النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
كتاب حد الزنا
كتاب حد الزنا
ذكر فيه أحاديث وآثارًا، أما الأحاديث فثلاثة وثلاثون حديثًا.
الحدیث الأول
عن عبد الله بن مسعود قال: ((قلت يا رسول الله وَل38 أي الذنب
أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل الله ندًا وهو (خلقك)(١). قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني
بحليلة جارك. فأنزل الله تعالى تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (٢)(٣).
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) وقد
سلف بطوله في أول ((باب الخراج)) فراجعه.
الحديث الثاني
قال الرافعي(٤): أجمع أهل الملل على تحريم الزنا ويتعلق به
الحد، وكان الواجب(6) في صدر الإسلام الحبس والإيذاء على ما قال
(تعالى)(٦): ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِيْنَ اُلْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾ إلى قوله:
﴿ فَاذُوهُمَا﴾ (٧) . وذهب عامة الأصحاب إلى أن الحبس كان في حق
(١) من ((د)) وفي ((أ)): خالقك.
(٣) ((الشرح الكبير)) (١١/ ١٢٧).
(٥) زاد في ((الشرح الكبير)): فيه.
(٧) النساء: ١٥، ١٦.
(٢) الفرقان: ٦٨.
(٤) ((الشرح الكبير)) (١١/ ١٢٧).
(٦) من ((د)).
٥٨٢
البدر المنير
الثيب، والإيذاء (كان)(١) في حق البكر، وحملوا الإيذاء على الثيب
والتعزير بالكلام. وعن أبي الطيب (بن)(٢) سلمة: أن المراد بالآيتين
الأبكار، وأن الحبس كان في حق النساء، والإيذاء (بالكلام)(٣) في
حق الرجال، ثم استقر الأمر على أن البكر يجلد (٤) ويغرب، والثيب
يرجم، وهل نسخ ما كان؟ قيل: لا ، بل بان (بما)(٥) استقر عليه الأمر
آخرًا السبيل والإيذاء المطلقان في الاثنين على ما روي عن عبادة
ابن الصامت أن النَّي وَّ قال: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل
الله لهنَّ سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، (و)(٦) الثيب بالثيب
جلد مائة والرجم)).
هذا الحديث صحيح، أخرجه مسلم في ((صحيحه))(٧) كذلك سواء.
الحديث الثالث
ثم قال الرافعي(٨): وقيل(٩): نسخ ما كان، ثم على قول
ابن سلمة: الحبس والإيذاء منسوخان بقوله - تعالى -: ﴿الزَّانِيَّةُ وَالَّانِ
(١) من (د)).
(٢) في (د)): بن أبي. والمثبت هو الموافق لما في ((الشرح الكبير)).
(٣) من ((د)).
(٤) زاد في ((د)): ويعذر. وسقط من ((الشرح الكبير)).
(٥) من ((د)) وفي ((أ)): ما.
(٦) سقط من ((أ))، والمثبت من ((الشرح الكبير)) (١٢٧/١١).
(٧) ((صحيح مسلم)) (١٣١٦/٣ رقم ١٦٩٠).
(٨) ((الشرح الكبير)) (١١/ ١٢٧).
(٩) زاد في ((أ)): ((ما كان)) بعد ((وقيل)). وسقطت الزيادة من (د))، ((الشرح الكبير)).
٥٨٣
كتاب حد الزنا
فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدَةٍ﴾ (١) وأما على قول الجمهور، فمن جوَّز
نسخ الكتاب بالسنة قال: نسخت عقوبة البكر (بآية الجلد)(٢) و(عقوبة
(الثيب)(٣) بالأخبار الواردة في الرجم - (أي)(٤) وسيأتي- ومن منع
ذلك قال)(٥): عقوبة الثيب نسخت بالقرآن أيضًا إلا أنه لم يبق متلوًا
(روي)(٦) عن عمر أنه قال في خطبته: ((إن الله -تعالى- بعث محمدًا
رَليه نبيًّا، وأنزل عليه كتابًا وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها
ووعيناها ((الشيخُ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله
عزيز حكيم)). وقد رجم النبي ◌َّ ورجمنا بعده، وإني أخشى أن يطول
بالناس زمان فيقول قائل: لا رجم في كتاب الله، الرجم حق على كل
من زنى من رجل أو امرأة إذا أحصنا، ولولا أني أخشى أن يقول الناس
زاد (عمر)(٧) في كتاب الله لأثبته على حاشية المصحف)) وكان ذلك
بمشهد من الصحابة فلم ينكر عليه أحد، وحكى ابن كج وجهًا أنه لو
قرأ قارئ آية الرجم في صلاته لم تفسد.
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما))(٨) من
(١) النور: ٢.
(٢) في ((أ)): مائة جلدة. والمثبت من ((د)). وكذا في ((الشرح الكبير))
(٣) من ((د)) وفي ((أ)): البكر. والمثبت هو لفظه في ((الشرح الكبير)).
(٥) تكرر في ((أ، د)).
(٤) سقط من ((د)).
(٧) من ((د)).
(٦) في ((د)): ویروئ.
(٨) ((صحيح البخاري)) (١٤٨/١٢-١٤٩ رقم ٦٨٣٠)، ((صحيح مسلم)) (١٣١٧/٣ رقم
١٦٩١).
