النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الطهارة
نبَّهنا بما ذكرنا على كثير (مما تركنا)(١)، ولعلنا نفرده بالتصنيف - إن شاء
الله وقَدَّر.
وقد فعل ذلك - وله الحمد - في سنة ثلاث وستين، في جزء لطيف.
الحديث الثاني
((أَنَّه ◌َلِهِ تَوَضَّأ من بئرِ بضاعة)).
هذا الحديث صحيح، مشهور من حديث أبي سعيد سعد بن مالك
ابن سنان، الخدري ، قال: ((قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر
بضاعة - وهي بئر يُلقى فيها الحِيَضُ، ولحوم الكلاب، والنَّتْنُ؟ فقال
رسول الله وَله: إنَّ الماء طهور، لا يُنَجِّسُه شيءٍ)).
رواه الأئمة، أهل الحل والعقد (٢): الشافعي في ((الأم)(٣)،
و((اختلاف الحديث)) (٤)، وأحمد في ((المسند))(٥)، وأبو داود(٦)،
والترمذي(٧)، والنسائي(٨)، والدار قطني(٩)، والبيهقي(١٠) في ((سنتهم)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض نسخه: صحيح.
(١) سقط من ((م)) والمثبت من (أ)).
(٢) زاد بعدها في ((أ)): مالك في ((الموطأ)). وهو خطأ؛ وسيأتي قول المؤلف: هذا
الحديث لا يوجد في موطأ من الموطآت المروية عن الإمام مالك - رحمه الله - بل
لم يعزه أحد من مصنفي الأحكام إليه.
(٣) ((الأم)) (٩/١) وانظر أيضًا ((مسند الشافعي)) ص١٥٦.
(٤) ((اختلاف الحديث)) (ص٧١).
(٥) (المسند)) (١٥/٣، ١٦، ٣١، ٨٦).
(٦) ((سنن أبي داود)) (١/ ١٨٠ رقم ٦٧).
(٧) ((جامع الترمذي)) (٩٥/١-٩٦ رقم ٦٦).
(٨) ((سنن النسائي)) (١٩٠/١ رقم ٣٢٥). (٩) ((سنن الدار قطني)) (٢٩/١ -٣٠ رقم ١٠).
(١٠) ((السنن الكبرى)) (٤/١، ٢٥٧).

٣٨٢
البدر المنير
قال: وقد جَوَّد أبو أسامة هذا الحديث، [لم يَرْوِ أحد] (١) حديث
أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، قال: (وقد)(٢) رُوي
هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد.
وقال الإِمام أحمد: هذا حديث صحيح. نقله الحافظ جمال الدين
المزي في ((تهذيبه))(٣) وغيره عنه.
قال النووي في ((كلامه على سنن أبي داود)»: صحّحه يحيى
ابن معين، والحاكم، وآخرون من الأئمة الحفاظ، وقال في
((الخلاصة))(٤): وقولهم مقدم على قول الدارقطني إن هذا الحديث
لیس بثابت.
قلت: كذا نَقَل عن الدارقطني هذه القولة أيضًا ابن الجوزي في
((تحقيقه))(٥)، ولم أَرَها في ((علله))(٦)، بل ذكر في ((علله))(٧) الاختلاف
(١) في ((أ)): لم نر في حديث. وفي ((م)): لم يرو حديث. والمثبت من ((جامع الترمذي)).
(٢) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م)) و((جامع الترمذي)).
(٣) ((تهذيب الكمال)) (٨٤/١٩) ونصه: وقال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل:
حديث بئر بضاعة صحيح، وحديث أبي هريرة: ((لا يبال في الماء الراكد)) أثبت
وأصح إسنادًا.
(٤) ((الخلاصة)) (٦٤/١-٦٥).
(٥) ((التحقيق)) (٤٢/١ رقم١٥).
(٦) قلت: بل هي في ((علل الدارقطني)) (٨/ ١٥٧) لكن قالها في حديث أبي هريرة لا
حديث أبي سعيد، نبّه على ذلك الحافظ ابن عبد الهادي فقال - متعقبًا على نقل
ابن الجوزي هذا عن الدارقطني في ((تنقيح التحقيق)) (٢٠٦/١) -: وما حكاه
المؤلف عنه من قوله: ((والحديث غير ثابت)) يريد به حديث أبي هريرة لا حديث أبي
سعيد، كما صرح به في ((العلل)).
(٧) ((علل الدارقطني)) (٢٨٥/١١-٢٨٨ رقم ٢٢٨٧).

