النص المفهرس

صفحات 301-320

((من أجرٍ أو غنيمةٍ، والذي نفس محمد بيده! ما من كلم يكلم في لفظ الحديث
سبيل الله، إلَّ جاء يوم القيامة كهيئة حين كلم، لونه لون دم، وريحه فد سلم
ربح مسك)).
ثم ذكره من وجه عن أبي هريرة بلفظ: ((كل كلم يُكلمهُ
المسلم في سبيل الله، ثم يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجّرُ
دماً. اللون لون دم والعَرف عَرْفُ المسك».
ثانيها: (المكلوم)) المجروح و((الكلم)) بفتح الكاف وإسكان معنى (المكلوم)
اللام الجرح، و «یکلم» بإسکان الکاف، أي: یجرح.
ثالثها: مجيئه يوم القيامة، وهو يدمي لفوائد.
فوائد مجيله
يدمي يوم القيامة
الأولى: ليشهد على ظالمه بالقتل شهادة ظاهرة، والدم في
الفصل شاهد عجيب .
الثانية: ليظهر شرفه لأهل الموقف بانتشار رائحة المسك من
جرحه، الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى.
الثالثة: أن هذا الدم (خصلة) خلقها الله. [تعالى](١) عليه في
الحقيقة أكرمه بها في الدنيا، فناسب أن يأتي بها / يوم القيامة.
[١/٢٧٧/ ١]
رابعها: في فوائده وأحكامه.
فوائد وأحكام
الحديث
الأول: فضل الجراحة في سبيل الله.
الثاني: أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره للحكمة
التي ذكرناها.
(١) زيادة من ن هـ.
٣٠١

الثالث: أن أحكام الآخرة وصفاتها غير أحكام الدنيا وذواتها،
فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في
الدنيا إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له:
والتشريف، ويلزم من [قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللون لون دم))
أن يكون دماً نجساً حقيقة، كما] (١) يلزم من كون رائحته ريح مسك
أن يكون مسكاً حقيقة، بل يجعله الله تعالى شيئاً، يشبه هذا، ويشبه
هذا بأشياء عما فارق الدنيا عليه كما أن إعادة الأجسام مما كانت عليه
في الدنيا، وإن اتصفت بصفات أُخر من البقاء والدوام بعد أن كانت
غير دائمة ولا باقية، ولهذا يكونون في طول واحد وسن واحد جرداً.
مرداً غير مختونين [(٢)] فعلمنا أن الإِعادة حق مما انتقلت عليه، وإن
اكتسبت أوصافاً لم تكن [(٣)]، ليس حكمه حكمها، ولا فضله
فضلها، وكذلك أهل الوضوء يبعثون يوم القيامة غرًّا محجلين من
أثاره إكراماً لهم وشهادة لهم بسبب عملهم في الدنيا ليتميزوا به.
[الرابع](٤): أن الشهيد يبعث على حاله التي جرح عليها من
الدنيا.
[الخامس](٥): ذكروا في الاستنباط من هذا الحديث أشياء
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في الأصل (الرابع)، وما أثبته من ن هـ.
(٣) في ن هـ زيادة (وكذلك دم الشهيد يعاد للحكمة الذي ذكرناها وإن
اكتسبت أوصافاً لم تكن).
(٤) في الأصل (الخامس)، وما أثبت من ن هـ.
(٥) في الأصل (السادس)، وما أثبت من ن هـ إلى آخر الفوائد.
٣٠٢

متكلفة غير [صائرة على] (١) التحقيق، بل هي ضعيفة.
منها: أن المراعى في الماء تغير لونه، دون تغير رائحته، لأنه الأشياء المؤثرة
عليه الصلاة والسلام سمى هذا الخارج من جُرح الشهيد ((دماً)) وإن في تغير الماء
كان ريحه ريح المسك، ولم [يقل](٢) مسكاً، فغلَّب الاسمَ للونه
على رائحته، فكذلك الماء ما لم يتغير (طعمه)(٣) لم يلتفت إلى تغير
رائحته، قال الشيخ تقي الدين: وفي هذا نظر يحتاج إلى تأمل، وهو
كما قال: فإن فيه ذكر وصفين من غير تغليب لأحدهما على الآخر.
قال القاضي عياض: وهذا قولنا فيما تغيرت رائحته بالمجاورة
وما تغير بالمخالطة.
فعند مالك: يقول لا عبرة بالرائحة، وإنما الاعتبار باللون
والطعم، ويحكمون بتغيره بالرائحة بالإِضافة والنجاسة، ومنها ما
ترجم [عليه] (٤) البخاري(٥) فيما يقع من النجاسات في الماء
والسمن، قال القاضي: وقد يحتمل أن حجته فيه الرخصة في الرائحة
كما تقدم، أو التغليظ بعكس الاستدلال الأول، فإن الدم لما انتقل
بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة، ومن حكم القذارة
إلى الطيب بتغيير رائحته، وحكم له حكم المسك والطيب للشهيد،
(١) في الأصل (جائزة في)، وما أثبت من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٢) في إحكام الأحكام (يكن) (٥١٥/٤).
(٣) في المرجع السابق (لونه).
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) الفتح (٣٤٢/١) ح (٢٣٧).
٣٠٣

