النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
مقدمة التحقيق
فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها وأشتري بثمنها بدنًا، قال: لا، أنحرها
إياها)».
قال ابن الملقن: ((أهديت بختيًّا)) رأيته في نسخة معتمدة من (سنن
أبي داود)) بنون ثم جيم ثم مثناة تحت ثم باء موحدة ثم ألف ومكتوب
على ذلك علامة تصحيح، وكذلك رأيته على هذا الضبط في كتاب ابن
القطان علي عبد الحق، وكذلك شرحه ابن الأثير في ((جامعه)).
- حديث ((أن النبي ◌ّ أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة)).
قال ابن الملقن: هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي
والحاكم والبيهقي من طريق سفيان، عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد الله
بن أبي رافع، عن أبيه أبي رافع قال: ((رأيت النبي ◌َّ أَذّن في أذن الحسن
بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة)) كذا هو في رواية أحمد وأبي داود
والترمذي ((الحسن)) مكبرًا في غير ما نسخة. كذا ذكره المزي في أطرافه
عن أبي داود والترمذي، وكذا وقع في رواية الطبراني والبيهقي، ووقع
في ((مستدرك الحاكم)): الحسين بالياء المثناة تحت، وذكره في ترجمة
الحسين بالياء، وقال: مما يقوي عدم التصحيف .. وكذا وقع في نسخ
الرافعي كلها، وكلاهما صحيح ؛ فقد رواهما أبو نعيم في حديث واحد
من طرق أبي رافع المذكور ((أنه لله أذّن في أذن الحسن والحسين)). وكذا
رواه الطبراني في «أكبر معاجمه)).
المبحث التاسع
نقد ابن الملقن للأئمة واستدراكه عليهم:
برزت قوة شخصية ابن الملقن العلمية في نقده للأئمة، واستدراكه

٢٠٢
البدر المنير
عليهم مما يدل على اجتهاده وإمامته في هذا الفن وأنه غير مقلد للآراء
والأقوال بل يتفحصها ويبدي فيها ما أدَّاه إليه اجتهاده، وهذا يتبين لنا من
الأمثلة التالية:
- حديث ((ولا يحتكر إلا خاطئ)).
قال ابن الملقن: واعلم أن ابن بدر الموصلي روى هذا الحديث
في كتابه المغني بأن قال: الراوي إذا خالف الحديث دلَّ على نسخه أو
ضعفه. قلت: الراجح في الأصول أن العبرة بما روى لا بما رأى.
- حديث («بينما نحن نصلي مع رسول الله وَل إذ أقبلت عير تحمل
طعامًا)).
قال ابن الملقن: وفي الجمع بين الصحيحين لعبد الحق: أن
البخاري لم يذكر ((عير تحمل طعامًا)) كذا رأيته فيه وهو غريب فهو ثابت
فيه ومنه نقلت.
- حديث أبي أيوب الأنصاري # قال: قال رسول الله وَّر ((أربع
من سنن المرسلين الختان والسواك والتعطر والنكاح)) رواه الترمذي. وقال
حديث حسن غريب.
قال ابن الملقن: وينكر على الترمذي تحسينه لهذا الحديث، فإن
الحجاج بن أرطاة ضعيف جدًا وأبو الشمال مجهول.
- حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: ((لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة- قال أبو سلمة: فرأيت زيدًا يجلس في
المسجد وإن السواك في أذنه موضع القلم من أذن الكاتب وكلما قام إلى
الصلاة أستاك)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

