النص المفهرس

صفحات 321-340

ولا يحضرني اسم هذا الرجل المقتول بعد البحث عنه.
و ((النفل)» بالفاء العطاء من الغنيمة غير السهم المستحق معنى (الغل))
بالقسمة، فهو الزائد على الواجب، ومنه نافلة الصلاة. والنافلة: ولد
الولد. والأنفال: العطايا [واحد](١) نفل بفتح الفاء وتسكن أيضاً.
ويقال: نفل تنفيلاً، وذكر بعضه أهل اللغة: أن الأنفال الغنائم وأطلقه
الفقهاء على ما يجعله الإِمام لبعض الغزاة لأجل الترغيب وتحصيل
مصلحة أو عوض عنها.
خامسها: في أحكامه :
أحدها: الجلوس عند أصحابه لإِيناسهم بالحديث وتعليم جلوس الحاكم
العلم خصوصاً في الأسفار ووقت الحاجة إلى ذلك، وفي «صحيح أصحابه
والمعلم عند
مسلم)) أن ذلك كان وقت التضحي فإنه قال: ((بينا نحن نتضحى معه
إذ جاء رجل» فذكره.
ثانيها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله، قبل الجاسوس
والإِجماع قائم على ذلك، لما فيه من كشفه لعورات المسلمين.
الكافر
واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد والذمي، هل ينقض عهده
ويقتل؟ على قولين:
أحدهما: يصير ناقضاً للعهد بذلك، فإن رأى الإِمام استرقاق
أرقه، ويجوز قتله.
ثانيهما: لا ينتقض عهده بذلك، وبه قال جمهور العلماء، قال
الشافعية: إلاَّ أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
(١) في ن هـ ساقطة.
٣٢١

أما الجاسوس المسلم: فقال الشافعي، والأوزاعي
[وأبو حنيفة](١) وبعض المالكية والجمهور: يعزره الإِمام بما يراه من
ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله.
وقال مالك: يجتهد فيه الإِمام، ولم يفسر الاجتهاد، ونقل
القاضي عياض: عن أكابر [أصحابه](٢) أنه يقتل، قال: واختلفوا في
تركه بالتوبة، وقال [ابن](٣) الماجشون: إن عرف بذلك [قتل] (٤)
وإلاَّ عزر.
ثالثها ورابعها: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يخمس،
وتقدم الكلام فيه في الحديث قبله واضحاً. وقد يحتج به من يراه غير
واجب بالشرع، بل بتنفيل الإِمام، لقوله ((فنفلنيه»، وفيه ضعف ما.
[رابعها](٥): أنه يستحق سلبه وإن كان هارباً، وقد ذكر الفقهاء.
صوراً فيما يستحقه القاتل وترددوا في بعضها، فإن كان اسم السلب
منطلقاً على كل ما معه، فقد يستدل به فيما اختلف فيه من بعض
الصور، بل يستدل به على أنه كل ما على القتيل كيف كان، لأنه لم
يستثن مما عليه شيئاً.
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في الأصل (الصحابة)، وفي ن هـ (أصحابنا)، وما أثبت من إكمال إكمال
المعلم (٦٩/٥).
(٣) زيادة من المرجع السابق.
(٤) في الأصل (جاز)، وفي ن هـ ساقطة، وما أثبت من المرجع السابق.
(٥) في ن هـ (خامسها).
٣٢٢

[خامسها](١): استحباب سؤال الإِمام / عمن فعل فعلاً جميلاً [١/٢٨١/أ)
ليثني عليه ويعطيه ما يستحق عليه.
[ثامنها](٢): استحباب مجانسة الكلام إذا لم يكن فيه تكلف
ولا فوات مصلحة.
[تاسعها](٣): مبادرة الرعية إلى امتثال أمر إمامهم ما لم يكن
معصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
[عاشرها](٤): قال القاضي: فيه جواز تنفيل جميع ما أخذته
السرية، لأن سلبه كان جملة ما غنموه، وما كان مع سلمة غيره من
الذين بعثهم النبي ◌َل﴾، ولا يخلو ما ذكره من نظر.
(١) في ن هـ (سادسها).
(٢) في ن هـ (سابعها).
(٣) في ن هـ (ثامنها).
(٤) في ن هـ (تاسعها).
٣٢٣

