النص المفهرس

صفحات 81-100

المبحث الأول
١ - يكثر في اللغة العبرية استعمال حرف الخاء وهو موجود في اسم
((شاخت))، مما يوحي بأن أصل الاسم يعود للعبرية التي هي لغة اليهود ،
ومن المعروف أن اللغة الألمانية أيضاً تستعمل حرف الخاء في أبجديتها ، مما
ينفي وجاهة هذا الربط بين الاسم واللغة العبرية .
٢ - كان ((شاخت)) من أشد المعجبين بالمستشرق المجري (( جولد
زيهر)) وهو يهودي معروف يعد من أساطين الاستشراق، وقد سار
((شاخت)) على خطاه في بحوثه حول السنة النبوية ، بل كان أكثر شراسة
وقسوة منه على التراث الإسلامي ، فلعل هذا ما أوحى لبعض الباحثين
العرب بأن الرجل يهودي أيضاً لطبيعة آرائه الحاقدة على المسلمين ودينهم .
٣ - عدم وجود ترجمة ضافية لشاخت في المصادر العربية المتاحة ،
أسهم في التمكين لذلك الخطأ وساعد على انتشاره وشهرته .
وبهذا يعلم أنه ألماني المنشأ واللغة ، ولم يكن يهودياً كما أكد أحد
تلامذته اليهود أعني ((برنارد لويس)) (١) ، وأحد أصدقائه المقربين منه
(روبير برونشفيج)) (٢)، وبالنظر إلى أن الديانة الأكثر انتشاراً في ألمانيا هي
النصرانية، فالغالب أن يكون ((شاخت)) نشأ في أسرة تدين بهذه الديانة .
(١) برنارد لويس مستشرق له شهرة عالمية يحمل الجنسية الأمريكية ، وهو يهودي صهيوني من أكثر
المستشرقين المعاصرين حقداً وكراهية للعرب والمسلمين ، وحماساً ودعماً لما يسمى بدولة
إسرائيل ، ولا يزال على قيد الحياة ، فقد قرأت بعض أفكاره وتصريحاته مؤخراً في
الصحف خلال حرب أمريكا على العراق . وللمزيد حول آرائه وترجمته انظر الدراسة
الجيدة التي كتبها الدكتور مازن المطبقاني عنه في أطروحته للدكتوراه المنشورة بعنوان :
(( الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على كتابات برنارد
لويس » .
(٢) مقال برونشفيج السابق ( ص ٦٣٠، ٦٣٣ ).
- ٧٩ -

الفصل الأول
وقد أقام في ألمانيا حتى تجاوز الثلاثين من عمره ، ثم هاجر إلى
بريطانيا بسبب كراهيته للنظام النازي الذي كان يحكم ألمانيا قبيل الحرب
العالمية الثانية ، وفي ذلك يقول برونشفيج : ( ثم كانت الحرب العالمية
الثانية ، فالتحق (( شاخت)) بإنجلترا التي كان في أحلك الظروف يسمع منها
عبر الإذاعة البريطانية ، صوت الحرية مخاطباً مواطنيه الألمان - إذ لم يكن قد
تخلى بعد عن جنسيته الألمانية - ، وكان شاخت يمقت النازية مع أنه ما كان
له أن يخشاها بحكم أصوله ، لكنه كان يعارض كل نبذ ، وكل اضطهاد .
وتزوج امرأة إنجليزية مثقفة ما انفكت الرفيقة المتفهمة له ، والمتفانية
التفاني الكامل في خدمته ، وبعد الحرب حصل عام ١٩٤٧م على الجنسية
الإنجليزية التي لم يتخل عنها قط ) (١) .
وقد انتقل في آخر حياته إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة
١٩٥٧ م ، وأقام بها حتى وفاته .
تكوينه العلمي
تقدم أنه درس في الثانوية الألمانية ، وحين التحق بجامعتي برسلو ،
ولا يبتزج درس فقه اللغة اللاتينية ، والإغريقية ، وعلم اللاهوت ،
واللغات الشرقية .
وكان يكتب بحوثه بثلاث لغات هي : الألمانية ، والإنجليزية ،
والفرنسية ، مما يدل على إجادته لها (٢)، وكان يحسن اللغة العربية
(١) مقال برونشفيج السابق (ص ٦٣١ - ٦٣٢).
(٢) السابق ( ص ٦٣٥ ) .
- ٨٠ -