٢٠٣
مقدمة التحقيق
قال ابن الملقن وفيه ابن إسحق وقد عنعن.
- حديث جابر عه قال: ((نهانا رسول الله وَّل أن نستقبل القبلة
بفروجنا ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
قال ابن الملقن: وفي كونه على شرطه نظر؛ لأن في إسناده ابن
إسحق، ولم يحتج به مسلم إنما أخرج له متابعة.
- حديث أبي هريرة ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم
یذکر آسم الله علیه)).
قال ابن الملقن: وأما ابن السكن فإنه ذكره في ((صحاحه)) وهو
تساهل منه كما يعرف ذلك من نظر في كتابه هذا.
- حديث عائشة رضى الله عنها قالت: ((دخل عبد الرحمن بن أبى
بكر الصديق رضي الله عنهما ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله وَاله
فقلت: أعطني هذا السواك فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله
ل فاستن وهو مستند إلى صدري)).
قال ابن الملقن للبخاري ولمسلم نحوه واستدركه الحاكم عليهما،
وقال إنه صحيح على شرطهما وإنهما لم يخرجاه وهذا عجيب.
- حديث عمران قال: ((كانت بي بواسير فسألت النبي ◌َّ فقال:
صل قائمًا)) .
قال ابن الملقن: وأما الحاكم فإنه كما ساقه البخاري لكنه قال :
كان بي الناصور وهو: هو، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ إنما أخرجه البخاري مختصرًا. قلت:
وقد أخرجه كما أخرجته أنت سواء.

٢٠٤
البدر المنير
- حديث ((من أذن فهو يقيم))
قال ابن الملقن: وقواه جماعة وصرح جماعة به قال الحافظ أبو
جعفر العقيلى في تاريخ الضعفاء: إسناده صالح، وقال الحازمى في
((ناسخه ومنسوخه)): هذا حديث حسن وقال ابن الجوزي في كتاب
((الإعلام)): إنه حديث ثابت عن رسول الله وليه وهذه العبارة لا أسلمها
له، وقال في ((تحقيقه)): إن قيل في الإسناد الأفريقي، وهو ضعيف،
قلت: قد قوى أمره البخاري، وقال: هو مقارب الحديث. ولا نسلم له
ذلك أيضًا، فقد ذكره هو في ضعفائه كما أسلفنا ذلك عنه في الموضع
السالف، والأقرب ضعفه، وفي حسنه وقفة، والله أعلم.
- حديث ((أن النبي قالژ مسح في وضوئه بناصيته وعلى عمامته ولم
یستوعب)).
قال ابن الملقن: ومما ينبغي لك أن تتنبه له أيها الفقيه المحدث أن
الشيخ زكي الدين في كلامه على أحاديث ((المهذب)) قال بعد أن أخرج
هذا الحديث أتفق الشيخان على إخراجه، وهذا وهم منه فلم يخرجه
البخاري أصلًا، فاستفد ذلك وإياك والتقليد في شيء من النقول فإنه
مذموم ثم رأيت بعد ذلك ما لعله سبب وهمه، وهو: أن الشيخ جمال
الدين ابن الجوزى وقع له ذلك في تحقيقه، فقال عقبه: ((أخرجاه في
الصحيحين وكثيرًا ما يقلده الشيخ زكي الدين في الكتاب المذكور.
- حديث ((إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان)).
قال ابن الملقن :
هذا الحديث أنكر بعضهم وجوده وليس كما قالوا فلنذكر أولًا
مقالاتهم ثم نبين ما يسر الله به علينا، فنقول: قال الشيخ تقي الدين ابن

٢٠٥
مقدمة التحقيق
الصلاح في كلامه على ((المهذب)): حديث: ((إذا توضأتم فلا تنفضوا
أيديكم)) لم أجد له أصلًا. وهكذا جماعة اعتنوا بالحديث. وقال: قد ذكر
بعض الفقهاء في آخره: فإنها مراوح الشيطان وقال في كلامه على
((الوسيط)): حديث ((لا تنفضوا أيديكم)) لا صحة له ولم أجد له أنا في
جماعة اعتنوا بالبحث عن أمثاله أصلًا وزاد بعض الفقهاء في آخره فإنها
مراوح الشيطان.
قال بعض المصنفين: هذا شيء يوجد في كتب الفقه ولم أظفر له
بأصل من كتب الحديث.
قلت: واعجباه من هؤلاء الجماعة حيث لم يجدوا له أصلًا ومن
ابن الصلاح كيف يقول: وزاد بعض الفقهاء في آخره ((فإنه مراوح
الشيطان)) وقد روى الحديث بطوله إمامان جليلان مشهوران بزيادة فيه
أحدهما: الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، فإنه ذكره في كتاب
((العلل)) ... والثاني الإمام أبو حاتم بن حبان فإنه أخرج في ((تاريخ
الضعفاء)) ... وذكره الحافظ أبو محمد المنذري في كتابه ((تخريج أحاديث
المهذب)) بإسناده إلى هشام بن عمار كما أخرجه ابن حبان سواء وسكت
عليه وهو عجيب فإنه ضعيف بمرة كما صرح به غير واحد من الأئمة.
- حديث («لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل
وضوء)).
قال ابن الملقن: وأغرب عبد الحق.
فقال في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)): حديث أبي هريرة هذا
أسنده البخاري ومسلم، وحديث عائشة يعني الذي قيد السواك بطهرة
الفم أسنده البخاري خاصة.