٣٨٣
كتاب الطهارة
في إسناده، ثم قال: و(أحسنها)(١) إسنادًا: حديث الوليد بن كثير، عن
محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع، عن أبي
سعيد؛ وحديث ابن إسحق، عن عبد الله بن أبي سلمة (الماجشون)(٢)،
عن (عُبيد الله)(٣) به، فاعلم ذلك.
وقال الحافظ أبو محمد المنذري: تكلّم فيه بعضهم، ولم يبيِّنْه
رحمه الله.
وقال أبو الحسن (بن) (٤) القطان في كتاب ((الوهم والإِيهام))(٥):
أمره إذا بين، تبين منه ضعف الحديث لا حسنه، وذلك أن مداره على
أبي أسامة، عن محمد بن كعب، ثم اختُلف على أبي أسامة في الواسطة
[التي](٦) بين محمد بن كعب، وأبي سعيد، فقوم يقولون: عبيد الله
ابن عبد الله بن رافع بن خديج، وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الله
ابن رافع بن خديج. وله [طريق](٧) آخر، من رواية: ابن إسحق، عن
سليط بن أيوب.
واختُلف على ابن إسحق في الواسطة بين سليط وأبي سعيد، فقوم
يقولون: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع - قلت: ونقل أبو داود هذا
في ((سننه))(٨) عن بعضهم - وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الرحمن
(١) في ((أ)): أخبرنا. وهو تحريف، والمثبت من ((م)) و((علل الدارقطني)).
(٢) في ((م): الماسحون. وهو تحريف والمثبت من ((أ)).
(٣) في ((م): عبد الله. والمثبت من ((أ)) وقد اختلف في اسمه على الوجهين.
(٥) ((الوهم والإيهام)) (٣٠٨/٣).
(٤) سقط من ((م)) والمثبت من (أ)).
(٦) في (أ، م)): الذي. والمثبت من ((الوهم والإيهام)).
(٧) في ((أ)): طرق. والمثبت من ((٢). وهو الموافق لما في ((الوهم والإيهام)).
(٨) ((سنن أبي داود)) (١/ ١٨٠ رقم ٦٧).

٣٨٤
البدر المنير
ابن رافع؛ (وقوم يقولون: عن عبد الرحمن بن رافع)(١).
فتحصل في هذا الرجل - يعني الراوي له عن أبي سعيد - خمسة
أقوال: عبد الله بن (عبد الله)(٢) بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله
ابن رافع، وعبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع،
وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
وكيفما كان، فهو من لا (تعرف)(٣) له حال ولا عين، والأسانيد
بما ذكرناه في كتب الحديث معروفة، وقد ذكر البخاري في ((تاريخه)) (٤)
الخلاف(٥) المذكور مفسرًا.
قال (ابن القطان (٦) )(٧): ولحديث بئر بضاعة (طريق) (٨) حسن،
من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد.
قال قاسم بن أصبغ: ثنا محمد بن وَضَّاح، ثنا أبو علي عبد الصمد
ابن أبي سكينة الحلبي، بحلب، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه،
عن سهل بن سعد: قالوا: ((يا رسول الله، (إنك تتوضأ)(٩) من بئر
(١) سقط من ((م)) والمثبت من (أ)).
(٢) كذا في ((أ)). والذي في مطبوع ((الوهم والإيهام)) (٣٠٩/٣): عبيد الله. وقال محققه:
هكذا في ((ق، ت))، والموجود في المصادر التي نقل منها المؤلف عبد الله بن عبد
الله، كلاهما بالتكبير، فيمكن أن يكون ذلك محرفًا، أو يقال بالوجهين.
(٣) في ((م)): يعرف. والمثبت من ((أ)).
(٤) ((التاريخ الكبير)) (٣٨٩/٥).
(٥) زاد بعدها في ((أ، م)): في. وهي زيادة مقحمة.
(٦) سقط من ((م) والمثبت من ((أ)).
(٧) ((الوهم والإيهام)) (٣٠٩/٣).
(٨) في ((م): حديث. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في مطبوع ((الوهم والإيهام)).
(٩) في ((م): إنا نتوضأ. والمثبت من ((أ)).

٣٨٥
كتاب الطهارة
بضاعة، وفيها ما يُنْجِي الناس والمحايض، والجنب؟! فقال رسول الله
وَخلية : الماء لا ينجسه شيء)).
قال قاسم: هذا(١) من أحسن شيء في بئر بضاعة.
وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن: ثنا ابن وَضَّاح ... فذكره -
أيضًا - بإسناده ومتنه.
وقال ابن حزم في (كتاب)(٢) ((الإِيصال)): عبد الصمد بن أبي
سكينة ثقة مشهور.
وذكره (المنتجالي)(٣)، وقال: (إن)(٤) ابن وضاح لقيه(٥) بحلب.
ويُروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق، هذا (خيرها)(٦).
وقال الشيخ تقي الدين في ((الإِمام))(٧): أخرج أبو عبد الله بن منده
هذا الحديث من رواية محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الله
ابن رافع، وقال: هذا إسناد مشهور، أخرجه أبو داود والنسائي، وتركه
البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده. رواه ابن أبي ذئب، عن الثقة
عنده، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد. ثم ذكر رواية مطرف
(١) زاد بعدها في ((م)): شيء. وهي ليست في ((أ)).
(٢) في ((أ)): كتابه. والمثبت من ((م)).
(٣) كذا في ((أ، م)) وهو أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي المنتجيلي أو المنتجالي، نسبة
إلى: ((منت جيل)) بلد في الأندلس أنظر ((تاريخ علماء الأندلس)) ص
(٤٣-٤٤)، و((جذوة المقتبس)) ص١٢٥ والإكمال (٢/ ٤٥٠) ومعجم البلدان (٥٪
٢٤٠). وقال محقق ((الإمام)) (١١٩/١): في الأصل: المنتجالي، وقد يكون له
وجه.
(٥) في ((م)): لقيته. والمثبت من ((أ)).
(٤) ليست في ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٦) في ((م)): أحدها. والمثبت من ((أ)).
(٧) ((الإمام)) (١١٦/١).