الحديث التاسع
٨٠/٩/٤٢٣ - ((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
بعث رسول الله [ر * سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلاً
وغنماً، فبلغت سُهمَانُنَا: اثنى عشر بعيراً، ونفلنا رسول الله وَل بعيراً
[بعيراً)(١)](٢)))(٣).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها: ذكر ((الغنم)) من أفراد مسلم، كما نبه عليه عبد الحق
في (جمعه)).
ثانيها: قوله: ((قبل نجد)) كذا هو في الصحيحين، وفي رواية
لمسلم «إلی نجد)).
(١) في الأصل ساقطةٍ ومثبته في متن عمدة الأحكام، وفي مصدر الحديث
البخاري (٣١٣٤) وغيره.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩)، وأبو داود (٢٧٤١، ٢٧٤٤،
٢٧٤٥)، والموطأ (٩٤٣)، وابن الجارود (١٠٧٤)، والحميدي في
المسند (٦٩٤)، والدارمى (٢٢٨/٢)، وعبد الرزاق (٩٣٣٥، ٩٣٣٦)،
والبيهقي في السنن (٣١٢/٦)، وفي المعرفة (٢٢٩/٩)، وفي دلائل
النبوة (٣٥٦/٤)، وأحمد (١٠/٢، ٥٥، ٨٠، ١٥٦).
٣٢٤

ونجد: ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحده، مما يلي تحديد النجدة
المغرب الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد: كلها من عمل
اليمامة / قال صاحب المطالع. وقال ابن الأثير (١): النجد: ما ارتفع [٢٣٠/هـ/١]
من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز، مما يلي العراق.
ثالثها: ((السرية)): قطعة من الجيش أربعمائة ونحوها ودونها. المراد بالسرية
وفي الحديث ((خير السرايا أربعمائة))، سميت: لأنها تسري في الليل
ويخفى ذهابها، وهي فعيلة بمعنى فاعلة. يقال: أسرى وسرى إذا
ذهب ليلاً.
رابعها: قوله ((فبلغت سهماننا اثنا عشر بعيراً)). قال النووي: ضبط النسي
هو في بعض النسخ يعني نسخ مسلم هكذا، وهو ظاهر، وفي أكثرها عشرة
((اثنى عشر))(٢) وهو صحيح على لغة من يجعل المثنى بالألف مطلقاً،
وهو لغة أربع قبائل من العرب. وقد كثرت في كلامهم. ومنها قوله
تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانٍ﴾(٣).
خامسها: قوله ((ونفلنا)» قد تقدم الكلام على النفل في الحديث
قبله.
سادسها: قوله: [((فكانت](٤) سهماننا اثنى عشر بعيراً))، أي معنى انكانت
سهم كل واحد منهم. وقيل: معناه سهمان جميع الغانمين اثنى عشر، مشربعيرة
مهماننا اثني
وهو غلط، فقد جاء في رواية لأبي داود وغيره أن الاثنى عشر بعيراً
(١) النهاية (١٩/٥).
(٢) وهو هكذا في متن الحديث.
(٣) سورة طه: آية ٦٣ .
(٤) هكذا هنا (فكانت) أما متن الحديث (فبلغت).
٣٢٥

كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، ونفَّل السرية سوى هذا
[٢٨١/ ١/ب] بعيراً بعيراً. وهذا لفظه / («بعثنا رسول الله يخر في جيش قبل نجد،
وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيراً اثنى
عشر بعيراً، ونفّل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سهمانهم ثلاثة
عشر ثلاثة عشر)) . .
سابعها: في أحكامه :
الأول: استحباب بعث السرايا للجهاد.
التقل یکون من
الغنيمة أو من
أربعة أخماسها
الثاني: إثبات النفل، وهو مجمع عليه كما سلف، واختلف في
محله، هل هو من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو من خمس
الخمس (وهي ثلاثة أقوال للشافعي، وبكل منها قال جماعة من
العلماء .
والأصح عندنا: أنه من خمس الخمس](١).
وبه قال سعيد بن المسيب(٢) ومالك وأبو حنيفة وآخرون.
(١). في ن هـ ساقطة .
(٢) انظر الاستذكار (٩٨/١٤، ٩٩).
قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٠٦/١٠٥).
وقول سعيد بن المسيب: كان الناس يعطون النفل من الخمس كما قال.
والذي أراه أن يكون من خمس الخمس سهم النبي ◌َطار.
قال أبو عمر: كان أعدل الأقاويل عندي، والله أعلم، في هذا الباب؛ أن
یکون النفل من خمس الخمس سهم النبي ێ، لولا أن في حديث ابن
عمر هذا ما يدل على أنه لا يكون ذلك من خمس الخمس، وذلك أن تنزل
تلك السرية على أنهم كانوا عشرةً مثالاً .
٣٢٦

ومعلوم أنه إذا عرفت ما للعشرة علمت ما للمئة وللألف، فمثال ذلك: أن
=
تكون السريّة عشرةً أصابوا في غنيمتهم مئة وخمسين بعيراً، خرج منها
خمسها بثلاثين، وصار لهم مئة وعشرين، قسمت على عشرةٍ، وجب لكلِّ
واحدٍ اثنا عشر بعيراً، ثم أعطي القوم من الخمس بعيراً بعيراً.
فهذا صحيح على من جعل النفل من جملة الخمس، لا من خمس
الخمس؛ لأن خمس ثلاثين لا يكون في عشرة أبعرة.
وقد يحتجُّ أن يكون محتمل أن يكون من خُمس الخُمس، بأن يكون هناك
ثياب وخرئي متاع غير الإِيل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من
غير ذلك من العروض)). اهـ.
وقال أيضاً (١٦٤/١٤، ١٦٥)، قال الإِمام مالك رحمنا الله وإياه في
الموطأ (٤٥٦) ذكر فيه مالك، عن أبي الزناد، عن سعيد بن المسيب، أنه
قال: كان الناس يعطون النفل من الخُمس.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت إليَّ في ذلك.
قال أبو عمر: قول مالك رحمه الله: ((وذلك أحسن ما سمعت)»، يدلُّ على
أنه قد سمع غير ذلك.
وقد أوردنا في باب ((جامع النفل في الغزو)) مذاهب العلماء من السلف
والخلف في هذه المسألة، واستوفينا القول فيها في باب السلب من النفل
قبل هذا.
والآثار كلها المرفوعة وغيرها تدل على صحة ما ذهب إليه من قال: إنَّ
النفل لا يكون إلاَّ من الخُمس، لأن الله تعالى قد ملَّك الغانمين أربعة
أخماس الغنيمة بعدما استثناه على لسان رسول الله # من السلب للقاتل،
فقال عزَّ وجلَّ: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ﴾ ،
فأعطى الغانمين الأربعة الأخماس بإضافة الغنيمة إليهم، ولم يخرج منها =
٣٢٧