٢٠٦
البدر المنير
قلت: الأول لم يخرجاه البتة بهذا اللفظ المذكور وهو عند كل
وضوء، والثاني لم يسنده البخاري أصلًا وإنما ذكره معلقًا كما ذكره عنه.
فما أدري ما هذا القول من عبد الحق سامحنا الله وإياه.
أورد ابن حبان في ((ثقاته)) ترجمة رباح بن عبد الرحمن بن حويطب
في الطبقة الثالثة.
قال ابن الملقن: كان ينبغي ذكره في الثانية في التابعين لروايته عن
أبي هريرة.
المبحث العاشر
أدب ابن الملقن في نقده للعلماء :
التزم ابن الملقن رحمه الله الأدب الجم في نقده للعلماء ولعلك
تلمس ذلك في مقدمته حيث يقول:
وأنبه مع ذلك- على ما أظهره الله على يدي مما وقع للمتقدمين
والمتأخرين من وهم أو غلط، أو اعتراض أو استدراك قاصدًا بذلك
النصيحة للمسلمين حاشا الظهور أو التنقيص معاذ الله من ذلك فهل
الفضل إلا للمتقدم، وغالب ذلك إنما يقع من التقليد، ونحن براء منه
بحمد الله ومنه. اهـ
رحم الله ابن الملقن رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام خير الجزاء
ضرب أمثلة على ذلك تبين شخصيته العلمية في ذلك.

الفصل الثامن
ويشتمل على مبحثين
المبحث الأول: أهمية الكتاب.
المبحث الثاني: المآخذ على الكتاب.

٢٠٨
البدر المنير
المبحث الأول
أهمية الكتاب:
وكتاب (البدر المنير)) له أهمية كبيرة في بابه وتبرز لنا أهميته فى
النواحي الآتية:
١- أنه يتعلق بتخريج أحاديث الأحكام.
وقد لقيت أحاديث الأحكام من أهل الحديث عناية فائقة يعرفها
من كان من أهل هذا الشأن، إذ بها يعرف الحلال والحرام ويتعبد بها إلى
الله ◌ُعَلَ.
لذلك نجد تشدد الأئمة في أحاديث الأحكام بينما تساهلهم في
رواية بعض الأحاديث الضعيفة في بعض أبواب الدين كالفضائل ونحوها
إذا لم يكن ضعفها شديدًا.
قال عبد الرحمن بن مهدي: إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل
الأعمال تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في
الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال(١).
وروى الميمونى عن الإمام أحمد أنه قال: الأحاديث الرقائق
تحتمل أن يتساهل فيها، حتى يجئ شيء فيه حكم (٢).
وقال أبو الفضل العباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن
حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عبيدة وفي محمد بن
إسحق؟ قال: أما موسى بن عبيدة فلم يكن به بأس، ولكنه حدث
أحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي وَله. وأما
محمد بن إسحق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعني
(١) ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٤/١).
(٢) ((النكت على ابن الصلاح)): (٨٨٨/٢).