٣٨٦
البدر المنير
=
ابن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن عبد
الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه. وقال بعد ذلك: فإنْ كان عبيد
الله بن عبد الرحمن بن رافع هذا، هو الأنصاري الذي روى عن جابر
ابن عبد الله، فقد (روى)(١) عنه هشام بن عروة، وهو رجل مشهور في
أهل المدينة. وعبد الله بن رافع بن خديج مشهور، (وعبيد الله)(٢) ابنه
مجهول. فهذا حديث معلول (برواية)(٣) عبيد الله بن عبد الله بن رافع.
وقد أخرج الحافظ، أبو محمد عبد الغني (بن سعيد) (٤) المصري،
في (كتاب)(٥): ((إيضاح الإِشكال)) رواية مطرف، عن خالد بن أبي
نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه قال: ((انتهيت إلى النبي
دَالحجر، وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله، تتوضأ منها وهي
يُلقى فيها ما يُلقى من النتن؟! فقال: إنَّ الماء لا يُنَجِّسه شيء)).
قال الشيخ في ((الإِمام)) (٦): وفي رواية [ابن](٧) إسحق، عن سليط
شيء آخر، ذكره أبو محمد بن أبي حاتم في ((المراسيل)) عن أبيه، قال:
محمد بن إسحق بينه وبين سليط رجل.
وكلامه محتمل لأن يكون بينهما رجل في حديث بئر بضاعة، وبين
(١) في ((م): رواه. والمثبت من ((أ)). وهو الموافق لما في مطبوع ((الإمام)) (١/ ١١٧).
(٢) في ((م): وعبد الله. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في مطبوع ((الإمام)).
(٣) في ((م): من رواية. والمثبت من ((أ)). (٤) ليست في ((م)) والمثبت من (أ)).
(٥) في ((م): كتابه. والمثبت من (أ)).
(٦) ((الإمام)) (١ / ١١٧).
(٧) في ((أ، م)) و((الإمام)): أبي. وهو تحريف، والمثبت هو الصواب، قال محقق ((الإمام))
(١١٧/١): في ((أ)): أبي. وهكذا جاء في بعض نسخ ((البدر المنير)) ويبدو أنه نقل
عن المصنف؛ لمجيئه في ثنايا نقله عنه، وهو مما يؤكد أن التصحيف قديم.

٣٨٧
كتاب الطهارة
أن يكون بينهما رجل مطلقًا، والأقرب إلى وضع الكتاب المذكور هو
الثاني. أهـ
قلت: والذي يظهر، صحة الحديث مطلقًا، كما صحَّحه الأئمة
المتقدمون: الترمذي، وأحمد، ويحيى بن معين، والحاكم، وهم أئمة
هذا الفن والمرجوع إليهم.
وتضعيف ابن القطان إياه لجهالة الوسائط بين سليط بن أيوب وأبي
سعيد، يعارضه رواية سليط عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
وليست مما ذكره، فليس عبد الرحمن(١) هذا مجهولًا، روى له الجماعة
إلَّا البخاري.
وأما قوله: إنَّ الخمسة الذين (رووه)(٢) عن أبي سعيد كلهم
مجاهيل. ففيه نظر؛ لأن تصحيح الحفّاظ الأُوَل لهذا الحديث توثيق منهم
لهم، إذ لا يُظن بمن دونهم الإِقدام على تصحيح ما رجاله مجاهيل؛ لأنه
تدليس في (الرواية)(٣) وغش، وهم براء من ذلك.
وقد وثَّق أبو حاتم ابن حبان (عبيد الله)(٤) بن عبد الله بن رافع،
وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعقد لهما ترجمتين في (ثقاته))(٥).
وهما في كتاب البخاري(٦) واحد، وكذلك عند (ابن)(٧) أبي حاتم(٨)،
بل لعل الخمسة المذكورين عند ابن القطان [واحدٌ] (٩) عند البخاري.
(١) التهذيب (١٣٤/١٧-١٣٥).
(٣) في ((م): الدين. والمثبت من ((أ)).
(٤) في ((م)): عبد الله. والمثبت من ((أ)).
(٥) ((الثقات)) (٧٠/٥-٧١).
(٧) ليست في ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٩) في ((أ، م)): واحدًا.
(٢) في ((م)): رووا. والمثبت من ((أ)).
(٦) ((التاريخ الكبير)) (٣٨٩/٥).
(٨) ((الجرح والتعديل)) (٣٢١/٥).

٣٨٨
البدر المنير
لا جرم أن الحافظ أبا محمد بن حزم (قال)(١) في كتابه ((المحلَّى
شرح المجلَّى)) (٢) عقب حديث بئر بضاعة: هذا حديث صحيح، جميع
رواته معروفون عدول.
وقال أبو حاتم ابن حبان في (صحيحه))(٣) - لمّا ذكر (حديث)(٤)
عبيد الله بن عبد الرحمن عن جابر رفعه: ((من أَحْيَا أرضًا ميتة، فله فيها
أجر ... )) الحديث -: (ذكر)(٥) الخبر المدحض قول من زعم أن [عبد الله
ابن عبد الرحمن](٦) هذا مجهول، لا يعرف. ثم أخرجه من حديث
هشام، عن (عبد الله)(٧) بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت
جابرًا يذكر ... الحديث. وسيأتي بيان هذا في كتاب ((إحياء الموات)) حين
يذكر الإِمام الرافعي هذا الحديث.
و(إذ)(٨) قد فرغنا من تصحيح هذا (الحديث)(٩)، فلا بد من إيراد
ضبط بعض ألفاظه، وفوائده، فنقول:
((بضاعة)): بضم الباء الموحدة، ويقال: بكسرها، لغتان، حكاهما
الجوهري وغيره، والضم أشهر وأفصح، ولم يذكر جماعة
(١) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٢) لم أجد هذا التعقيب انظر ((المحلى)) (١٥٥/١).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) (١١/ ٦١٣ رقم ٥٢٠٢).
(٤) في ((أ)): حديثه. والمثبت من ((م)).
(٥) في ((أ)): و. والمثبت من ((م)) و((صحيح ابن حبان)).
(٦) في ((أ، م)): عبيد الله. والمثبت من ((صحيح ابن حبان)) (١١/ ٦١٤).
(٧) في ((م): عبيد الله. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في مطبوع ((صحيح ابن حبان)).
(٨) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٩) في ((أ)): الحديثين. والمثبت من ((م)) وهو الصواب.

