النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الطهارة
ولفظه: ((إنَّ الماء طاهر، إلَّا إنْ تغيَّر ريحه، أو طعمه، أو لونه بنجاسة
تحدث فيه)).
الطريقة الثانية: مرسلة رواها الدارقطني في ((سننه))(١) من حديث
الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله وَاليه: ((الماء
لا ينجسه شيء إلَّا ما غلب على ريحه أو طعمه)).
ورواه الطحاوي(٢) بزيادة: ((أو لونه)).
قال الدارقطني: هذا مرسل، قال: ووقفه أبو أسامة على راشد.
وقال ابن أبي حاتم في ((علله))(٣): سألت أبي عنه فقال: الصحيح أن
هذا الحديث مرسل. وقال الدارقطني في ((علله)): هذا حديث يرويه
رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد، (عن) (٤) أبي أمامة
مرفوعًا، وخالفه الأحوص بن حكيم فرواه عن راشد بن سعد مرسلًا،
عن النبي ◌َّه. وقال أبو أسامة: عن الأحوص، عن راشد(٥) قوله ولم
(يجاوز به راشدًا)(٦). قال الدارقطني: ولا يثبت الحديث.
قلت: فَتَلَخَّصَ أن الاستثناء المذكور ضعيفٌ، لا يحلّ الاحتجاج
به، لأنه ما بين مرسل وضعيف.
ونقل النووي في ((شرح المهذب))(٧) أتفاق المحدثين على تضعيفه.
وقد أشار إمامنا الأعظم، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي
(١) ((سنن الدارقطني)) (٢٩/١ رقم٥).
(٣) (علل الحديث)) (٤٤/١ رقم ٩٧).
(٢) ((شرح معاني الآثار)) (١٦/١).
(٤) تحرف في ((م)) إلى: بن. والتصويب من (أ)).
(٥) زاد بعدها في ((أ)): و. وهي زيادة مقحمة، وهي ليست في ((م)).
(٦) في ((م)): يجاوزه به راشد. والمثبت من ((أ)).
(٧) ((المجموع)) (١/ ١٦٢).

٤٠٢
البدر المنير
إلى ضعفه فقال: وما قلت من أنَّه إذا تغيَّر طعم الماء وريحه ولونه كان
نجسًا، يُروى عن النبي ◌َّهُ من وجه لا يُثْبِتُ أهل الحديث مثله، وهو
قول العامة، لا أعلم بينهم (خلافًا)(١). وتابعه على ذلك البيهقي، فقال
في ((سننه))(٢): هذا حديث غير قوي، (إلَّا أنَّا)(٣) لا نعلم (في) (٤) نجاسة
الماء إذا تغيَّر خلافًا.
وابن الجوزي، (قال)(٥) في ((تحقيقه))(٦): هذا حديث لا يصح.
فإذا عُلم ضعف الحديث، تعيَّن الاحتجاج بالإِجماع، كما قاله
الشافعي والبيهقي، وغيرهما، (من الأئمة)(٧).
قال ابن المنذر(٨): أَجمع العلماء على أنَّ الماء القليل أو الكثير،
إذا وقعت فيه نجاسة، فغيّرت طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس (٩).
ونقل الإِجماع كذلك جمع (غيره)(١٠).
وذكر الإِمام الرافعي رحمه الله هذا الحديث بعد هذا الباب بلفظ :
((الطعم والرائحة)) دون ((اللون)) ثم قال: نُصَّ على الطعم والريح، وقاس
الشافعي # اللون عليهما.
(١) في ((م)): فيه اختلافًا. والمثبت من (أ)).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٦٠/١).
(٣) في ((م): لأنا. والمثبت من ((أ)) و((السنن الكبرى)).
(٤) في ((أ)): من. والمثبت من ((م) و((السنن الكبرى)).
(٥) في ((أ)): فقال. والمثبت من ((م)).
(٧) من ((م)).
(٦) ((التحقيق)) (٤٠/١ رقم١٣).
(٨) ((الإجماع)) (ص٣٣).
(١٠) في ((م): كثير. والمثبت من (أ)).
(٩) زاد في ((الإجماع)): ما دام كذلك.

