النص المفهرس

صفحات 361-380

ومقتضى هذا على القول الثاني، وهو مخالف لمقتضى الحديث
الصحيح، فإن مقتضاه أن يكون سنة خمس عشرة، لكنه موافق
للأول، أو يكون ابن عمر طعن في الرابعة عشر يوم أَحُد وفي
السادسة عشر يوم الخندق، فعبر عنهما بما ذكر.
فائدة: رد النبي وَل# يوم أُحُد مع ابن عمر زيد بن ثابت، أسماء من رد
وأسامة بن زيد، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس
يوم أحد
وزيد بن أرقم ، وأبا سعيد الخدري. وأجازهم يوم الخندق. وقيل:
إن بعض هؤلاء إنما رده يوم بدر. وأجازه يوم أَحُد، لأجل البلوغ
وعدمه، ذكره كله ابن عبد البر في ((سيرته))(١) ومن رد يوم أُحُد
[عقيب](٢) بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وزيد بن حارثة
الأنصاري، وسعد بن خيثمة. وفي هذا نظر، لأنه تغيب فكيف يرد.
وسعد بن حبته جد أبي يوسف القاضي وهو بحاء مهملة مفتوحة، ثم
موحدة ثم مثناة فوق.
الوجه الثالث: معنى ((لم يجزني وأجازني))، أي: جعلني يوم معنى (لم يجزفي
الخندق رجلاً في حكم المقاتلين، بخلاف يوم أُحُد بدليل رواية
وأجازني»
مسلم: عرضني يوم أُحُد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة.
الحديث. وفي لفظ: ((فاستصغرني)).
الوجه الرابع: في فقهه، هو دال على أن البلوغ بالسن يحدد نحلبد
البلوغ بخمس
عشرة سنة
(١) الدرر في اختصار المغازي والسير (١٤٧).
(٢) في الإصابة (٢٥٥/٤). ذكره بالتكبير والذي رد ابنه سعد كما ذكره أيضاً
في أسد الغابة (٤٢٢/٣).
٣٦١

بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب،
[٢٨٧/ ١/أ] وأحمد وغيرهم. قالوا باستكمال خمس عشرة / سنة ليصير مكلفاً،
وإن لم يحتلم فيجري عليه جميع الأحكام من وجوب العبادات
وغيرها، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة، ويقتل إن كان من أهل
الجرب .
وفي المسألة قول ثان: أنه يحدد بسبع عشرة.
علامة البلوغ عند
أبي حنيفة
وثالث: بثمان عشرة، وهذه الأقوال الثلاثة عند المالكية،
والمشهور عندهم ثالثها. وفرق أبو حنيفة: بين الغلام والجارية،
فقال ثمان عشرة في الغلام وسبع عشرة في الجارية. واعتذر عن هذا
الحديث بأن الإِجازة في القتال حكمه منوطة بالإِطاقة والقدرة عليه،
فأجازه عليه الصلاة والسلام لابن عمر في الخمس عشرة، لأنه رآه
مطيقاً للقتال، ولم يكن مطبقاً له قبلها، لا لأنه أراد الحكم عن البلوغ
وعدمه، ويرد هذا رواية ابن حبان: ((فلم يجزني ولم يرني بلغت)».
[٢٣٣/هـ/ب] وقال في الثاني: ((فأجازني ورآني بلغت))، وكان / عمر بن
عبد العزيز رحمه الله لما بلغه هذا الحديث، جعله حدّاً بين الصغر
والكبر، وكتب إلى عماله: أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة
سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال، وعمل به الصحابة
والتابعون.
الوجه الرابع: هو دال أيضاً، على أن الخندق كانت سنة أربع،
وهو الصحيح وجماعة من أهل السير والتواريخ قالوا إنها كانت سنة
خمس، وهذا الحديث يرده لأنهم أجمعوا على أن أُحُد كانت سنة
٣٦٢

ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع، لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها
بسنة .
الوجه الخامس: هو دال أيضاً على أنه ينبغي للإِمام استعراض
الجيش قبل الحرب، فمن وجده أهلاً أجازه، ومن وجده غير أهل
رده، كما فعل عليه الصلاة والسلام.
٣٦٣