المبحث الأول
والتركية (١) ، وتقدم أنه تعلم اللغة العبرية .
ولما كانت الرحلات العلمية تؤثر في التكوين العلمي لأي باحث ،
فإن ((شاخت)) حرص عليها جداً ، فقام بزيارة الشرق الأوسط عدة
مرات ، وكذلك شمال أفريقيا وغربها (٢) .
ويظهر من إنتاجه العلمي أن أول كتاب نشره ، كان تحقيقاً لكتاب في
الحيل الفقهية وعنوانه (( الحيل والمخارج )) للخصاف ، وقد كتب له مقدمة ،
وعلق على عدة مواطن منه (٣) ، وكان تاريخ نشره في ١٩٢٣م ، ولهذا
يقول برنارد لويس : ( كان الفقه الإسلامي هو الحقل الدراسي الأول الذي
انصرف إليه ((شاخت)) بكل همته ، وبقي واحداً من أهم اهتماماته الأساسية
حتى قضى نحبه ) (٤) .
ويبدو أنه كان معجباً ، في وقت مبكر من شبابه بالمستشرق المشهور
((جولد زيهر)) ، ولذا فقد قام بإكمال بحوثه حول السنة النبوية ، وخاصة
بما يتعلق بالأسانيد (٥) .
مناصبه العلمية
أول منصب شغله ((شاخت)) كان أستاذاً في جامعة فرايبورج عام
١٩٢٥ م ، وفي سنة ١٩٣٢م دعي لشغل كرسي اللغات الشرقية في جامعة
(١) السابق ( ص ٦٣١ ).
(٢) السابق ( ص ٦٣١، ٦٣٣)، ومقال برنارد لويس ( ص ٦٢٣)
(٣) المستشرقون (٢ / ٤٦٩)، ومقال برنارد لويس ( ص ٦٢٤).
(٤) مقال برنارد لويس ( ص ٦٢٤ ) .
(٥) السابق ( ص ٦٢٦)، ومقال برونشفيج ( ص ٦٣٢).
- ٨١ -

الفصل الأول
كونجسبرج ، وفي عام ١٩٣٠م عمل أستاذاً زائراً في الجامعة المصرية
بالقاهرة ، ثم عاد إليها في سنة ١٩٣٤م وعمل بها حتى سنة ١٩٣٩م.
وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى إنجلترا حيث عمل في
هيئة الإذاعة البريطانية طوال سنوات الحرب ، وفي عام ١٩٤٦م عين في
وظيفة تعليمية في جامعة أكسفورد برتبة محاضر ، وفي سنة ١٩٤٨م عين
مساعد أستاذ في الدراسات الإسلامية .
ثم عمل أستاذاً زائراً في جامعة الجزائر في سنة ١٩٥٢م ، وفي سنة
١٩٥٤ م غادر إنجلترا إلى هولندا ليشغل كرسي اللغة العربية في جامعتها
الشهيرة لايدن ، ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية
من سنة ١٩٥٧م إلى ١٩٦٩م حيث هلك هناك ، بالإضافة إلى أنه كان
عضواً في المجمع العلمي في دمشق ، وغيره من المجامع (١) .
أخلاقه
وصفه برنارد لويس بأنه كان عنيداً ، متصلباً لدرجة أنه حين غادر
ألمانيا لم يعد إليها أبداً ، بل ولم يكتب بلغته الأم بعد ذلك ، وكان التعامل
معه صعباً ؛ لأنه كان لا يحسن ممارسة الرياء الاجتماعي ، وكانت قسمات
وجهه متجهمة (٢) .
وقد أثنى عليه أصحابه من المستشرقين بأنه كان لطيفاً ودمئاً ونزيهاً
وأميناً (٣)، ولكننا نشك في دقة هذا الكلام المتعلق بالأمانة والنزاهة؛
(١) السابق (ص ٦٢٣)، ومقال برونشفيج (ص ٦٣٠، ٦٣١، ٦٣٣، ٦٣٥)، المستشرقون
(٤٦٩/٢).
(٢) مقال برنارد لويس ( ص ٦٢٨ - ٦٢٩ ).
(٣) السابق ( ص ٦٢٩)، ومقال برونشفيج (ص ٦٣٢).
- ٨٢ -