٣٨٩
كتاب الطهارة
(سواهما)(١). ثم قيل: هو اسم لصاحب البئر. وقيل: اسم لموضعها.
وهي بئر بالمدينة، بصق رسول الله بَّه فيها، وبرَّك فيها، وتوضأ في دلو
وَرَدَّه فيها، وكان إذا مرض مريض يقول له: ((اغتسل بمائها)) فيغتسل
فكأنما نشط من عقال. وهي في ديار بني ساعدة معروفة، وبها مال من
أموال المدينة.
و((الحِيَض)): بكسر الحاء وفتح الياء، جمع: حِيَضة - بكسر الحاء
- وهي الخرقة التي تحشي (بها)(٢) المرأة. وقد تطلق ((الحِيضة)) - بكسر
الحاء - على الأسم من ((الخَيضة)) بالفتح.
وفي رواية لأبي داود(٣) (و)(٤) الدار قطني(٥): ((وعَذِر الناس)): وهي
- بفتح العين، وكسر الذال - اسم جنس للعذرة. وضبط أيضًا بكسر
العين وفتح الذال، كمعدة ومِعَد، وكلاهما صحيح، وضم العين فيها
تصحیف.
وقوله: ((وما يُنْجِي الناسُ)): هو بياء مثناة تحت مضمومة، ثم نون
ساكنة، ثم جيم (مكسورة)(٦). كذا ضبطه صاحب ((الإِمام))(٧).
ثم قال: و((الناس)): برفع السين على الفاعلية، يقال: أنجى
الرجل، إذا أحدث، فيحتمل ألا يكون فيه حذف ويؤيده رواية الدار قطني
- المذكورة ((وعذر الناس)) - ويحتمل أن يكون (فيه)(٨) حذف على
تقدير: ويُلقى فيه خرق ما ينجي الناس، كما قيل في المحايض.
(١) في ((م)) سواهما. والمثبت من ((أ)). (٢) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١/ ١٨١ رقم٦٨).
(٤) سقط من ((أ)) والمثبت من ((م)).
(٥) (سنن الدار قطني)) (٣٠/١ رقم ١١، ٣١ رقم١٣).
(٦) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٧) ((الإمام)) (١٢١/١).
(٨) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)) و((الإمام)).

٣٩٠
البدر المنير
قال الخطابي(١) وآخرون: لم يكن (إلقاء)(٢) ذلك تعمدًا من آدمي،
بل كانت هذه البئر في حَدُور السيل تكسح الأقذار من الأفنية، فتلقيها
فيها، ولا يؤثر في الماء لكثرته. وقيل: كانت الريح تلقي ذلك. وقيل:
المنافقون. ويحتمل الريح والسيول، وأما: المنافقون، فبعيد؛ لأن
الانتفاع بها مشترك، مع تنزيه المنافقين وغيرهم المياه في العادة.
ووقع في ((الرافعي))(٣): أن ماء هذه البئر كان (كَنُقَاعَةِ) (٤) الحناء.
وهذا (غريب)(٥) جدًّا، لم أَرَه بعد البحث، وسؤال بعض الحفاظ عنه،
وهذا الوصف لا أعلمه يلقى إلّا في صفة البئر التي (سُحِر)(٦) فيها رسول
الله ◌َ﴾، وهي: بئر ذروان.
وقال ابن الجوزي في ((تلبيسه))(٧): ((أنه وال توضأ من غدير ماؤه
كنقاعة الحناء)).
وذكرها ابن الرفعة في ((المطلب))، ولعله أخذها من ((كتاب
الرافعي)). قال بعضهم: إنَّها موجودة في ((شرح السنَّة)) للبغوي،
وراجعته، فلم أجد ذلك فيه.
والذي أعلمه في صفة (بئر)(٨) بضاعة ما قاله أبو داود في
(سننه))(٩): سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قَيِّمَ بئر بضاعة عن
(٢) سقط من ((م)) والمثبت من (أ)).
(١) ((معالم السنن)) (٧٣/١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (١٩/١).
(٤) في (م): نقاعة. والمثبت من ((أ)) وهو الموافق لما في (الشرح الكبير)).
(٥) في ((م): غيريب. تحريف، والمثبت من ((أ)).
(٦) في ((أ)): يتحر. وهو تحريف، والمثبت من ((م)).
(٧) في ((أ)): تلقيبه. وهو تحريف، والمثبت من ((م). وانظر ((تلبيس إبليس)) ص١٥٢.
(٨) في ((م)): حفرة. والمثبت من ((أ)).
(٩) ((سنن أبي داود)) (١٨١/١ رقم ٦٨).