٥٨٤
البدر المنير
حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((أنه(١) جلس على المنبر، فلما سكت
المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم
مقالة قد قدر أن أقولها، لا أدري فلعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها
ووعاها (فليحدث)(٢) بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا
يعقلها فلا أحل لأحدٍ أن يكذب عليّ، إن الله - وَلَك - بعث محمدًا بالحق
وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها
ووعیناها، ورجم رسول الله آلے ورجمنا بعده، وأخشئ إن طال بالناس
زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك
فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من
الرجال والنساء إذا قامت البينة، وكان الحبل أو الاعتراف)). وفي رواية
الترمذي(٣): ((ولولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف؛
فإني قد خشيت أن يجيء أقوام فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به)).
وفي رواية لأبي داود(٤): ((وايم الله، لولا أن يقول الناس: زاد في كتاب
الله لكتبتها)). وفي رواية للبيهقي(6) ((أن الآية: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة)). وعزاها إلى البخاري ومسلم، ومراده أصل الحديث.
وفي رواية له(٦): (((الشيخ والشيخة)(٧) إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من
الله والله عزيز حكيم)). وفي رواية للطبراني في ((أكبر معاجمه))(٨) من
(١) أي: عمر رَضِي اللهُ عَنْهُ.
(٢) من ((د)) وفي ((أ)): فليحذر.
(٣) ((جامع الترمذي)) (٢٩/٤ -٣٠ رقم ١٤٣١).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٩١/٥-٩٢ رقم ٤٤١٧).
(٥) («السنن الكبرى)) (٢١١/٨).
(٧) من ((د)).
(٦) ((السنن الكبرى)) (٢١١/٨).
(٨) ((المعجم الكبير)) (٢٤/ ٣٥٠ رقم ٨٦٧).
:
٥٨٥
كتاب حد الزنا
حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن خالته العجماء، قالت:
سمعت رسول الله 38 يقول: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
(بما)(١) قضيا من اللذة)). أخرجه من ثلاث طرق(٢) (كذلك، وفي ((مسند
أحمد))(٣) و(صحيح الحاكم)) (٤))(٥) وقال: صحيح الإسناد و(في) (٦)
((صحيح ابن حبان))(٧) من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر،
عن أُبيِّ أنه قال: ((كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها
آية الرجم ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله
عزيز حكيم)). وفي هذه الرواية تعيين محل هذه الآية من القرآن.
الحديث الرابع إلى التاسع
ثم قال الرافعي(٨): ومنهم من قال: إنا لا ننسخ الكتاب بالسنة إذا
لم تتواتر، والرجم مما اشتهر عن رسول الله - 18 في قصة ماعز والغامدية
واليهوديين، وعلى ذلك جرى الخلفاء بعده وبلغ حد التواتر، فعن أبي
هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما ((أن رجلين اختصما إلى
رسول الله وَله، فقال أحدهما: يا رسول الله، أَقض بيننا بكتاب الله ... ))
(١) من ((د)) وفي ((أ)): مما.
(٢) كذا في ((أ)) والذي عند الطبراني من طريق واحد.
(٣) كذا عزاه لأحمد، ولم أجده عنده بعد بحث، وهو في زوائد عبد الله في ((المسند))
(١٣٢/٥) من طريق حماد بن زيد عن عاصم عن زر وراجع («إتحاف المهرة)
(١٩٩/١).
(٤) ((المستدرك)) (٤١٥/٢).
(٦) سقط من (د)).
(٥) من ((د)).
(٧) ((صحيح ابن حبان)) (٢٧٣/١٠ رقم ٤٤٢٨).
(٨) ((الشرح الكبير)) (١٢٨/١١-١٢٩).
٥٨٦
البدر المنير
الحديث الذي تقدم في ((اللعان))، وفي آخره: ((فأمر أنيسًا الأسلمي (أن
يغدو)(١) على أمرأة الآخر؛ فإن أعترفت فارجمها، فأتاها فاعترفت
فرجمها)) وروي: ((أن ماعز بن مالك الأسلمي اعترف بالزنا عند رسول الله
(وَلّ فرجمه)). وعن بريدة ((أن أمرأة من غامد اعترفت بالزنا، فأمر رسول الله
وَال ـ (برجمها)(٢))). وعن عمران بن حصين ﴾ مثل ذلك في أمرأة من
جهينة.
هُذا آخر ما ذكره الرافعي، وهو مشتمل على خمسة أحاديث، أما
حديث أبي هريرة وزيد بن خالد فتقدم بيانهما مبسوطًا في اللعان، وأما
حديث اليهوديين فسيأتي حيث ذكره المصنف، وأما حديث ماعز فأخرجه
مسلم في ((صحيحه))(٣) من حديث بريدة﴾ قال: ((جاء ماعز بن مالك
إِلىّ النبي ◌َّه فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال: ويحك، أرجع
واستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول
الله، طهرني. فأعاد القول عليه، فأعاد هو حتى إذا كانت الرابعة قال له
رسول الله والقر: مم أطهرك؟ قال: من الزنا. فسأل رسول الله وَالفوز: أبه
جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشربت خمرًا؟ فقام رجل
فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال النبي ◌َّ: أزنيت؟ قال: نعم.