المبحث الأول
لأمرين :
أحدهما : أن المطلع على بحوث هذا الرجل المتعلقة بالسنة النبوية ،
والفقه الإسلامي يلحظ وبجلاء حقده البالغ ، وكراهيته الشديدة للمسلمين
وتراثهم ، ولا أدل على ذلك من أنه يتهم كل علماء الحديث ورواته الثقات
بالكذب والتزوير والوضع على الرسول ومَله.
ثانيهما : أن الدكتور نجم خلف ذكر أن أحد مشايخ المغرب واسمه
مصطفى المغربي حدثه في مدينة الرباط سنة ١٤٠٣ هـ أن المستشرق
(( شاخت)) قد استعار منه ، ومن غيره بعض المخطوطات أثناء إقامته في
المغرب ، ثم استولى عليها ولم يعدها ، رغم المكاتبات والشفاعات ، بل
أنكرها في النهاية (١) .
مكانته العلمية عند المستشرقين
إن الكلام عن مكانة هذا الرجل عند المستشرقين ، لا يُراد بها مدحه
أو الثناء عليه ، ولكن بيان مدى مكانة أحكامه وأقواله لدى المهتمين
بالدراسات الإسلامية عند غير المسلمين ، وحتى تتبين لنا الخطورة التي
تمثلها الآراء التي يبثها في أوساط المستشرقين ، وفيما يلي بعض النصوص
الدالة على ذلك :
يقول ((سافوري)): ( من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في
العالم ) (٢).
(١) نقد المتن بين صناعة المحدثين ومطاعن المستشرقين (ص ١٠).
(٢) موقف الاستشراق من السيرة والسنة النبوية (ص ٣٨).
- ٨٣ -

الفصل الأول
ويقول السير ((هاملتون جيب)): (سيصبح كتاب (( أصول الفقه
المحمدي)) أساساً لجميع الدراسات المستقبلية في الحضارة الإسلامية والفقه
الإسلامي، ولو عند الغربيين على الأقل ) (١).
ويقول ((كولسون)) أستاذ الفقه الإسلامي في جامعة لندن : ( إن
(شاخت)) صاغ نظرية عن أصول الشريعة الإسلامية غير قابلة للدحض)(٢).
ويقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي : ( أما المنزلة التي وصل
إليها البروفسور ((شاخت)) ، فلم يصل إليها من قبل أي مستشرق في هذا
المجال ) (٣).
ويقول أيضاً : ( وصار كتابه - يعني أصول الفقه المحمدي - منذ
ذلك الحين إنجيلاً ثانياً لعالم الاستشراق ، وفاق (( شاخت )) سلفه جولد
زيهر حيث غير نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث ، إلى نظرة متيقنة في
عدم صحتها ، ولقد ترك كتابه هذا أثراً عميقاً في تفكير دارسي الحضارة
الإسلامية .. . وكافة الباحثين في الغرب ، أثنوا عليه ثناء عاطراً) (٤).
ويقول الصديق بشير نصر : ( وليس من قبيل المبالغة إذا قلت : إن
كل من كتب بعده من المستشرقين في هذا الحقل المعرفي هم عيال عليه ،
وحسبك أنه لا تكاد توجد جامعة من جامعات الغرب لها اعتناء بالدراسات
الإسلامية ، إلا ونجد هذا الكتاب مقرراً على طلابها ) (٥).
(١) أصول الفقه المحمدي لجوزيف شاخت في كتابات الغربيين (ص ٦٤٦).
(٢) مناهج المستشرقين (١ / ٦٨).
(٣) السابق (١ / ٦٧).
(٤) دراسات في الحديث النبوي - المقدمة ( ص ي ، ك )
(٥) أصول الفقه المحمدي في كتابات الغربيين (ص ٦٤٦) .
- ٨٤ -