٢٠٩
مقدمة التحقيق
المغازي ونحوها- فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا،
وقبض أبو الفضل - يعنى العباس- أصابع يده الأربع من كل، ولم يضم
الإبهام(١).
ومن هنا تبرز أهمية كتاب ((البدر المنير)) إذ هو تخريج الأحاديث
الأحكام التي في كتاب ((الشرح الكبير)) للرافعي، ومعرفة صححيها من
سقيمها حتى يكون الحكم الفقهى مبنيًّا على أساس صحيح.
٢- أن موضوعه يتعلق بتخريج أحاديث كتاب الرافعي
وقد نال كتاب الرافعي شهرة واسعة وعناية فائقة لا سيما عند أتباع
المذهب الشافعي ولقي قبولًا بين العلماء وأثنوا عليه وهاهي بعض ثنائهم
على الكتاب لتبين لنا أهميته.
قال ابن الصلاح: لم يشرح ((الوجيز)) بمثله(٢).
وقال اليافعي : ... المشتمل على معرفة المذهب ودقائق
الغامضات(٣).
وقال النووي(٤): واعلم أنه لم يصنف في مذهب الشافعي - رضى
الله عنه- ما يحصل لك مجموع ما ذكرته أكمل من كتاب الرافعي ذي
التحقيقات، بل اعتقادي، واعتقاد كل منصف: أنه لم يوجد مثله في
الكتب السابقات، ولا المتأخرات.
وقال أيضًا في كتابه ((روضة الطالبين)):
وكانت مصنفات أصحابنا- رحمهم الله- في نهاية من الكثرة
فصارت منتشرات مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار
(٢) من مقدمة ((البدر)).
(١) ((دلائل النبوة)) (٣٧/١-٣٨).
(٣) ((مرآة الجنان)) (٥٦/٤).
(٤) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٦٤/٢/١).

٢١٠
البدر المنير
لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين
المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله تَّا- وله الحمد- من
متأخري أصحابنا من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب
أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له
من الكتب المشهورات، وهو: الإمام الجليل المبرّز المتضلع من علم
المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات، فأتى في كتابه ((شرح
الوجيز)) بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان
وإيضاح العبارات، فشكر الله الكريم له سعيه، وأعظم له المثوبات.
وقال ابن السبكي(١): فإنه الذي لم يصنف مثله في مذهب من
المذاهب ولم يشرق على الأمة كضيائه في ظلام الغياهب.
وقال ابن الوردي في ((تاريخه))(٢): وعلى ((شرحه الكبير)) اليوم
اعتماد المفتين والحكام في الدنيا.
٣- الأحكام لا يجوز أن تثبت إلا بالأحاديث الصحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية(٣):
العمل إذا علم أنه مشروع بدلیل شرعي، وروي في فضله حدیث لا
يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة أنه
يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا
فقد خالف الإجماع.
وقال أيضًا (٤):
وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل
(١) ((طبقات الشافعية)): (٢٨٢/٨).
(٣) ((مجموع الفتاوى)): (٢٥١/١).
(٢) (١٤٨/٢).
(٤) ((مجموع الفتاوى)): (٦٥/١٨-٦٨).

٢١١
مقدمة التحقيق
الأعمال: ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن
الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن خبرَّ عن الله أنه
يحب عملًا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم
يأذن به الله، كما لو أثبته الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في
الاستحباب كما يختلفون في غيره، بل هو أصل الدين المشروع.
وقال أيضًا في القاعدة الجليلة في ((التوسل والوسيلة)): ولا يجوز
أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا
حسنة والغالب على كتب الفقهاء أنها تحوي الكثير من الأحاديث
الضعيفة والواهية بل والموضوعة والمنكرة في معرض الاستدلال بها من
غير بيان لحالها.
قال ابن الجوزي(١):
فلما نظرت في التعاليق، رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث
مُزْجاة يعوَّل أكثرهم على أحاديث لا تصح، ويعرض عن الصحاح،
ويقلّد بعضهم بعضًا فيما ينقل، ولقد رأيت بعض الأكابر من الفقهاء يقول
فى تصنيفه عن ألفاظ قد أخرجت في الصحاح: لا يجوز أن يكون رسول
الله اَللّه قال هذه الألفاظ. ويرد الحديث الصحيح، ويقول: هذا لا
يعرف. وإنما هو لا يعرفه. اهـ
وقال النووي(٢):
قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم: إذا كان الحديث
ضعيفًا لا يقال فيه: قال رسول الله وَّة أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم
وما أشبه ذلك من صنيع الجزم، وكذا لا يقال فيه: روى أبو هريرة أو قال
(١) ((التحقيق)) (٤/١-٥).
(٢) ((المجموع شرح المهذب)) (١/ ٦٣).

