النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
مقدمة المؤلف
حديث واهٍ، إلَّا أن يكون في كتابي من طريق (آخر)(١)، (فإنِّي)(٢) لم
أخرج الطرق (به)(٣)، (فإنَّه يكثر)(٤) على المتعلم.
ولا أعرف أحدًا جَمَعَ على الاستقصاءِ غيري.
ونقل النووي - رحمه الله - النص المتقدم عن أبي داود - الذي
(شارك)(٥) ابن الصلاح فيه في كلامه على سنن أبي داود - ثم قال:
وهذا يُشْكِل؛ فإنَّ في سننه أحاديث ظاهرة الضعف لم يُبَيِّنْها، مع أنها
متفق على ضعفها عند المحدثين، كالمرسل، والمنقطع، ورواية مجهول.
كـ((شيخ))، و((رجل))، ونحوه، فلا بدّ من تأويل هذا الكلام.
قال: وليعلم أن ما وجدناه في ((سننه))، وليس هو في الصحيحين أو
أحدهما، ولا نص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد، ولم يضعفه أبو
داود فهو حسن عند أبي داود أو صحيح، فيحكم بالقدر المحقق، وهو
أنه حسن. فإنْ نصَّ على ضعفه من يُعْتَمد، أو رأى العارف في سنده ما
يقتضي الضعف، ولا جابِرَ له حَكَمْنَا بضعفه.
وقد قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: إن أبا داود يخرج الإِسنادَ
الضعيف إذا لم يجدْ في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.
وقال الخطابي: كتاب أبي داود جامع الصحيح والحسن، وأَمَّا
الضعيف فإنَّه خليٌ منه. قال: وإنْ وقع منه شيءٌ - لضرب من الحاجة -
فإنَّه لا يَأْلُو أن يَبِّين أمره، ويذكر علته، ويَخْرُجَ من عهدته.
قال: ويُحكى لنا عن أبي داود أنَّه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا
(١) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٣) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٢) في ((أ)): فإن. والمثبت من ((م)).
(٤) في ((م)): فالكبر. والمثبت من ((أ)).
(٥) في ((م)): تشارك. والمثبت من ((أ)).

=
٣٠٢
البدر المنير
اجتمع الناسُ على تركه.
وقال ابن عساكر في أول ((أطرافه)): صنف أبو داود كتابه الذي
سمّاه ((السنن))، فأجاد في تصنيفه وأحسن، وقصد أن يأتي فيه بما كان
صحيحًا مشتهرًا، أو غريبًا (حسنًا)(١) معتبرًا، ويطرح ما كان مطَّرحًا
مستنكرًا، (ويجتنب)(٢) ما كان شاذًّا منكرًا.
قلت: وما حكاه الخطابي فيه نظر؛ فإنَّ في ((سننه)) أحاديث ظاهرة
الضعف لم يبينها، مع أنَّها ضعيفة كالمرسل، والمنقطع، ورواية
مجهول: كشيخ، ورجل، ونحوه، كما سَلَفَ.
وأجاب النووي في ((كلامه على سننه)) (عنه)(٣): بأنه - (وهو) (٤)
مخالف أيضًا لقوله: وما كان فيه وهن شديد بَيَّنْتُه - لَمَّا كان ضَعْفُ هُذا
النوع ظاهرًا، استغنى بظهوره عن التصريح ببيانه.
قلت: فعلى كل حال لا بد من تأويل كلام أبي داود، والحقُّ فيه ما
قَرَّره النووي.
وأما قول الحافظ أبي طاهر السلفي: سنن أبي داود من الكتب
الخمسة التي أتفق على صحتها علماء الشرق والغرب، ففيه تساهلٌ كبيرٌ.
وتَأَوَّلَ النوويُّ على إرادة المعظم.
فصل
وأما جامع أبي عيسى الترمذي: فقد كفانا مُؤْنَة الكلام عليه مُؤَلِفُه،
(١) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٢) في ((أ)): أوكبير - بدون نقط. كذا، والمثبت من ((م)).
(٣) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٤) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).

٣٠٣
مقدمة المؤلف
فإنَّه بَيَّن فيه الصحيح والحسن والضعيف، وقال: صنفت هذا الكتاب،
وعرضته على علماءِ أهلِ الحجاز فَرَضُوا به، وعرضته على علماء العراقِ
فَرَضُوا (به)(١)، وعرضته على علماء خراسان فَرَضُوا به، ومن كان في
بيته هذا الكتاب، فكأنَّما في بيته نَبِيٌّ يتكلم.
وقال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق في كتابه الموسوم
بـ((مذاهب الأئمة في تصحيح الحديث)): كتاب أبي عيسى على أربعة
أقسام: (قسم)(٢) صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاريَّ ومسلمًا،
وقسم على شرط أبي داود والنسائي، وقسم أخرجه [للضدِّيَّة](٣)، وأبَانَ
عن علته، وقسم رابع أبَانَ عنه فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلَّا حديثًا
قد عَمِلَ به بعض الفقهاء.
وهذا شرط واسعٌ، فإنَّ على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج
أو عمل به عاملٌ، [أخرجه](٤)، سواء صحَّ طريقه أو لم يصحّ طريقه. وقد
أزاحَ عن نفسِهِ الكلامَ؛ فإنَّه شَفَى في تصنيفه لكتابه، وتكلّم (فيه)(٥) على
كلِّ حديث بما فيه، وظاهر طريقته:
أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور، عن صحابي قد صَحَّ
الطريق إليه، وأَخرِجَ من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب
(١) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٢) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٣) في ((أ، م)): الصدر. والمثبت من ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٤/١٣)، وانظر ((شروط
الأئمة الستة)) (ص ٢٠).
(٤) سقطت من ((أ، م))، والمثبت من ((شروط الأئمة الستة)).
(٥) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).