المبحث الأول
ويؤكد برونشفيج أن أغلب العلماء في الغرب قبلوا ووافقوا على نظرية
(( شاخت)) في الحديث النبوي ؛ لما تتضمنه من تحليلات ونظام نقدي
وتفسيري (١) .
وفاته
هلك ((شاخت)) في غرة شهر أغسطس سنة ١٩٦٩م في مدينة
إنجلوود بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد كان يتأهب
للانتقال إلى منزل آخر لقرب موعد تقاعده ، وقد وافته المنية حيث كان
منهمكاً في مراجعة كتاب («تراث الإسلام»، وهو من تأليف عدد من
الباحثين (٢).
إنتاجه العلمي
يعد ((شاخت)) من المستشرقين الغزيري الإنتاج ، ويظهر هذا جلياً
لمن يدقق في القائمة التي جمعها روبير برونشفيج (٣) ، والسرد الذي قام به
نجيب العقيقي (٤) ، ولعل أبرز كتبه هي : أصول الفقه المحمدي ،
ومدخل إلى الفقه الإسلامي ، وتحريره لبعض مواد دائرة المعارف الإسلامية
في طبعتيها القديمة والجديدة ، وأما مقالاته وبحوثه المنشورة في المجلات
العلمية فهي كثيرة جداً كما يظهر من عرض برونشفيج ، والعقيقي .
(١) مقال برونشفيج ( ص ٦٣٢ ).
(٢) السابق ( ص ٦٣٤)، ومقال لويس ( ص ٦٢٤ ).
(٣) السابق (ص ٦٣٥ - ٦٤٤ ).
(٤) المستشرقون (٢ / ٤٦٩ - ٤٧١ ) .
- ٨٥ -

الفصل الأول
ويعد كتابه « أصول الفقه المحمدي)) أشهر كتبه ، وقد قام الأستاذ
الصديق بشير نصر بترجمة بعض فصوله ، ونشرها في مجلة كلية الدعوة
الإسلامية بليبيا .
- ٨٦ -

المبحث الثاني
عرض موجز لأهم آرائه
في السنة النبوية
تتلخص أهم آراء المستشرق ((جوزيف شاخت)) في السنة النبوية في
النقاط التالية :
١ - إن الرسول وَل﴿ لم يكن مهتماً ببيان أمور الشريعة - القانون - ،
كالقضايا المتعلقة بالمعاملات المالية والأحوال الشخصية والقضاء ، وفي ذلك
يقول: ( في الجزء الأكبر من القرن الأول لم يكن للفقه الإسلامي - في
معناه الاصطلاحي - وجود كما كان في عهد النبي ◌َّر، والقانون - أي
الشريعة - من حيث هي هكذا كانت تقع خارجة عن نطاق الدين .
فقد كانت مسألة القانون تمثل عملية لا مبالاة بالنسبة للمسلمين ) (١) .
٢ - إن مفهوم السنة قديماً عند المدارس الفقهية القديمة ، يعني الأمر
المجتمع عليه ، أو بمعنى آخر التطبيقات المثالية للجماعة ، ويؤدي التسليم
بهذه الحقيقة إلى أن مصطلح ((السنة)) لا علاقة له بأقوال الرسول وَل
وأفعاله ، وقد بنت المدارس الفقهية القديمة مفهومها للسنة وفقاً للمعنى
(٢)
القديم (٢) .
(١) المستشرق شاخت والسنة النبوية (١ / ٦٩).
(٢) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية ( ص ١٠ ).
- ٨٧ -