فأمر به فرجم، (وكان)(٤) الناس فيه فرقتين: (فقائل)(٥) يقول: قد هلك،
لقد أحاطت به خطيئته. (وقائل)(٦) يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز،
إنه جاء إلى النبي ◌ُّ فوضع يده في يده (فقال)(٧): أقتلني بالحجارة.
(٢) في ((أ)»: فرجمها.
(١) من (د)).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٣٢١/٣- ١٣٢٢ رقم ١٦٩٥).
(٤) في (د)): فكان.
(٦) في ((د)): وقال.
(٥) في ((د)): فقال.
(٧) في (د)): ثم قال.
٥٨٧
كتاب حد الزنا
(قال)(١): فلبثوا بذلك يومين وثلاثة، ثم جاء(٢) النبي وَليل وهم جلوس
فسلم ثم جلس فقال: أستغفروا لماعز بن مالك. فقالوا: غفر الله لماعز
ابن مالك. فقال النبي ◌َّير: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)).
هُذا لفظ مسلم في إحدي روايتيه. وفي ((سنن أبي داود))(٣): ((والذي
نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها)). وروى قصة ماعز
الشيخان من حديث أبي هريرة (٤)، وابن عباس(٥) ومسلم من حديث
جابر بن سمرة(٦)، وأبي سعيد الخدري(٧) ورواه ابن حبان في
(صحيحه)) (٨) من حديث جابر: ((أن رسول الله وَّير لما رجم ماعز
ابن مالك قال: لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة)). ورواه(٩) من
حديث أبي هريرة ((أنه القَّ أمر به فطرد في الثلاث مرات الأول)).
فائدة: ماعز هذا هو ابن مالك، وهو أسلمي قال ابن عبد البر (١٠):
هو معدود في المدنيين، كتب له النبي ◌َّ- كتابًا بإسلام قومه، روى عنه
ابنه عبد الله حديثًا واحدًا. وحكى الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد
الملك القرطبي، عن أبي (علي) (١١) بن السّكن، وأبي الوليد
(١) من ((د)).
(٢) زاد في ((أ)): إلى. وهي خطأ.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٩٦/٥-٩٧ رقم ٤٤٢٧).
(٤) ((صحيح البخاري)) (١٣٩/١٢ رقم ٦٨٢٥)، و((مسلم)) (١٣١٨/٣ رقم ١٦/١٦٩١).
(٥) ((صحيح البخاري)) (١٣٨/١٢ رقم ٦٨٢٤)، و((مسلم)) (١٣٢٠/٣ رقم ١٦٩٣).
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٣١٩/٣ رقم ١٦٩٢).
(٧) ((صحيح مسلم)) (١٣٢٠/٣ -١٣٢١ رقم ١٦٩٤).
(٨) ((صحيح ابن حبان)) (٢٤٨/١٠ رقم ٤٤٠١).
(٩) ((صحيح ابن حبان)) (٢٤٦/١٠ -٢٤٧ رقم ٤٤٠٠).
(١٠) ((الا ستيعاب)) (٢٩٨/٩ -٢٩٩).
(١١) في ((د)): عامر. هو خطأ.
٥٨٨
البدر المنير
ابن الفرضي: أن ماعزًا لقب له، وأن أسمه غريب بن مالك.
وأما حديث الغامدية: فأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١) عقب
(حديث)(٢) ماعز من رواية بريدة قال: ((ثم جاءت امرأة من غامد من
الأزد، فقالت: يا رسول الله، طهرني. قال: ويحك، أرجعي فاستغفري
الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك.
قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حُبلى من الزنا، فقال: آنت؟ قالت: نعم.
فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى
وضعت، قال: (فأتي) (٣) النبي ◌َّ حين وضعت، (فقال) (٤): وضعت
الغامدية يا رسول الله، قال: إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا، ليس
(له)(٥) من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا رسول
الله. فرجمها)» هذا لفظ إحدى روایتي مسلم، وقد سلف في «باب السكنی
للمعتدة)) الاختلاف في أسمها. وفي ((علل (ابن)(٦) أبي حاتم))(٧): سئل
أبي عن هذا الحديث(٨) فذكره وفيه: أنها قالت: ((أقم عليَّ الحد، فقال:
حتى تضعي ما في بطنك. فلما وضعت جاءت فقالت: قد (وضعت)(٩)
(١) ((صحيح مسلم)) (١٣٢١/٣-١٣٢٣ رقم ١٦٩٥).
(٢) سقط من ((د)).
(٣) في ((أ)): فأتت. والمثبت من ((د)) وهو لفظ ((مسلم)).
(٤) في ((د)): فقال: يا رسول الله.
(٥) سقط من ((د)).
(٦) من (د)).
(٧) ((العلل)) (١/ ٤٥٢-٤٥٣ رقم ١٣٥٩).
(٨) قلت: أي: عن حديث أنس، وصدر الكلام في ((العلل)) قال: سألت أبي عن حديث
رواه بقية بن الوليد، قال: حدثنا مسلم بن نافع، عن أخيه دويد بن نافع، عن عبد
الله بن شهاب أخي الزهري، قال: حدثنا أنس ... فذكره.