٤٠٣
كتاب الطهارة
وكأنه رحمه الله قلّد في ذلك الشيخ أبا إسحق الشيرازي، فإنَّه قال
في ((المهذب)))(١)، (كقولته)(٢)، ولم يقفا رحمهما الله على الرواية التي
فيها ((اللون)) التي قَدَّمناها من طريق ابن ماجه والبيهقي.
فإن قلت: لعلهما رأياها فتركاها لأجل ضعفها ونَزَّلا وجودها
والحالة هذه كعدمها؟ قلت: هذا لا يصحّ، لأنهما لو راعيا الضعف
واجتنباه، لتركا جملة الحديث، لضعفه المتفق عليه.
واعلم: أن هذا الحديث ذكره الإمام الرافعي(٣) في الباب الآتي،
ووقعت لنا معه فيه مناقشة، فإنَّه قال: وقال مالك: لا ينجس الماء القليل
إلّا بالتغيُّر كالكثير، لقوله الَ: ((خُلَقَ (٤) الماء طهورًا، لا يُنَجِّسه شيء،
إلَّا ما غَيَّر طعمه(٥) أو ريحه))، واختاره الروياني، والشافعي حمل هذا
الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بئر بضاعة، وكان ماؤها کثیرًا. انتهى.
وهذه الدعوى: أن هذا الخبر ورد في (بئر) (٦) بضاعة لا تُعرف؛
نعم صَدْرُه ورد فيها كما قدمته، وأما هذا الاستثناء ففي حديث آخر كما
قررته لك فاعلمه.
والإِمام الرافعي، الظاهر أنه تبع الغزالي في هذه الدعوى، فقد ذكر
(١) تحرف في ((أ)) إلى التهذيب. والتصحيح من ((م)) وانظر ((المهذب)) (٦/١).
(٢) في ((م)): كقوليه. والمثبت من ((أ)).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٣/١).
(٤) في (م)): خلق الله. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في مطبوع (الشرح الكبير))
(٤٣/١).
(٥) زاد بعدها في ((م)) لونه. وهو خطأ، والصواب حذفها وهي ليست في ((أ)) وانظر
((الشرح الكبير)) (١/ ٤٣).
(٦) ليست في ((م)) والمثبت من ((أ)).

٤٠٤
البدر المنير
ذلك في ((المستصفى))(١) حيث قال (لما)(٢) سُئِلَ عن بئر بضاعة فقال:
خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلَّا ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه)).
ووقع في (الكفاية)) لابن الرفعة، عزو الاستثناء إلى رواية أبي
داود، (فقال: ورواية أبي داود)(٣): ((خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه إلَّا
ما غير طعمه أو ريحه)) وهذا ليس في (٤) أبي داود فاعلمه.
الحديث الرابع
أَنَّهِ وَّهِ قال: ((إذا بَلَغَ (الماءُ) (٥) قُلَّتَيْن، لم يَحْمِلْ خَبَثًا))(٦).
هذا الحديث صحيح، ثابت، من رواية عبد الله بن عبد الله بن عمر
ابن الخطاب، عن أبيه رضي الله عنهما، ((أنَّ رسول الله سُئِلَ عن الماء
يكون بأرض الفَلَاة، وما يُنُوبُه من السباع والدواب، فقال رسول الله
وَلَه: إذا بَلَغَ الماءُ قلتين، لم يحملِ الخَبَث)».
أخرجه (الأئمة)(٧) الأعلام: الشافعي(٨)، وأحمد(٩)،
والدارمي(١٠) في ((مسانيدهم)). وأبو داود (١١)، والترمذي(١٢)،
(١) ((المستصفى)) (٢٣٥/١).
(٣) ليست في ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٢) في ((م)): كما. والمثبت من (أ)).
(٤) زاد بعدها في ((م)) رواية.
(٥) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م)) و((الشرح الكبير)).
(٦) ((الشرح الكبير)) (٤٣/١).
(٧) من ((م)).
(٨) ترتيب ((مسند الشافعي)) (٢١/١-٢٢)
(٩) ((المسند)) (١٢/٢، ٢٣، ٢٦-٢٧، ٣٨، ١٠٧).
(١٠) ((سنن الدارمي)) (٢٠٢/١ رقم ٧٣١، ٧٣٢).
(١١) ((سنن أبي داود)) (١٧٨/١-١٧٩ رقم ٦٤ -٦٦).
(١٢) ((جامع الترمذي)) (٩٧/١ رقم ٦٧).

٤٠٥
كتاب الطهارة
والنسائي(١)، وابن ماجه(٢)، والدارقطني(٣) في ((سننهم))،
وابن خزيمة(٤)، وابن حبان(٥) في ((صحيحهما)) والحاكم أبو عبد الله
في ((المستدرك على الصحيحين))(٦) والبيهقي في كتبه الثلاثة: ((السنن
الكبير))(٧)، و((المعرفة))(٨)، و(الخلافيات))(٩).
قال یحیی بن معین(١٠): إسناد جيد.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم،
فقد احتجا جميعًا بجميع رواته، ولم يخرجاه، وأظنهما - والله أعلم - لم
يخرجاه لخلاف على أبي أسامة على الوليد بن كثير حيث رواه تارة: عن
محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة: عن محمد بن (عبَّاد)(١١) بن جعفر.
قال: وهذا خلاف لا يُوهن الحديث، فقد احتجَّ الشيخان جميعًا
بالوليد بن كثير، ومحمد بن (عباد) (١٢) بن جعفر، وإنَّما قرنه
(أبو أسامة)(١٣) إلى محمد بن جعفر، ثم حدَّث به مرة عن هذا ومرة
عن ذاك.
(١) ((سنن النسائي)) (٤٩/١-٥٠ رقم ٥٢، ١٩١/١ رقم ٣٢٧).
(٢) (سنن ابن ماجه)) (١٧٢/١ رقم ٥١٧، ٥١٨).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١٣/١-٢٣ رقم ١-٢٥).
(٤) ((صحيح ابن خزيمة)) (٤٩/١ رقم ٩٢).
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (٥٧/٤ رقم ١٢٤٩)، (٦٣/٤ رقم ١٢٥٣).
(٦) ((المستدرك)) (١٣٢/١) وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين.
(٧) ((السنن الكبرى)) (٢٦٠/١-٢٦٢).
(٨) ((معرفة الصحابة)) (٣٢٦/١-٣٣٠ رقم ٣٩٢-٤٠١).
(١٠) ((تاريخ الدوري)) (٢١٧/١).
(٩) ((الخلافيات)) (١٤٦/٣ رقم ٩٣٥).
(١١) في ((م)): عبادة. خطأ، والتصويب من ((أ)).
(١٢) في ((م)): عبادة. خطأ، والتصويب من (أ)).
(١٣) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).