الفصل الأول
٣ - لم يكن الاحتجاج بالأحاديث ذات الأسانيد المتصلة إلى رسول
﴿ ﴿ معروفاً عند المدارس الفقهية في القرنين الأول والثاني الهجريين ، وإنما
بدأ هذا الأمر مع نشأة حزب معارض يقوده الإمام الشافعي يرى ضرورة
إسناد الاستدلالات الفقهية إلى أقوال الرسول ◌َ﴿ أو أفعاله، مما أدى إلى
ظهور أحاديث تفصيلية مكذوبة عن الرسول وَل﴿ من أجل إيجاد مصدر
تشريعي لآراء الحزب الفقهية ، إلا أن المدارس القديمة حاولت أن تقاوم
هذا الحزب المعارض الجديد ، ولكنها رأت أن ذلك أصبح صعباً ؛ للقبول
العام الذي وجده في الأوساط العامة، مما أدى حسب رأي ((شاخت)) أن
تلك المدارس شاركت أيضاً في الكذب والوضع على الرسول الكريم وَل
حتى تضمن الانتصار في المناظرات العنيفة مع الخصوم والمخالفين (١).
٤ - بدأ الإسناد عند المسلمين بالظهور في أوائل القرن الثاني ، أو
أواخر نهاية القرن الأول الهجري (٢).
٥ - نتيجة لما تقدم يرى ((شاخت)) أنه قد أصبح من عادة العلماء -
وبدون استثناء كما يظهر من عباراته - خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين
أن ينسبوا عباراتهم إلى الرسول و ل# بذكر أسانيد اعتباطية تفتقر للتسويغ
المنطقي الذي يدل على التنظيم والعناية (٣).
٦ - تم تطوير الأسانيد بشكل تدريجي من خلال التزوير والوضع .
لقد كانت الأسانيد المتقدمة غير مكتملة ( يعني فيها إرسال أو موقوفة أو
(١) أصول الفقه المحمدي في كتابات الغربيين ( ص ٦٥٠، ٦٥١، ٦٥٢، ٦٥٩، ٦٦١)، وأصول
الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية ( ص ١١ ).
(٢) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية ( ص ٢٨٨).
(٣) السابق ( ص ٢٨٩).
- ٨٨ -

المبحث الثاني
مقطوعة أو منقطعة ) ، لكن تم ملء كل الفراغات في وقت تدوين
المصنفات المشهورة التي تسمى بالمجموعات التقليدية كالكتب الستة ومسند
أحمد وأمثالها (١) .
٧ - الأسانيد العائلية مثل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ،
وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، كلها مختلقة سنداً ومتناً (٢).
٨ - كل حديث يوجد في إسناده راو مشترك (يعني الراوي الذي
عليه مدارالسند) ، يدل على أن ذلك الراوي هو الذي اختلق سند ذلك
الحديث (٣) .
٩ - ابتكر ((شاخت)) قاعدة ؛ ليستدل بها على أن كثيراً من
الأحاديث لم تكن موجودة إبان فترة الإسلام الأولى ، ونص هذه القاعدة :
(( السكوت عن الحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده ))،
ويوضح رأيه بجلاء في هذا النص حيث يقول : ( إن أفضل سبيل لإثبات
عدم وجود حديث ما في وقت من الأوقات ، يكون بإثبات أن ذلك
الحديث لم يستخدم دليلاً شرعياً في حجاج - يعني في مسألة خلافية - في
الوقت الذي يكون الاستدلال به أمراً لازماً ، هذا إذا كان الحديث نفسه
موجوداً ) (٤) .
١٠ - النتيجة النهائية التي هي خلاصة آراء ((شاخت)) في السنة
النبوية أنه لا يمكن الحكم بصحة أي حديث من أحاديث الأحكام المروية
(١) السابق .
(٢) السابق .
(٣) السابق .
(٤) توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت ( ص ٦٩٧ ).
- ٨٩ -

الفصل الأول
بالسند إلى رسول الله 9 ، وفي ذلك يقول: (من العسير أن يُعد أياً من
هذه الأحاديث صحيحاً فيما يتعلق بمسائل التشريع الديني ) (١) .
وفي ذلك يقول الأعظمي : ( وخلاصة ما وصل إليه من نتائج أنه
ليس هناك حديث واحد صحيح ، وخاصة الأحاديث الفقهية ) (٢).
إن مجمل آراء هذا الرجل في السنة النبوية تؤكد على حقيقة واحدة هي
أن مجموع الأحاديث المروية عن رسول الله وَّر ما هي في واقع الأمر إلا نتاج
تزييف ديني واسع النطاق (٣) ، وعليه فإن علماء المسلمين من فقهاء ومحدثين
- من وجهة نظره الفاسدة - إنما هم مجموعة من الكذابين .
(١) السابق .
(٢) دراسات في الحديث النبوي ( ص ي ).
(٣) توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت ( ص ٦٩٥ ).
- ٩٠ -