(٩) في ((د)): وضعته.
٥٨٩
كتاب حد الزنا
قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فذهبت فأرضعته حتى فطمته، ثم
جاءت فقال: قد فطمته. قال: اذهبي فاكفليه. فذهبت، ثم جاءت هي
وأخت لها تماشيان، فقالت: هذه أختي تكفله. فجعل رسول الله وله
[يعجب](١) منها، ومن أختها، ثم أمر بها أن ترجم، ثم قال: إذا
وضعتموها في حفرتها فليذهب رجل (منكم)(٢) من بین یدیها كأنه يريد
أن يرميها حتى إذا (شغلها)(٣) فليذهب (برجل)(٤) منكم (من)(٥) خلفها
بحجر عظيم فليرم [به](٦) رأسها)). قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا
حدیث منکر.
وأما حديث عمران: فأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٧) أيضًا عنه :
((أن أمرأة من جهينة أتت النبي وَلّ، وهي حُبلى من الزنا، فقالت: يا نبي
الله، أصبت حدًّا فأقمه عليّ. قال: فدعا نبي الله وَّةٍ وليها، فقال: أحسن
إليها، فإذا وضعت فائتني بها(٨). ففعل، فأمر بها النبي ◌َّفر فشكت عليها
ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها
يا نبي الله وقد زنت؟! فقال (لي)(٩): يا عمر، لقد تابت توبة لو قسمت
بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن
(١) في ((أ، د)): يعمر. والمثبت من ((العلل)).
(٢) في ((د)): مسلم.
(٣) في ((أ)): أشغلها. والمثبت من ((د)) وكذا في ((العلل)).
(٤) كذا في ((أ))، (د)) وفي ((العلل)): رجل.
(٥) سقط من ((د)).
(٦) سقط من ((أ))، (د)) والمثبت من ((العلل)).
(٧) ((صحيح مسلم)) (١٣٢٤/٣ رقم ١٦٩٦).
(٨) زاد في ((أ)): فأتى بها. وسقط من ((د)) وكذا مسلم.
(٩) سقط من (د)) وفي مسلم: له.
٥٩٠
البدر المنير
جادت بنفسها إلى الله ؟)). وفي النسائي(١): ((حضر رسول الله وَل
رجمها ورماها بحجر قدر الحمصة، وهو راكب على بغلته، ثم قال
للناس: أرموا، وإياكم وجهها)). وفي الطبراني(٢): ((لقد تابت توبةً لو قام
بها أهل المدينة لقبل منهم)).
الحديث التاسع (إلى الثالث عشر)(٣)
قال الرافعي(٤): حد المحصنين الرجم، رجلًا كان أو امرأة، ولا
يجلد مع الرجم، خلافًا لأحمد حيث قال: يجلد ثم يرجم. وبه قال
ابن المنذر لما سبق من حديث عبادة ويروى: ((أن عليًّا - كرم الله وجهه-
جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها، (وقال)(٥): جلدتها بكتاب الله،
ورجمتها بسُنة رسول الله {َ﴾)). ووجه ظاهر المذهب ما روي عن جابر:
((أن النبي ◌َُّ رجم ماعزًا ولم يجلده، ورجم الغامدية ولم يرد أنه
جلدها)). قال الأصحاب: وحديث عبادة في الجلد منسوخ بفعل رسول
الله وَيٌ، وما نقل عن عَليّ فعن عمر خلافه.
هُذا آخر كلام الرافعي، وهو (يشتمل)(٦) على أربعة أحاديث:
(أحدها)(٧) حديث عبادة (بن الصامت)(٨): وقد سلف قريبًا.
ثانيها: حديث عليّ: رواه كذلك أحمد في ((مسنده))(٩)، والنسائي
(١) ((السنن الكبرى)) (٢٨٧/٤ رقم ٧١٩٦).
(٢) ((المعجم الكبير)) (١٩٦/١٨-١٩٩ رقم ٤٧٤-٤٧٩) بألفاظ أخرى.
(٤) ((الشرح الكبير)) (١٢٩/١١ - ١٣٠).
(٣) من ((د)).
(٥) في ((د)): فقال.
(٦) في ((د)): مشتمل.
(٧) من ((د)).
(٩) ((المسند)» (١٠٧/١).
(٨) من ((د)).
٥٩١
كتاب حد الزنا
في ((سننه))(١)، والحاكم في ((مستدركه))(٢) قال: وإسناده صحيح ولم
يخرجاه، قال: وكان الشعبي يذكر أنه شهد رجم شراحة، ويقول: إنه لا
يحفظ عن أمير المؤمنين غير ذلك. وعزاه ابن الجوزي في ((جامع
الأسانيد)) والمزي في ((أطرافه)) (٣) إلى البخاري (٤) أيضًا. ولما ذكره
الحافظ ضياء الدين المقدسي في ((أحكامه))(٥) باللفظ المذكور قال:
هكذا ذكره (أبو)(٦) مسعود في)(٧) ((الأطراف))، والحميدي في ((جمعه
بين الصحيحين))(٨) وقالا: رواه البخاري، قال: ولم أره في البخاري إلا
عن الشعبي، عن علي حين رجم المرأة يوم الجمعة قال: ((رجمتها بسنة
رسول الله (وَ ل﴾). قال: ويحتمل أن (يكون)(٩) في بعض النسخ كما ذكرا.