٣٠٤
البدر المنير
[ذلك الحكم] (١) من حديث صحابي [آخر](٢) لم يخرجوه من حديثه،
ولا تكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول؛ لأن الحكم صحيح، ثم يُتْبِعُه
بأن يقول: وفي الباب عن فلانٍ وفلانٍ، ويعد (فيهم) (٣) جماعة فيهم
الصحابي والأكثر الذي أُخْرِجَ ذلك الحكم من حديثه، وقَلَّما يسلك هذه
الطريقة إلَّ في أبواب معدودة. وقال ذُلك [بنصه](٤): ابن طاهر المقدسي
أيضًا.
وقال يوسف بن أحمد: لأبي عيسى الترمذي الضرير الحافظ
فضائل تُجمع، وتُروى، وتُسمع، وكتابه من الكتب الخمسة التي اتفق
أهل الحل والعقد، والفضل، والفقه من العلماء، والفقهاء، وأهل
الحديث النبهاء على قبولها، والحكم بصحة أصولها، وما ورد في
أبوابها وفصولها.
قُلْتُ: وكذلك قَالَ الحافظ أبو طاهر السلفي: إنَّ جامع الترمذي من
الكتب الخمسة التي أتفق على صحتها علماء الشرق والغرب.
وفيهما نظر؛ لأن فيه الضعيف، والواهي، والموضوع.
قَالَ ابن (القطان)(٥) في ((علله)): جَهِلَ الترمذي بعضُ من لم يبحث
عنه، وهو: أبو محمد بن حزم، فقال في كتاب الفرائض من ((الإيصال))
(إثر)(٦) حديث أورده: إنَّه مجهول. فأوجب ذلك في ذكره - من تعيين من
شهد له بالإمامة - ما هو مستغن عنه، بشاهد علمه، وسائر شهرته، فممن
(١) سقطت من ((أ، م))، والمثبت من ((شروط الأئمة الستة)).
(٢) سقطت من ((أ، م))، والمثبت من ((شروط الأئمة الستة)).
(٣) في (أ)): منهم.
(٤) في ((أ، م)): بعضه.
(٥) في ((م)): القطاع. تحريف، والمثبت من ((أ)).
(٦) في ((أ)): أنه. تحريف، والمثبت من ((م).

٣٠٥
مقدمة المؤلف
(ذكره)(١) - في جملة -: (الإِمام)(٢) الدارقطني، والحاكم أبو عبد الله.
وقال الخليلي في ((كتابه)): ثقة متفق عليه.
وممن ذكره أيضًا: الأمير ابن ماكولا، وابن الفرضي، والخَطّابي.
ونقل ابن دِحْيَة في كتاب ((التنوير في مولد السراج المنير)) جهالته
عن ابن حزم، ثُمَّ (٣) قَالَ: وكذلك قَالَ فيه الخطيب، ولم يذكره في
تاریخه.
قَالَ: وزعم أبو عمرو عثمان بن أبي بكر [الصيرفي] (٤) (أن
الترمذي)(٥) لم يسمع هذا الكتاب.
فصل
وأما شرط أبي عبد الرحمن النسائي في ((سننه))، فقال ابن منده
الحافظ - كما أفاده ابن طاهر(٦) -: إنَّ شرطه إخراج أحاديث أقوام لم
يُجْمَع على تركهم، إذا صَحَّ الحديث باتصال الإِسناد، من غير قطع، ولا
إرسال.
قَالَ ابن طاهر: سألت الإِمام أبا القاسم سعد بن علي الزَّنْجَانيّ عن
حالِ رجلٍ من الرواة فَوَثْقَه، قُلْتُ: إِنَّ أبا عبد الرحمن النسائي ضَعَّفَه.
فقال لي: لأبي عبد الرحمن في الرجال (شرط)(٧) أشد من شرط
البخاري ومسلم.
(١) في ((أ)): ذكرتم - بدون نقط ما بعد الراء. والمثبت من ((م)).
(٢) في ((م): الأحاديث. والمثبت من ((أ)). (٣) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٤) في ((أ)): الصرفي. وفي ((م)): الصدفي.
(٥) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٦) ((شروط الأئمة الستة)) (ص١٩).
(٧) في ((أ)): شرطًا. والمثبت من ((م).

