النص المفهرس
صفحات 21-40
المبحث الثاني ( حدثنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو ثنا إبراهيم بن هلال ثنا علي بن الحسن بن شقيق ثنا الحسين بن واقد . وحدثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان حدثنا أبو عمار حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله وَالر: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) . هذا حديث صحيح الإسناد ، لا تعرف له علة بوجه من الوجوه : فقد احتجا جميعا بعبد الله بن بريدة عن أبيه ، واحتج مسلم بالحسين بن واقد ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا ) (١). فذكر الذهبي هذا الحديث في ملخصه بالصورة التالية : ( الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صل: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) . صحيح ، ولا تعرف له علة ، واحتج مسلم بالحسين ) (٢). فاكتفى الذهبي في تلخيصه بذكر السند من عند الحسين بن واقد ، وحذف من دونه في السند وهم أربعة رجال ، ثم ذكر المتن كاملاً كما هو في الأصل ، ثم لخص كلام الحاكم على الحديث ، ولم يذكره بتمامه . ومنهج الذهبي في تلخيصه ، يمكن أن نقسمه إلى أربعة أقسام رئيسة هي : أولاً : ما لخصه ، ولم يعقب عليه بشيء. (١) المستدرك (٦/١). (٢) تلخيص المستدرك (٦/١). - ١٩ - المبحث الثاني ثانياً : ما لخصه ، وعقّب عليه . ثالثاً : ما لخصه ، وحذف منه كلام الحاكم على الحديث فقط . رابعاً : ما أسقطه من أحاديث المستدرك ، ولم يذكره مطلقاً . وإليك فيما يلي توضيحاً بالأمثلة لهذه الأقسام : أولاً : ما لخصه ، ولم يعقب عليه بشيء . وهذا القسم هو أكبر الأقسام من حيث الكمية ، وهو الذي يقول فيه بعض العلماء : أقره الذهبي ، أي أن الإمام الذهبي أقر أبا عبد الله الحاكم ووافقه على رأيه وحكمه على الحديث ، ولم يتعقبه معترضاً عليه ، ولم يُضفْ شيئاً . والمثال المتقدم قبل قليل يدخل في هذا القسم ، والملاحظ أن الذهبي في كثير من الأحيان يختصر كلام الحاكم بالرموز ، فمثلاً في مواضع كثيرة يسوق الحاكم إسناد الحديث ومتنه ثم يقول : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ، ولم يخرجاه ) فيحذف الذهبي - في الغالب - النصف الأول من السند الذي ذكره الحاكم ، ثم يذكر المتن ، ثم يقول بعد ذلك : ( على شرط (خ)) (١)، أو (خ) فقط (٢)، وإذا كان الحديث على شرط مسلم عند الحاكم ؛ فإن الذهبي يلخص ذلك بقوله: ( على شرط (م))(٣)، أو (م) فقط (٤)، وإذا كان الحديث على شرط البخاري ومسلم عند (١) المستدرك مع تلخيصه (٢٥٤/١، ٢٥٦). (٢) المستدرك مع تلخيصه (٥٢٥/١). (٣) المستدرك مع تلخيصه (١٤٠/١). (٤) المستدرك مع تلخيصه (٤٣٠/١) . - ٢٠ - المبحث الثاني الحاكم ؛ فإن الذهبي يلخص ذلك بقوله: ( على شرطهما ) (١) أو (خ م) فقط (٢) . ومن ذلك أيضاً أحاديث يحكم عليها الحاكم بالصحة من دون أن يقول على شرط الشيخين أو أحدهما ، فيذكر الذهبي حكمه قائلاً : (صحيح) (٣)، ومما يلحق بذلك أيضاً أحاديث لم يحكم عليها الحاكم بشيء ؛ فيختصر الذهبي السند ، ويذكر المتن فقط (٤). ثانياً : ما لخصه ، وعقّب عليه . هذا القسم يختلف عن القسم الأول بأن الذهبي هنا يتعقب كلام الحاكم على الأحاديث ، أو يتعقب بعض الأحاديث التي لم يتكلم الحاكم عليها بشيء ، ومضمون هذه