الحديث السادس عشر
٨٠/١٦/٤٣٠ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ ((أن
النبي ◌َّ قسم في النفل، للفرس سهمين، وللرجل سهماً)) (١)
الكلام علیه من وجوه :
وقت هذا التنفيل
أحدها: هذا کان يوم خيبر، کما ذكره البخاري في صحيحه،
وله في لفظ آخر (للفرس سهمين ولصاحبه سهماً))، ولم يقل في
النفل قال: وفسره نافع، قال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة.
أسهم، فإن لم یکن له فرس فله سهم.
ثانيها: ((النفل)) بفتح النون والفاء يطلق، ويراد به أمور ثلاثة،
قدمتها في آخر الحديث التاسع من الباب، والمراد هنا الغنيمة،
وعليه محل قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية.
(١) البخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢)، والترمذي (١٥٥٤)، وأبو داود
(٢٧٣٣)، وابن ماجه (٢٨٥٤)، والدارمي في (٢٢٥/٢، ٢٢٦)، وابن.
الجارود (١٠٨٥)، والبيهقي في السنن (٣٢٤/٦، ٣٢٥)، وفي الدلائل.
(٢٣٨/٤)، وسعيد بن منصور (٢٧٧/٢، ٢٧٨)، وعبد الرزاق:
(١٨٥/٥)، وابن أبي شيبة (٦٦١/٧)، وأحمد (٨٠/٢، ١٥٢).
٣٦٤

وحديث ابن عمر السالف في سرية نجد، المراد به فيها ما
ينفله الإِمام السرية زائداً على سهمه.
ثالثها: معنى ((قسم للفرس سهمين وللرجل سهماً))، أنه أسهم
للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان / لفرسه، بدليل [١/٢٨٧/ب]
الرواية التي أسلفناها عن البخاري.
رابعها: قوله: ((للفرس سهمين وللرجل سهماً) كذا هو في
أكثر الروايات، وفي بعضها: ((وللراجل سهماً)) بالألف، وفي
بعضها: «للفارس سهمین)) .
خامسها: اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الخلاف في
الغنيمة، فقال الجمهور(١): يكون للرجل سهم واحد وللفارس ثلاثة
تقسيم الأسهم
على الفارس
والراجل
أسهم: سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه، ومن قال هذا ابن
عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك
والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد
وإسحاق، وأبو عبيد وابن جرير وآخرون.
وقال أبو حنيفة(٢): للفارس سهمان فقط: سهم لها وسهم له.
وحكي عنه أنه قال: لا أفضل بهيمة على مسلم. ولم يقل بقوله هذا
أحد إلاَّ ما روي عن علي وابن موسى.
وقوله: ((لا أفضل بهيمة على مسلم)).
(١) الاستذكار (١٧٠/١٤ _ ١٧٢).
(٢) الاستذكار (١٧١/١٤).
٣٦٥

جوابه: أن يقال له فلا تساو بينهما. وقد قيل إن السهم مستحق
بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة
الفارس، وتأثيره في القتال أكثر.
وحجة الجمهور: هذا الحديث على رواية الكتاب وهي رواية
الأكثرين كما قدمنا ذلك عنهم ومن روى ((للرجل)) [فروايته](١)
محتملة ويتعين حملها على موافقة الأولى جمعاً بين الروايتين.
وقال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث [معرض] (٢) للتأويل من
و جھین :
أحدهما: أن يحمل النفل على المعنى الذي ذكرناه، أي: وهو
الغنيمة .
والثاني: أن تكون اللام في قوله: ((للفرس سهمين)) [اللام](٣)
التي للتعليل لا التي للملك، أو للاختصاص، أو أعطى الرجل
سهمين لأجل فرسه، أي: لأجل كونه ذا فرس، وللرجل سهم
مطلقاً.
وقد أجيب عن هذا ببيان المراد في رواية أخرى صريحة، وهي
رواية أبي معاوية، أي: وابن نمير وأبي أسامة عن عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَ ير ((أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة
أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه)».
(١) في الأصل (فرواية)، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في إحكام الأحكام (متعرض).
(٣) زيادة من إحكام الأحكام.
٣٦٦