فائدة: ((شراحة)) هذه بالشين المعجمة والحاء المهملة؛ فاعلمه فإنه
يلتبس بـ((شراجة)) بالجيم، وهو زيد بن شراجة شيخ لعوف الأعرابي، وإن
كان حكي في هذا أيضًا بالحاء المهملة لكن الإعجام أصح كما قاله
يحيى بن معين. وتَنْبِيه لأمر آخر وراء هذا كله، وهو أن شراحة بالحاء أو
بالجيم بضم (أوله)(١٠) إذ لا يفتح كما يجري على الألسنة، كذا ضبطه
(١) ((السنن الكبرى للنسائي)) (٢٦٩/٤-٢٧٠ رقم ٧١٤٠، ٧١٤١).
(٢) ((المستدرك)) (٣٦٤/٤-٣٦٥).
(٣) ((الأطراف للمزي)) (٣٩١/٧ رقم ١٠١٤٨).
(٤) ((صحيح البخاري)) (١١٩/١٢ رقم ٦٨١٢).
(٥) («أحكام الضياء)) (٤٢٤/٥-٤٢٥ رقم ٦١٥٤).
(٦) في ((أ)): ابن. وهو تحريف، والصواب هو المثبت، وأبو مسعود هو الدمشقي إبراهيم
ابن محمد بن عبيد مشهور، وهو صاحب الأطراف.
(٧) سقط من ((د)).
(٨) ((الجمع بين الصحيحين)) (١٦٧/١ رقم ١٤٢).
(٩) من ((د)).
(١٠) من ((د)».
٥٩٢
البدر المنير
ابن نقطة بخطه في كتاب ((الإكمال)) (١) في موضعين؛ فاعلمه.
ثالثها: حديث جابر - وهو ابن سمرة - رواه أحمد في
((مسنده) (٢)، عنه: ((أن رسول الله (وَ ل﴾ رجم ماعز بن مالك)). ولم يذكر
(جلدًا)(٣) هذا لفظه. وكذا أخرجه البيهقي في ((سننه))(٤).
رابعها: حدیث رجم الغامدية دون جلدها : وهو مشهور في طرقه،
قال الشافعي: قوله التليفون: ((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا))، أول ما
أنزل فنسخ به الحبس والأذى عن (الزانيين)(٥) فلما رجم القشيئا ما عزًا (ولم
يجلده)(٦) وأمر أنيسًا أن (يغدوا)(٧) على أمرأة الآخر («فإن اعترفت
(فارجمها)(٨). دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين. (قلنا)(٩)
وقول الرافعي: وما نقل عن عليّ فعن عمر خلافه هو حديث عمر
السالف، فإنه لم يذكر فيه إلا الرجم.
الحديث الثالث عشر
حديث هند في البيعة: ((أوتزني الحرة؟!))(١٠).
هذا الحديث رواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده))(١١)، عن نصر
ابن علي (حدثتني غبطة)(١٢) أم عمرو - عجوز من بني مجاشع-
(١) لم أجده في ((تكملة الإكمال)) لابن نقطة، والله أعلم.
(٢) («المسند» (٩٩/٥).
(٤) ((السنن الكبير)) (٢٢٦/٨-٢٢٧).
(٦) من ((د)).
(٨) في ((د)): رجمها.
(٣) من ((د)) وفي ((أ)): خالدًا. وهو تصحيف.
(٥) من ((د)) وفي ((أ)): الروايين.
(٧) في ((د)): يقدموا.
(٩) من ((د)).
(١٠) ((الشرح الكبير)) (١٣١/١١).
(١١) ((مسند أبي يعلى)) (١٩٤/٨-١٩٥ رقم ٤٧٥٤).
(١٢) تكرر في ((أ)) لكن انقلبت أو تصفحت ((غبطة)) إلى ((عطية)).
٥٩٣
كتاب حد الزنا
(قالت)(١) حدثتني عمتي، عن جدتي، عن عائشة قالت: ((جاءت هند
بنت عتبة إلى رسول الله وَّيقول لتبايعه، فنظر إلى (يديها)(٢) فقال لها:
أذهبي فغيري يديك. قالت: فذهبت فغيرتها بحناء، ثم جاءت إلى رسول
الله ◌َله فقال: أبايعك على ألا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا تزني.
قالت: أوتزني الحرة؟! قال: ولا (تقتلي أولادك)(٣) خشية إملاق.
قالت: وهل تركت لنا أولادًا (فنقتلهم)(٤)؟! قالت: فبايعته ثم قالت له -
وعليها (سواران)(٥) من ذهب -: ما تقول في هذين السوارين؟ قال:
(جمرتين)(٦) من جمر جهنم)). وقد وقع لنا هذا الحديث بعلو أنبأنيه
المزيّ (٧) وغيره، أبنا أحمد بن هبة الله، أبنا (عبد المعز)(٨) بن محمد
الهروي، أنا تميم بن أبي سعيد الجرجاني، أنا أبو سعيد الكنجروذي،
أنا أبو عمرو بن حمدان، أبنا أبو يعلى ... فذكره، وفي إسناده نسوة
(و)(٩) لا يعرفن. ورواه أبو نعيم في (كتابه)(١٠) ((معرفة الصحابة))(١١) من
(١) من ((د)) وفي ((أ)): قال.