التعقبات - في الغالب الأعم - اعتراضات ، ويبلغ عددها بالتقريب نحو ( ١٢٠٠ ) موضعاً. والمراد بالتعقب في اللغة ( أن يؤتى بشيء بعد آخر) (٥) ، وقال في مختار الصحاح : ( يقال عَقَّبَ الحاكم على حكم من قبله إذا حكم بعد حكمه بغيره ، ومنه قوله تعالى ﴿ لا مُعَقّبَ لحكمه ﴾ أي لا أحد يتعقب حكمه بنقض ولا تغيير ) (٦) . وفي الغالب الأعم يُصدّر الذهبي تعقباته بقوله : ( قلتُ ) ؛ ليميز (١) المستدرك مع تلخيصه (١٤٥/١) . (٢) المستدرك مع تلخيصه (٥١٩/١). (٣) المستدرك مع تلخيصه (٢١٠/١) . (٤) المستدرك مع تلخيصه (٢٥/٤) . (٥) التعاريف (ص ١٨٨). (٦) مختار الصحاح (ص ١٨٦). - ٢١ - المبحث الثاني بين كلامه وكلام الحاكم . وتعقبات الذهبي ، من حيث الجملة على ثلاثة أضرب ، هي : ١ - تعقبات بسبب ضعف الحديث . ٢ - تعقبات بسبب أن الحاكم لم يتكلم على الحديث . ٣ - تعقبات بسبب أن الحديث ليس على شرط الشيخين أو أحدهما ، أو لأن الحديث مخرج فيهما أو في أحدهما ؛ فيكون ليس على شرط ((المستدرك)). ومثال على الضرب الأول : أخرج الحاكم حديثاً في إسناده مثنى بن الصباح ، ثم قال : ( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ) فقال الذهبي في تلخيصه: ( صحيح . قلت : مثنى ، قال النسائي : متروك ) (١) ، وفي موضع آخر كرّر الحاكم الحديث نفسه ، فقال الذهبي : ( صحيح . قلت : لا ) (٢). وهذا الضرب هو الأكثر من مجمل تعقبات الذهبي . ومثال على الضرب الثاني : أخرج الحاكم حديثاً ، ولم يحكم عليه بشيء ، فتعقبه الذهبي بقوله : ( قلت : لم يتكلم عليه المؤلف ، وهو صحيح ، ولذا لم أره يتكلم على (١) تلخيص المستدرك (٢٣١/١) . (٢) تلخيص المستدرك (٦١١/٢). - ٢٢ - المبحث الثاني أحاديث جمة ، بعضها جيد ، وبعضها واه ) (١) . ومثال على الضرب الثالث : أخرج الحاكم حديثاً ، وقال : ( وقد احتج مسلم بمحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، واتفقا جميعاً على الاحتجاج بالفضل بن موسى ، وهو ثقة ) ، فتعقبه الذهبي بقوله: ( قلت : ما احتج (م) بمحمد ابن عمرو منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره ) (٢). ومثال آخر فقد أخرج الحاكم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الجرس مزمار الشيطان)) ثم حكم عليه بقوله : ( هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ) ، فتعقبه الذهبي بقوله: ( قلت : خرجه مسلم بهذا السند ) (٣). ثالثاً : ما لخصه ، وحذف منه كلام الحاكم على الحديث فقط. وهذا القسم أقل مما تقدم من حيث الكمية ، ومثاله أن الحاكم أخرج حديثاً وقال فيه : ( هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ، وقد احتج مسلم بأحاديث القعقاع بن حكيم عن أبي صالح ) ، فأورد الذهبي الحديث في تلخيصه ، ولكن بحذف كلام الحاكم (٤) ، ولا أدري هل أراد الذهبي بحذفه لكلام الحاكم غرضاً معيناً أم أن نسخته من ((المستدرك)) قد سقط (١) تلخيص المستدرك (٣/١). (٢) تلخيص المستدرك (٦/١). (٣) تلخيص المستدرك (٤٤٥/١)، والحديث في صحيح مسلم (٢١١٤) كما قال الذهبي ، ولكن فيه (( مزامير " بدل ((مزمار)). (٤) تلخيص المستدرك (٤/١). - ٢٣ - المبحث الثاني منها النص السابق ؟ ، ويحتمل أن في النسخة المطبوعة من ((تلخيص المستدرك )» بعض السقط ، وذلك لأنها ليست متقنة كما يجب . رابعاً : ما أسقطه من أحاديث المستدرك ، ولم يذكره مطلقاً. وهذا القسم هو أقل الأقسام كلها ، ومثاله أن الحاكم أخرج حديثاً وصححه (١) ، فأسقطه الذهبي في التلخيص ولم يذكره ، وربما كان ذلك بسبب الضعف الشديد لبعض الرواة أو بسبب التكرار ، ولكن يشكل على هذا أن الذهبي لم يحذف كثيراً من الأحاديث الواهية ، كما أنه كرّر في تلخيصه بعض الأحاديث ، كما تقدم معنا قبل قليل في مثال الضرب الأول من القسم الثاني . فيما تقدم حاولت أن أوجز في العرض ، من دون التفصيل في الجزئيات ، أو الإكثار من الأمثلة ، رغبة في تقديم صورة مركزة ومكثفة للقارئ الكريم ، يستطيع من خلالها تكوين رؤية إجمالية عن واقع منهج الإمام الذهبي في تلخيص كتاب ((المستدرك)) لأبي عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى . (١) المستدرك (٢٦٦/٣)، والحديث من رواية إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن عائشة رضي الله عنها . - ٢٤ - المبحث الثالث بدايات ظهور مقولة : (( صححه الحاكم ووافقه الذهبي )) وتطورها تقدم آنفاً في مقدمة البحث أن عناية بعض العلماء بكتاب (( تلخيص المستدرك))، أدى إلى نشوء قاعدة مفادها: ((إذا ذكر الذهبي في تلخيصه للمستدرك تصحيح الحاكم على حديث ، ولم يعقب عليه بشيء ، فإنه يكون مقراً وموافقاً على صحة الحديث)) ، ونتيجة لهذه القاعدة ، فقد استعمل عدد من العلماء مقولة: (( صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي)) في أثناء حكمهم على جملة من الأحاديث الموجودة في ((المستدرك)). وسأحاول في هذا المبحث أن أرصد بدايات ظهور هذه القاعدة ، والتطورات التي طرأت عليها ، حتى وصلتنا باعتبارها من الأمور التي تعارف عليها المتأخرون من علماء الحديث ، وسأحاول في ختام هذا المبحث أن أحدد الألفاظ التي استعملها العلماء في تطبيقهم للقاعدة ، وهل يوجد خلاف بين لفظ وآخر أم لا ؟ تبين لي بعد البحث أن أقدم من استعمل مقولة: (( صححه الحاكم وأقره الذهبي))، هو الإمام الزيلعي ( ت ٧٦٢ هـ ) في كتابه ((نصب الراية)) فقد نقل عن الحاكم أنه قال في حديث: صحيح الإسناد، ولم - ٢٥ - المبحث الثالث يخرجاه ثم قال: ( وأقره الذهبي عليه ) (١)، ولم أجد في ((نصب الراية))، إلا هذا الموضع الوحيد الذي يصرح فيه الزيلعي - وهو أحد تلامذة الذهبي (٢) - بأن عدم تعقب الذهبي يعد إقراراً ، ووجدته في موطنين آخرين استعمل لفظة مختلفة، وهي: ((ولم يتعقبه الذهبي)». فقد قال بعد أن أخرج حديثاً : ( رواه الحاكم في المستدرك ، وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ولم يتعقبه الذهبي في مختصره ، ولكنه في ميزانه أعله بمحمد بن عون ، ونقل عن البخاري أنه قال : هو منكر الحديث. انتهى ) (٣). وقال في حديث آخر : ( ووهم الحاكم في المستدرك فرواه ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ولم يتعقبه الذهبي في ذلك) (٤). وبعد الزيلعي ، وجدت الحافظ ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ ) في كتابه (( مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك أبي عبد الله الحاكم )) ذكر حديثاً ثم قال : ( قال - يعني الحاكم - : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه. قلت : أقره الذهبي عليه ) (٥) ، وفي موضع آخر قال: (والعجب من (١) نصب الراية (١٦٠/٤). (٢) ذكر الزيلعي في ((نصب الراية )) عدة مرات اسم الذهبي مسبوقاً بقوله : ( شيخنا )، نصب الراية (٢٣/١، ٢٩٧)، ٣٠/٤، ٦٢، ١٩٠). (٣) نصب الراية (٣٨/٣). (٤) نصب الراية (٨٠/٣). (٥) مختصر استدراك الحافظ الذهبي (٥٦٩/١). - ٢٦ - المبحث الثالث الذهبي كيف أقره عليه ؟ ) (١)، واستعمل عدة مرات عبارة: ( لم يعقبه الذهبي بشيء ) (٢). وممن استعمل مقولة ((سكت الذهبي))، أو ((لم يتعقبه الذهبي))، أو ((وافقه الذهبي)) الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، فقد سرد في ((لسان الميزان)) ترجمة أحد الرواة الذين ترجم لهم الذهبي في ((الميزان))، كالآتي : ( رجاء بن أبي عطاء المصري ، عن واهب المعافري ، صويلح . قال الحاكم : مصري صاحب موضوعات ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات ثم ساق له الحديث الذي وقع لنا مسلسلاً بالمصريين .. .. انتهى) (٣). ثم قال ابن حجر : ( وهذا الحديث أورده ابن حبان وقال : إنه موضوع، وحكاه صاحب الحافل، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك )» .... وقال : صحيح الإسناد . فما أدري ما وجه الجمع بين كلاميه ؟ ، كما لا أدري كيف الجمع بين قول الذهبي صويلح وسكوته على تصحيح الحاكم في تلخيص المستدرك ؟ مع حكايته عن الحافظين (٤) أنهما شهدا عليه (١) مختصر استدراك الحافظ الذهبي (٣٨٩/١). (٢) مختصر استدراك الحافظ الذهبى (٦٥/١، ١٢٨، ١٣٥، ٢٢٧، ٣٢٣، ٥٤٣). (٣) إلى هنا انتهى كلام الذهبي في ميزان الاعتدال (٤٦/٢)، وقد نقله ابن حجر في لسان الميزان (٤٥٦/٢) كاملاً . ولكني اختصرته . (٤) يقصد أن الذهبي في ((الميزان)) نقل قول الحافظين ابن حبان والحاكم في أن رجاء بن عطاء يروي الموضوعات . - ٢٧ - المبحث الثالث برواية الموضوعات ) (١). وقال في ترجمة العلاء بن إسماعيل العطار من ((لسان الميزان)) : ( أخرج له الحاكم في المستدرك ، وسكت عنه الذهبي في تلخيصه ) (٢)، ثم نقل أقوال من ضعفه. واستعمل ابن حجر في ثلاثة مواضع من (( لسان الميزان )) مقولة : ( ولم يتعقبه الذهبي في تلخيصه ) (٣). واستعمل في موضع واحد من (( لسان الميزان )) مقولة : ( أخرجه الحاكم في المستدرك. وقال : صحيح ، ووافقه المصنف في تلخيصه ) (٤). وأما أقدم من قعّد لذلك ، وجعل عدم تعقب الذهبي على تصحيح الحاكم يعد إقراراً ؛ فهو الإمام السيوطي ( ت ٩١١ هـ )، فقد قال : ( وقد اعتنى الحافظ الذهبي بالمستدرك ؛ فاختصره معلقاً أسانيده ، وأقره على مالا كلام فيه ، وتعقب ما فيه الكلام ) (٥) . وهذا الكلام يفهم منه أن السيوطي يقعّد لقاعدة عامة عن منهج الذهبي في تلخيص المستدرك ، فحيث لم يتعقب الحاكم ، فذلك لأن الحديث لا كلام فيه ، وحيث يتعقبه ؛ فلأن الحديث فيه كلام ، وقد طبق السيوطي ذلك عملياً في نصوص عديدة ، من ذلك - مثلاً - قوله في أحد (١) لسان الميزان (٤٥٦/٢). (٢) لسان الميزان (١٨٢/٤). والحديث صححه الحاكم على شرط الشيخين كما في المستدرك (١/ ٢٢٦) . (٣) لسان الميزان (٤٣٣/٢)، (٣٧/٧، ٥٠). (٤) لسان الميزان (٤/ ٤٥٧) . (٥) النكت البديعات (ص ٢٩) . - ٢٨ - المبحث الثالث الأحاديث التي تكلم عليها : ( وأخرجه الحاكم في المستدرك .. وقال : صحيح وأقره الذهبي ، فلم يتعقبه ) (١). ومن توسع جداً في استعمال مقولة: (( صححه الحاكم ، وأقره