قلت: ومثله من رواية ابن عباس(١) وأبي عمرة(٢) الأنصاري.
فقوله: ((أسهم)) استدل به على أنه ليس خارج عن السهمان.
وقوله: ((ثلاثة أسهم)» صريح في العدد المخصوص وهذه
الرواية صحيحة الإِسناد، إلاّ أنه اختلف فيه على عبيد الله بن عمر،
ففي رواية بعضهم(٣) عنه كرواية المصنف، وقيل: إنه وهم فيه،
[أي](٤): هذا الراوي ولحديث(٥) أبي معاوية / وما في معناه عاضد [٢٣٤/ هـ/أ]
من غيره، ومعارض له لا يساويه [في] (٦) الإسناد، أما العاضد فرواية
المسعودي: حدثني أبو عمرة عن أبيه، قال: / أتينا رسول الله وَ﴾ [١/١/٢٨٨]
[(٧)] أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهماً، وأعطى
الفارس سهمين، لكن المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود فيه مقال، وقد استشهد به البخاري(٨)، وعن رجل
من آل أبي عمرة، عن [أبي عمرة](٩) بمعناه إلاّ أنه قال: ((ثلاثة
نفر، زاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم))، وأبو عمرة صحابي،
(١) ذكره في نصب الراية (٤١٤/٣)، وعزاه لمسند إسحاق بن راهويه.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٣٤)، في كتاب: الجهاد، باب: في سهمان الخيل.
(٣) في إحكام الأحكام (للفرس سهمين، وللرجل سهماً)).
(٤)
في ن هـ ساقطة.
(٥) في إحكام الأحكام (وهذا الحديث - أعني رواية أبي معاوية -).
(٦) زيادة من ن هـ، وإحكام الأحكام.
(٧) في ن هـ زيادة (ونحن)، ولا توجد في سنن أبي داود.
(٨) البخاري (١٠٢٧)، وتغليق التعليق (٣٩١/٢).
(٩) في الأصل (ابن عمر)، وما أثبت من ن هـ، وسنن أبي داود. مختصر
السنن للمنذري مع المعالم (٤/ ٥٢).
٣٦٧

واختلف في اسمه، فقيل: بشير وقيل: ثعلبة بن عمرو، وقيل:
عمرو بن محصن، وقيل غير ذلك.
وأما المعارض: فمنه ما روى عبد الله بن عمر وهو أخو
عبيد الله المتقدم عن نافع، عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام
...
((قسم يوم خيبر للفارس سهمان، وللرجل سهماً)). قال الشافعي(١):
وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه
في الحفظ، وهما أبناء عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب.
وقال في القديم: [إنه](٢) سمع نافعاً يقول: «للفرس سهمين
وللرجل سهماً))، فقال: ((للفارس سهمين وللرجل سهماً))، وقد
عضد روایة عبيد الله ما رواه أبو داود من حديث مجمع بن يعقوب بن
مجمع، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، - وكان أحد القراء
الذين قرؤوا القرآن -، قال: شهدت الحديبية مع رسول الله وَلاو،
إلى أن قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله وَلقوله
على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، منهم ثلاثمائة
فارس، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً))(٣). قال أبو داود:
(١) معرفة السنن والآثار (٢٤٧/٩).
(٢) في معرفة السنن (٢٤٧/٩) (كأنه)، وما أثبت يوافق إحكام الأحكام.
(٣) أبو داود (٢٧٣٦)، وأحمد (٤٢٠/٣)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤٠٠،
٤٠١)، والدارقطني (١٠٥/٤، ١٠٦)، والطبراني في المعجم الكبير
(٤٤٥/١٩)، والبيهقي في السنن (٣٥٢/٦)، والحاكم (١٣١/٢)،
وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي ..
٣٦٨