٣٩١
كتاب الطهارة
عمقها، قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال:
دون العورة. قال أبو داود: وقَدَّرتُ بئر بضاعة بردائي، مددته عليها ثم
ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني
إليه: هل غُيِّر بنيانها عما كانت عليه؟ فقال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير
اللون.
وقال الإمام الشافعي - كما نقله عنه البيهقي في ((المعرفة)) (١)
و((السنن))(٢) -: بئر بضاعة كثيرة الماء واسعة، وكان يُطرح فيها من
الأنجاس ما لا يغير لها لونًا، ولا طعمًا، ولا يظهر له (فيها)(٣) ريح،
فقيل للنبي وَله: تتوضأ من بئر بضاعة، وهي يُطرح فيها كذا وكذا؟ فقال
النبي وَير مجيبًا: ((الماء لا ينجسه شيء)). يعني: في الماء مثلها.
ومما ينبغي أن يُعْلَمَ: أن بئر بضاعة كانت واقفةً، وأمَّا ما قاله
الواقدي وغيره: أنَّ هُذه البئر كان يُسْقَى منها الزرع و(البساتين)(٤). وقول
بعضهم: إنها كانت جارية. فغلط؛ لأن العلماء ضبطوا بئر بضاعة،
وعرَّفوها في كتب مكة والمدينة، وأن الماء لم يكن يجري، والواقدي لا
يحتج برواياته المتصلة، فكيف بما يرسله أو يقوله عن نفسه؟ وعلى تقدير
صحة ذلك، فيكون معناه: أنه يُسْقَى منها بالدلو والناضح، عملًا بما نقله
الأثبات في صفتها.
والمراد ((بالعورة)) في كلام (قَيِّم)(٥) البئر: الفرج، يعني: دون
الفرج بقليل. وكأنها كانت تنقص شبرًا أو نحوه، وإنَّما قدرها أبو داود
(١) ((معرفة السنن)) (٣٢٤/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٦٥/١).
(٣) سقط من ((أ)) وأثبتها من ((م) و((السنن الكبرى)) و((المعرفة)).
(٤) في ((أ)): الناس. والمثبت من ((م).
(٥) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).

=
٣٩٢
البدر المنير
بردائه، وسأل عنها قتيبة، ليعلم أنها كبيرة جدًّا.
والمقصود: أن بعض الأئمة يقول: إذا كان الماء غير جارٍ،
ووقعت فيه نجاسة، فإن كان بحيث لو حُرِّك أحد طرفيه تَحرَّك الآخر فهو
نجس كله، وإلَّا فطاهر. وهذه البئر كانت دون هذا، فمعلوم أنها إذا
حرَّك أحد طرفيها، تَحرَّك الآخر، وقد صَحَّ أن النبيِ وَّ توضأ منها،
وكانت النجاسات تقع فيها، فهذا يردُّ مذهب هذا الإِمام. هذا مقصود
قتيبة وأبي داود بما ذكراه ولهذا قال: سألت الذي فتح لي الباب: هل
غيِّر بناؤها عمَّا كان في زمن النبي ◌ُِّ؟ قال: لا.
وقوله: رأيت فيها ماءً متغير اللون. هذا التغير كان بطول المكث أو
نحوه، أو من أصلها، لا بنجاسة، ثم إنَّ هذه صفة مائها في زمن أبي
داود، ولا يلزم منه أن تكون صفتها كذلك في زمن النبي وَّته، (ولعله)(١)
قلَّ استعمالها، فتغير ماؤها.
واعلم: أن هذا الحديث عام مخصوص، خُصَّ منه المتغير
بنجاسة، فإنَّه ينجس بالإِجماع، وخص منه أيضًا: ما دون القلتين إذا
لاقته نجاسة، على قول الشافعي وأحمد وكثيرين، وقال مالك وآخرون
(بعمومه)(٢)، فالمراد: الماء الكثير الذي لم تغيره نجاسة لا ينجسه
شيء، وهذه كانت صفة بئر بضاعة.
وهذا الحديث لا يخالف حديث القلتين الآتي؛ لأن ماءها كان
كثيرًا، لا يُغَيِّره وقوع هذه الأشياء فيه.
وقوله: ((أَتَتَوَضَّأُ)) هو بتاءين مثناتين من فوق، خطابٌ للنبيِ وَّل،
كما وقع مصرحًا به في رواية قاسم بن أصبغ المتقدمة، قالوا: ((يا رسول
(١) في ((أ)): لعل. والمثبت من ((م)).
(٢) سقط من ((م)) والمثبت من ((أ)).