الذهبي)) الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) في كتابه (( فيض القدير شرح الجامع الصغير))، فقد استعملها في أكثر من ( ٤٠٠) موضع في كتابه المذكور (٢) . وممن توسع أيضاً في استعمالها ، الشيخ علي بن أحمد بن محمد العزيزي (ت ١٠٧٠ هـ) في كتابه ((السراج المنير بشرح الجامع الصغير»، كما أكد على ذلك التهانوي في قوله : ( وقد رأيت العزيزي في شرحه للجامع الصغير يحتج كثيراً بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح) (٣). ونستطيع أن نقول بناء على ما تقدم : إن مقولة (( صححه الحاكم ، وأقره الذهبي)) التي هي ثمرة القاعدة المذكورة آنفاً ، بدأ استعمالها في عصر قريب من عصر الذهبي ، إذ بدأت مع الزيلعي وهو معاصر للذهبي ، وأحد تلامذته ، ولكن استعماله لها كان قليلاً جداً ، إذ لم أقف له إلا على نص واحد فقط صرّح فيه بلفظة ((أقره )) ، وما عدا ذلك فقد وجدت له نصين يقول فيها: ((ولم يتعقبه )) وهذه اللفظة أدق من غيرها ، ثم إن ابن الملقن وهو معاصر للذهبي أيضاً (٤) ، استعمل هذه المقولة ، ولكن بصورة (١) اللآليء المصنوعة (٢١٥/٢). (٢) على سبيل المثال، انظر فيض القدير (٤٢/١، ٦٨)، (٣١/٢، ٣٣٩)، (٩٢/٣، ١١١)، (٦ /٢٢٠، ٤٤٦) . (٣) قواعد في علوم الحديث (ص ٧١) . (٤) ولد ابن الملقن سنة ٧٢٣هـ أي قبل وفاة الذهبي بخمس وعشرين سنة . - ٢٩ - المبحث الثالث قليلة ، وأكثر صيغة استعملها هي قوله: ((ولم يعقبه بشيء))، ولم أجد في كتابه - في حدود ما اطلعت عليه - (( البدر المنير تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) أثراً لمقولة ((وأقره الذهبي)). ومن الملاحظ أن الحافظ ابن حجر العسقلاني نوّع في تعبيره عن القاعدة السابقة فمرة استعمل لفظة : السكوت ، ومرة الموافقة ، وحيناً التزم الدقة فقال : ( لم يتعقبه ) . ثم جاء بعد ذلك السيوطي فقعّد للمسألة ، وأعطاها صفة العمومية والتأصيل ، ويظهر ذلك بجلاء في النص الذي نقلناه عنه فيما سلف . ثم إن بعض العلماء الذين جاءوا بعد السيوطي توسعوا جداً في تطبيق القاعدة السابقة ، وعلى رأس أولئك العلماء يقف المناوي ، والعزيزي . ثم بعد ذلك كثر المستعملون لهذه المقولة ، واستمر تداولها حتى عصرنا هذا . ومن المهم هنا أن نتساءل : هل يوجد فرق بين عبارة « صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي)"، وعبارة ((صححه الحاكم، وأقره الذهبي))؟ يظهر من سياق كلام الشيخ ظفر بن أحمد العثماني التهانوي ( ت ١٣٩٤ هـ ) أن بينهما فرقاً عنده ، فقد ساق كلاماً للسيوطي في شأن تساهل الحاكم ، ثم قال بعده : ( وقد أغنانا عن ذلك الذهبي ، فما أقره عليه فهو ((صحيح ))، وما سكت عنه، ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصلاح (حسن))) (١) . (١) قواعد في علوم الحديث (ص ٧١) . - ٣٠ - المبحث الثالث وظاهر الكلام أن التهانوي يفرّق بين الإقرار والسكوت ، ويبدو لي - والله أعلم - أنه يقصد أن الذهبي في كثير من الأحيان ينقل تصحيح الحاكم من دون تعقب ، فهذا يعد إقراراً منه بصحة الحديث ، وأحياناً يذكر الحديث ولكنه يحذف عبارة الحاكم في تصحيح الحديث ، ولا يتعقبه بشيء ؛ فهذا يعد سكوتاً من الذهبي ويكون الحديث على هذا في نظر التهانوي حسناً وليس بصحيح ، هذا هو الفرق بين إقرار الذهبي وسكوته عنده فيما ظهر لي ، وهذا رأي الشيخ عبدالفتاح أبو غدة - رحمه الله - كما سمعته منه في محاورة دارت بيننا حول هذه المسألة . وهذا التفريق بين ((إقرار)) الذهبي و(( سكوته )) محل نظر عندي ، ذلك لأني لم أجد في اللغة ولا في اصطلاح العلماء ما يوجبه ، بل في اللغة والاصطلاح ما يدل على أن السكوت يطلق على عدم الكلام (١) ، كما أن الإقرار يطلق على السكوت (٢) أيضاً ، فلا فرق بينهما في هذه المسألة فيما يظهر لي . ومما يؤكد ما ذهبت إليه من أنه لا فرق بين الإقرار والسكوت هنا ، أن الحافظ ابن حجر كما مر معنا قبل قليل قد أطلق عبارة: « وسكت عنه الذهبي))، ونحوها عبارته الأخرى: ((سكوته على تصحيح الحاكم)) على حديثين ذكرهما الذهبي ونقل تصحيح الحاكم عليهما ولم يتعقبه بشيء ، وعلى رأي الشيخ التهانوي ، يكون إطلاق السكوت على هذه الحالة غير دقيق ؛ لأنه يرى أن ما كان على الحالة السابقة ، فهو (( إقرار )) وليس ((سكوت ))، (١) السكوت بمعنى الصمت ، ويدل على عدم الكلام، انظر معجم مقاييس اللغة (٨٩/٢)، وفي التعريفات للجرجاني (ص ١٥٩): (ترك الكلام مع القدرة عليه) . (٢) عرّف علماء الحديث والأصول إقرار رسول الله ويليهو: (أن يسكت النبي عليه الصلاة والسلام عن إنكار قول أو فعل ، قيل أو فُعل بين يديه أو في عصره ، وعلم به) البحر المحيط للزركشي (٢٠١/٤) . - ٣١ - المبحث الثالث بينما تصرف الحافظ ابن حجر يدل على جواز إطلاق (( السكوت)) على ذلك ، ويجوز أيضاً عند ابن حجر إطلاق (( الموافقة )) على ذلك ، كما صنع - رحمه الله - في نص آخر له تقدم آنفاً . والأقرب إلى الدقة في نظري أن يقال: (( بيض له الذهبي)) ، أي ترك بياضاً في محل الحكم على الحديث ، وذلك في المواضع التي لم ينقل فيها الذهبي كلام الحاكم ، ولم يتعقبه فيها بشيء من التعقبات التي ذكرناها فيما سلف، وقد استعمل الذهبي عبارة (( بيّض له ابن أبي حاتم )) في كتابه ((ميزان الاعتدال)) كثيراً (١)، وذلك في رجال لم يذكر ابن أبي حاتم في شأنهم حكمًا في كتابه (( الجرح والتعديل)). وبناء على ما تقدم فإنه - على الرأي الراجح - لا فرق بين مقولة : ((صححه الحاكم وأقره الذهبي)) أو ((ووافقه الذهبي))، أو (( وسكت عليه الذهبي))، فكلها بمعنى واحد ، وإن كان لفظ الإقرار هو الأكثر استعمالاً، كما يظهر من النصوص التي تقدم نقلها عن السيوطي ، والمناوي ، والعزيزي . وقد لا حظت أن عبارة: (( ولم يتعقبه الذهبي)) كانت أكثر في الاستعمال عند الزيلعي، وابن الملقن ، وابن حجر ، وفي رأيي الشخصي أنها أقرب إلى الدقة من غيرها ؛ لأنها تنقل الواقع كما هو من دون معنى زائد يفهم منه إقرار الذهبي أو موافقته . (١) انظر على سبيل المثال ميزان الاعتدال (١٩١/١، ٤٣٢)، (٦٨/٢، ٤٦٤)، (٣٩٣/٣، ٥٣٩)، (١٢٧/٤، ٤٨٣) . - ٣٢ - المبحث الرابع حجة من يرى أن عدم تعقب الذهبي يعد موافقة يحتج من يرى أن عدم تعقب الذهبي على تصحيح الحاكم يعد موافقة وإقراراً بأمرين رئيسين : الأول : أن من المتعارف عليه لدى العلماء أن من نقل كلام عالم ، ولم يعترض عليه ، فإنه يكون بذلك مقراً وموافقاً لما فيه ، وقد استدل شيخنا الدكتور أحمد معبد بهذا الأمر ، وذلك أثناء كلامه عن موافقة الذهبي للحاكم ، فقال : ( وتلك الموافقة مأخوذة من ذكر الذهبي في مختصره قول الحاكم ، وعدم تعقبه له بشيء ، ومن المصطلح عليه : أن من حكى قولاً لغيره ، ولم يتعقبه بشيء، فإنه يعتبر مقراً لهذا القول) (١). ومعنى هذا الاستدلال أن الذهبي لو لم يكن موافقاً للحاكم ؛ لتعقبه ، كما تعقبه في مئات الأحاديث الأخرى . الثاني : أن العلماء الذين ذكروا في المبحث المتقدم فهموا من عدم تعقب الذهبي على الحاكم أنه موافقة وإقرار ، وهذا مما يؤكد صحة القاعدة التي (١) انظر مقدمة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم لكتاب ((تعليقات على ما صححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي)) (ص ٦) . - ٣٣ - المبحث الرابع أثمرت مقولة: (( صححه الحاكم ووافقه الذهبي)) ؛ لأن العلماء عملوا بها . والأمران محل نظر كما سيظهر من المناقشة لهما في المبحث التالي . - ٣٤ - المبحث الخامس القرائن المشككة في صحة مقولة : « صححه الحاكم ووافقه الذهبي )) ومناقشة من يرى صحتها لابد في البدء من التأكيد على حقيقة مهمة ، وهي : أن الذهبي لم يصرح في شيء من مؤلفاته بأن عدم تعقبه على كلام الحاكم في « تلخيص المستدرك)) يعد إقراراً وموافقة ، ولو فعل ذلك ؛ لكان الأمر محسوماً ومقطوعاً به ، وبما أنه لم ينص صراحة فإن معرفة ذلك مبنية على الظن والاحتمال ، وبالتالي فإن تحديد المراد من عدم تعقبه يعتمد على القرائن ، سواءً أكان القائل ممن يرى أن عدم تعقبه يعد موافقة أم ممن يرى عكس ذلك . ومادام الأمر من باب الظنيات التي يعتمد الترجيح فيها على القرائن ، فقد تجمعت لدي ثلاث قرائن تشكك وتقدح في صحة الرأي القائل : إن عدم تعقب الذهبي على الحاكم في تلخيصه يعد موافقة وإقراراً ، وهذه القرائن هي : ( القرينة الأولى ): ذكر الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء))، وهو من أواخر مصنفاته ، وقد ألفه بعد كتابه (( تلخيص المستدرك » بمدة (١)، بأنه اختصر كتاب ((المستدرك))، ومع ذلك فلا يزال يحتاج إلى عمل وتحرير ، وبيّن بإحصاء أن ثلث الكتاب أي ٣٣٪ تقريباً على شرط (١) هذا مما لا شك فيه فقد نص الذهبي في سير أعلام النبلاء على أنه اختصر المستدرك (١٧٦/١٧). - ٣٥ - المبحث الخامس الشيخين ، وأن ربعه أي ٢٥٪ ما بين جيد وحسن وصالح ، والباقي أي ٤٢٪ عجائب و مناكير . وهذا هو نص كلامه: ( في (( المستدرك )) شيء كثير على شرطهما ، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما ، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة. وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه . وباقي الكتاب مناكير وعجائب وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءاً وحديث الطير بالنسبة إليها سماء . وبكل حال فهو كتاب مفيد ، قد اختصرته ويعوزُ عملاً وتحريراً ) (١) . ويستفاد من هذا النص أن الذهبي ذكر أن من أحاديث ((المستدرك)) نحو ٤٢٪ عجائب ومناكير أي ضعيفة ، وهذا مما يؤكد لنا بصورة قاطعة أنه لم يكن مقراً لكل تصحيحات الحاكم التي لم يتعقبها ، إذ أنه بحسب التتبع الدقيق وجدنا ما ضعفه من أحاديث المستدرك في (( تلخيصه )) لا يتجاوز ١٢٪ من مجموع أحاديث الكتاب ، بينما هو في النص السابق يبين أن نسبة الأحاديث الضعيفة أكثر من ذلك ، ومعنى هذا أن (٣٠ ٪) من الأحاديث التي لم يتعقبها الذهبي بضعف في (( تلخيصه )) هي في نظره أحاديث منكرة وضعيفة . (١) سير أعلام النبلاء (١٧٥/١٧ - ١٧٦). - ٣٦ - البحث الخامس وبيان