وحديث أبي معاوية. أصح والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث
مُجَمِّع ومن قال ((ثلاثمائة فارس)) وكانوا مائتي فارس. قال
الشافعي(١): مجمع ابن يعقوب شيخ لايعرف، قال: فأخذنا في ذلك
بحديث عبيد الله ولم نر له خبراً مثله يعارضه. ولا يجوز رد خبر إلاّ
بخبر مثله. قال البيهقي(٢): والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في
عدد الجيش، وعدد الفرسان، قد خولف فيه، ففي رواية جابر،
وأهل المغازي، أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وهم أهل الحديبية. وفي
رواية ابن عباس، وصالح بن كيسان، ويُشر بن يسار، [وأهل
المغازي](٣) أن الخيل كانت مائتي فارس فكان للفارس سهمان،
ولصاحبه سهم. ولکل راجل سهم.
فرع: لو حضر بأفراس لم يسهم إلاّ لفرس واحد عند
الجمهور، ومنهم الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن
الحسن.
(١) معرفة السنن (٢٤٨/٩)، والسنن الكبرى (٣٢٥/٦)، وقال ابن التركماني
معلقاً عليه: ((قلت هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك. وقال
حديث كبير صحيح الإسناد، ومجمع بن يعقوب معروف، قال صاحب
الكمال: روى عنه القعنبي ويحيى الوحاضي، وإسماعيل بن
أبي أويس، ويونس المؤدب، وأبو عامر العقدي وغيرهم، وقال ابن
سعد: توفي بالمدينة وكان ثقة، وقال أبو حاتم وابن معين ليس به بأس
وروى له أبو داوود والنسائي. اهـ. ومعلوم أن ابن معين إذا قال: ليس به
بأس فھو توثیق)». اهـ.
(٢) في معرفة السنن (٢٤٨/٩).
(٣) زيادة من المرجع السابق.
٣٦٩

وقال الأوزاعي والثوري والليث، وأبو يوسف: يسهم
لفرسين، وروى مثله أيضاً عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري
وابن وهب وغيره من المالكيين، قالوا ولم يقل أحد أنه يسهم لأكثر
من فرسين [إلَّ حديثاً](١)، روى عن سليمان بن موسى أنه يسهم(٢) ..
(١) في هـ (إلاَّ شيئاً).
(٢) الاستذكار (١٤/ ١٧٢، ١٧٣).
٣٧٠

الحديث السابع عشر /
[٢٨٨/ أ/ ب]
٨٠/١٧/٤٣١٠ - ((وعنه أيضاً أن رسول الله له كان ينفل
بعض من يبعث في السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة
الجيش»(١).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: هذا اللفظ للبخاري ولفظ مسلم زيادة ((قد)» قبل ((كان)»
وزاد في آخره «والخمس في ذلك واجب كله)).
ثانيها: هذا هو التنفيل بالمعنى الآخر الذي أسلفناه في معنى المراد بالتفيل
النفل، وهو أن يعطي الإِمام السرية أو لبعض أهل الجيش خارجاً عن
السهمان. والحديث مصرح بأنه خارج عن قسم عامة الجيش إلاّ أنه
ليس معيناً لكونه من رأس الغنيمة أو من الخمس، فإن اللفظ يحمل
لهما جميعاً، وقد بينا اختلاف الناس في ذلك في الحديث التاسع من
هذا الباب، وروى مالك(٢) عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن
(١) البخاري (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠)، وأبو داود (٢٧٤٦)، والبغوي في
شرح السنَّة (٢٧٢٧).
(٢) الموطأ (٤٥٦).
٣٧١

المسيب يقول: ((كان الناس يعطون النفل من الخمس))، وروى ابن
إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: (([بعث](١) رسول الله ولو سرية
إلى نجد، فخرجت فيها فأصبنا نعماً فأصاب كل رجل منا اثني عشر
بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله بالذي أعطانا ولا عاب
عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله))(٢) وهذا
[يدل](٣) على أن النفل من رأس الغنيمة. وروى زياد بن جارية عن
حبيب بن مسلمة قال: ((شهدت النبي # نفل الربع في البداءة،
والثلث في الرجعة))(٤) .. وهذا أيضاً يدل على أن التنفيل من أصل:
الغنيمة ظاهراً مع احتماله، وروى في حديث حبيب هذا أنه عليه
الصلاة والسلام ((كان ينفل بعد إخراج الخمس)»(٥)، أي ينفله من
أربعة أخماس ما يأتون به إذا بعثهم إلى موضع في البدأة أو الرجعة،.
وهذا ظاهر، وترجم أبو داود عليه (٦)، باب: فيمن قال الخمس قبل
النفل وأبدى بعضهم فيه احتمالاً آخر، وهو أن يكون قوله: ((بعد
الخمس))، أي بعد أن يفرد الخمس، فعلى هذا بقي محتملاً لأن ينفّل
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) أبو داود (٢٧٤٣)، التمهيد (٣٥/١٤، ٣٦)، وقد أطال ابن عبد البر
- رحمنا الله وإياه ـ في التمهيد في رد هذه الرواية. انظر الاستذكار
(١٤ / ٩٨، ٩٩).
(٣) زيادة من هـ.
(٤) أبو داود (٢٧٥٠)، وابن ماجه (٢٨٥٣).
(٥) أبو داود (٢٧٤٨، ٢٧٤٩).
(٦) السنن (١٨٣/٣).
٣٧٢