٤٠٦
البدر المنير
ثم رواه الحاكم بإسناده إلى أبي أسامة نا الوليد بن كثير، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير؛ ومحمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عمر به.
قال: فقد صحَّ وثبت بهذه الرواية صحة الحديث، وظهر أن أبا
أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير، عنهما جميعًا، قال: وقد تابع
الوليد بن كثير على روايته، عن محمد بن جعفر بن الزبير محمد
ابن إسحق.
وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: إسناد هذا الحديث على شرط
مسلم في عبيد الله بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحق،
والولید بن کثیر.
قال: وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عاصم
ابن المنذر، (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. [و](١) رواه
إسمعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر)(٢)، عن رجل، عن ابن عمر.
فهذا محمد بن إسحق، وافق عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير
في ذكر محمد بن جعفر بن الزبير، وعبيد الله (بن عبد الله)(٣) بن عمر.
وروايتهما توافق رواية حماد بن سلمة وغيره، عن عاصم بن المنذر،
(في ذكر عبيد الله بن عبد الله) (٤).
فثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة والكوفة والبصرة على
حديث عبيد الله بن عبد الله، وباتفاق محمد بن إسحق، والوليد
بن كثير، على روايتهما عن محمد بن جعفر بن الزبير. فعبيد الله، وعبد
(١) سقط من ((أ، م)) والمثبت من ((نصب الراية)) (١/ ١٠٧).
(٢) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٣) سقط من (م)) والمثبت من ((أ)).
(٤) المثبت من ((أ)).

٤٠٧
كتاب الطهارة
الله ابنا عبد الله بن عمر مقبولان بإجماع من الجماعة في كتبهم. وكذلك
محمد (بن جعفر) (١) بن الزبير، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر، والوليد
ابن (كثير) (٢): في كتاب مسلم بن الحجاج، وأبي داود، والنسائي.
وعاصم بن المنذر يُعْتَبر بحديثه. وابن إسحق أخرج عنه (مسلم و)(٣)
أبو داود والنسائي.
وعاصم بن المنذر أستشهد (به)(٤) البخاري في مواضع، وقال
شعبة بن الحجاج: محمد بن إسحق أمير المؤمنين في الحديث. وقال
ابن المبارك: هو ثقة ثقة ثقة. هذا آخر كلام الحافظ ابن منده.
وقد ذكرت فصلًا في محمد بن إسحق قبيل الأذان، وذكرت أقوال
الأئمة فيه فراجعه.
وأعَلَّ قومٌ الحديثَ بوجهين :
أحدهما: الاضطراب، وذلك من وجهين أحدهما في الإِسناد،
والثاني في المتن.
(أما الأول)(٥): فحيث رواه الوليد بن كثير تارة عن محمد بن عباد
ابن جعفر، وتارة عن محمد بن جعفر بن الزبير. وحيث روي تارة عن
(عبيد الله)(٦) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وتارة عن عبد الله بن عبد
الله بن عمر بن الخطاب.
(١) في ((أ)): مسلم. وهو تحريف، والمثبت من ((م))، ((الإمام)) (٢٠٥/١)، ((نصب الراية))
(١٠٧/١).
(٢) تكررت في ((أ)).
(٣) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م))، ((الإمام)) (٢٠٥/١)، ((نصب الراية)) (١٠٧/١).
(٤) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م))، ((الإمام)) (٢٠٥/١)، ((نصب الراية)) (١٠٧/١).
(٦) في ((م)): عبد الله. والمثبت من (أ)).
(٥) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).

٤٠٨
البدر المنير
والجواب عن هذا أن هذا ليس اضطرابًا، بل رواه محمد بن عباد،
ومحمد بن جعفر، وهما ثقتان معروفان. (ورواه)(١) - أيضًا - عبيد الله،
وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب (﴿ وأرضاهم)(٢)(٣)، وهما -
أيضًا - ثقتان، وليس هذا من الاضطراب.
وقد جمع اليبهقي طرقه، وبيَّن رواية المُحَمَّدَيْن، وعبد الله، وعبيد
الله، وذكر (طرق)(٤) ذلك كلها، وبيَّنها أحسن بيان، ثم قال: والحديث
محفوظ عن عبد الله وعبيد الله.
قال: وكذا كان شيخنا أبو عبد الله الحافظ الحاكم يقول: الحديث
محفوظ عنهما، وكلاهما رواه عن أبيه. قال: وإلى هذا ذهب كثير من
أهل الرواية، وكان إسحق بن راهويه يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله
ابن عبد الله، إنما هو عبيد الله بن عبد الله، بالتصغير.
وأطنب البيهقي في تصحيح الحديث بدلائله، فحصل أنَّه غير
مضطرب. وقد قَدَّمنا - قبل هذا - كلام الحاكم أبي عبد الله في ذلك.
وقال الدارقطني في ((سنته))(٥)، و((علله)): رواه الوليد بن كثير عن
المُحَمَّدَيْن. فصحَّ القولان عن أبي أسامة، وصحَّ أن الوليد بن كثير رواه
عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى.
وكذلك قال الإِمام الرافعي في ((شرح المسند»: الظاهر عند
الأكثرين صحة الروايتين.
(١) في ((م): وروى. والمثبت من ((أ)). (٢) المثبت من ((م)).
(٣) زاد بعدها في ((أ)): عن أبيه. وهى ليست في ((م).
(٤) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٥) ((سنن الدارقطني)) (١٧/١).