=
٢١٢
البدر المنير
أو ذكر ... وما أشبهه، وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما
كان ضعيفًا، فلا يقال في شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في
هذا كله: رُوي عنه، أو نُقل عنه، أو حُكي عنه .. ، أو يذكر أو يحكى .. أو
يروى، وما أشبه ذلك من صيغ التمريض وليس من صيغ الجزم. قالوا:
فصيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن، وصيغ التمريض لما سواهما.
وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن
يطلق إلا فيما صح، وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه، وهذا
الأدب أخل به المصنف(١) وجماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل
جماهير أصحاب العلوم مطلقًا ما عدا حُذَّاق المحدثين، وذلك تساهل
قبيح منهم، فإنهم يقولون كثيرًا في الصحيح: ((رُوي عنه)) وفي الضعيف:
((قال)) أو روى فلان، وهذا حَيْد عن الصواب)).
وقال اللكنوي(٢):
ومن هنا نصوا على أنه لا عبرة للأحاديث المنقولة في الكتب
المبسوطة ما لم يظهر سندها، أو يعلم اعتماد أرباب الحديث عليها، وإن
كان مصنفها فقيهًا جليلًا ... ألا ترى إلى صاحب الهداية من أجلة الحنفية
والرافعي شارح الوجيز من أجلة الشافعية - مع كونهما ممن يشار إليه
بالأنامل، ويعتمد عليه الأماجد والأماثل- قد ذكرا في تصانيفهما ما لا
يوجد له أثر عند خبير بالحديث يستفسر كما لا يخفى على من طالع ((تخريج
أحاديث الهداية)) للزيلعي، و(تخريج أحاديث شرح الرافعي)) لابن حجر
العسقلاني وإذا كان حال هؤلاء الأجلة هذا، فما بالك بغيرهم من الفقهاء
الذين يتساهلون في إيراد الأخبار، ولا يتعمقون في سند الآثار.
(١) يقصد الشيرازى صاحب ((المهذب)). (٢) ((الأجوبة الفاضلة)) (ص٢٩- ٣٠).

٢١٣
مقدمة التحقيق
واعتذر العراقي عن صنيع أصحاب هذه المصنفات وخصَّ منهم
الرافعي بالذكر فقال :
عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم
وعدم بيان من خرجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرًا وإن كانوا
من أئمة الحديث، حتى جاء النووي فبيّن، وقصد الأولين أن لا يغفل
الناس النظر في كل علم في مظنته؛ ولهذا مشى الرافعي على طريقة
الفقهاء(١).
وقد أشار ابن الملقن إلى ذلك فقال في مقدمته:
فإنه- أي (الشرح الكبير)- كتاب لم يصنف في المذهب على مثل
أسلوبه ولم يجمع أحد سلف كجمعه، في ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه،
ومرجع فقهائنا في كل الأقطار- اليوم- في الفتوى والتدريس والتصنيف
إليه، واعتمادهم في هذه الأمور عليه؛ لكنه أجزل الله مثوبته مشى في
هذا الشرح المذكور على طريقة الفقهاء الخُلَّص، في ذكر الأحاديث
الضعيفة والموضوعات، والمنكرة والواهيات، والتي لا تعرف أصلًا في
كتاب حديث، لا قديم ولا حديث في معرض الاستدلال، من غير بيان
ضعيف من صحیح، وسلیم من جریح. اهـ
ومن هنا تأتى أهمية ((البدر المنير)) بالنسبة لكتاب ((الشرح الكبير)).
٤- يعد كتاب ((البدر المنير)) موسوعة في باب التخريج حيث حوى
بين طياته جملة وافرة من أحاديث الأحكام -والتي عليها مدار الحلال
والحرام- تنيف على أربعة آلاف بمكررها كما ذكر ذلك ابن الملقن نفسه.
٥- ومما يميز كتاب ((البدر)) أن مصنفه -رحمه الله- كان يجتهد في
(١) نقله المناوى في ((فيض القدير)) (٢١/١).