ذلك بما يلي : مجموع أحاديث المستدرك ( ٨٨٠٣ ) كما يظهر من النسخة المطبوعة بعناية الأستاذ : مصطفى عبد القادر عطا. وعدد الأحاديث التي ضعفها الذهبي في ((تلخيص المستدرك)» : (٩٣٧) حديثاً (١) حسب تتبعي للكتاب بأكمله ، وأما حسب إحصاء الدكتور محمود ميره فإن العدد هو ٩٥٦ حديثاً ضعيفاً و ٥٤ حديثاً موضوعاً، فيكون المجموع (١٠١٠ ) (٢) حديثاً. وحتى لا يكون للشك أي مجال هنا ، فإني سأعتمد على الرقم الأعلى ، وعليه فتكون النسبة المئوية للأحاديث التي ضعفها الذهبي في ((تلخيصه)» ( ١١,٤٨٪) بالنسبة لمجموع أحاديث الكتاب ، بينما يفهم من كلام الذهبي في النص السابق أن النسبة المئوية ( ٤٢٪ ). وبناء على ما تقدم فإن ( ٣٠ ٪ ) من أحاديث المستدرك التي لم يتعقبها الذهبي بالضعف في ((تلخيصه)) هي في نظره عجائب و مناكير ، وبمعنى آخر أن نحواً من ثلث الكتاب أحاديث ضعيفة في نظر الذهبي ، (١) ليس هذا الإحصاء لكل تعقبات الذهبي ، بل العدد مقتصر على التعقبات التي صرح فيها الذهبي بسبب من أسباب الضعف الحديثي ، وأما التعقبات التي يقول فيها الذهبي مثلاً على شرط مسلم ، متعقباً قول الحاكم على شرط الشيخين ، أو الأحاديث التي يسكت عليها الحاكم ويصححها الذهبي ، أو ما يقول فيه مثلاً : فلان ليس على شرط الشيخين ولا يتعرض للحديث بضعف ، كل هذه التعقبات لم أدخلها في إحصائي ؛ لأنه لا تضعيف فيها . وقد جمع ابن الملقن تعقبات الذهبي المختلفة في كتابه ((مختصر استدراك الحافظ الذهبي )) فبلغت حسب ترقيم المحققين (١١٨٢)، ويشمل هذا الرقم أيضاً تعقبات ابن الملقن واستدراكاته الخاصة به التي زادها على الذهبي ، وهي ليست بالكثيرة . (٢) الحاكم وكتاب المستدرك (أطروحة دكتوراه غير منشورة) (ص ٣٤٧، ٣٤٩) . - ٣٧ - المبحث الخامس ومع ذلك فلم يتعرض لبيان نكارتها وضعفها في ((تلخيصه )). أضف إلى ذلك أن هناك (٢٥ ٪) من أحاديث الكتاب صرح الذهبي بأنها تقصر عن درجة الصحيح فهي تدور بين الحسن والصالح والجيد ، وأجزم أن الذهبي في ((تلخيصه )) لم يبين من ذلك إلا القليل ، فإن عدد الأحاديث التي حكم عليها بالحسن والجودة في (( تلخيصه )) لا تصل أبداً إلى (٢٪ )، فيكون حينئذ ما يزيد على ( ٥٣٪ ) من أحاديث الكتاب أي أكثر من نصفه لم يوافق الذهبي فيها الحاكم ، وذلك باعتبار ٣٠ ٪ من الأحاديث العجائب والمناكير + ٢٣ ٪ من الأحاديث الحسنة والصالحة والجيدة فيصبح المجموع = ( ٥٣٪ ). ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أن الذهبي قد قال في الأحاديث التي حكم عليها أبو عبد الله الحاكم بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما ، وهي ثلث الكتاب : ( في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة ) ، فحتى في هذا القسم أحاديث معلولة كثيرة ، كما صرح الذهبي بنفسه . فهذه الإحصاءات المأخوذة من كلام الذهبي نفسه ، قرينة كافية في نظري للتشكيك في صحة الأساس الذي بُنيت عليه مقولة: ((صححه الحاكم ووافقه الذهبي)) ، إذ من غير السائغ في نظري أن تُقال هذه المقولة في حديث من المحتمل جداً أن يكون ضمن ( ٣٠٪ ) من الأحاديث التي حكم عليها بأنها عجائب ومناكير ، أو ربما كان من ضمن ( ٢٣ ٪ ) من الأحاديث التي حكم عليها بأنها تقصر عن درجة الحديث الصحيح فهي إما من قبيل الحسن والصالح والجيد . - ٣٨ -