ذلك من الخمس، أو من غيره، فحمله على أن ينفل من الخمس
احتمالاً وحديث ابن إسحاق صريح أو كالصريح.
ثالثها: للحديث تعلق بمسائل الإِخلاص في الأعمال، وما
يضر من المقاصد الداخلة فيها، وما لا يضر وهو موضع دقيق المأخذ
ووجه تعلقه به أن التنفيل للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة
والمجاهدة، وفي ذلك مداخلة لقصد الجهاد لله تعالى، إلاّ أن ذلك
لم يضرهم قطعاً، لفعل رسول الله وَ و ذلك لهم، ففي ذلك دلالة
لا شك فيها على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد
لا يقدح في الإِخلاص، وإنما / الإشكال في ضبط قانونها، [١/١/٢٨٩]
[وتمييزها من](١) يضر مداخلته فيه من المقاصد، وتقتضي الشركة فيه
المنافاة للإِخلاص، وما لا تقتضيه، ويكون تبعاً لا أثر له، ويتفرع
[عليه] (٢) غير ما مسألة نبه عليه (٣) الشيخ تقي الدين.
رابعها: الحديث دال أيضاً على أن لنظر الإِمام مدخلاً في
المصالح المتعلقة بالمال أصلاً وتقديراً على حسب المصلحة على ما
[اقتضى](٤) حبيب بن مسلمة في الربع والثلث، فإن ((الرجعة)) لما
كانت أشق على الراجعين، وأشد لخوفهم، لأن العدو قد كان نَذر
بهم [لقربهم](٥) فهو على يقظة من أمرهم، اقتضى زيادة التنفيل،
(١) في إحكام الأحكام (وتمييزها).
(٢) في المرجع السابق (عنه).
(٣) في المرجع السابق (٤/ ٥٣٨).
(٤) في المرجع السابق (ما اقتضاه حديث).
(٥) زيادة من المرجع السابق.
٣٧٣

(والبدأة)) لما لم يكن فيه هذا المعنى: اقتضى [نفعهم](١) ونظر الإمام
متقيد بالمصلحة لا على أن يكون بحسب التشهي، وحيث يقال إن
النظر للإِمام(٢) فهذا هو المراد.
خامسها: الحديث دال أيضاً كما تقدم على أنه يجوز للإِمام أن
ينفل بعض من ينصب من السرايا أي يعطيهم زيادة على ما يحصل.
حد النفل لهم من قسم عامة الجيش، واختلف العلماء في حد النفل على
قولین:
أحدهما: أنه لا حد له وإنما هو لاجتهاد الإِمام وهذا قول
الشافعي(٣).
. والثاني: أنه لا يتجاوز به الثلث، لحديث حبيب السالف، وهو
قول مكحول والأوزاعي (٤).
ثم اعلم أن الأنفال لله ورسوله، فإنه عليه الصلاة والسلام سئل
عن شيء منها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ (٥)، ثم أنزل الله تعالى حكم الغنائم فقال: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُم ... ﴾(٦) الآية.
(١) في المرجع السابق (نقصه).
(٢) في المرجع السابق زيادة.
(٣) الأم للشافعي (١٤٥/٤).
(٤) الاستذكار (١٠٧/١٤).
(٥) سورة الأنفال: آية ١ .
(٦) سورة الأنفال: آية ٤١ .
٣٧٤

