إلا عن خشيتك أن آكل معك منها. فأحفظه ففتح له،
فلما [دخل عليه](٣) قال له: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر بقريش
معها قادتها حتى أنزلها برومة، وجئتك بغطفان على قادتها وسادتها حتى
أنزلتها إلى جانب أحد، جئتك ببحر طام لا يرده شيء. فقال: جئتني والله
بالذل، ويلك فدعني وما أنا عليه؛ فإنه لا حاجة لي بك ولا بما تدعوني
إليه. فلم يزل حيي بن أخطب يفتله في الذروة والغارب حتى أطاع له،
وأعطاه العهد والميثاق: لئن رجعت قريش وغطفان قبل أن يصيبوا
محمدًا لأدخلن معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب
العهد وأظهر البراءة من رسول الله (ص 19 وما كان بينه وبينه)). قال
(١) من ((السنن الكبرى)).
(٢) من ((السنن الكبرى)).
(٣) في (أ)): فتح دخل له. والمثبت من ((السنن الكبرى)).

٢٣٠
البدر المنير
ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: ((لما بلغ رسول الله
وَل خبر كعب ونقض بني قريظة بعث إليهم سعد بن عبادة، وسعد
ابن معاذ، وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة، ليعلموا خبرهم، فلما
أنتهوا إليهم وجدوهم على أخبث ما بلغهم)). قال ابن إسحاق: فحدثني
عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ [من](١) بني قريظة ... فذكر قصة سبب
إسلام ثعلبة وأسيد ابني سعية وأسد بن عبيد، ونزولهم عن حصن بني
قريظة، وإسلامهم، ثم ساق ابن إسحاق القصة بكمالها.
الحديث الثامن
((أنه كان في مهادنة النبي ◌َّ- قريشًا عام الحديبية وقد جاء سهيل
ابن عمرو رسولاً منهم: من جاءنا منكم مسلمًا رددناه، ومن جاءكم منا
فسحقًا سحقًا))(٢).
هذا الحديث هكذا ذكره الغزالي في ((وسيطه))(٣) وإنما قال هذا بعد
عقد الهدنة جوابًا لبعض الصحابة؛ فقد روى مسلم في ((صحيحه)) (٤) وهو
من أفراده من حديث أنس ((أن قريشًا صالحوا النبي وَّ فيهم سهيل
ابن عمرو .. )) فذكره إلى أن قال: ((فاشترطوا في ذلك: أن من جاء منكم
لم نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله،
أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا
منهم فسيجعل الله لهم [فرجًا ومخرجًا](٥).
(١) من ((السنن الكبرى)).
(٣) ((الوسيط)) (٩٢/٧).
(٥) من ((صحيح مسلم)).
(٢) ((الشرح الكبير» (١١ / ٥٦٤).
(٤) ((صحيح مسلم)) (٣/ ١٤١١ رقم ١٧٨٤).

٢٣١
كتاب المهادنة
[الحديث التاسع](١)
((أن أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط جاءت مسلمة في مدة الهدنة
وجاء أخوها في طلبها، فأنزل الله -تعالى- ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَ كُمُ
الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَارِ﴾ (٢) وكان ◌َةٍ لا
صل
يرد النساء ويغرم مهورهن))(٣).
هذا الحديث رواه البخاري (٤) من طريق عروة بن الزبير، عن
المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في الحديث الطويل إلى أن قالا:
((ولم يأت النبي وَّ أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان
مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي
معيط ممن خرج إلى رسول الله وَّ ر يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون
رسول الله وَل أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل)) قال
ابن شهاب: وأخبرني عروة أن عائشة زوج رسول الله وَّيه قالت: ((إن
رسول الله ◌َ﴿ كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَةٍ﴾(٥) وعن عمه قال: ((بلغنا حين أمر
الله -سبحانه- رسوله أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من
أزواجهم ... )) فذكر الحديث كذا ذكره في غزوة الحديبية، وقال في باب
الشروط(٦): قال عقيل عن الزهري: قال عروة: فأخبرتني عائشة ((أن
(١) سقط من ((أ)) والصواب إثباته، وانظر ((التلخيص)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١١ / ٥٦٤-٥٦٥).
(٢) الممتحنة: ١٠.
(٤) ((صحيح البخاري)) (٥١٩/٧، ٥٢٠ رقم ٤١٨٠، ٤١٨١، ٤١٨٢).
(٥) الممتحنة: ١٠.
(٦) ((صحيح البخاري)) (٣٩٢/٥ رقم ٢٧٣٣).