الفصل الثاني
عيوب المنهج العلمي عند (( شاخت ))
ويشتمل على المباحث التالية :
المبحث الأول : التحيز العنصري في المسلمات الأولية .
المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر .
المبحث الثالث : الشك غير المنهجي .
المبحث الرابع : إهمال الأدلة المضادة .
المبحث الخامس : التفسير المتعسف للنصوص .
المبحث السادس : التعميم الفاسد .
- ٩١ -

المبحث الأول
التحيز العنصري في المسلمات الأولية
لا يخلو أي بحث علمي من مسلمات أولية أو ما يسمى بالأفكار
القبلية ، لا يتكلم عنها الباحث ولا يصرح بها ، ولكنه ينطلق منها في
معالجة القضايا التي يتطرق لها في بحثه (١)، والملاحظ أن ((شاخت )) كان
في المسلمات الأولية في كتاباته عن السنة النبوية واقعاً تحت تأثير تحيز عنصري
ضد العرب والمسلمين ، وهو وإن لم يصرح بمسلماته بصورة جلية وواضحة
- لغايات لا تخفى على اللبيب - ، إلا أن ذلك يظهر بجلاء في حكمه
القاطع والجازم على صفوة الأمة وأوثق علمائها بأنهم من الكذابين ، وأنهم
اختلقوا الأسانيد ونسبوها زوراً وافتراءً لرسولهم ◌َطيار .
ونتيجة لهذه المسلمة القاطعة التي تجذرت في وعيه ، أشار إلى أن
الأسانيد الموجودة في كتب السنة ، والتي تدل على اتصال الإسناد إلى رسول
الله الله؛ لا قيمة لها، (بل هي كذب محض ؛ لأن الأحاديث النبوية
بكاملها لم توجد إلا في القرنين الثاني والثالث ، فكيف يمكن أن نتصور
وجود الأسانيد قبل وجود المتون ؟ بل لا بد أن توجد المتون من قبل ثم
(١) أوسع من رأيته تكلم عن خطورة الأفكار القبلية الضمنية التي لا يصرح بها ، وأثرها السيئ
على صحة الأفكار والنظريات العلمية هو الدكتور ريمون بودون رئيس قسم العلوم الإنسانية في
جامعة السوربون بباريس في كتابه ((فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة )) ( ص
١١٧ - ١٩٦ ) .
- ٩٣ -

الفصل الثاني
تظهر الأسانيد لا العكس ) (١) ، ويقول في تقرير هذا الأمر : ( إن أكبر
جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي . . . وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى
المتقدمين ، كان يختار تلك الشخصيات ويضعها في الإسناد ) (٢)، وقد
نقلنا عنه آنفاً أنه لا يعتقد بوجود أي حديث صحيح من أحاديث الأحكام
المروية بالسند المتصل إلى رسول الله الخلية .
وهذا الرأي القطعي - في نظره - يدل دلالة واضحة على أنه مبني
على مسلمة أولية راسخة عنده ، وهي أن علماء المسلمين قوم كذبة ، كانوا
يستبيحون الكذب ويستحلونه في أمور دينهم ولا يتورعون عنه ، بل يفهم
من كلامه أنهم مجمعون على ذلك ، ومتواطئون عليه ، ولو لم يكونوا كذلك
في نظر ((شاخت))؛ لما قرر نتيجته السابقة بعمومية وإطلاق ومن دون أي
استثناءات أو قيود .
وسنناقش هذه المسلمة بما فيها من تحيز عنصري بغيض ، يدل على أن
الرجل واقع تحت تأثير الأفكار المسبقة عن المسلمين الموجودة في عقلية عوام
الغربيين .
ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن أهم صفة يجب أن يتحلى بها
الباحث العلمي هي الإنصاف والعدل حتى مع خصومه ومخالفيه ، والتي
يعبر عنها المتخصصون في المنهج العلمي بالموضوعية ، ويقرر أولئك العلماء
أن أشد نواقض الموضوعية وقوادحها ؛ التحيز ضد قومية أو فكرة أو مبدأ
أو شخص أو مذهب . . الخ .
(١) المستشرق شاخت والسنة النبوية (١ / ٨٣).
(٢) السابق .
- ٩٤ -