٢١٤
البدر المنير
جمع طرق الحديث على قدر الاستيعاب، فقد بقي المؤلف زمنًا في
تأليف الكتاب يعلق الفوائد الحديثية ويجمع متفرقها، فقد صرح في أكثر
من موضع أنه ربما كان يبحث عن الحديث أو الأثر عدة سنين، وإليك
بعض الأمثلة من كتابه على ذلك:
- حديث ((الماء المشمس)).
قال ابن الملقن: فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة وسؤالي
لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه فلم يعرفوه إلا أنى ظفرت به.
- حديث ((أنه وَّ مس زبيبة الحسن أو الحسين عليهما السلام
وصلى ولم يرو أنه توضأ)).
قال ابن الملقن: مكثت دهرًا أبحث عن رواية الحسين مصغرًا
فظفرت بها بحمد الله ومنه.
- أثر ابن عمر «أنه قال: وقعت في نفسي جارية من سبي جلولاء
فنظرت إليها فإذا عنقها مثل إبريق الفضة، فلم أتمالك أن وثبت عليها
فقبلتها والناس ينظرون ولم ینکر علیه)).
قال ابن الملقن: وهذا الأثر لم أر من أخرجه عنه إلا ابن المنذر،
فإنه ذكره في إشراقه بغير إسناد، فقال: وقد روينا عن ابن عمر أنه قبل
جارية وقعت في سهمه يوم جلولاء وأسنده في كتابه ((الأوسط))، ومنه
نقلت بعد أن لم أظفر به إلا بعد عشرين سنة من تبييض هذا الكتاب
فاستفده. ولله الحمد.
- حديث ابن عباس ((أقام النبي وَّ تسعة عشر يومًا يقصر، فنحن
إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا)).
ووقع في رواية ((عشرين)) بدل (تسعة عشر)).

٢١٥
مقدمة التحقيق
قال ابن الملقن: وأما رواية ((عشرين)) فتبع في إيرادها الإمام، ولم
أرها بعد البحث عنها من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة إلى سنة إحدى
وستين فعثرت عليها في مسند عبد بن حميد. ولله الحمد.
ولا شك أن تجميع طرق الحديث يساعد المشتغل بعلم الحديث
على تبيين علله فكما قالوا: ((الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين ضعفه)).
وقال الألباني رحمه الله في مقدمة المجلد الرابع من السلسلة الصحيحة:
فالتصحيح والتضعيف عملية علمية دقيقة، تتطلب معرفة جيدة بعلم
الحديث وأصوله من جهة، وتحريًا وإحاطة بالغة بطرق الحديث
وأسانيدها من جهة أخرى .
٦- لا شك أن غاية علم التخريج والثمرة منه هي معرفة كون
الحديث صحيحًا أو ضعيفًا، وهذا ما أيده العلامة الألباني- رحمه الله-
في أكثر من موضع في كتبه حيث قال في مقدمة ((الإرواء)):
واعلم أن فن التخريج ليس غاية في نفسه عند المحققين من
المحدثين بحيث يقتصر أمره على أن نقول مخرج الحديث: ((أخرجه
فلان وفلان و ... عن فلان عن النبي ◌ّلّ كما يفعله عامة المحدثين قديمًا
وحديثًا، بل لا بد أن يضم إلى ذلك بيانه لدرجة كونه ضعيفًا، فإنه
والحالة هذه لابد له من أن تتبع طرقه وشواهده لعله يرتقى بها إلى مرتبة
القوة، وهذا ما يعرف في علم الحديث بالحسن لغيره، وهذا في الحقيقة
من أصعب أنواع علوم الحديث وأشقها لأنه يتطلب سعة في الأطلاع
على الأحاديث والأسانيد في بطون كتب الحديث مطبوعها ومخطوطها
ومعرفة جيدة بعلل الحديث وتراجم رجاله، أضف إلى ذلك دأبًا وجلدًا
على البحث، فلا جرم أنه تقاعس عن القيام بذلك جماهير المحدثين