٣٩٣
كتاب الطهارة
الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة)). وفي رواية ابن منده المتقدمة أيضًا:
((انتهيت إلى النبي ◌َّله، وهو يتوضأ من بئر بضاعة)). وكذلك جاء صريحًا
في رواية الشافعي ((قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة)). وفي
رواية النسائي: ((مررت بالنبي ◌َّير وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: یا
رسول الله، أتتوضأ منها، وهي يُطرح فيها ... )) الحديث، وأول من نَبَّه
على هذا الضبط: النووي - رحمه الله - وتبعه شيخنا فتح الدين بن سيد
الناس في ((شرح الترمذي)). قال النووي: إنَّما ضبطت كونه بالتاء
لئلايُصَحَّف، فيقال: ((أنتوضأ)) بالنون. قال: وقد رأيت من صحَّفه،
واستبعد كون النبي ◌َّلل يتوضأ منها قال: وهذا غلط فاحش. لما ذكرناه.
قلت: و(مما)(١) ينبغي أن (يُنتبه له)(٢) أن النووي - رحمه الله - قال
في ((شرح المهذب))(٣): أخرج هذا الحديث من أخرج الأول - يعني
حديث أبي هريرة - وهذه العبارة تقتضي كونه في ((الموطأ))، فإنَّ الأول
عزاه إلى ((الموطأ)) وهذا الحديث لا يوجد في موطأ من الموطآت
المرويَّة عن الإِمام مالك - رحمه الله - بل لم يعزه أحد من مصنفي
الأحكام إليه.
وقد يُجاب عن النووي - رحمه الله -: بأنه أراد بقوله: أخرجه من
أخرج الأول: المعظم. ولا يخفى ما في هذا الجواب.
الحديث الثالث
رُوي أنه نَِِّّ قال: ((خَلَقَ الله الماءَ طهورًا، لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ، إلاَّ ما
غَيَّر طعمه، أو ريحه))(٤).
(١) في ((أ)): ما. والمثبت من ((م)).
(٣) ((المجموع)) (١/ ٨٢).
(٢) في ((م)): وينبه. والمثبت من ((أ)).
(٤) الشرح الكبير (٤٣/١).

٣٩٤
البدر المنير
اعلم: أن صدر هذا الحديثَ صحيحٌ، كما تقدم الآن من حديث
أبي سعيد الخدري ﴾(١) باللفظ السابق، ولم أرَ فيه لفظ: ((خلق الله))،
فتنبه له، وروي أيضًا من طُرُق أُخر:
فأولها: عن جابر ، قال: ((انتهينا إلى غدير، فإذا فيه جيفة
حمار، قال: فكففنا عنه، حتَّى انتهى إلينا رسولُ اللهِ وَّله، فقال: إنَّ
الماءَ لا ينجسه شيءٌ فاستقينا وحملنا)).
رواه ابن ماجه في ((سننه))(٢) بإسناد على شرط الصحيح، لولا
(طريف)(٣) بن شهاب السعدي(٤)، فإنَّه واهٍ متروك عندهم، حتَّى قال فيه
ابن حبان: إنه كان (مغفلًا، يَهِمُ)(٥) في الأخبار، حتَّى يقلبها، ويروي
عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات.
لكن يقع في بعض نسخه (بدله)(٦) طارق بن شهاب، فإنْ صَحَّ - مع
بعده - فهو الأحمسي، صحابي، فيصح السند.
الطريق الثاني: عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَّه قال: ((الماء
لايُنَجِّسُهُ شيء)».
رواه أحمد في ((مسنده))(٧)، والطبراني في ((أكبر معاجمه))(٨)،
(١) زاد بعدها في ((أ)): وروي أيضًا من طرق أخر. وهي زيادة مقحمة ليست في ((م))
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١/ ١٧٣ رقم ٥٢٠).
وستأتي في موضعها بعد قليل.
(٣) في ((م)): طريق. تحريف، والمثبت من (أ)).
(٤) ((التهذيب)) (٣٧٧/١٣ -٣٨٠).
(٥) في ((م): معضلًا بهم. تحريف، والمثبت من (أ)).
(٦) في ((أ)): رواه. وهو تحريف، والمثبت من ((م)) وهو الصواب.
(٧) ((المسند)) (٢٣٥/١، ٢٨٤، ٣٠٨، ٣٣٧).
(٨) ((المعجم الكبير)) (٢٧٤/١١-٢٧٥ رقم١١٧١٤-١١٧١٦).

٣٩٥
كتاب الطهارة
وأبو حاتم ابن حبان في ((صحيحه))(١) من حديث: سماك بن حرب، عن
عكرمة، عنه.
ورواه إمام الأئمة، محمد بن خزيمة في ((صحيحه))(٢) كذلك، لكن
لفظه: عن ابن عباس قال: ((أراد النبي ◌َّر أن يتوضأ، فقالت امرأة من
نسائه: يا رسول الله قد توضَّأتُ من هذا. فتوضأ النبي وَّر، وقال: الماء
لا ینجسه شيء)).
وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))(٣) - أيضًا - بلفظ: ((أغتسل بعض
أزواج رسول الله (من)(٤) جَفْنَة، فجاء رسول الله يغتسل منها، أو يتوضأ،
فقالت: يا رسول الله، إنِّي كنت جُنبًا. فقال: إنَّ الماء لا يَجْنُب)).
وهو في ((السنن الأربعة))(٥) من حديث سماك، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: ((اغتسل بعض أزواج رسول الله وَّيَّ في جَفْنَةٍ، فأراد
رسول الله أن يتوضأ (منها أو يغتسل) (٦)، فقالت: يا رسول الله، إني
كنت جُنْبًا. فقال: إنَّ الماءَ لا يَجْنُب)).
قال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه أبو الوليد الطيالسي، عن شريك، عن سماك، فسمَّاها:
میمونة.
(١) ((صحيح ابن حبان)) (٤/ ٤٧ رقم ١٢٤١).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) (١ /٥٧-٥٨ رقم ١٠٩).
(٣) ((صحيح ابن حبان)) (٥٦/٤-٥٧ رقم ١٢٤٨).
(٤) في ((أ)): في. والمثبت من ((م)) وهو الموافق لما في مطبوع ((صحيح ابن حبان)).
(٥) ((سنن أبي داود)) (١٨١/١ رقم ٦٩)، و(سنن النسائي)) (١٨٩/١- ١٩٠ رقم٣٢٤)،
و((جامع الترمذي)) (٩٤/١ رقم ٦٥)، وسنن ابن ماجه (١٣٢/١ رقم ٣٧٠).
(٦) في ((أ)): منه. والمثبت من ((م).