(٣) عند ((أبي يعلى)): تقتلن أولادکن.
(٢) في ((د)): قدمها.
(٤) في (د): نقتلهم. وكذا عند ((أبي يعلى)).
(٥) في ((أ)): سوارين. والمثبت من ((د)) وكذا عند أبي يعلى، وهو الصواب.
(٦) كذا في ((أ، د)). وعند ((أبي يعلى)): ((جمرتان)) وهو الجادة.
(٧) ((تهذيب الكمال)) (٢٤٥/٣٥-٢٤٦).
(٨) في ((أ)): عبد العزيز. وهو تحريف، والمثبت من ((د)) و(تهذيب الكمال)) وهو أبو روح
عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل بن أحمد بن أسعد بن صاعد الساعدي
الخرساني الهروي البزاز الصوفي. قال ابن نقطة: سمع ((مسند أبي يعلى)) من تميم.
له ترجمة في ((السير)) (١١٤/٢٢ - ١١٥).
(٩) سقط من ((د)).
(١٠) من ((د)».
(١١) ((معرفة الصحابة)) (٦/ ٣٤٦٠-٣٤٦١ رقم ٧٨٦٨) وفيه: كردوس بن خلف
ابن محمد.
٥٩٤
=
البدر المنير
حديث (كردوس بن محمد بن خلف)(١)، ثنا يعقوب بن محمد الزهري،
ثنا عبد الله بن محمد، (عن)(٢) هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ((قالت
هند لأبي سفيان: إني أريد أن أبايع (محمدًا)(٣)، قال: قد رأيتك
(تكفي) (٤) من هذا الحديث أمس. فقالت: إني والله (ما رأيت)(٥) الله عبد
حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إنْ باتوا إلا مصلين قيامًا
وركوعًا وسجودًا. قال: فإنك قد فعلت (فاذهبي)(٦) برجل من قومك
معك، قال: (فذهبت)(٧) إلى عثمان فذهب معها، فدخلت وهي
(منتقبة)(٨) فقال: تبايعي على أن ألا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا
تزني. فقلت: أو (هل) (٩) تزني الحرة؟! قال: ولا تقتلي (ولدك)(١٠)
فقالت: إنا ربيناهم صغارًا و(قتلتهم) (١١) كبارًا. قال: قتلهم الله يا هند.
فلما فرغ من الآية بايعته قالت: يا رسول الله، إني بايعتك على أن لا
أسرق ولا أزني، وإنَّ أبا سفيان رجل بخيل ولا يعطيني ما يكفيني إلا ما
أخذت منه من غير علمه. قال: ما تقول يا أبا سفيان؟ فقال (أبو)(١٢)
(١) كذا في (أ، د)) وفي ((المعرفة)) كردوس بن- كذا - خلف بن محمد. قلت ولعله:
خلف ابن محمد بن عيسى أبو الحسين الواسطي الملقب بكردوس، له ترجمة في
((تاريخ بغداد)) (٣٣٠/٨).
(٢) من ((د)) وفي ((أ)): بن.
(٤) في ((معرفة الصحابة)): تكفر.
(٦) من ((د)).
(٣) من ((د)) وفي ((أ)): محمد.
(٥) في ((أ)): ما رأيته عبد. والمثبت من (د)).
(٧) في ((أ)): فذهب. والمثبت من (د)).
(٨) في ((أ)) و((المعرفة)): مستفقية. والمثبت من (د)) وكذا هو في إحدى نسخ ((المعرفة)) كما
قال محققه، وانظر ((أسد الغابة)) (٢٩٣/٧)، و((الإصابة)) (١٦٦/١٣).
(١٠) في ((د)): أولادك.
(٩) سقط من (د)).
(١١) في ((د)): قتلتموهم.
(١٢) في (أ)): أباه. والمثبت من (د)).
٥٩٥
كتاب حد الزنا
سفيان: أما يابسًا فلا، وأما رطبًا فأحله. قال: فحدثتني عائشة أن رسول
الله ◌َيُ قال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) قال أبو نعيم: لا
نعلم أحدًا ساقه هذا السياق إلا عبد الله. واقتصر سفيان على قوله: ((إن
أبا سفيان رجل شحيح)) قلت: ويعقوب (١) هذا ضعفه أبو زرعة. وقال
أحمد: ليس بشيء.
وعبد الله بن محمد بن (عروة)(٢) الظاهر أنه عبد الله بن محمد
ابن يحيى بن عروة وهو واهٍ. قال ابن حبَّان: يروي الموضوعات عن
الثقات. وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث. وساق ابن عدي له
أحاديث فقال: عامتها مما لا يتابع عليه الثقات(٣). وفي ((مستدرك
الحاكم)) (٤) في ترجمة فاطمة بنت عتبة أخت هند بإسناده إلى فاطمة بنت
عتبة ((أن أبا حذيفة ذهب بها وبأختها هند تبايعان رسول الله وَي فلما
أشترط عليهن قالت هند: أوتعلم في نساء قومك من هذه الهنات
والعاهات (شيئًا)(٥). فقال أبو حذيفة لها: الآن فبايعيه، فإنه هكذا
يشترط)) وفيه(٦) في سورة الامتحان بإسناده إلى فاطمة فذكره، وزاد:
(((فقالت)(٧) هند: لا أبايعك على السرقة، إني أسرق من زوجي. فكف
رسول الله ◌َيمد يده وكفت يدها، حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل لها
منه، فقال أبو سفيان: أما الرطب فنعم وأما اليابس فلا، ولا نعمة.