٤٠٩
كتاب الطهارة
وقال في ((التذنيب))(١): الأكثرون صححوا الروايتين جميعًا، وقالوا
إن عبد الله، وعبيد الله روياه عن أبيهما.
وقال ابن الأثير في ((شرح المسند)): لأجل هذا الاختلاف تركه
البخاري ومسلم، لأنه على خلاف شرطهما، لا لطعن في متن الحديث،
فإنَّه في نفسه حدیث مشهور معمول به، ورجاله ثقات معدلون، وليس
هذا الاختلاف مما يوهنه. ثم ذكر مقالة الحاكم المتقدمة.
وقال الخطابي(٢): يكفي شاهدًا على صحة هذا الحديث: أن
نجوم أهل الحديث صحّحوه، وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء،
وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب.
فممن ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور،
وأبو عبيد، وابن خزيمة، وغيرهم.
وقال عبد الحق(٣): حديث صحيح. وقال النووي في ((كلامه على
سنن أبي داود)): هذا الحديث حَسَّنه الحقَّاظ وصحّحوه، ولا تُقبل دعوى
من ادّعى اضطرابه.
(وأما الوجه الثاني: فهو أنه قد رُوي فيه)(٤): ((إذا كان الماء قدر
قلتین أو ثلاث، لم ينجسه شيء)).
رواه الإِمام أحمد(٥).
وفي رواية للدارقطني(٦): ((إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا، لم ينجسه
(١) في (أ)): ((التهذيب)). خطأ، والتصويب من ((م)).
(٢) ((معالم السنن)) (٥٨/١).
(٣) ((الأحكام الوسطى)) (١٥٤/١).
(٤) تكرر في ((أ)).
(٥) ((المسند)) (٢٣/٢، ١٠٧).
(٦) ((سنن الدراقطني)) (٢٢/١ رقم ٢٠) وبسط الكلام عليه، ومنه أخذ ابن الجوزي كلامه
الذي سينقله المؤلف بعد.

٤١٠
البدر المنير
شيء)).
وفي رواية: لابن عدي(١)، والعقيلي (٢)، والدار قطني(٣): ((إذا بلغ
الماء أربعين قلة، فإنَّه لا يحمل الخبث)).
والجواب عن ذلك: أما الروايتين (الأولتين، فهما شاذتان، غير
ثابتين، فوجودهما كعدمهما. قَالَه النووي)(٤) في ((شرح المهذب))(٥).
وقال ابن الجوزي في ((تحقيقه))(٦): رواهما حماد، واختلف عليه:
فروى عنه: إبراهيم بن الحجاج، وهدبة، وكامل بن طلحة،
فقالوا: ((قلتين أو ثلاثًا)).
وروى عنه: عفَّان، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وبشر
ابن السري، والعلاء بن عبد الجَبَّار، وموسى بن إسمعيل، وعبيد الله
ابن موسى العيشي: ((إذا كان الماء قلتين)). ولم يقولوا: ((أو ثلاثًا)).
واختلفوا عن يزيد بن هارون، فروى عنه ابن الصَبَّح بالشك،
وأبو مسعود بغير شك. فوجب العمل على قول من لم يشك.
وأما الرواية الأخيرة، فليست (من حديث القلتين)(٧) في شيء،
(ذاك)(٨) من طريق ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا، تفرد به القاسم
العمري، عن ابن المنكدر، وهي مردودة بالقاسم.
(١) ((الكامل)) (١٥٠/٧) وقال ابن عدي: وهذا بهذا الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه
غير القاسم، عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير.
(٢) ((الضعفاء الكبير)) (٤٧٣/٣).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٢٦/١ رقم ٣٤).
(٤) سقطت من ((أ)) وأثبتها من ((م)).
(٦) ((التحقيق)) (١٠/١-١١).
(٨) في ((م)): ذلك. والمثبت من ((أ)).
(٥) ((المجموع)) (١١٤/١-١١٥).
(٧) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).