وممن قال إنه من أصل الغنيمة (١): الحسن البصري والأوزاعي
وأحمد، وأبو ثور وآخرون، والذي يقرب من هذا الحديث أن هذا
التنفيل كان من الخمس، لأنه أضاف الاثنى عشر إلى سهمانهم. فقد
يقال: إنه إشارة إلى ما تقرر لهم استحقاقه، وهو الأخماس الأربعة
الموزعة عليهم، فيبقى النفل من الخمس، واللفظ يحتمل لغير ذلك
احتمالاً قريباً، وإن استبعد بعضهم أن يكون هذا النفل إلاّ من
الخمس من جهة اللفظ، فليس بالواضح الكثير نبه على ذلك الشيخ
تقي الدين (٢). وقد قيل: إنه تبين أن كون هذا النفل من الخمس من
مواضع أخر. أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش،
وهو خلاف ما عليه العلماء كافة قال أصحابنا: ولو نفلهم الإِمام من
أموال بيت المال العتيدة دون الغنيمة جاز.
عنهم إلَّ الخُمس، فدلَّ على تمليكهم، كما قال جل وعز: ﴿وَوَرِئَّهُ أَبَوَاهُ
فَلِأُقِهِ الثُّلُثُ﴾ فدلَّ على أن للأب الثلثين بقوله: ﴿ وَوَرِثَّهُ أَبَوَهُ﴾ ، ثم جعل
للأم الثلث، يدل على أن الثُّثين للأب، كذلك الغنيمة لما أضافها إلى
الغانمين، وجعل الخُمس لغيرهم، وبالله التوفيق.
ويخرج أيضاً من الغنيمة: الأرض؛ لما فعله عمر بن الخطاب في جماعة
الصحابة رضي الله عنهم وفيهم فقهاء، وتأوَّلوا في ذلك أنَّه الفيءُ، وقد
" اختلف في ذلك كُلُّه على حسبٍ ما قَدْ ذكرناه، والحمدُ لله.
قال الله تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ﴾، فما
·" كان للرسول ومن ذكر معه جرى مجرى الفيء، وكان له في قسمته
الاجتهاد على ما وردت في ذلك السنَّة عنه ◌َّـ اهـ.
(١) المرجع السابق (١٠٦/١٤).
(٢) إحكام الأحكام (٤/ ٥٢٢).
٣٢٨

ثم التنفيل يكون لمن فعل جميلاً في الحرب انفرد به.
الثالث: إثبات التنفيل للترغيب [في تحصيل](١) مصالح القتال، تعدد التفيل
ومن أي شيء
ثم الجمهور على أن التنفیل یکون في كل غنيمة، سواء الأولى وغيرها،
وسواء غنيمة الذهب والفضة وغيرهما. وقال الأوزاعي وجماعة من
التابعين: لا ينفل في أول [غنيمة] (٢) ولا ينفل ذهباً ولا فضة (٣)
واستحبه مالك مما يظهر كالعمامة والسيف والقوس.
الرابع: وجوب القسمة في الغنائم، وهو إجماع.
الخامس: استدل به الباجي(٤) على قسمة أعيان الغنيمة لا
أثمانها، وعند المالكية فيها ثلاثة أقوال حكاها صاحب ((الذخيرة)).
ثالثها: التخيير، قالوا: فلعل الحديث إنما دل على التخيير
فأوقع أحد المخبرين لها على قسمة الأعيان ولا بد.
السادس: جاء في رواية لمسلم ((ونفلوا بعيراً بعيراً) فلم يعب
رسول الله وَفقر والجمع(٥) بين هذه ورواية الكتاب أن أمير السرية
نفلهم فأجازه النبي / 4* فيجوز نسبته إلى كل واحد منهما، ونسبته [١/١/٢٨٢]
منه أن أمير الجيش إذا فعل شيئاً من المصالح المتعلقة بالجيش من
(١) في الأصل (في ترغيب)، وما أثبت من ن هـ، وشرح مسلم (٥٦/١٢).
(٢) زيادة من شرح مسلم.
(٣) انظر: الاستذكار (١٤/ ١٦٧).
(٤) المنتقى (١٧٨/٣).
(٥) ذكر هذا الجمع النووي في شرحه لمسلم (٥٥/١٢)، والبيهقي في دلائل
النبوة (٣٥٦/٤).
٣٢٩