قالت: فبايعناه ... )) الحديث ثم قال: صحيح الإسناد. ورواه الحازمي في
(١) انظر ترجمته في ((الميزان)) (٤٥٤/٤ رقم ٩٨٢٦).
(٢) في ((أ)): عمر. والمثبت من (د)).
(٣) راجع هذه الأقوال من ((الميزان)) (٤٨٦/٢ رقم ٤٥٣٩).
(٥) من ((د)).
(٤) ((المستدرك)) (٦٧/٤).
(٦) ((المستدرك)) (٤٨٦/٢).
(٧) في ((أ)): فقال. والمثبت من (د)).
٥٩٦
البدر المنير
((ناسخه ومنسوخه))(١) من حديث حصين، عن عامر الشعبي، وفيه: ((فلما
قال رسول الله وَل: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾(٢). قالت: أوتزني الحرة؟! لقد كنا
نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف في الإسلام)). ثم قال الحازمي:
هُذا منقطع. قلت: وذكره السهيلي أيضًا قال: ((كان من حديث هند يوم
الفتح أنها بايعت النبي ◌ّله، وهو على الصَّفا وعمر دونه بأعلى العقبة،
فجاءت في نسوة من قريش يبايعن على الإسلام وعمر يكلمهن عن
رسول الله وٍَّ ﴿ فلما أخذ عليهن أن لا يشركن بالله شيئًا، قالت هند: قد
علمنا أنه لو كان مع الله غيره لأغنى عنا. فلما قال: ﴿وَلَا يَسْرِفْنَ﴾ (٣).
قالت: وهل تسرق الحرة؟! ولكن يا رسول الله أبو سفيان رجل مِسِّيك
(و)(٤) ربما أخذت من ماله بغير علمه ما يصلح ولدي. فقال رسول الله
وَلجر: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. ثم قال: لأنك لأنت هند؟
قالت: نعم يا رسول الله، أعف عني عفا الله عنك. وكان أبو سفيان
حاضرًا، فقال: أنت في حل مما أخذت. فلما قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ (٥)
قالت: وهل تزني الحرة يا رسول الله؟! فلما قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ
مَعْرُوفٍ﴾(٦) قالت: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأحسن ما دعوت إليه.
فلما سمعت: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾(٧) قالت: والله قد ربيناهم صغارًا
حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارًا. قال: فضحك عمر من قولها
حتى مال)».
(١) ((الناسخ والمنسوخ)) للحازمي (ص٥١٣-٥١٤).
(٢) الممتحنة: ١٢.
(٤) من (د)).
(٦) الممتحنة: ١٢.
(٣) الممتحنة: ١٢.
(٥) الممتحنة: ١٢.
(٧) الممتحنة: ١٢.
٥٩٧
كتاب حد الزنا
الحديث الرابع
أنه مَ ﴿ قال: ((لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها أو محرم لها))(١).
هذا الحديث صحيح، أخرجه الشيخان في (صحيحيهما))(٢) من
حديث أبي سعيد الخدري: ((أن النبي ◌َّ نهى أن تسافر المرأة مسيرة
يومين أو ليلتين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم)). وذكر المحرم ثابت
فيهما، من حديث ابن عباس(٣): ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)).
ومن حديث ابن عمر (٤): ((لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم)). وفي
رواية لمسلم(٥): ((فوق ثلاث)). وفي أخرى(٦): ((ثلاثة إلا ومعها ذو
محرم)) وفي أخرى له(٧): ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر
مسيرة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم)). وفي أخرى له(٨): ((لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها
أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها)). وفي أخرى له(٩):
((لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها)).
(١) ((الشرح الكبير)) (١٣٥/١١-١٣٦).
(٢) (صحيح البخاري)) (٨٤/٤-٨٥ رقم ١١٩٧) و((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٧ رقم ١٣٤٠).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٨٦/٤ رقم ١٨٦٢) و((صحيح مسلم)) (٩٧٨/٢ رقم ١٣٤١).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٦٥٩/٢ رقم ١٠٨٦) و((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٨).
(٥) ((صحيح مسلم)) (٢ / ٩٧٥ رقم ١٣٣٨).
(٦) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٨).
(٧) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٥ رقم ٤١٤/١٣٣٨).
(٨) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٧ رقم ١٣٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٩) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٥-٩٧٦ رقم ٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
٥٩٨
البدر المنير
وثابت فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة(١) ﴾: ((لا يحل لامرأة تسافر
مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها)). وفي رواية لمسلم (٢) أخرى:
((ليلة)) وأغرب الحاكم (٣) فاستدركها عليه، وقال: إنها على شرطه. وفي
رواية لمسلم (٤): ((لا تسافر أمرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم)). وفي
رواية لأبي داود(٥) وابن حبان(٦): ((بريدًا)) وفي الطبراني ((الكبير))(٧)، من
حديث أبي مالك الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس
مرفوعًا: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو (مع ذي)(٨) محرم)).