== ٢١٦
البدر المنير
قديمًا، والمشتغلين به حديثًا وقليل ما هم. اهـ
وقال أيضًا في مختصر الشمائل(١):
التصحيح والتضعيف هو الغاية من فن التخريج، كما لا يخفى
على العلماء بهذا العلم الشريف.
وقال أيضًا في تمام المنة(٢):
التخريج بالنسبة لدرجة الحديث كالوسيلة مع الغاية فما الفائدة من
الإتيان بالوسيلة دون الغاية، وهذه مصيبة عامة لم ينج منها أكثر المؤلفين
قديمًا وحديثًا. والله المستعان.
وقال أيضًا في نقد نصوص حديثية (٣):
قد يؤلف المخرج كتابًا أو يضع رسالة، يورد فيها ما شاء من
الأحاديث وكثير منها ضعيف منكر أو موضوع لا يجوز روايته إلا مع بيان
حاله ثم هو يكتفي في كل ذلك بأن يقول في التخريج: رواه أبو داود
وفلان، أو: رواه النسائي وفلان، دون أن يرجع إلى إسناده ويدرس
أحوال رجاله، وما قد يكون فيه من علة تقدح في ثبوته كالانقطاع
والتدلیس ونحوه. اهـ
ومن يطالع ((البدر المنير)) يجد تلك الثمرة والغاية حيث حكم ابن
الملقن على الأحاديث وهذه تعتبر من أهم ميزات هذا الكتاب؛ فابن
الملقن إمام واجتهاداته في الحكم على الأحاديث هي محل تقدير بين
العلماء.
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
- حديث أبي هريرة ((إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)).
(١) ((مختصر الشمائل المحمدية)): ص٥. (٢) ((تمام المنة)): ص١٢٨.
(٣) ((نقد نصوص حديثية في الثقافة العامة)): ص٦.

٢١٧
مقدمة التحقيق
قال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح.
- حديث عثمان ((أن النبي ◌َّ كان يخلل لحيته)).
قال ابن الملقن: هذا الحديث حسن.
- حديث عائشة: ((كان النبي ◌َّيّ يستاك فيعطيني السواك لأغسله
فأبدأ به فأستاك ثم أغسله فأدفعه إليه)).
قال ابن الملقن: رواه أبو داود بإسناد جيد.
- حديث طلحة عن أبيه عن جده قال: ((دخلت على النبي ◌َّ وهو
يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره فرأيته يفصل بين
المضمضة والاستنشاق)).
قال ابن الملقن: حديث ضعيف لأن ليث بن أبي سليم ضعيف عند
الجمهور.
- حديث ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)).
قال ابن الملقن: هذا حديث مروى من طرق كلها ضعيفة.
٧- أحتفظ لنا هذا الكتاب بنصوص وفوائد علمية ونقولات هامة
من كتب بعضها مفقود وبعضها لا يزال مخطوطًا منها ما هو في الحديث
أو الرجال أو اللغة أو غير ذلك.
وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
- ((الحروف)) لابن السكن.
- ((الصحاح)) لابن السكن.
- «الدلائل)) للسرقسطى.
- ((صفوة التصوف)) لابن طاهر.
- ((الأمالي)) لابن منده.