٤١١
كتاب الطهارة
قال البيهقي: غلط فيه، وكان ضعيفًا في (الحديث)(١)، (جَرَّحه)(٢)
أحمد، (ويحيى)(٣)، والبخاري، وغيرهم من الحفاظ.
قال الدارقطني (٤): كان ضعيفًا، كثير الخطأ، (ووهم)(٥) في
إسناده، وخالفه روح بن القاسم، وسفيان الثوري، ومعمر، (فرووه)(٦)
عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن [عمرو](٧) موقوفًا. ورواه أيوب(٨)
السختياني، عن محمد بن المنكدر، من قوله لم (يجاوزه)(٩).
وقد رواه عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: إذا كان الماء
قدر أربعين قلة، لم يحمل خبئًا.
وخالفه غير واحد، فرووه عن أبي هريرة، فقالوا: أربعين غَرْبًا،
ومنهم من قال: أربعین دلوًا.
قال البيهقي (١٠): وقول من يوافقُ قوله من الصحابة قول رسول الله
وَلّ في القلتين، أولى أن يُتَّبع.
قلت: لا جرم أن ابن الجوزي ذكر في ((موضوعاته))(١١) هذه
الرواية الثالثة، وقال: إنَّها لا تصح، (وأنَّ)(١٢) المتهم بالتخليط فيها:
(١) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٢) في ((م)): أخرجه. والمثبت من ((أ)) وهو الصواب.
(٣) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م)).
(٤) ((سنن الدار قطني)) (٢٦/١-٢٧).
(٥) في ((م)): وهو. خطأ، والمثبت من ((أ)).
(٦) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٧) في ((أ، م)): عمر. والمثبت من ((سنن الدارقطني)) (٢٦/١-٢٧).
(٨) في ((م)): أبو أيوب. خطأ، والمثبت من ((م)).
(٩) في ((م)): يجاوز به. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في مطبوع ((السنن)).
(١٠) ((السنن الكبرى)) (٢٦٣/١).
(١٢) في ((م)): قال. والمثبت من ((أ)).
(١١) ((الموضوعات)) (٧٧/٢).

٤١٢
البدر المنير
القاسم بن [عبد الله](١) العمري (٢)، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي
عنه فقال: أف أف، ليس بشيء، وسمعته مرة يقول: كان يكذب، وفي
رواية: يضع الحديث.
الوجه الثاني: مما أُعِلَّ به هذا الحديث، وهو: أنه روي موقوفًا
على (عبد الله)(٣) بن عمر (كذلك رواه ابن عُلَيَّة)(٤).
والجواب: أنه (قد سبق روايته)(٥) مرفوعًا إلى النبي
من طريق
وسلم
الثقات، فلا يضر تفرد واحد لم (يحفظ)(٦) بوقفه(٧).
وقد روى البيهقي وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن يحيى بن معين -
إمام (أهل)(٨) هذا الشأن - أنه سُئِلَ عن هذا الحديث، فقال: جيد
الإسناد، قيل له: فابن علية لَمْ يرفعه؟ قال يحيى: وإنْ لم يحفظ
ابن علية، فالحدیث جید الإسناد.
(وأنا أتعجب)(٩) من قول أبي عمر بن عبد البر في ((تمهيده))(١٠):
ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر،
غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تَكَلَّم فيه جماعة من أهل العلم؛
ولأن القلتين لَمْ يُوقَّف على حقيقة (مبلغهما)(١١) في أثر ثابت، ولا
إجماع.
(١) في ((أ)): عبيد الله. وفي ((م)): عبيد. والتصويب من ((الموضوعات)).
(٢) («الميزان)) (٣٧٢/٣ -٣٧٣).
(٣) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م).
(٤) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م)).
(٥) في ((م)): صح موصولًا. والمثبت من (أ)).
(٦) في ((م)): يحفظه. والمثبت من ((أ)).
(٧) كتبت حاشية نصها: قوله بوقفه متعلق بالتفرد.
(٨) ليست في ((م)) والمثبت من (أ)).
(١٠) ((التمهيد)) (٣٣٥/١).
(٩) في ((أ)): وإنما العجب. والمثبت من ((م)).
(١١) في ((م)): مبلغها. والمثبت من ((أ)).

٤١٣
كتاب الطهارة
وقوله في ((استذكاره))(١): حديثٌ معلول، رَدَّه إسمعيل القاضي،
وَتَكلَّم فيه.
وقد حكم الإِمام الحافظ، أبو جعفر الطحاوي (٢)، الحنفي، بصحة
هذا الحديث، كما ذكرنا، لكنه اعتلَّ بجهالة قدر القلتين.
وتبعه على ذلك: الشيخ تقي الدين، فقال في ((شرح الإِلمام)): هذا
الحديث قد صحّح بعضهم إسناد بعض طرقه، وهو - أيضًا - صحيح على
طريقة الفقهاء؛ لأنه وإنْ كان حديثًا مضطرب الإِسناد، مُخْتَلَفًا فيه في
(بعض)(٣) ألفاظه - وهي علَّة عند المحدثين، إلّا أن يُجاب عنها بجواب
صحيح - فإنَّه يمكن أن يُجمع بين الروايات، ويُجاب عن بعضها بطريق
أصولي، ويُنسب إلى التصحيح، ولكن تركته - (يعني) (٤) في ((الإِلمام)) -
لأنه لم يثبت عندنا - الآن - بطريق استقلال يجب الرجوع إليه شرعًا
تعيين لمقدار القلتين.
والجواب عَمَّا أعتذرا به: أنَّ المراد قلتين بقلال هجر، كما رواه
الإِمام الشافعي في ((الأم))(٥)، و((المختصر)) (٦): عن مسلم بن خالد
الزِّنجيّ، عن ابن جريج، بإسنادٍ لا يحضرني ذكره، أنَّ رسول الله عَليه
قال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحملْ خبثًا))، وقال في الحديث: ((بقلال
هَجَر)).
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلّة تسعُ قربتين، أو
قربتین وشيئًا.
(١) ((الاستذكار)) (١٠٢/١).
(٣) ليست في ((م)) والمثبت من (أ)).
(٤) في ((م): أي. والمثبت من (أ)).
(٥) ((الأم)) (٤/١).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (١٦/١).
(٦) ((مختصر المزني)) (٤٥/١).