واختلف العلماء في آية الأنفال(١) على قولين.
الأقوال في آية
الأنفال
أحدهما: أنها منسوخة بآية الغنائم، وأنها كانت للنبي وَل
خاصة كلها، ثم جعل أربعة أخماسها للغانمين، كالآية الأخرى،
وهذا قول ابن عباس وجماعة .
والثاني: أنها محكمة، وأن النفل من الخمس وقيل محكمة،
وأن للإِمام أن ينفل ما شاء لمن يشاء بحسب ما يراه. وقيل محكمة
مخصوصة، والمراد أنفال السرايا، ولعل هذا الحديث يدل عليه.
(١) انظر: الاستذكار (١٠٣/١٤ - ١٥١)، والناسخ والمنسوخ (٣٦٦/٢)،
لابن النحاس نواسخ القرآن لابن الجوزي (١٤٨).
٣٧٥

الحديث الثامن عشر
٨٠/١٨/٤٣٢ - عن أبي موسى عبد الله بن قيس رضي الله
عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا))(١).
الكلام علی هذا الحدیث من وجوه :
أحدها: في التعريف براويه أبو موسى الأشعري، وقد سلف
في السواك.
أسماء من روى :
عنه هذا الحديث
:
ثانيها: هذا الحديث اتفق الشيخان أيضاً على إخراجه من
حديث ابن عمر (٢) رضي الله عنه، وانفرد مسلم بإخراجه من
[١/٢٨٩/ ب] حديث / أبي هريرة(٣) رضي الله عنه، وسلمة بن
(١) البخاري (٧٠٧١)، ومسلم (١٦٣)، وابن ماجه (٢٥٧٧)، والترمذي
(١٤٥٩)، والسنن الكبرى (٢٠/٨).
(٢). رواية ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجها البخاري: (٦٨٧٤)، ومسلم
(١٦١)، وابن ماجه (٢٥٧٦)، والنسائي في الكبرى (٣٥٦٣)،
=
والنسائي (١١٧/٧، ١١٨)، وأحمد (٣/٢، ١٦، ٥٣، ١٤٢، ١٥٠)،
وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٦٨١)، والسنن الواردة في الفتن للداني
(٨٦، ٨٧، ٨٨)، والطيالسي (١٨٢٨)، والبيهقي (٢٠/٨).
(٣) مسلم (١٦٤)، وابن ماجه (٢٥٧٥)، وأصول السنَّة لابن أبي زفين
(١٧٨) ..
٣٧٦

الأكوع(١)، ولفظه في هذا ((السيف)) بدل ((السلاح)).
ثالثها: كأن المراد بالحديث - والله تعالى أعلم - حمل على المراد من
الحديث
المسلمين السلاح لقتالهم، لأن فيه تخويفاً لهم وإدخالاً للرعب
عليهم، فأما من حمله لإِرعاب المفسدين والمخالفين بإذن الإِمام / [٢٣٥/هـ/أ]
فهو حمل لهم لا عليهم، فإن لم يقصد به القتال بل قصد أمراً شرعيّاً
كإظهار قوة الإِسلام لإرهاب العدو وإعلامهم بقوتهم واهتمامهم
بقتالهم، فهذا مندوب لا شك فيه، وإن قصد اللعب والخيلاء
فمحذور، وقد يعبر عن مقصود الحمل وهو القتل، فإنه ملازم له
غالباً.
رابعها: معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((فليس منا))، أي: معنى قوله:
ليس على مثلنا، أو ليس على طريقتنا، ولا مهتدياً بهدينا، لا أن ذلك
«فليس مناء
يخرجه عن الإِسلام، اللهم إلاَّ أن يستحل ذلك، فيكفر باستحلال
المحرم، لا يحمل السلاح، وكذلك كلما جاء من هذا المعنى، فهذا
تأويله مثل [(٢)]: ((من غشنا فليس منا))(٣)، وقوله: ((ليس منا من لطم
(١) مسلم (٩٩)، وأحمد (٤٥/٤، ٤٦)، والبغوي (٢٥٦٥)، والطبراني
(٦٢٤٢، ٦٢٤٩، ٦٢٥١).
(٢) في الأصل زيادة (من)، ولا محل لها هنا.
(٣) مسلم (١٠٢)، وابن ماجه (٢٢٢٤)، والترمذي (١٣١٥)، والإِيمان لابن
منده (٥٥٠، ٥٥٢)، والبغوي (٢١٢٠، ٢١٢١)، والبيهقي (٣٢٠/٥)،
وأبو داود (٣٤٥٢)، وأبو عوانة (٥٧/١).
قوله: ((من غشنا فليس منا)) وفي رواية: ((من غشني فليس مني))، قال
البغوي - رحمة الله علينا وعليه -: لم يرد به نفيه عن دين الإِسلام، إنما =
٣٧٧