المبحث الأول
ويحذر المختصون في المنهج العلمي أي باحث من الوقوع في التحيز أو
التعصب العنصري ؛ لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الموضوعية ، وسأورد فيما
يلي نصوصاً منتقاة لبعض المختصين تؤكد على هذه الحقيقة التي أصبحت
إحدى مسلمات المنهج العلمي بصورة مطلقة .
يقول روبرت ثاولس : ( من الأمور التي تجعلنا ميالين إلى التفكير
الأعوج ؛ تحيزاتنا التي هي : طرق في التفكير تقررها سلفاً قوى ودوافع
انفعالية شديدة ، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية الخاصة ، أو ارتباطاتنا
الاجتماعية) (١). ويقول: ( إننا نكون تحت تأثير الهوى والتحيز في آرائنا
ميالين إلى تصديق ما نرغب في تصديقه ، أو ما نحتاجه أن يكون صحيحاً ،
وإلى إنكار ما نرغب في إنكاره ، أو ما نحتاجه أن يكون باطلاً ) (٢).
ويقول فؤاد زكريا في كلام له عن التعصب - الذي هو وجه من
وجوه التحيز والعنصرية - بوصفه أحد أهم عقبات التفكير العلمي :
( التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة ،
وبأن غيره يفتقرون إليها ، ومن ثم فهم دائماً مخطئون ... فحين أكون
متعصباً لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل ، بل ينبغي
أيضاً أن أستبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها ) (٣).
وفي نص آخر كأنه يتكلم فيه عن (( شاخت )) يشير فؤاد زكريا أن
التعصب بكل أنواعه ، كالتعصب العنصري ، والتعصب القومي المتطرق
وغيرها ؛ كلها تشترك في سمة واحدة هي : ( الانحياز إلى موقف الجماعة
(١) التفكير المستقيم والتفكير الأعوج (ص ١٨٣).
(٢) السابق ( ص ١٨٧ ) .
(٣) التفكير العلمي ( ص ٩٦).
- ٩٥ -

الفصل الثاني
التي تنتمي إليها دون اختيار ، ودون تفكير ، والاستعلاء على الآخرين ،
والاعتقاد بأنهم ((أحط)) ) (١).
ثم يعدد مضار التعصب على روح المنهج العلمي فيقول : ( وأعظم
الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم ، هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية ،
ومتعددة ، ومتناقضة ، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية ...
كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري -خرافي- يتسم بطابع وهمي
مختلق ، وهو بطبيعته يشجع التفكير اللاعقلي ؛ لأنه هو الدعامة الوحيدة
لموقفه، ومن هنا كان أساس النازية هو ((أسطورة)) الجنس الآري المتفوق،
وكان أساس التفرقة العنصرية هو ((أسطورة)) الجنس الزنجي المنحط، إلى
غير ذلك من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب)(٢).
ويقول أحد المختصين في منهجية البحث التاريخي : ( إذا وقع
الباحث في أسر التعصب ، كان من السهل وصمه بالذاتية التي هي نقيض
الموضوعية والعلم ) (٣).
إن نظرة سريعة في الكتب التي تكلمت عن المنهجية العلمية
وشروطها ؛ تعطينا حكماً عاماً بأن الباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج
بحثه علمية بأي حال من الأحوال (٤) .
(١) السابق ( ص ٩٩ ).
(٢) السابق ( ص ٩٩، ١٠١ ) بتصرف يسير.
(٣) البحث في التاريخ قضايا المنهج والإشكالات ( ص ٢٠).
(٤) انظر المنهج لأحكام قيادة العقل لديكارت ( ص ٣٦)، والمنطق وفلسفة العلوم ( ص ٥٨ -
٥٩ )، وأصول البحث العلمي (ص ٥٨، ٥٩، ٦١ )، وفلسفة العلوم الميثولوجيا
(ص ٩٩)، والمدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص ٢٩٧)، ومنهج البحث التاريخي
(ص ١٩)، والمدخل إلى مناهج البحث العلمي (ص ٢٦ - ٢٧).
- ٩٦ -