٣٠٦
البدر المنير
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر
عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدَّث
بها(١).
وقال أحمد بن محبوب الرَّمْلي: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي
يقول: لما عَزَمْتُ على جَمْع كتاب ((السنن)) استخرت الله - تعالى - في
الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على
تركهم، فَنَزَلْتُ في جملة من الأحاديث كنت أعلو فيها عنهم (٢).
وقال أبو الحسن [المعافري](٣) الفقيه: إذا التُّفِت إلى ما يخرجه
أهل الحديث، فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خَرَّجه غيره(٤).
بل من الناس من يعده من أهل الصحيح؛ لأنه يبيِّن عن علل
الأسانيد، وإنْ أدخلها في كتابه.
وقد حُدِّثْنا عنه أنه قَالَ: لم أُخْرِج في كتابي ((السنن)) من يُتَّفَق على
تركه، فإنْ أَخْرَج منه أحدًا بَيَّنه، وهذه رتبة شريفة.
وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا الصحيح،
وميِّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي(٥).
وقال أبو بكر البرقاني الحافظ: ذكرت لأبي الحسن الدارقطني أبا
عبيد (بن حربويه)(٦)، فذكر من جلالته، وفضله، وقال: حدَّث عنه أبو
(١) ((شروط الأئمة الستة)) (ص٢٧).
(٣) في ((أ، م)): المغافري.
(٢) (شروط الأئمة الستة)) (ص٢٦).
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٨٤/١).
(٥) ((شروط الأئمة)) لابن منده (ص ٤٢).
(٦) في ((م)): بن بن حرثومة. تحريف، والمثبت من ((أ)).

٣٠٧
مقدمة المؤلف
عبد الرحمن النسائي في (الصحيح))، ولعله مات قبله بعشرين سنة(١).
قَالَ ابن طاهر: فالدارقطني سمَّى كتاب (السنن)) صحيحًا، مع
فضله، وتحقيقه في هذا الشأن.
وقال الحافظ عبد الغني [المصري](٢): سمعت أبا علي الحسن
ابن خضر (السيوطي)(٣) يقول: رأيت النبي وّر في النوم، وبين يديه كُتب
كثيرة، منها كتاب ((السنن)) لأبي عبد الرحمن، فقال لي النبي ◌َّيّ: إلى
متى وإلى كَمْ؟ هذا يكفي. وأخذ بيده الجزء الأول من كتاب الطهارة من
(السنن)) لأبي عبد الرحمن، فوقع في روعي أنه يعني كتاب ((السنن)) لأبي
(٤)
عبد الرحمن (٤).
وقال أبو محمد بن حزم: قواعد الإِسلام أربعة: الصحيحان،
وكتابَيْ أبي داود، والنسائي، فارجعوا إليها.
قُلْتُ: وقال الحافظ أبو طاهر (السلفي)(٥): إنه أتفق على صحته
علماء المشرق والمغرب، ولا يخلو من نزاع.
فصل
وأما سنن أبي عبد الله بن ماجه القزويني: فلا أعلم له شرطًا، وهو
أكثر السنن الأربعة ضعفًا، وفيه موضوعات، منها: ما ذكره في أثنائه في
(١) أنظر «تاريخ بغداد)) (٣٩٧/١١).
(٢) في ((أ، م)): المقدسي. تحريف، والمثبت من ((تهذيب الكمال))، وهو عبد الغني
ابن سعيد بن علي أبو محمد الأزدي المصري، سمع من الحسن بن الخضر
الأسيوطي، كما في ترجمته في ((السير)) (٢٦٨/١٧).
(٣) في ((م)): السويطي. تصحيف، والمثبت من ((أ).
(٤) انظر ((تهذيب الكمال)) (١٧٣/١).
(٥) في ((أ)): السلف. والمثبت من ((م).