الخدود))(١) وغير ذلك في أحاديث كثيرة، وقد نقل عن السلف أنهم
قالوا في مثل هذا الحديث وأشباهه أن الأولى إطلاق لفظه، كما
أطلقه الشارع من غير بيان، ولا تأويل، لأن إطلاقه أبلغ في الزجر،
وأوقع في النفوس من التأويل ..
خامسها: الحديث دال على تحريم قتال المسلمين وتغليظ
الأمر فيه، وعلى حمل السلاح لغير مصلحة شرعية، وقد نهى الشارع
عن تعاطي السيف مسلولاً، وأمر بالإمساك على النصال(٢) ومنع من
الإشارة بالحديد ونحوه خوف نزع الشيطان من يده إلى أخيه
المسلم(٣). وكل ذلك دليل على احترام المسلم، وتعاطي الأسباب
أراد أنه ترك اتباعي، إذ ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على
سنتي وطريقتي في مناصحة الأخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا
منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله سبحانه وتعالى إخباراً عن
إبراهيم عليه السلام ((فمن تبعني فإنه مني)) والغش نقيض النصح، مأخوذ
من الغشش، وهو المشرب الكدر. اهـ. محل المقصود منه.
(١) البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣)، وابن ماجه (١٥٨٤)، والترمذي
.(٩٩٩)، والنسائي (٢٠/٤)، والبيهقي (٦٣/٤، ٦٤)، والبغوي
(١٥٣٣)، وابن الجارود (٥١٦)، وأحمد (٣٨٦/١، ٤٣٢، ٤٤٢،
:
٤٥٦ ، ٤٦٥).
(٢) ولفظ النهي من حديث جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَل أن
يتعاطى السیفُ مسلولاً، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.
(٣) ولفظ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله مض ل﴾ قال:
((لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزعُ في
يده، فيقع في حفرة من النار)) متفق عليه.
٣٧٨

الحاملة على أذاه لكرامته عنده وتعريف [مقامه](١).
وفي رواية لمسلم قال: قال أبو القاسم ◌َله: ((من أشار إلى أخيه بحديدة،
=
فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)).
قوله ◌َّشير: ((ينزع))، قال النووي - رحمنا الله وإياه - في رياض الصالحين
(٦٠٣)، ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي، وبالغين المعجمة مع فتحها
ومعناهما متقارب، ومعناه بالمهملة يرمى، وبالمعجمة أيضاً يرمى
ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد. اهـ.
(١) في الأصل (معانيه)، وما أثبت من ن هـ.
٣٧٩

الحديث التاسع عشر
٨٠/١٩/٤٣٣ - عن أبي موسى رضي الله عنه [أن
رسول الله صَلّ سئل](١) عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية
ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ◌َيُقال: ((من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله [عزَّ وجلّ](٢))) (٣).
الكلام علیه من وجوه:
أحدها: هذا السائل ورد في الصحيح أنه من الأعراب، ولم
أقف على اسمه، فلیبحث عنه.
ثانيها: ((الشجاعة)) ضد الجبن، وهي شدة القلب عند البأس،
١٠
معنـى
(الشجاعة»
(١) في ن هـ (قال سئل رسول الله (وَل(*)، وأيضاً في إحكام الأحكام ومتن
. العمدة .
(٢) في ن هـ ساقطة، إحكام الأحكام ومتن العمدة.
(٣) البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤)، والترمذي (١٦٤٦)، وأبو داود
(٢٥١٧، ٢٥١٨)، والنسائي (٢٣/٦)، وابن ماجه (٢٧٨٣)، والسنن
:
الكبرى (١٦٧/٩، ١٦٨)، وأحمد (٣٩٢/٤، ٣٩٧، ٤٠٢، ٤٠٥،
٤١٧)، وسعيد بن منصور (٢٧/٢)، والبغوي (٥١٤/٥)، وعبد الرزاق
(٢٦٨/٥).
٣٨٠