المبحث الأول
وبعد أن ألممنا بموقف المختصين في منهجية البحث العلمي من التحيز
والعنصرية، فلنظر ماذا فعل ((شاخت)) ؟
لقد سلب من المسلمين أهم أخلاقهم الفاضلة ، فنظر إليهم على أنهم
مجموعة من الكذابين ، فإن لم يكن هذا التعميم الذي أطلقه (( شاخت )) على
علماء الدين المسلمين يعد تحيزاً عنصرياً وتعصباً مقيتاً ، فليس في الدنيا من
التعصب أو التحيز ما يستحق هذا الوصف .
إننا حين نقول: إن ((شاخت)) كان واقعاً تحت تأثير أفكار مسبقة
عنصرية تضمر احتقاراً للعرب والمسلمين وكراهية لهم ، فإن شاهدنا على
ذلك أحكام الرجل نفسه ونتائجه التي أعلنها ، ويؤيد ذلك ما نعرفه من
نصوص لبعض الغربيين أنفسهم من أن المستشرقين حين يبحثون في الإسلام
والمسلمين ، فإنهم يقومون بذلك من خلال ما ترسب في مخيلتهم الجماعية
من صورة أسطورية خرافية مشوهة عن المسلمين ، يقول الأستاذ محمد أسد
- وهو في الأصل يهودي نمساوي قبل أن يسلم - مبيناً موقف الأوربيين من
أهل الكتاب ، والمستشرقين بصفة خاصة من الإسلام والمسلمين : ( يعتقد
الأوربيون أن تفوقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع ، ثم إن احتقارهم
إلى حد بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبياً من أجناس الناس وشعوبهم قد
أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية .
على أن هذا وحده لا يكفي لإظهار ما يكنُّه الأوربيون نحو الإسلام
خاصة ، وهنا - نعني فيما يتعلق بالإسلام - لا تجد موقف الأوروبي موقف
كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان
والثقافات ، بل كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصب
الشديد ، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب ، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة
- ٩٧ -

الفصل الثاني
عاطفية قوية . قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية ،
ولكنها تحتفظ دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن ، ومبني
على التفكير ، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل
العاطفي بالتسرب ، حتى أن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم
فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام ، ويظهر في جميع
بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في
البحث العلمي ، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته ) (١) .
هذا النص النفيس يمثل شهادة مهمة لأن الأستاذ محمد أسد ينقل
واقعاً خبره وعرفه قبل إسلامه ، حيث نشأ وتربى في النمسا ذات الثقافة
الألمانية ، وقد تقدم معنا أن شاخت نشأ في ألمانيا أيضاً ، أضف إلى أنهما
ولدا في بدايات القرن العشرين الميلادي . مما يجعل النص الآنف في غاية
الأهمية ، لاسيما أنه يوضح لنا بصورة جلية الرؤية المتحيزة للجيل الذي نشأ
فيه ((شاخت))، وغيره من الأوربيين تجاه الإسلام والمسلمين .
ويؤكد الأمر بصورة جلية لاتقل أهمية عما سبق قول ((انجمار
كارلسون)) (٢)، وهو أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أوربا: ( نحن
نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة ،
وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي ، ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفاً للعقل ،
بينما نرى في الشرق عالماً متخلفاً يمشي على حافة الجنون ، ويستحيل عليه
مشاركتنا في الحوار والسجال على قدم المساواة . . . إن صورة المسلم
(١) الإسلام على مفترق الطرق ( ص ٥٢ - ٥٣).
(٢) يعمل الآن سفيراً في وزارة الخارجية السويدية.
- ٩٨ -