٣٠٨
البدر المنير
((فضل قَزْوِين))(١).
لكن قَالَ أبو زرعة - فيما روينا عنه -: طالعت كتاب أبي عبد الله
ابن ماجه، فلم أجد فيه إلّا قدرًا يسيرًا مما فيه شيء. وذكر قدر بضعة
عشر، أو كلامًا هذا معناه(٢).
وهذا الكلام من أبي زرعة - رحمه الله - لولا أنه مروي عنه من
أوجه، لجزمتُ بعدم صحته عنه، فإنَّه غير لائقٍ (بجلالته)(٣).
لا جرم أن الشيخ تقي الدين قَالَ في ((شرح الإلمام)»: هذا الكلام
من أبي زرعة لا بد من تأويله، وإخراجه عن ظاهرٍه، وحمله على وجه
(يصح) (٤).
وعجيب قول ابن طاهر: حسبك من كتاب يعرض على أبي زرعة
الرازي، ويذكر هذا الكلام بعد إمعان النظر والنقد.
وقوله: ولعمري إنَّ كتاب أبي عبد الله بن ماجه، من نظر فيه علم
منزلة الرجل: من حسن الترتيب، وغزارة الأبواب، وقلة الأحاديث،
(١) وهو: ((ستفتح عليكم الآفاق، وستفتح عليكم مدينة يقال لها قزوين، من رابط فيها
أربعين يومًا أو أربعين ليلة كان له في الجنة عمود من ذهب عليه زبرجدة خضراء،
عليها قبة من ياقوتة حمراء، لها سبعون ألف مصراع من ذهب، على كل مصراع
زوجة من الحور العين)). ((سنن ابن ماجه)) (٩٢٩/٢ رقم ٢٧٨٠).
ورواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٥٥/٢) من طريق ابن ماجه ثم قال: هذا
حديث موضوع لا شك فيه.
ورواه الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢/ ٢٠) من طريق ابن ماجه أيضًا ثم قال: فلقد
شان ابن ماجه سنته بإدخال هذا الحديث الموضوع فيها.
(٢) أنظر ((شروط الأئمة الستة)) (ص٢٤).
(٣) في ((أ)): لجلالته. والمثبت من ((م)).
(٤) في ((أ)): يقع. والمثبت من ((م)).

٣٠٩
مقدمة المؤلف
وترك التكرار، ولا يوجد فيه من النوازل، والمقاطع، والمراسيل،
والرواية عن المجروحين، إلّا هذا القدر الذي أشار إليه أبو زرعة.
وروى ابن عساكر(١) عن أبي الحسن بن [بابويه](٢): قَالَ أبو عبد
الله بن ماجه: عرضت هذه النسخة على أبي زرعة، فنظر فيه وقال: أظن
إنْ وقع هذا في أيدي الناس تعطّلت هذه الجوامع كلها، أو أكثرها. ثم
قَالَ: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، أو قَالَ:
عشرين ونحوها من الكلام. قَالَ: وحكي عنه أنه نظر في جزء من
أجزائه، وكان عنده في خمسة أجزاء.
قَالَ الشيخ تقي الدين: لا بد من تأويله(٣) جزمًا، ولعله أراد ذلك
الجزء الذي نظر فيه، أو غيره مما يصح.
وقال ابن طاهر: وسنن ابن ماجه وإنْ لم تشتهر عند أكثر الفقهاء،
فإنَّ له بـ((الري))، وما وَالاَهَا من ((ديار الجبل)) و((قوهستان)) - وعدَّد بلادًا
- شأنٌ عظيمٌ، عليه اعتمادهم، وله عندهم طرق كثيرة.
فصل
وأما ((صحيح)) أبي حاتم بن حبان، فشرطه - كما قَالَ في خطبة
صحيحه -: نملي الأخبار بأشهرها إسنادًا، وأوثقها (عمادًا) (٤) من غير
(١) ((تاريخ دمشق)) (٢٧١/٥٦-٢٧٢).
(٢) في ((أ، م)): تالويه. خطأ، والمثبت من ((تهذيب الكمال)) (١٧٣/١)، وانظر ترجمته
في ((التدوين في أخبار قزوين)) (٣٧٢/٣).
(٣) حاشية في ((م): تأوله الذهبي بأنه أراد الأحاديث الباطلة، وأما الأحاديث الضعيفة
ففيه مقدار ألف حديث، ذكره في ترجمة ابن ماجه من ((النبلاء)).
(٤) في ((أ)): اعتمادًا. والمثبت من ((م))، و((الإحسان)).

٣١٠
البدر المنير
وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقلها(١).
ثم قَّالَ بعد ذلك بأوراق: وشرطنا في (نقل)(٢) ما أودعناه كتابنا
هُذا من السنن، فإنَّا لَمْ نحتج فيه إلَّا بحديثٍ أجتمع في كل شيخ من رواته
خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقل ما يحدث من الحديث.
والرابع: (العلم)(٣) بما يحيل من معاني ما يُروى.
والخامس: (المتعري خبره) (٤) عن التدليس (على روايته)(٥).
فكل من (اجتمع)(٦) عنده هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه،
وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تَعَرى عن خصلة من هذه الخصال
الخمس لم نحتج به(٧).
ثم شرع - رحمة الله عليه - في بيان الشروط المذكورة واحدًا بعد
واحدٍ، فأفاد وأجاد، فما أحسن كلامه.
ولعل غالب ((صحيحه)) منتزع من صحيح شيخه، إمام الأئمة، (أبي
بكر)(٨) محمد بن إسحق بن خزيمة، فإنّ رأيت قطعة من ((صحيح
(١) ((الإحسان)) (١/ ١٠٤).
(٢) سقطت من ((أ))، وفي ((الإحسان)): نقله. والمثبت من ((م)).
(٣) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ))، و((الإحسان)).
(٤) في ((أ)): التعري خبر. والمثبت من ((م))، و((الإحسان)).
(٥) من ((م))، وهي ليست في ((الإحسان)).
(٦) في ((أ)): احتج. والمثبت من ((م))، و((الإحسان)).
(٨) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٧) ((الإحسان)) (١٥١/١).