٤١٤
البدر المنير
وكذلك رواه البيهقي في ((سننه))(١).
ومسلم بن خالد (٢)، وإنْ تُكُلِّم فيه، فقد وثّقه: يحيى بن معين،
وابن حِبَّن، والحاكم، وأخرجا له في ((صحيحيهما))، أعني ابن حبان
والحاكم. وقال ابن عدي: حسنُ الحديث. ومن ضَعَّفه لَمْ يَبَيِّن سببه،
والقاعدة المقررة: أنَّ الضعف لا يُقْبَلُ إلَّا مُبَيَّنًا(٣).
قال الإِمام الرافعي في ((شرح المسند)): (الإِسناد) (٤) الذي لم
يحضر الشافعي ذكره - على ما ذكر أهل العلم بالحديث - أنَّ ابن جريج
قال: أخبرني محمدٌ (أنَّ)(٥) يحيى بن عقيل أخبره، أن يحيى بن يعمر
أخبره، أن النبي وَالر قال: ((إذا كان الماء قلتين، لم يحمل خبثًا، ولا
بأسًا)). قال محمد: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ فقَالَ: قلال
هجر.
وكذلك قال ابن الأثير في ((شرح المسند)) أيضًا.
قال(٦): ومحمد هذا الذي حَدَّث (عنه)(٧) ابن جريج هو: محمد
(١) (السنن الكبرى)) (١/ ٢٦٣).
(٢) ((التهذيب)) (٥٠٨/٢٧-٥١٤).
(٣) كتبت حاشية في ((أ)) نصها: فيه أن الجرح مقدم على التعديل، وأما بيان سبب
الضعف فالمختار أنه لا يجب من الأئمة.
(٤) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٥) في ((أ)): ابن. وهو تحريف، والمثبت من (م)).
(٦) كذا في ((أ))، ((م)) بإبهام القائل وكتب على الحاشية: البيهقي: قال أبو أحمد الحافظ
وهو الظاهر والله أعلم. اهـ
قلت: يريد أن القائل هو الإمام البيهقي عن أبي أحمد الحاكم وهو كذلك في ((السنن
الكبرى)) (٢٦٤/١) والله أعلم.
(٧) في ((أ)): عن. والمثبت من ((م)).

٤١٥
كتاب الطهارة
ابن يحيى، يحدث عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن عقيل.
وهذا الحديث مرسل، فإنَّ يحيى بن يعمر (تابعي مشهور) (١)،
روى عن ابن عباس وابن عمر، فيحتمل أن يكون هذا الحديث الذي
رواه من الحديث المشهور، ويكون ابن يعمر قد رواه عن ابن عمر،
ويجوز أن يكون غيره؛ لأنه يكون قد رواه عن غير ابن عمر.
ورواه الدارقطني في ((سننه))(٢) كما ذكر الإِمامان: الرافعي،
وابن الأثير.
قلت: وإذا كان مرسلًا، فيعتضد(٣) بما رواه ابن عدي(٤) من رواية
ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَله: ((إذا بلغ الماء
قلتين من قلال هجر، لم ينجسه شيء)).
ليس في إسناده سوى: المغيرة بن [سقلاب](6)، قال ابن أبي حاتم
[عن أبيه](٦): صالح الحديث. وقال أبو زرعة: (جزري)(٧) لا بأس به.
(١) سقط من ((م)).
(٢) ((سنن الدار قطني)) (٢٤/١-٢٥ رقم ٢٨).
(٣) كتبت حاشية في ((أ)) نصها: إنما يعتضد الخبر المرسل بغيره إذا كان خاليًا عن أسباب
الضعف غير الإرسال، وهذا المرسل ضعيف من جهة أن محمد بن يحيى بن عقيل
مجهول الحال وإن كان معروف العين كما قال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)).
(٤) ((الكامل)) (٨٢/٨) وقال ابن عدي: وقوله في متن هذا ((من قلال هاجر)) غير
محفوظ، ولم يذكر إلا في هذا الحديث من رواية مغيرة هذا عن محمد بن إسحق.
(٥) في ((أ، م)): صقلاب. بالصاد، ولم أجد من ضبطه بالصاد، بل ذكره ابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) (٢٢٣/٨-٢٢٤) في ((باب تسمية من روي عنه العلم ممن يسمى
مغيرة وابتداء اسم أبيه على السين)) فلذلك صححته.
(٦) سقطت من ((أ، م)) والصواب إثباتها كما في ((الجرح والتعديل)) وغيره.
(٧) من ((م)).