نفل وغيره، لا ينقضه الإِمام بل يقره.
السابع: أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة،
فإنها تكون مشتركة بينها وبين الجيش، لأنهم رداً لهم، أما إذا كان
الجيش في البلد فتختص الغنيمة بالسرية، ولا يشارك فيها.
الثامن: قال الشيخ تقي الدين: قد يستدل على أن المنقطع
منها عن جيش الإِمام ينفرد بما يغنمه، من حيث إنه يقتضي أن
السُّهمان كانت لهم. ولا يقتضي أن غيرهم شاركهم فيها. وإنما قالوا
بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريباً [منهم](١)، يلحقهم عونه وغوثه
[إذا](٢) احتاجوا. قلت: حديث أبي داود صريح في التشريك
[٢٣٠/ هـ/ب] بينهم /، وما ذكره آخراً هو مذهب مالك.
التاسع: قال القاضي: اختلف في هذا النفل: هل كان بعد
القسمة أو قبلها؟ وفي ((مسلم)) ما يدل على أنه بعد القسمة من
الخمس أيضاً، ولأن قوله: ((ونفلنا بعيراً بعيراً) لو كان من المغنم لم
يكن له فائدة، لأن ذلك يكون حالهم لو لم ينفلوا، وقسمت بينهم
الأخماس الأربعة.
أوجه النفل
خاتمة: قال ابن عبد البر(٣): النفل على ثلاثة أوجه :.
أحدها: أن يريد الإِمام تفضيل بعض الجيش لقتاله وبلائه،
فينفله من الخمس، واستحبه بعضهم من خمس الخمس المختص به
عليه الصلاة والسلام.
(١) في إحكام الأحكام (٤/ ٥٢٢) (منه).
(٢) في المرجع السابق (إن).
(٣) الاستذكار (١٠١/١٤، ١٠٢)، وقد ساقها المصنف بتصرف.
٣٣٫٠

ثانيها: أن يبعث الإِمام سرية من العسكر فينفلها ما غنمت دون
العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت، ثم يعطى السرية مما بقي بعد
الخمس ما شاء أو لا يزيد على الثلث، لأنه أقصى ما روي في النفل
عنه عليه الصلاة والسلام.
ثالثها: أن يحرض الإِمام أهل العسكر على القتال قبل لقاء
العدو، وينفل ما شاء منهم أو جميعهم مما يفتح الله عليه الربع
أو الثلث. وكره مالك هذا لخبث النية لسببه وأجازه بعض السلف.
٣٣١

الحدیث العاشر
٨٠/١٠/٤٢٤ - عن عبد الله بن عمر عن النبيِ وَل قال:
((إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه
غدرة فلان بن فلان))(١) .
الكلام علیه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث اتفق على إخراجه أيضاً من حديث
أنس(٢) وابن مسعود(٣)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث أبي سعيد
!
(١) البخاري (٣١٨٨)، ومسلم (١٧٣٥)، وأبو داود (٢٧٥٦)، والترمذي
(١٥٨١)، والبغوي (٢٤٧٩، ٢٤٨٠، ٢٤٨٢)، وأحمد (١٦/٢، ٢٩،
٤٨، ٤٩، ٫٥٦ ٧٠، ٧٥، ٩٦، ١١٢، ١١٦، ١٢٦، ١٤٢، ٠١٠٣
١٢٣، ١٥٦)، وابن أبي شيبة (٤٦٠/١٢)، والبيهقي في السنن
(٢٣٠/٩).
(٢) البخاري (٣١٨٧)، ومسلم (١٧٣٧)، والبغوي (٢٤٨١)، وأحمد (٣/
١٤٢٠، ١٥٠، ٢٧٠،٢٥٠)، وأبو يعلى (١١٢/٦، ٢٣١)، والبيهقي في
سننه (١٦٠/٨)، وابن أبي شيبة (١٢ / ٤٦١).
(٣) البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٦)، وابن ماجه (٢٨٧٢)، وأحمد
(٤١١/١، ٤١٧، ٤٤١)، والبيهقي في الشعب (٤٣٥٣، ٥٢٧٠)، =
٣٣٢