٣١١
مقدمة المؤلف
ابن خزيمة)) إلى كتاب البيوع، وكلَّما يقول ابن حبان (في
((صحيحه))(١): نا ابن خزيمة. رأيته في القطعة المذكورة.
وترتيب هذا ((الصحيح)) ترتيب بديع، لم يُسْبَق إليه، يتعين على
طالب الحديث الوقوف عليه، والكشف منه من أصعب شيء.
وقد رَتَّبه على ترتيب (الكتب)(٢) الفقهية الشيخ الإمام (علاء)(٣)
الدين أبو الحسن (علي)(٤) بن بلبان الفارسي (الحنفي)(٥)، تغمده الله
برحمته.
فصل
وأما ((المستدرك)) للحاكم أبي عبد الله، فشرطه كما قَالَ هو في
خطبة كتابه (٦): ((سألني - جماعة من أعيان (أهل)(٧) العلم بهذه المدينة،
(وغيرها)(٨) أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج
محمد بن إسمعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما
لا علَّة له، فإنَّهما - رحمهما الله - لم يدعيا ذلك لأنفسهما.
وقد خَرَّج جماعة من علماء [عصرهما](٩)، ومن بعدهما عليهما
أحاديث قد أخرجاها وهي معلولة، وقد (جهدت)(١٠) في الذَّبِّ عنهما
في ((المدخل إلى الصحيح)) بما رضيه أهل الصنعة.
(١) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٢) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٣) في ((م): علي. تحريف، والمثبت من (أ)).
(٤) سقط من ((م))، والمثبت من (أ)).
(٥) سقط من ((م))، والمثبت من (أ)).
(٦) ((المستدرك)) (٢/١-٣).
(٨) سقط من ((م).
(٧) في (م)): هذا.
(٩) في ((أ، م)): عصرنا. والمثبت من ((المستدرك)).
(١٠) في ((م)): جهدنا.

٣١٢
البدر المنير
وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها
الشيخان - رضي الله عنهما - أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند
كافة فقهاء الإِسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة.
هذا لفظ الحاكم برمته، وهو صريح في أن مراده بقوله: على شرط
الشيخين أو أحدهما: أن رجال إسناده احتجا بمثلهم، لا أنَّ نفس رجاله
احتجا [بهم](١).
نعم، خالف هذا الاصطلاح في كتابه فاعترض (عليه)(٢) من هذا
الوجه: الشيخ تقي الدين بن الصلاح، والنواوي، وتقي الدين بن دقيق
العيد، والحافظ شمس الدين الذهبي في ((اختصاره للمستدرك))،
(فيقولون عقيب)(٣) قوله: إنه على شرط الشيخين أو أحدهما: فيه فلان،
ولم يخرج له مَنْ صححه على شرطه.
ثم في تسمية هذا (المصنف)(٤) بـ((المستدرك)) أولًا نظرٌ؛ لأنهما لم
يلتزما استيعاب الصحيح بإقرارهما - كما قدَّمناه عنهما - فكيف يستدرك
علیھما؟!
فتركنا وسَلَّمنا التسمية المذكورة، فکل حدیث له إسناد صحيح،
احتجَّ الشيخان بمثله (فهو على شرطهما، كما قرَّره، وكل حديث إسناده
صحيح، ولم يحتج الشيخان بمثله)(٥)، كيف يصح استدراكه، مع التزام
الشيخين عدم استيعاب الصحيح؟
(١) في (أ، م): بهما.
(٢) سقط من ((م)).
(٣) في ((أ)): ولو عقب. والمثبت من ((م)).
(٤) في ((م)): الكتاب. والمثبت من ((أ)).
(٥) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).

٣١٣
مقدمة المؤلف
مع أن الحاكم عليه مناقشة في كلا القسمين، قَالَ أبو الفرج
بن الجوزي في أول ((الموضوعات))(١): لو نوقش فيه بَانَ غلطه. وقال
الشيخ (تقي الدين) (٢) بن الصلاح في كتابه ((علوم الحديث)): اعتنى
الحاكم أبو عبد الله بالزيادة في عدد الحديث الصحيح الزائد على ما في
الصحيحين، وجمع ذلك في كتاب سمَّاه ((المستدرك)) أودعه ما ليس في
واحد من الصحيحين، مما رآه على شرط الشيخين، قد (أخرجا)(٣) عن
رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على (شرط) (٤)
مسلم وحده، وما أدى اجتهاده إلى (تصحيحه)(٥)، وإنْ لم يكن على
شرط واحد منهما.
وهو واسع الخطو في شرط (الصحيح)(٦)، متساهلٌ في القضاء به،
فالأولى أن (نتوسط)(٧) في أمره فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك
فيه لغيره من الأئمة، إنْ لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن
يُحتج ويُعمل به، إلَّا أن تظهر فيه علة توجب(٨) ضعفه(٩).
قَالَ: ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي (١٠).
(١) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٤/١).
(٢) من ((م)).
(٣) في ((م)): أخراجاه. خطأ، والمثبت من ((أ)).
(٤) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م))، و(التقييد والإيضاح)).
(٥) في ((أ)): صحيحه. والمثبت من ((م))، و((التقييد والإيضاح)).
(٦) في ((أ)): التصحيح. والمثبت من ((م))، و((التقييد والإيضاح)).
(٧) في ((أ)): يوسط. والمثبت من ((م))، و((التقييد والإيضاح)).
(٨) زاد في ((أ)): فيه. وهي زيادة مقحمة.
(٩) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٢٩). (١٠) انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٣٠).