٢١٨
البدر المنير
- ((كتاب البسملة)) لأبي محمد المقدسي.
- ((الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة)) للرافعي.
- ((أولاد المحدثين)) لابن مردويه.
- ((مناقب الشافعى)) لأبي عبد الله القطان.
- ((كشف النقاب عن الأسماء والألقاب)) لابن الجوزى.
- ((أمالي)) السمعانى.
- ((أمالي)) ابن عساكر.
- ((جامع المسانيد)» لابن الجوزي.
- ((الاستغناء في استعمال الحناء)) لأبي موسى الأصبهانى.
- ((الأحكام الكبير)) للطبرئ.
- ((أسماء رواة الكتب الأحد عشر)) للصريفيني.
- ((التنوير في مولد السراج المنير)) لابن دحية.
- ((أسباب الأسماء)) لعبد الغنى.
- ((الكفاية)) لابن الرفعة.
- ((الرد على الكرابيسي)) للطحاوي.
- ((ألفاظ المهذب)) للقلعى.
- ((تقريب المدارك)) لابن حصار.
- ((أحكام ابن الطلاع)).
- ((تلقيح فهوم الأثر في المغازي والسير)) لابن الجوزي.
- ((وهج الجمر في تحريم الخمر)» لابن دحية.
- ((التذنيب)) للرافعي.
- كتاب ((القتال)) لابن أبي الدنيا.

٢١٩
مقدمة التحقيق
- ((معرفة الصحابة)) لأبي موسى الأصبهاني.
- ((فضائل الجهاد)» لابن عساكر.
- ((تاريخ ابن منده).
- ((مرج البحرين)) لابن دحية.
- ((صفوة التصوف)) لابن طاهر.
- أمالي أبي إسحق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي.
- ((شرح مسند الشافعي)) لابن الأثير.
- ((شرح مسند الشافعي)) للرافعي.
- ((مطالع الأنوار على صحاح الآثار)) لقرقول.
- ((التنقيب)) لابن معن.
- «الموطأ)» لابن وهب.
- ((نفي النقل)) لابن الجوزى.
- ((تحريم الوطء في الدبر)) لابن الجوزى.
- ((الأقضية)) لابن الطلاع.
- ((التفسير)) للحوفي.
- ((نهاية السول في خصائص الرسول)) لابن دحية.
- («المسند» لأحمد بن منيع.
- ((المدخل إلى المختصر)) لزاهر السرخسى.
- ((الثمانيات)) للحافظ رشيد العطار.
- ((المستعذب في غريب الحديث)) لأبى محمد بن أحمد بن محمد
الركبى اليمنى.
- ((الآيات البينات)) لابن دحية.

٢٢٠
البدر المنير
- ((الدرة الثمينة في أخبار المدينة)) لابن النجار.
- ((كتاب الهدايا)) لإبراهيم الحربي.
- ((معرفة الصحابة)) لأبى موسى الأصبهانى.
- ((التذنيب)) للرافعي.
- ((الجهاد)) لأبى بكر أحمد بن عمر بن أبى عاصم النبيل.
- ((ذكر شمول الدلائل عند حلول الزلازل)» لابن عساكر.
- ((شرح التنبيه)) للشيخ نجم الدين البالسى.
- ((تخريج أحاديث الشهاب)) لأبى الفضل بن طاهر المقدسي.
- ((تاريخ المدينة)) لابن النجار.
- كتاب ((المطر)) لابن دريد.
- ((المطر والرعد)) لابن أبى الدنيا.
- ((مرج البحرين)) لابن دحية.
- (تثقيف اللسان)) لابن قطاع.
- ((تخريج أحاديث المهذب)) لابن عساكر.
٨- اشتمل الكتاب على العديد من القواعد والفوائد الحديثية التي
يهتم بها المشتغلين بعلم الحديث.
نذكر بعضها على سبيل الحصر لا الاستيعاب:
- حديث الزبير قال: ((لما أقبلنا مع رسول الله وَله من ليَّة حتى إذا
كنا عند السدرة وقف رسول الله ◌َّر في طرف القرن الأسود حذوها
فاستقبل نخبًا ببصرة وقال مرة: ((واديه)) وقف حتى أتقف الناس كلهم ثم
قال: ((إن صيد وجَّ وعضاهه حرم محرم الله)). وذلك قبل نزول الطائف
وحصاره لثقيف.