٤١٦
البدر المنير
وهذا يُقَدَّم على قول ابن عدي: منكر الحديث، وعلى قول (عليّ
ابن)(١) ميمون الرَّقي: إنَّه لا يسوي بعرة، لجلالة الأولين(٢).
ومن المعلوم: أن قِلال هجر كانت معروفة عندهم، مشهورة، يدل
عليه حديث أبي ذر ته، الثابت في (الصحيحين))(٣)، أن رسول الله وَل
(أخبرهم) (٤) ليلة الإِسراء (فقال)(٥): ((رُفِعَتْ إليَّ سِدرْة المنتهى، فإذا
ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر)).
فعُلِم بهذا: أنَّ القلال عندهم معلومة، مشهورة، وكيف يُظن أن
النبي ◌َّ (يُحدد)(٦) لهم، أو يمثل لهم بما لا يعلمونه، ولا يهتدون إليه؟
قال الشافعي: كان مسلم - يعني ابن خالد الزنجي - يذهب إلى
(أنَّ)(٧) ذلك الشيء المذكور في قول ابن جريج أقل (من نصف قربة، أو
نصف القربة، فيقول: خمس قرب هو أكثر ما يسع قلتين، وقد تكون)(٨)
(١) سقط من ((م)) والمثبت من (أ)).
(٢) كُتبت حاشية على ((أ)) نصها: والصحيح أن الجرح مقدم على التعديل مطلقًا، وأن
الجرح المطلق يكفي من الأئمة كما سبق.
(٣) كذا قال المؤلف - رحمه الله - وحديث أبي ذر رواه البخاري (٥٤٧/٢-٥٤٨
رقم ٣٤٩ وطرفاه في: ١٦٣٦، ٣٣٤٢)، ومسلم (١٤٨/١-١٤٩ رقم ١٦٣) وليس
فيه هذا اللفظ، إنما روى هذا اللفظ البخاري (٣٤٨/٦-٣٥٠ رقم ٣٢٠٧) من
حديث مالك بن صعصعة، ولم أجده في مسلم من رواية مالك بن صعصعة ولا
غيره، وقد نبه بعضهم لذلك على حاشية ((أ)) فكتب: حديث المعراج من رواية أبي
ذر هو لمسلم وليس فيه خبر السدرة المنتهى، وإنما هو في رواية البخاري عن مالك
ابن صعصعة.
(٤) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٦) في (م): عدد. والمثبت من ((أ)).
(٨) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٥) في (م)): قال.
(٧) سقط من ((م) والمثبت من ((أ)).

٤١٧
كتاب الطهارة
القلتان أقل من خمس.
قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون [القلة](١) قربتين ونصفًا، فإذا
كان الماء خمس قرب لم يحملْ خبثًا، في (جريان)(٢)، أو غيره.
إلَّا أن يظهر في الماء (٣) ريح أو طعم أو لون.
قال: وَقِرَب الحجاز كبار، فلا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة
إلَّا بِقِرَبِ کبار.
قلت: لأن القلة في اللغة: الجرة العظيمة، التي يُقلها القوي من
الرجال، أي: يحملها و(يرفعها) (٤). قال الخطابي(٥): قلال هجر
مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل
والصيعان المنسوبة إلى البلدان، قال: وقلال هجر أكبرها وأشهرها؛
لأنَّ الحد لا يقع بالمجهول.
وقال الشيخ أبو حامد في (تعليقه)): قال أبو إسحق، إبراهيم
ابن جابر، صاحب ((الخلاف)): سألت قومًا من ثقات هجر، فذكروا أنَّ
القلال بها لا تختلف، وقالوا: قايسنا القلتين، فوجدناهما خمسمائة
رطل.
فإذا تقرر عندك ما قررناه، ظهر لك أنَّ العمل بالحديث المذكور
متعين، ولا جهالة في مقدار القلتين.
فإنْ قُلْتَ: قد جاء في آخر حديث ابن عمر، الذي ذكرته من طريق
(١) في ((أ)): القلتين. وفي ((م)): القلتان. وهو خطأ بيِّن، والصواب المثبت.
(٢) في ((م)): جركان. خطأ، والتصويب من (أ)).
(٣) زاد بعدها في ((م)): منه.
(٤) في ((م): يروحها. والمثبت من ((أ)).
(٥) ((معالم السنن)) (١/ ٥٧).

=
٤١٨
البدر المنير
ابن عدي، بعد قوله: ((إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لَمْ يُنجِّسه
شيء)) .: ((وذكر (أنهما)(١) فرقان)). فلا يصح ما قررته؛ لأن الفرق: ستة عشر
رطلًا، فيكون مجموع القلتين: أثنان وثلاثون رطلًا، ولا تقولون به(٢)؟
فالجواب: أنَّ هذه اللفظة مدرجة في الحديث، جمعًا بينه وبين ما
قررناه: من أن قلال هجر لن تختلف، وأنهما خمسمائة رطل.
فائدة: هَجَر: بفتح الهاء والجيم، قرية بقرب المدينة، ليست هجر
البحرين. كذا قاله ابن الصلاح وتبعه النووي.
وحكى المنذري في ((حواشي السنن)) قولًا آخر: أنها تُنسب إلى
هجر التي باليمن، وهي قاعدة البحرين.
وقال الحافظ أبو بكر الحازمي في كتاب ((المختلف والمؤتلف في
أسماء الأماكن)): هجَر - بفتح الجيم - البلد، قصبة ببلاد البحرين، بينه
إلى (سِرَّين)(٣) سبعة أيام، والهجر: بلد باليمن، بينه وبين (عثر) (٤) يوم
وليلة.
وقال أبو عبيد في ((معجمه)): هَجَر - بفتح أوله وثانيه - مدينة
البحرين، معروفة، وهي مُعَرَّفة لا يدخلها الألف واللام، وهو اسم
فارسي، معرب (أصله)(٥) ((هكر))، وقيل: إنَّما سمي (بهجر) (٦) بنت
(١) في ((م)): أنها. والمثبت من ((أ)).
(٢) كتبت حاشية في ((أ)) نصها: هذه دعوى لا تصح.
(٣) غير واضحة في ((م)) والمثبت من ((أ)) و((معجم البلدان)) (٤٥٣/٤) ..
(٤) في ((م): عر. والمثبت من ((أ)) و((معجم البلدان)) (٤٥٣/٤).
(٥) من ((م)).
(٦) في ((أ)): هجر. والمثبت من ((م) و((معجم ما استعجم)) (١٨٢/٤).

٤١٩
كتاب الطهارة
مِكْنَف(١) من العماليق.
وقال ابن دحية في كتابه ((التنوير في مولد السراج المنير)): هجر -
ويقال: الهجر بالألف واللام -: مدينة جليلة، قاعدة البحرين، بينها
وبين البحرين عشر مراحل.
وقال محمد بن عمر بن واقد: هي على ثمان ليال من مكة إلى
اليمن، مما يلي البحر. قاله في ((مغازيه)).
وما ذكره ابن دحية - أولًا - تبع فيه صاحب ((المطالع))، (فإنه
قال)(٢): وهجر مدينة باليمن، وهي قاعدة البحرين، بفتح الهاء والجيم،
ويقال فيه: الهجر بالألف واللام بينها وبين البحرين عشر مراحل.
فائدة أُخرى :
قوله الكلي: «لم يحمل الخبث))، معناه: لَمْ ينجس بوقوع النجاسة
فيه. كما فَسَّره في الرواية الأخرى، التي (رواها)(٣) أبو داود(٤)،
وابن حبان(٥)، وغيرهما: ((إذا بلغ الماء قلتين، لم ينجس)).
وهذه الرواية: ذكرها الإِمام الرافعي في الباب الآتي، وهي
صحيحة من غير شك ولا مرية، لا مطعن لأحد في اتصالها، وثقة
رجالها. قال يحيى بن معين: إسنادها جيد، وقال الحاكم: صحيح.
(١) في ((معجم البلدان)) (٤٥٢/٥). قال ابن الكلبي عن الشرقي: إنما سميت عين هجر
بهجر بنت المكفف وكانت من العرب المتعربة وكان زوجها محلّم بن عبد الله
صاحب النهر الذي بالبحرين يقال له نهر محلة وعين محلة، وينسب إليها هاجري
على غير قياس.
(٢) في ((أ)): فائدة. والمثبت من ((م)). (٣) في ((م): رواه. والمثبت من ((أ)).
(٤) ((سنن أبي داود)) (١٧٩/١ رقم ٦٥٦).
(٥) ((صحيح ابن حبان)) (٥٧/٤ رقم١٢٤٩)، (٦٣/٤ رقم ١٢٥٣).

٤٢٠
البدر المنير
وقال البيهقي (١): موصول. وقال الشيخ زكي الدين: لا غبار عليه.
وتقديرها: لا يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يُقال: فلان
لا يحمل الضَّيْم، أي: لا يقبله، ولا يصبر عليه، (بل)(٢) يأباه.
وقَالَ النووي(٣): وأما قول بعض المانعين للعمل بالقلتين: إن معناه
أنه يَضْعُف عن حمله. (فخطأ)(٤) فاحش من أوجه:
أحدها: أن الرواية الأخرى مصرحة بغلطه، وهي قوله: ((لم
ینجس)».
1
الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام، كقولك:
فلانٌ لا يحمل الخشبة، أي: يعجز عنها لثقلها. وأما في المعاني فمعناه:
لا یقبله، کما ذکرنا.
ثالثها : أنَّ سياق الكلام يفسده؛ لأنه لو كان المراد: أنه يضعف عن
حمله، لم يكن للتقييد بالقلتين معنى، فإنَّ ما دونها أولى بذلك.
فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع في المتغير
بنجاسة؟
فالجواب: أنه عام، خص منه المتغير بالنجاسة، فيبقى الباقي
(على)(٥) عمومه، كما هو الصحيح عند الأصوليين.
فإنْ قيل: هذا الحديث (يحمل) (٦) على الجاري.
فالجواب: أن الحديث يتناول الجاري والراكد، فلا يصح
(١) لفظه في ((المعرفة)) (٣٢٩/١ رقم ٣٩٩): وهذا إسناد صحيح موصول.
(٢) في ((م): أي. والمثبت من ((أ)).
(٣) ((المجموع)) (١/ ١٧٣).
(٤) تكرر في ((م)).
(٦) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٥) في ((م): إلى. والمثبت من (أ)).