فقيل لابن عباس: الناس يقولون: ثلاثة أيام. قال: إنما هو وهم. قلت:
وهذا سند واهٍ، واختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين والمواطن،
وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد،
والحاصل أن كل ما يسمى سفرًا ينهى عنه بغير زوج أو محرم.
الحديث الخامس عشر
((أن رسول الله {وَّ رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا))(٩).
هذا الحديث رواه باللفظ المذكور أبو داود في ((سننه)) (١٠) من
(١) ((صحيح البخاري)) (٦٥٩/٢ رقم ١٠٨٨) و((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٧ رقم ١٣٣٩).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٧ رقم ٤١٩/١٣٣٩).
(٣) ((المستدرك)) (٤٤٢/١).
(٤) لم أجدها، والله أعلم.
(٥) ((سنن أبي داود)) (٤٠٥/٢ رقم ١٧٢٢).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) (٤٣٨/٦-٤٣٩ رقم ٢٧٢٧).
(٧) ((المعجم الكبير)) (١٢/ ١٢١ رقم ١٢٦٥٢).
(٨) فى ((أ)): ذو. والمثبت من ((د)).
(٩) ((الشرح الكبير)) (١٣٨/١١).
(١٠) ((سنن أبي داود)) (١٠٨/٥- ١٠٩ رقم ٤٤٤٧).
.
٥٩٩
كتاب حد الزنا
حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: [سمعت رجلاً من مزينة
يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال](١) ((زنى رجل وامرأة من
اليهود وقد أحصنا، حين قدم رسول الله ◌َّه المدينة، وقد كان الرجم
مكتوبًا عليهم في التوراة، فتركوه وأخذوا بالتجبية، يضرب مائة بحبل
مطلي بقار ويحمل على حمار ووجهه مما يلي دُبُر الحمار، فاجتمع
أحبار من أحبارهم، فبعثوا قومًا آخرين إلى رسول الله وَّ﴾ فقالوا: سلوه
عن حد الزاني ... )) قال: وساق الحديث، قال (فيه)(٢): ((ولم (يكونوا)(٣)
من أهل دينه، فيحكم بينهم، فخير في ذلك (قال)(٤): ﴿فَإِن جَاءُوَكَ
فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ (٥) ... )) هذا لفظ أبي داود بكماله، وأشار
بقوله: ((وساق الحديث)) إلى ما رواه(٦) أولًا بإسناد ليس فيه [ابن](٧)
إسحاق، عن أبي هريرة: ((زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم
لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي - ◌َّ - فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن
أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا [بها](٨) عند الله، قلنا: فتيا
نبي من أنبيائك. قال: فأتوا النبي ◌َّ وهو جالس في المسجد في
أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟
(١) سقط من ((أ، د)) والمثبت من رواية أبي داود وكذا في ((التلخيص)) (٤/ ٥٤).
(٣) في ((د)): يكن.
(٢) فى ((د)): وفيه.
(٥) المائدة: ٤٢.
(٤) في ((د)): فقال تعالى.
(٦) ((سنن أبي داود)) (١٠٧/٥-١٠٨ رقم ٤٤٤٦).
(٧) في ((أ)): أبي. وفي ((د)): أبو. والصواب هو المثبت، كذا جاء في الرواية السابقة،
وراجع ((السنن)).
(٨) سقط من ((أ، د)) والمثبت من ((السنن)).
٦٠٠
البدر المنير
فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال:
أنشدكم (بالله)(١) الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة
على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويُجبه ويجلد- والتجبية: أن
يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما - قال: وسكت
شاب منهم، فلما رآه النّي وَلل ألظّ به النّشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا
فإنا نجدُ في التوراة الرجم. فقال النبي ◌ّر: فما أول ما أرتخصتم أمر
الله؟ قالوا (٢): زنى ذو قرابة من ملكٍ من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم
زنى رجل في أسرة [من](٣) الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه،
وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى (يجيء صاحبك) (٤) فنرجمه.
فاصطلحوا (على)(٥) هُذه العقوبة بينهم. فقال النبي بَّ: فإني
أحكم (بينكم)(٦) بما في التوراة(٧). فأمر بهما فرجما)). قال الزهري:
فبلغنا أن هذه (الآية)(٨) نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدِّى وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾(٩) كان النبي ◌َّر منهم. وروى
البيهقي (١٠) بإسناد فيه ضعيف عن عبد الله بن الحارث بن جزء
الزبيدي: ((أن اليهود أتوا رسول الله والله بيهودي ويهودية زنیا، (قد
(١) في ((د)): الله.
(٣) من رواية ((السنن)).
(٥) من ((د)).
(٧) زاد في ((أ)): فيها هدى ونور. وسقط من (د)) وكذا من ((السنن)).
(٨) من ((د)).
(١٠) ((السنن الكبير)) (٢١٥/٨).
(٢) في ((السنن)): قال.
(٤) في ((د)): تجيء بصاحبك.
(٦) سقط من ((د)).
(٩) المائدة: ٤٤.