الخدري(١)، وفي بعض طرقه «لواء يوم القيامة يعرف به)) /.
[١/٢٨٢/ب]
ثانيها: ((الغدر)) في اللغة ترك الوفاء(٢) يقال: غدرته بغذر معنى (الغدر)
بكسر الدال في المضارع فهو غادر.
و((اللواء)» بالمد جمعه ألوية، قال أهل اللغة(٣): عبارة معنى اللواء»
الجوهري إنها المطارد، وهي دون الأعلام، والسود هو الراية
العظيمة، لا يمسكها إلَّ صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة
الجیش، ویکون [الناس](٤) تبعاً له.
وأصل رفع اللواء: الشهرة والعلامة، ولهذا جاء في رواية في
صحيح مسلم ((يرفع له بقدر غدرته)). وكانت العرب تنصبها في
الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك لتتم فضيحته، قال
القاضي(٥): واللواء يوم القيامة على ثلاثة أوجه: لواء غدر، ولواء أوجه الألوية
يوم القيامة
شعر، ولواء فخر، فالأول لمن نقض العهد للغدر في الجهاد فيجعل
علامة له في ذلك المحل العظيم، فإنه قد اخفى غدره في الدنيا.
والدارمي (٢٤٨/٢)، وأحمد (٤١١/١، ٤١٧)، وابن أبي شيبة
=
(٤٦١/١٢)، والبيهقي في السنن (١٤٢/٩)، والطيالسي (٣٤).
(١) مسلم (١٣٦١)، وابن ماجه (٢٨٧٣)، وأحمد (٤٦/٣)، والبيهقي في
السنن (١٦٠/٨)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤٦٠، ٤٦١)، وأبو يعلى
(٤١٩/٢، ٤٤١).
(٢) مختار الصحاح (١٩٩)، مادة (غ در)، وتاج العروس (٢٩٤/٧).
(٣) مختار الصحاح (٢٥٥)، مادة (ل و ی).
(٤) في ن هـ (الجيش).
(٥) أشار إلى ذلك في إكمال إكمال المعلم (٥١/٥).
٣٣٣

والثاني: لواء امرىء القيس. والثالث: لواء سيدنا رسول الله وَله وهو
لواء الحمد الذي اختص به من دون سائر الرسل والأنبياء.
ثالثها: هذا الحديث ونحوه وارد على نهي الإمام عن الغدر في
عهوده لرعيته أو للكفار أو غيرهم أو غدره للأمانة التي قلدها الله
لرعيته، وأُلزم القيام بها والمحافظة عليها.
رابعها : في فوائده:
الأول: غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره،
لأن غدره يتعدى [ضرره](١) إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى
الغدر، لقدرته على الوفاء، كما صح: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم
القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زان،
وعائل مستكبر))، ولا شك أن الغدر في الحرب والاغتيال فيه وغيره.
ممنوع شرعاً، خصوصاً إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن
الدعوة إلى الإِسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإمام،
ولفظ الحديث عام في الإِمام وغيره، لكن غدر الإِمام أعظم، كما
جاء في ((صحيح مسلم))(٢) من حديث أبي سعيد الخدري ((ولا غادرَ
أعظم غدراً من أمير عامة)).
الثانية: شهرة الناس والتعريف بهم في القيامة بالنسبة إلى
آبائهم، خلاف ما حكى أن الناس يدعون في القيامة بالنسبة إلى
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) (١٧٣٨).
٣٣٤

أمهاتهم(١)، كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢)، وقد يقال هذا الفرد
خاص، ولیس فیه عموم كل الناس.
(١) قال الصنعاني - رحمنا الله وإياه - في حاشية إحكام الأحكام (٤ / ٥٢٤):
قوله: ((بالنسبة إلى أمهاتهم))، أقول: قال القرطبي في تفسيره عند قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أَنَسٍ بِإِمَمِعٍ﴾ عن محمد بن كعب بأمهاتهم.
قال: وإمام جمع أم. قال: قالت الحكماء في ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة:
أحدها : لأجل عيسى.
والثاني: تشريف الحسنين.
والثالث: لئلا يفتضح أولاد الزنا.
وردّه القرطبي بهذا الحديث كما أشار إليه الشارح. وقد أجيب عنه بأن
الذي في الآية هو الدعاء والنداء والذي في هذا الحديث هو الإخبار عن
غدرته. قلت وفي الكشاف: ومن بدع التفسير أن إمام جمع أم، وأن
الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون
الآباء رعاية حق عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسنين وأن لا يفتضح
أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته. انتهى.
قال في الكشف: لأن إماماً جمع أم غير شائع، والمعروف أمهات. وأما
الحكمة فإن رعاية حق عيسى عليه السلام في امتيازه بالدعاء، فإن خلقه
من غير أب كرامة له لا لغض منه ليخبر أن الناس أسوته في انتسابهم إلى
إمهاتهم، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك أتم فإن أباهما خير من
أمهما، مع أن أهل البيت من أهل العباءة كلهم كالحلقة المفرغة، وأما
افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلاَّ للأمهات وهي حاصلة، دعى غيرهم
بالأمهات أو بالأباء، ولا ذنب لهم في ذلك حتى يترتب عليه
الاقتضاح. اهـ.
(٢) إحكام الأحكام (٤/ ٥٢٤).
٣٣٥