٢٣٢
البدر المنير
رسول الله [كان](١) يمتحنهن)) وبلغنا «أنه لما أنزل الله أن يردوا إلى
المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وحكم على المسلمين
أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: قريبة بنت أبي
أمية وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية وتزوج الأخرى أبو
جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم
أنزل الله ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَّبْنُ﴾ (٢) والعقب: ما
يؤدي المسلمون إلى من هاجرت أمرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من
ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي
هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات أرتددن بعد إيمانها)). وفي
((سنن البيهقي)) (٣) من حديث ابن إسحاق حدثني الزهري وعبد الله
ابن أبي بكر قالا: ((هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط إلى
رسول الله قدير عام الحديبية، فجاء أخوها الوليد وفلان ابنا عقبة إلى
رسول الله - فأبى أن يردها عليهما)).
الحديث العاشر
((أن رسول الله ◌َّ الآ رد أبا جندل وهو يرسف في قيوده على أبيه سهيل
ابن عمرو، وأبا بصير وقد جاء في طلبه رجلان فرده إليهما، فقتل أحدهما
في الطريق وأفلت الآخر)) (٤).
هذا الحديث صحيح أيضًا وهو بعض من الحديث الذي قبله. قال
(١) من ((صحيح البخاري)).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٢٩/٩).
(٢) الممتحنة: ١١.
(٤) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٧٣).

٢٣٣
كتاب المهادنة
الرافعي(١): ويروى ((أن عمر ﴾ قال لأبي جندل حين رد إلى أبيه: إن دم
الكافر عند الله كدم الكلب. فعرَّض له بقتل أبيه)).
قلت: أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢) في سياقته لهذا الحديث
الطويل في أوراق عدة من حديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة،
عن المسور ومروان ... فذكراه إلى أن قالا ((فلما رأى سهيل أبا جندل قام
إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد، قد (تمت)(٣) القضية بيني وبينك قبل
أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فقام إليه [فأخذ] (٤) بتلبيبه. قال: وصرخ أبو
جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك
فيفتنوني في ديني [فزاد الناس شرًّا إلى ما بهم](٥) فقال رسول الله وَلات: يا
أبا جندل، أصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من
المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا
فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم. قال: فوثب
إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل فجعل يمشي إلى جنبه ويقول: أصبر
يا أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب. قال:
ويدني قائم السيف منه. قال: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.
قال: فضن الرجل بأبيه ... )) الحديث بطوله.
فائدة: ((أبو بصير)) بفتح الباء الموحدة وكسر الصاد المهملة، اسمه
عتبة بن أسيد - بفتح الهمزة وكسر السين - حليف بني زهرة. و((أبو
(١) ((الشرح الكبير)) (١١/ ٥٧٤).
(٢) ((المسند)) (٣٢٣/٤-٣٢٦).
(٣) في ((المسند)): لجت.
(٥) من («المسند».
(٤) من («المسند».

٢٣٤
البدر المنير
جندل)) بفتح الجيم وإسكان النون، اسمه القاضي علي. كما قاله الربيع
ابن بكار وغيره. والجندل معناه في اللغة الحجر، وجمعه جنادل.
و((يرسف)) بالراء والسين المهملتين أي: يمشي في القيود، يقال: رَسَفَ
يَرْسُف ويرسِف - بالضم والكسر - ورسفًا - بالسكون - ورَسَفَانًا.

كتاب الصيد والذبائح

٢٣٧
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الصيد والذبائح
ذكر فيه رحمه الله من الأحاديث أثنين وعشرين حديثًا، ومن الآثار
أثرًا واحدًا.
الحدیث الأول
((أنه وَ يرٍ قال لعدي بن حاتم: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم
الله عليه فكل)) (١).
هذا الحديث صحيح أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) بألفاظ،
ومدار هذا الباب عليه وعلى أبي ثعلبة الخشني، فأنا أذكره بطرق وأحيل
ما بعده عليه فأقول: أخرج الشيخان(٢) من حديثه (سألت رسول الله وَالاول
فقلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب. فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة
وذكرت أسم الله فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل؛
فإني أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها
فلا تأكل)). وفي رواية لهما(٣): ((سألته عن صيد المعراض فقال: ما
أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل. وسألته عن
صيد الكلب فقال: ما أمسك عليك [ولم يأكل منه](٤) فكله، فإن أخذ
الكلب ذكاته، فإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبًا غيره فخشيت أن
(١) ((الشرح الكبير)) (٣/١٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥٢٧/٩ رقم ٥٤٨٧) و((صحيح مسلم)) (١٥٢٩/٣ رقم ٢/١٩٢٩).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٥١٣/٩ رقم ٥٤٧٥) و(صحيح مسلم)) (١٥٣٠/٣ رقم ٤/١٩٢٩).
(٤) من ((صحيح مسلم)).