٣٩٦
البدر المنير
وكذلك رواه إسحق، عن وكيع، عن سفيان، عن سماك، أن
ميمونة ...
قال الحازمي: لا يُعْرَف مُجَوَّدًا إلَّا من حديث سماك، وسماك فيما
ينفرد به رَدَّه بعض الأئمة، (وقَبِلَه)(١) الأكثرون.
قال البيهقي في ((خلافياته))(٢): قال الحاكم: قد احتج البخاري
بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب، وهذا حديث
صحيح في الطهارة، ولا تحفظ له علة.
قال البيهقي: ورُوي مُرْسَلًا. قال: ومن أسنده أحفظ.
قلت: وأمَّا ابن حزم (فإنَّه وَهَّاه)(٣) في ((محلاه)) (٤) فقال: هذا
حديث لا يصحّ، (لأنه برواية)(٥) سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين،
شهد عليه بذلك شعبة وغيره، (وهذه جُرحة ظاهرة)(٦).
الطريق الثالث: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله تَله: ((الماء
لا ینجسه شيء)).
رواه قاسم بن أصبغ - كما تقدم في الحدیث قبله - بسند حسن،
والدارقطني(٧)، من حديث محمد بن موسى (الحرشي)(٨)، عن
(فضيل)(٩) بن سليمان النميري، عن أبي حازم، عن سهل.
(١) في ((أ)): ورده. خطأ، والمثبت من ((م)).
(٢) ((الخلافيات)) (٨٣/٣).
(٤) ((المحلى)) (٢١٤/١).
(٣) ليست في ((م)) والمثبت من ((أ)).
(٥) في ((م)): لأن راويه. والمثبت من ((أ)).
(٦) في ((م)): وهذا أخرجه طاهر. تحريف، والمثبت من ((أ)).
(٧) ((سنن الدراقطني)) (٢٩/١ رقم٤).
(٨) تحرف في مطبوع (سنن الدار قطني)) إلى الحرثي. والصواب المثبت، وانظر ((الإكمال))
لابن ماكولا (٢٣٧/٢).
(٩) في ((م)): فضل. تحريف، والمثبت من ((أ)). وانظر ترجمته في التهذيب
(٢٧١/٢٣-٢٧٥).

٣٩٧
كتاب الطهارة
و(فضيل)(١) هذا: تكلّم فيه يحيى، وأبو زرعة، وأبو حاتم. لكن
احتجَّ به الشيخان.
ومحمد(٢) هذا: وَهَّاه أبو داود، ووثَّقه غيره.
الطريق الرابع: عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله وَّهِ قال:
((إنَّ الماء لا ينجسه شيء)).
رواه الطبراني في ((أوسط معاجمه)) (٣) من حديث: شريك، عن
المقدام بن شُريح، عن أبيه، عن عائشة. ثم قال: لم يَرْوِ هذا الحديث
عن المقدام إلّا شريك. وذكره ابن السكن في ((صحاحه)) بحذف إن.
الطريق الخامس: عن أبي هريرة رعبه، قال: ((سُئِلَ رسول الله وَّر عن
بئر بضاعة، فقال: الماء طهور، لا ينجسه شيء)).
ذكره الدارقطني في ((علله))(٤) من حديث سعيد المقبري عنه،
وقال: إنَّه حديث غير ثابت.
وأما الاستثناء الواقع في آخره، فروي أيضًا من طريقين:
أحدهما: عن ثوبان عنه قال: قال رسول الله وَله: ((الماء طهور، إلَّا
ما غلب على ريحه، أو طعمه)).
رواه الدارقطني في ((سننه))(٥) من حديث رشدين، عن معاوية
ابن صالح، عن راشد بن سعد عنه.
(١) في ((م): فضل. تحريف، والمثبت من ((أ)). وانظر ترجمته في التهذيب
(٢٧١/٢٣-٢٧٥).
(٢) التهذيب (٥٢٨/٢٦-٥٣٠).
(٣) ((المعجم الأوسط)) (٣١٨/٢ رقم ٢٠٩٣).
(٤) ((علل الدارقطني)) (١٥٦/٨ -١٥٧ رقم ١٤٧٦).
(٥) ((سنن الدارقطني)) (٢٨/١ رقم ١).