٣١٤
البدر المنير
(١) وقال أبو عبد الرحمن الشاذياخي(٢): كنا في مجلس السيد أبي
الحسن، فسُئِلَ الحاكم عن حديث الطير(٣)، فقال: لا يصح، ولو صح
لما كان أحدٌ أفضل من عليه بعد رسول الله عَليه (٤).
وقال ابن طاهر (في)(٥) حديث الطير المشهور، المروي من
(نحو)(٦) عشرين طريقًا - عائبًا على إخراج الحاكم له في
(مستدركه)))(٧) -: هذا حديث موضوع، كل طرقه باطلة معلولة،
إنَّما يجيء عن سقاط أهل الكوفة والمجاهيل عن أنس وغيره(٨).
قَالَ: وصنَّف الحاكم في جمع طرقه جزءًا(٩). قَالَ: ولا يخلو
الحاكم من أحد أمرين: إمَّا الجهل بالصحيح، فلا يعتمد على قوله؛ وإمَّا
العلم به، ويقول بخلافه، فيكون معاندًا كَذَّابًا(١٠).
قَالَ: وله دسائس. قَالَ: وبلغ الدارقطني أن الحاكم أدخل حديث
الطير في ((المستدرك على الصحيحين))، فقال: يستدرك عليهما حديث
(١) زاد في ((م)): قال.
(٢) نسبة إلى قرية شاذياخ، وهي من قرى بلخ، وهي أيضًا مدينة نيسابور أم بلاد خراسان
في عصرنا. انظر: ((معجم البلدان)) (٣٤٦/٣).
(٣) وهو حديث أنس بن مالك قال: ((كنت أخدم رسول الله وَّ﴾ فقدم لرسول الله وَّ فرخ
مشوي، فقال: اللَّهُمَّ أتتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير. قال:
فقلت: اللَّهُمَّ أجعله رجلًا من الأنصار، فجاء علي ﴾ ... )). أخرجه الحاكم في
((المستدرك)) (١٣٠/٣-١٣١).
(٤) أنظر: ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٤٢/٣). (٥) من ((م)).
(٧) في (أ)): مستدرك. والمثبت من ((م)).
(٦) من ((م)).
(٨) أنظر ((العلل المتناهية)) (٢٣٦/١-٢٣٧).
(٩) أنظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٧/ ١٧٦).
(١٠) أنظر ((العلل المتناهية)) (٢٣٧/١).

٣١٥
مقدمة المؤلف
الطير؟! فبلغ الحاكم، فأخرجه من الكتاب(١).
وكان (يُتَّهم)(٢) بالتعصبِ للرافضة.
وكان يقول: هو حديث صحيح، ولم يُخَرَّجْ في (الصحيحين)(٣).
قُلْتُ: حديث الطير موجود في نسخ ((المستدرك)) (التي)(٤) بأيدينا
الآن بمصر والشام.
قَالَ الخطيب(٥): وحَدَّثَنَي أبو إسحق (٦) إبراهيم بن محمد
(الأرموي)(٧) بنيسابور - وكان شيخًا، فاضلًا، صالحًا، عالمًا -
(قال)(٨): جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث، زَعَمَ أنها صِحاح على
شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في ((صحيحيهما))، منها:
حديث الطير، و((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) فأنكرها عليه أصحاب
الحديث، ولم يلتفتوا إلى قوله، ولا صوَّبُوه في فعله.
وقال ابن القَطَّان في ((علله)): هو حافظ، وقد ينسب إلى غفلة.
وقال ابن طاهر: وسمعت المظفر بن حمزة بجرجان يقول: سمعت
أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب ((المستدرك على الشيخين)) الذي
صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثًا على شرطهما (٩).
(٢) في ((م)): متهمًا. والمثبت من ((أ)).
(١) أنظر ((العلل المتناهية)) (٢٣٦/١).
(٣) في ((أ)): الصحيح. والمثبت من ((م).
(٤) فى ((أ)): الذي. والمثبت من ((م)).
(٥) ((تاريخ بغداد)) (٤٧٤/٥).
(٦) زاد في ((م): بن. خطأ، أنظر ((تاريخ بغداد)) (٤٧٤/٥)، ((سير أعلام النبلاء))
(١٦٨/١٧)، ((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٦٦/٤).
(٧) في ((م): الأموري. تصحيف، والمثبت من ((أ))، والمصادر السابقة.
(٨) في ((أ)): كان. والمثبت من ((م))، والمصادر السابقة.
(٩) أنظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٧٥/١٧)، ((نكت ابن حجر على ابن الصلاح))
(١/ ٣١٢).