٢٣٨
البدر المنير
يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل؛ فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم
تذکر على غيره)).
وفي رواية لهما (١) بعد: ((فإذا أرسلت كلبك وسميت فكل)):
(«قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل؛ فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على
نفسه)».
وفي رواية للبخاري(٢) ((قلت: يا رسول الله، إنا نرسل الكلاب
المعلمة. قال: كل ما أمسكن عليك. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن.
قلت: إنا نرمي بالمعراض. قال: كل ما خرق، وما أصاب بعرضه فلا
تأكل» وفي رواية له(٣): «وإن رمیت الصید فوجدته بعد یوم أو یومین لیس
به إلا أثر سهمك فكل، فإن وقع في الماء فلا تأكل)).
وفي رواية له(٤) ((إن أحدنا يرمي الصيد (فيقتفي)(٥) أثره اليومين
والثلاثة ثم یجده ميتًا وفیه سهمه. قال: یأکل إن شاء)).
وفي رواية لمسلم(٦): ((إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي
وأذكر اسم الله [عليه](٧) فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله
فكل. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها.
فقلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيبه، فقال: إذا رميت
(١) ((صحيح البخاري)) (٥١٨/٩ رقم ٥٤٧٦) و((صحيح مسلم)) (١٥٢٩/٣ رقم ٢/١٩٢٩).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٥١٩/٩ رقم ٥٤٧٧).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٩/ ٥٢٥ رقم ٥٤٨٤).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٥٢٥/٩ رقم ٥٤٨٥).
(٥) عند ((البخاري)): فيفتقر.
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٥٢٩/٣ رقم ١/١٩٢٩).
(٧) من ((صحيح مسلم)).

٢٣٩
كتاب الصيد والذبائح
بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله)) وفي رواية له(١):
((إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا
فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك
كلبًا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن ر ميت
بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك
فكل إن شئت، وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل)).
وفي رواية له (٢): ((فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك)).
وفي رواية لأبي داود(٣) والترمذي(٤): ((إذا رميت سهمك وذكرت
أسم الله فوجدته من الغد ولم تجده في ماء ولا فيه أثر غير سهمك فكل
[وإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل، لا تدري لعله قتله الذي
ليس منها)) وفي رواية لهما(٥) أيضًا: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته
وذكرت اسم الله فكل](٦) مما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: إذا
قتله ولم يأكل منه شيئًا فإنما أمسك عليك)).
وفي إسنادهما مجالد بن سعيد وقد ضعفوه كما ستعلمه في الباب،
وفي رواية له(٧): ((قلت: يا رسول الله، أرمي الصيد وأجد فيه من الغد
(١) ((صحيح مسلم)) (١٥٣١/٣ رقم ٦/١٩٢٩).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٥٣١/٣ رقم ٧/١٩٢٩).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣٨٥/٣ رقم ٢٨٤٣).
(٤) ((جامع الترمذي)) (٥٦/٤ رقم ١٤٦٩).
(٥) ((سنن أبي داود)) (٣٨٦/٣ رقم ٢٨٤٥)، و((جامع الترمذي)) (٥٦/٤ رقم ١٤٧٠).
(٦) ما بين المعقوفتين سقط من ((أ)) واضطررت إلى إثباته؛ فقد ذكر الرواية الأولى وليست
من طريق مجالد، ثم أدخل اللفظ الآخر من طريق مجالد بغير فصل بينهما فكانت
هذه الإضافات سدًّا للخلل.
(٧) ((جامع الترمذي)) (٤/ ٥٥ رقم ١٤٦٨).

٢٤٠
البدر المنير
سهمي؟ قال: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل)).
فائدة: ((المعراض)) المذكور في الحديث - بكسر الميم وإسكان
العين المهملة -: سهم عريض لا ريش فيه ولا نصل. وقيل: هو حديدة.
وقيل: خشبة محدودة الطرف. و((الوقذ)) -بالقاف والذال المعجمة -:
الموقوذ وهو المضروب بالعصا حتى يموت، فعل بمعنى مفعول. وقوله:
((إن أصيب بعَرضه)) -هو بفتح العين- أي العرض الذي هو خلاف
الطول، وخرج السهم إذا أصاب وبعد في الرمية، والاقتفاء: تتبع الأثر.
فائدة ثانية: عدي هذا كوفي صحابي كان جوادًا شريفًا في قومه،
معظمًا عندهم وعند غيرهم.
قال ابن قتيبة: وكان طوالًا إذا ركب الفرس كادت رجليه تخط
الأرض، وأبوه حاتم هو المشهور بالكرم.
الحديث الثاني
أنه وَّ﴾ قال: ((ما أبين من حي فهو ميت))(١).
هذا الحديث سلف بيانه واضحًا في أوائل الكتاب في باب
النجاسات منه، فراجعه من ثم.
الحديث الثالث
عن أبي ثعلبة الخشني ﴾ أنه قال: ((قلت: يا رسول الله، إن لي
كلابا مكلبة فأفتني في صيدها. فقال: كل ما أمسكن. قلت: ذكي وغير
ذكي؟! [قال: ذكي أو غير ذكي](٢).
(١) (الشرح الكبير)) (٩/١٢).
(٢) من ((الشرح الكبير)) (٩/١٢) و((التلخيص)).