الثالثة: اجتناب الأخف خوفاً من الأشد، فإن فضيحة القيامة
أشد من فضيحة الدنيا، نسئل الله الستر.
[ ١/١/٢٨٣]
[٢٣١/ هـ/ أ]
الرابعة: عقوبة الغادر بعكس خيانته كما أسلفناه، ووقع في
(الموطأ))(١) / عن ابن عباس أن عقوبتهم تسليط / العدو عليهم،
ولفظه: ((ما [خنز] (٢) قوم بالعهد إلَّ سلط عليهم [العدو] (٣)))، قال
الباجي(٤): عقوبتهم في الدنيا، قال القاضي(٥): ولسبب عظيم،
الغدر منع قوم من الجهاد مع ولاة الحرب إذا كانوا يغدرون،
وأجازوا إذا كانوا لا يغدرون.
(١) الموطأ (٤٤٩).
(٢) في الأصل (أخف)، وفي ن هـ (أخضر)، وما أثبت من الموطأ.
(٣) في الأصل (عدوهم)، وما أثبت من ن هـ والموطأ.
(٤) المنتقى (١٧٤/٣).
(٥) أشار إلى ذلك في إكمال إكمال المعلم (٥/ ٥٢).
٣٣٦

الحديث الحادي عشر
٨٠/١١/٤٢٥ - (([عنه أيضاً](١) أن امرأة وجدت في بعض
مغازي النبي ◌َّ# مقتولة، فأنكر النبي وَّر قتل النساء والصبيان))(٢).
الكلام عليه من وجوه :
أحدها: هذه المقتولة لم أر من سماها بعد البحث عنه.
ثانيها: النِّساء [جمع](٣) لا واحد له من لفظه، وكذلك النِّسْوَانُ
والنُّسْوَةُ، والصِّبْيان: بكسر الصاد وضمها جمع صبي.
ثالثها: أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتلها تحريم قل
إذا لم يقاتلوا، لأنه ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه
النساء
ما في نفوس الرجال المقاتلين.
والأصل عدم إتلاف النفوس وإنما أبيح من إتلافها ما يقتضيه
دفع المفسدة، والغالب عدم القتال منها، فرفع عنهم القتل لعدم
(١) في إحكام الأحكام (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).
(٢) البخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤)، وأبو داود (٢٦٦٨)، وابن ماجه
(٢٨٤١)، والترمذي (١٥٦٩)، ومالك (٤٤٧/٢)، وأحمد (٢٢/٢،
٢٣، ٧٥، ٧٦، ١٠٠، ١١٥)، والدارمي (٢٢٢/٢، ٢٢٣)، والطبراني
في الكبير (١٣٤١٦/١٢)، والبيهقي (٧٧/٩)، والبغوي (٢٦٩٤).
(٣) زيادة من ن هـ.
٣٣٧