٣١٦
البدر المنير
قُلْتُ: هذا الكلام أستبعد صحته عن هذا الحافظ؛ لأن المشاهدة
تدفعه، و(قد)(١) قَالَ الشيخ تقي الدين بن الصلاح في ((علوم الحديث)):
كتاب ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير،
(يشتمل مما)(٢) فاتهما على شيء كثير، وإنْ(٣) يكن عليه في بعضه مقال،
فإنه يصفو له منه صحيح كثير.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي - عقب المقالة المتقدمة -: هذا
إسراف وغلو من الماليني، وإلَّا ففي ((المستدرك)) جملة وافرة على
شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعل مجموع ذلك نحو
نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء أو له
[علة](٤)، وما بقي - [وهو](٥) نحو الربع - فهو مناكير وواهيات لا
تصحّ، وفي بعض ذلك موضوعات(٦).
قُلْتُ: وقد أفردت ما ردَّ به الذهبي على الحاكم أبي عبدالله، في
(تلخيصه لمستدركه))، بزيادات ظفرت بها، فجاءت سبعة كراريس،
وذلك قريب من مقالته المتقدمة.
واعلم أيها الناظر في هذا الكتاب إذا رأيتنا نقلنا عن الحاكم
تصحيحًا لحديث، وسكتنا عليه فَشُدَّ على ذلك يديك، (فإنا سبرنا)(٧)
(١) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٣) زاد في ((م)): لم.
(٢) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٤) في ((أ)): علمه. خطأ، وسقطت من ((م))، والمثبت من ((تدريب الراوي)) (١٠٦/١)
وهو الصواب.
(٥) في ((أ، م)): فهو. والمثبت من ((تدريب الراوي)) وهو الصواب.
(٦) انظر ((نكت ابن حجر على ابن الصلاح)) (٣١٤/١)، ((تدريب الراوي)) (١٠٦/١).
(٧) في ((أ)): فإنه آسبرنا. والمثبت من ((م)).

٣١٧
مقدمة المؤلف
إسناده، ويكون الأمر كما قاله. وما لم يكن كذلك، فإنَّا نشفعه
بالاعتراض عليه - إن شاء الله تعالى.
فصل
هذا آخر ما وقفت عليه من شروط (بعض)(١) الكتاب التي نقلنا منها
هذا الكتاب، ذكرتها هنا مجموعة ليحال ما يقع بعدها عليها، فإنَّ
الكتاب (بأسره)(٢) مبني عليها، وباقي الكتب يسير حالها على الصفة
المرضية في مواطنها - إن شاء الله تعالى.
فصل
في معرفة حال الإِمام الرافعي، وشيوخه، ومولده، ووفاته،
ومصنفاته، فإنَّه كان في الإِسلام بمحل خطير، وبكل فضيلة جدير،
و (معرفة)(٣) بيته الطاهر، وسلفه الكرام، فإنهم من العلماء الأعلام،
والسلف الكرام، رجالاً ونساءً.
أما هو: فهو الإِمام، (العالم)(٤)، العلّامة، المجتهد، إمام الملَّة
والدِّين، حجّة الإِسلام والمسلمين، أبو القاسم عبد الكريم ابن الإِمام
أبي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن بن الحسين.
كذا ساق في نسبه في ((أماليه))، وكذا كتب له بما قَدَّمناه من الألفاظ
أهلُ زمانِهِ.
القَزْوِيْنِيّ الرَّافِعِيّ الشافعي، خاتمة الأئمة من أصحابه المرجوع إلى
(١) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).
(٢) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٤) من (أ)).
(٣) في ((أ)): معرفته. والمثبت من ((م).