٣٩٨
البدر المنير
ورشدين(١) هذا: هو ابن سعد - ويقال: ابن أبي رشدين - وهو
ضعيف، قال يحيى: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي، وأبو زرعة،
والدار قطني: ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، فيه غفلة،
يحدث بالمناكير عن الثقات. وقال (النسائي)(٢): متروك الحديث.
وضعفه أحمد، وقال في رواية: هو رجل صالح، ولكنه لا يبالي عمَّن
يروي. ومرة قال: أرجو أنَّه صالح الحديث. وقال ابن يونس: كان رجلًا
صالحًا، لا يُشَكُّ في صلاحه وفضله، فأدركته غفلة الصالحين، فَخَلَّط
في الحديث. وقال الجوزجاني: عنده (معاضيل)(٣)، ومناكيره كثيرة،
وسمعت ابن أبي مريم يثني عليه في دينه.
قال ابن حبان: كان يقرأ كل ما (دفع) (٤) إليه، سواء كان من حديثه
أو لم يكن. وكذلك قال (قتيبة)(٥).
وقال ابن عدي: رشدين ضعيف، وقد خُصَّ نسله بالضعف:
حجاج بن رشدین، ومحمد بن الحجاج، وأحمد بن محمد.
ومعاوية بن صالح(٦): هو قاضي الأندلس، وهو ثقة، كما قال
أحمد وأبو زرعة (وغيرهما. وأما راشد بن سعد(٧): فوثّقه ابن معين،
وأبو حاتم، وابن سعد، وقال أحمد: لا بأس به، وشذّ ابن حزم،
فقال: ضعيف. وقال الدارقطني: يُعتبر به، لا بأس)(٨).
(١) ((التهذيب)) (١٩١/٩-١٩٥).
(٢) في ((م)): الشافعي. والمثبت من ((أ)).
(٣) في ((م): معاصيا. تحريف، والمثبت من ((أ)).
(٤) في ((أ)): وقع. والمثبت من ((م)).
(٥) في ((م)): ابن قتيبة. خطأ، والمثبت من ((أ)) ((التهذيب)).
(٦) ((التهذيب)) (١٨٦/٢٨-١٩٤).
(٧) ((التهذيب)) (٨/٩-١١).
(٨) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)) ويبدو أن هناك خلل وقت النسخ، فما بعدها من
ترجمة معاوية بن صالح، فهو الذي أخرج له مسلم، وفيه قال يحيى صالح ... )).

٣٩٩
كتاب الطهارة
أخرج له مسلم، وقال يحيى: هو صالح. وقال أبو حاتم الرازي:
لا يحتج به. وقال الدارقطني: هذا الحديث لم يرفعه غير رشدين، عن
معاوية بن صالح، وليس بالقوي.
الطريق الثاني: عن أبي أمامة ، أن رسول الله وَ لّ قال: ((إنَّ الماء
لا ينجسه شيء، إلّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)».
وهذا الحديث روي من طريقين:
أحدهما مسندة: رواه ابن ماجه(١) عن محمود بن خالد، وغيره،
عن مروان بن محمد، نا رشدين، نا معاوية بن صالح، عن راشد
ابن سعد، عن أبي أمامة مرفوعًا كما تقدم.
ورواه البيهقي في ((سننه))(٢) كذلك.
ورواه الدارقطني في ((سننه))(٣)، والطبراني في ((معجمه
الأوسط)) (٤)، من حديث محمد بن يوسف الغضيضي(٥)، عن رشدين
(بن)(٦) سعد، عن معاوية به. ولم يذكرا: ((ولونه)).
قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلَّا
رشدین، تفرَّد به محمد بن یوسف.
(١) ((سنن ابن ماجه)) (١٧٤/١ رقم ٥٢١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٦٠/١).
(٣) (سنن الدار قطني)) (٢٨/١ رقم٣).
(٤) ((المعجم الأوسط)) (٢٢٦/١ رقم ٧٤٤).
(٥) الغضيضي: بفتح الغين وكسر الضاد وسكون الياء تحتها نقطتان وفي آخرها ضاد
ثانية، هذه النسبة إلى غضيض، واشتهر بها محمد بن يوسف بن الصباح الغضيضي
لأنه كان يتولى حمدويه بنت غضيض أم ولد الرشيد. كما في ((اللباب)) (٢/ ٣٨٤).
(٦) سقط ((أ)) والمثبت من ((م)).

٤٠٠
البدر المنير
قلت: لا، فقد تابعه مروان بن محمد، كما أخرجه ابن ماجه،
والبيهقي فيما سلف.
وقد أخرجه الطبراني في ((أكبر معاجمه))(١) - أيضًا - من حديث
مروان بن محمد الطاطري، عن رشدین به.
ورواه البيهقي (٢) - أيضًا - من رواية ثور بن يزيد، عن [راشد](٣)
ابن سعد به، ولفظه: ((إذا كان الماء(٤) قلتين لم ينجسه شيء، إلَّا ما
غلب ريحه أو طعمه)). وقال: كذا وجدته، ولفظ القلتين فيه غريب.
قال ابن عدي(٥): وهذا الحديث ليس يرويه عن ثور إلّا حفص
ابن عمر.
قلت: قد رواه بقية أيضًا عنه، أخرج ذلك البيهقي في ((سننه))(٦)
(١) ((المعجم الكبير)) (٨/ ١٢٣ رقم ٧٥٠٣).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٦٠/١) ولفظه: ((الماء لا ينجس إلا ما غير ريحه أو طعمه)) وأما
اللفظ الذي ذكره المؤلف فهو من رواية أبي الأزهر، عن مروان الطاطري، عن
رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد عن أبي أمامة. وقد نقله
ابن دقيق في ((الإمام)» (١٩٠/١-١٩١) على الصواب، ومنه ينقل المؤلف، فلعله
انتقل بصره، والله أعلم.
(٣) في ((أ، م)): رشدين. وهو خطأ، والتصحيح من ((السنن الكبرى))، ((الكامل))، ((الإمام))
وغيرهم.
(٤) زاد بعدها في ((م)): قدر.
(٥) ((الكامل)) (٢٨٦/٣-٢٨٧) ولفظه: وهذا الحديث ليس يوصله عن ثور إلا حفص
ابن عمر، ورواه رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن
أبي أمامة موصولًا أيضًا، ورواه الأحوص بن حكيم - مع ضعفه - عن راشد
ابن سعد، عن النبي ◌َّل مرسلًا، ولم يذكر أبا أمامة.
(٦) ((السنن الكبرى)) (٢٥٩/١).