مفسدة المقاتلة حالاً، ورجاء هدايتهم مالاً، فإن قاتلوا. قال جمهور
العلماء: يقتلون.
وعند المالكية: أن المرأة إذا كان لها رأي تقتل. وعندهم
أقوال المالكية
في قتل المرأة
إذا نائلت أربعة أقوال فيما إذا قاتلت.
ثالثها: إِن قَتَلَتْ قُتَلَتْ وإلاَّ فلا.
رابعها: تقتل عند قتالها خاصة.
وفيمن اقتصرت على الرمي بالحجارة: قولان عندهم.
وفي المترهبات منهن: قولان أيضاً لهم.
وعندهم أن المراهق: يقتل إذا قاتل.
وأما الشيوخ: فإن كان فيهم رأي قتلوا، وإلاَّ ففيهم وفي
الرهبان خلاف.
قتل شيوخ
المشركين
والرهبان
والأصح عند الشافعية: قتلهم.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقتلون، وحكاه ابن هبيرة عن
أحمد أيضاً.
لنا حديث الحسن عن سمرة رفعه «اقتلوا شيوخ المشركين
واستحيوا شرخهم))(١)، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن
صحیح غريب .
قال الحسن: ولو خرجوا مع رجالهم إلى بلاد [المسلمين](٢)
يقتلون .
--
(١) أبو داود (٢٦٧٠)، والترمذي (١٨٥٣)، والبيهقي في السنن (١٩/٩)،
وفي معرفة السنن والآثار (١٨٠٩٨/١٣).
(٢). في الأصل (المشركين)، وما أثبت من ن هـ والاستذكار (١٤/ ٦١).
٣٣٨

قال الأوزاعي: كذا إذا كانت حارسة للعدو.
قال القاضي(١): واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم
إلاّ بعد أن يرد القتال أو أسروا: هل يقتلون؟ على قولين(٢).
تنبيه: يجوز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعدٍّ،
كما ثبت في ((الصحيحين)»(٣) من حديث الصَّعب بن جثّامة.
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٥٥/٥).
(٢) القول الأول: لا يقتلون، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة مستدلين بقوله
تعالى: ﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَنَّةُ كَمَا يُقَدِلُونَكُمْ كَاَفَّةٌ﴾،
وهؤلاء ليسوا ممن يقاتلون، وأيضاً جاء في الحديث أن النبي و 98 رأى امرأة
مقتولة في إحدى المغازي فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل))، فنّه في ذلك على
علة القتل، وهي المقاتلة، فلا يقتل إلاَّ من قاتل القول الثاني للشافعي: أنهم
يقتلون، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾، وأيضاً قتل
دريد بن الصمة وهو شيخ كبير فان، وأيضاً بالحديث السابق: ((اقتلوا شيوخ
المشركين ... )) الحديث، وبأن الجزية تؤخذ منهم وهي تحقن الدماء،
فلولا أن دماءهم غير محترمة لم تؤخذ منهم.
(٣) لفظ الحديث (سئل النبي وله عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من
نسائهم وذراريهم، قال: ((هم منهم))، أخرجه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم
(١٧٤٥)، وأبو داود (٢٦٧٢)، والترمذي (١٥٧٠)، وابن ماجه
(٢٨٣٩)، وعبد الرزاق (٩٣٨٥)، وأحمد (٣٧/٤، ٣٨، ٧١، ٧٢،
٧٣)، والحميدي (٧٨١)، وابن الجارود (١٠٤٤)، وأبو عوانة (٩٥/٤،
٩٧،٩٦).
٣٣٩

الحديث الثاني عشر
٨٠/١٢/٤٢٦ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((أن
عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، [شكيا] (١) القمل إلى
[١/٢٨٣/ب] رسول الله / ◌َ* في [غزاة] (٢) لهما فرخص لهما في قميص الحرير،
ورأيته عليهما))(٣).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة .
والتعريف بعبد الرحمن بن عوف: سلف في باب الصداق.
والزبير: حواري رسول الله 8 وابن عمته صفية وأحد العشرة
وأحد أعلام السابقين البدريين. قتل في جمادي الأولى سنة ست
وثلاثين، قتله عمرو بن جرموز وقبره بوادي السباع من ناحية البصرة
التعريف بالزبير
بن العوام
(١). في إحكام الأحكام (شكوا).
(٢) في ن هـ (غزوة).
(٣) البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦)، وأبو داود (١٧٢٢)، وابن ماجه
(٣٥٩٢)، والنسائي (٢٠٢/٨)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣٧)، وأحمد
(١٢٢/٣، ١٩٢، ٢١٥، ٢٥٢)، والبغوي (٣١٠٦)، وابن أبي شيبة
(٩/٦).
٣٤٠