٣١٨
البدر المنير
قولهم.
و((قَزوين)): بفتح القاف، مدينة معروفة، كذا قاله ابن السمعاني(١).
وقال غيره: هي مدينة كبيرة في عراق العجم، عند قِلاَع الإسمعيلية(٢).
وقد اخْتُلِف في نسبة الرافعي إلى ماذا؟
فقال الشيخ محيي الدين النووي - رحمه الله -: هو منسوب إلى
((رافعان))، قرية من بلاد قزوين.
وذكر الإِمام ركن الدين عبد الصمد بن محمد الديلمي، القزويني،
أنه سأل القاضي مظفر الدين، قاضي قزوين: إلى ماذا ينسب الرافعي؟
فقال: كتب بخطه، وهو عندي في كتاب ((التدوين في أخبار قزوين)) أنه
منسوب إلى رافع بن خديج
وقال ركن الدين المذكور: وكنت سمعت قبل ذلك من الشيخ شرف
الدين أنه منسوب إلى أبي رافع، مولى النبي ◌َّر، ورضي عنه.
وذكر ركن الدين هذا أنّه لم يسمع ببلاد ((قزوين)) بقرية يقال لها:
((رافعان)).
ولَمَّا ذكر ابن السمعاني هذه النسبة - وهي الرافعي - في (كتابه))،
قال: هي نسبة إلى أبي رافع(٣).
وفي ((تاريخ خوارزم شاه)) لأبي الفضل المنسي- في أثناء حكاية
ذكر الإمام الرافعي هذا فقال: الشيخ إمام الدين (الرافعي) (٤).
(١) ((الأنساب)) (٤٧٢/٤).
(٢) قاله ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١١٦/١).
(٣) زاد في ((م): أو إلى رفاعة بن رافع ثم ثنى ذلك. وهذا الكلام ليس في ((الأنساب)).
(٤) في ((م)): رافعان. والمثبت من ((أ)).

٣١٩
مقدمة المؤلف
قال شيخنا (بقية)(١) الحفاظ صلاح الدين العلائي شيخ القدس
الشريف - أبقاه الله في خير وعافية -: وكأنه- والله أعلم- شُبِّه على من
نسبه إلى قرية يقال لها: رافعان، وإنما هذا اللفظ نسبة أعجمية إلى
رافع، والظاهر أنه رافع بن خديج، الصحابي، أحد الأنصار ﴾ كما
کتب هو بخطه.
وأخبرت أيضًا عن قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله
أنه كان يقول: إنَّ ((رافعان)) بالعجمي، مثل ((الرافعي)) بالعربي، فإنَّ
الألف والنون في آخر الاسم عند العجم (كياء النسب)(٢) في آخره عند
العرب.
فرافعان نسبة إلى رافع، وهذا مشهور عند العجم بالإِمام رافعان.
قال: ثم إنه لا يعرف بنواحي قزوين بلد يقال لها: رافع، بل هو
منسوب إلى (جد من)(٣) أجداده.
فظهر بهذا أن ما أدَّعاه النووي لا أصل له، فالرافعي (أعرف) (٤)
بنفسه، وكذا أهل قزوين أعرف ببلادهم.
ولد ﴾ تقريبًا سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ فإنَّه قال في
(الأربعين)) التي خرَّجها في الرحمة- ولنا بها رواية- أبنا والدي حضورًا
وأنا في الثالثة، سنة ثمان وخمسين. أفاد (ذلك)(٥) شيخنا صلاح الدين
المذكور.
(١) في ((م)): ثقة. والمثبت من ((أ)).
(٢) في ((أ)): إلى النسبة. والمثبت من ((م).
(٣) في ((م): أحد. والمثبت من (أ)).
(٤) في ((أ)): معروف. والمثبت من ((م)).
(٥) في ((م): لك. خطأ، والمثبت من ((أ)).

٣٢٠
البدر المنير
(ورأيت)(١) في ((أماليه))- أعني الرافعي- في أوائل المجلس
الأول، ما نصه :- في ترجمة سعد الخير (بن)(٢) محمد بن سهل
الأنصاري المغربي الأندلسي- أن سعدًا هذا توفي سنة إحدى وأربعين
وخمسمائة.
قال: وسمع والدي منه الكثير، وكان رحمه الله يغلب عليه في آخر
عمره ما يغلب على المشتاقين. قال: وكنت أتولى خدمته في مرض
وفاته، ودعا لي بالسعادة غير مرة (فيه)(٣)، وأرجو أن يستجيب الله
دعاءه. وكان كثيرًا ما ينشد في تلك المرضة:
وبذا الهوى يموت الكرام أنا إنْ مِتُّ فالهوى حشو قلبي
هذا نص ما ذكر، فإن كان المراد بقوله: ((وكنت أتولى خدمته)):
والد الإِمام الرافعي، فلا إشكال؛ وإن كانَ المراد الإِمام الرافعي نفسه،
فهو مشكل؛ لأن سعدًا توفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وكان
الرافعي إذْ (ذَاكَ) (٤) يخدمه في مرضه، وأقل من يتأهل للخدمة (أن
يكون)(٥) بالغًا، فيكون مولد الرافعي على هذا- تخمينًا- سنة ست
وعشرين وخمسمائة.
ويبقى مخالفًا لما أخبر به في ((أربعينه))(٦) من أن والده أخبره
حضورًا (وهو) (٧) في الثالثة، سنة ثمان وخمسين، فلينقح ذلك.
(١) في ((م)): وارايت ذُلك. والمثبت من ((أ)).
(٢) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م))، انظر ترجمته في ((سير النبلاء)) (١٥٨/٢٠).
(٣) من ((م).
(٤) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٥) سقط من ((م))، والمثبت من ((أ)).
(٦) في ((م)): أربعينيته.
(٧) سقط من ((أ))، والمثبت من ((م)).