1
[١/٢٧٧/ب] فكذلك الماء ينتقل إلى / العكس بخبث الرائحة وتغير أحد أوصافه
من الطهارة إلى النجاسة.
ومنها قال القاضي: إن أبا حنيفة يحتج بهذا الحديث على
جواز استعمال الماء المضاف، المتغيرة أوصافه بإطلاق اسم الماء
[عليه، كما يطلق](١) على هذا اسم الدم، وإن تغيرت أوصافه إلى
الطيب، قال: وحجته بذلك ضعيفة (٢).
(١) في ن هـ ساقطة، وفي إحكام الأحكام (عليه، كما انطلق).
(٢) قال في إحكام الأحكام (٤/ ٥١٦): (وأقول: الكل: ضعيف).
٣٠٤

الحديث الخامس
٨٠/٥/٤١٩٠ - عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وتلقى: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه
الشمس أو غربت»(١). أخرجه مسلم.
هذا الحديث هو من أفراد مسلم كما نص عليه / وقد أسلفنا [٢٨٨/د/ب]
الكلام على («الغدوة والروحة)) في الحديث الثاني من أحاديث الباب.
وقوله ((خير مما طلعت عليه الشمس وغربت))، وهو بمعنى
((خير من الدنيا وما فيها))، وقد سلف الكلام عليه واضحاً، وإن كان
قوله ((وما فيها)) يشمل ما تحت طباقها مما أودعه الله من الكنوز
وغيرها بخلاف هنا، فإنه لا يشمله، وإن كان أشمل من وجه، فإن
الشمس تطلع على بعض السموات لأنها في السماء الرابعة وقيل: في
السادسة .
٠
(١) انظر: ص ٢٨٤ للاطلاع على تخريجه.
٣٠٥

:٠٠
الحديث السادس
٨٠/٦/٤٢٠ - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله:
(غدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها))(١). وأخرجه
البخاري.
هذا الحديث متفق عليه في الصحيحين، فقوله: ((وأخرجه
البخاري)) يعني مع مسلم ويقع في بعض الشروح. أخرجه البخاري
بحذف ((الواو)» فيوهم أنه من أفراده فأحببت ذلك، وقد علم [(٢)] له
في ((عمدته الكبرى» بعلامة البخاري فقط فأوهم أنه من أفراده،
وليس كذلك، وقد ساقه البخاري بزيادة ((ولقاب قوس أحدكم من
الجنة أو موضع قيد - بمعنى سوطه - خير من الدنيا وما فيها. ولو
أن امرأة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً
ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)). والنصيف الخمار،
واعلم أن هذا الحديث كان يستغنى عنه بالحديث السالف في الباب،
وكذا حديث أبي أيوب الذي قبله أيضاً، فإن هذا الكتاب موضوع
للاختصار، لا تجميع طرق الحديث.
(١) انظر: ص ٢٨٣ للاطلاع على تخريجه.
(٢) في ن هـ زيادة (هو).
:
٣٠٦
:

الحديث السابع
٨٠/٧/٤٢١ - عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال:
خرجنا مع النبي ◌َ# إلى حنين - وذكر قصة - فقال رسول الله وَليلٍ:
((من قتل قتيلاً عليه بينة فله سلبه قالها ثلاثاً))(١).
/ الكلام عليه من وجوه :
[٢٧٨ / ١ / ١]
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة .
ثانيها: صفة هذه القصة أن أبا قتادة قتل رجلاً، وأخذ سلبه سبب هذا
آخر. فلما قال عليه الصلاة والسلام: ((من قتل قتيلاً)) إلى آخره،
الحديث
وكان هذا القول بعد الفراغ من القتال. قال ذلك الرجل: هو قاتله
وعندي سلبه، فأرضه من حقه، فقال الصديق: لاها الله إذاً لا يعمد
إلى أَسدٍ من أُسدِ الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال
عليه الصلاة والسلام: ((صدق فأعطه إياه)) فأخذه وباعه وكان درعاً
(١) البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١)، وابن ماجه (٢٨٣٧)، وأبو داود
(٢٧١٧)، والترمذي (١٥٦٢)، والحميد (٤٢٣)، والبيهقي في السنن
(٥٠/٩)، والدارمي (٢٥٩/٢)، وابن الجارود (١٠٧٦)، وعبد الرزاق
(٢٣٦/٥)، وابن أبي شيبة (٦٤٩/٧)، ومالك (٣٦٣/٢)، وأحمد
(٣٠٦/٥).
٣٠٧

واشتريت به مخرفاً في بني سلمة، وكان ذلك أول مالٍ تأثلته في
الإِسلام)»(١)، وقوله: ((ثلاثاً)، أي كرر هذه اللفظة ثلاثاً وذلك في
مجلس واحد بين كل واحدة بينهما فصل ما. وقال بعضهم: يحتمل
أن يكون قالها متوالياً ليكون أثبت في نفس السامع، وأن يكون
مفرقاً. قلت: وهذا هو المصرح به في الحديث.
ثالثها: ((حنين))، واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين
موقع حنين
مکة بضعة عشر ميلاً، وهو معروف.
وقت غزوة حنين
وبين غزوة ((حنين)) و ((فتح مكة)) خمس عشر ليلة، فإن الفتح
كان في عشرين رمضان سنة ثمان ((وحنين)) خامس شوال منها وكان
يقصر في هذه المدة الصلاة.
رابعها: روى أبو داود في ((سننه))(٢) من حديث أنس، أن
أبا قتادة قتل ذلك اليوم عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم. وفي رواية
لأحمد(٣): ((فجاء أبو طلحة بسلب أحد وعشرين رجلاً)).
عدد قتلى
أبي قتادة
(١) الذي يظهر من سياق المؤلف - رحمنا الله وإياه - للقصة أنه أوردها
بالمعنى.
(٢) الذي في سنن أبي داود (٢٧١٨)، ومسند أحمد (٣/ ١٩٠، ٢٧٩)، وأبو
طلحة لا کما ذکره المؤلف - رحمه الله - .
(٣) مسند أحمد (١١٤/٣، ١٩٠، ٢٧٩)، والذي في المسند (عشرين
رجلاً)، وإنما جاء ذلك في صحيح ابن حبان (٤٨٤١).
تنبيه: ذكر ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٤٠/٨) («راجلً))
بدل ((رجلاً)) ونسبه لأحمد. وبعد الاطلاع على المسند وجد الصواب
«رجلاً» في الموضعین فليصحح. وعند أبي («داود» كذلك.
٣٠٨

خامسها: ((البينة)) في الأصل هي العلامة، والمراد هنا علامة معنى (البينة)
توضح أنه القاتل: إما إخبار واحد، أو ظن راجح برؤية سهم القاتل
أو سيفه أو نحو ذلك، بما يرجح جانبه، فيما يدعيه من استحقاق
السلب .
واعلم أن السلب منسوب إلى جميع الجيش، فلا يقبل إقرار
من هو في يده أنه القاتل على الباقين، إلاّ إذا كان مختصاً به
[فيؤاخذ](١) بإقراره.
سادسها: السلب هو الشيء المسلوب سمي به، لأنه يسلبه معنى «السلب
كالمخيط بمعنى المخيوط، وهو عندنا ثياب القتيل والخف وآلات '
وتحديد،،
الحرب: كدرع وسلاح ومركوب وسرج ولجام وكذا سوار ومنطقة
وخاتم [ونفقته] (٢) معه وجنيبة تقاد معه لا حقيبة مشدودة على الفرس
كما بسطته في كتب الفروع.
وعن أحمد: الفرس ليست من السلب.
سابعها: في فوائده وأحكامه / .
[١/٢٧٨/ ب]
الأول: أن السلب للقاتل، لعموم هذا الحديث، ولا ينبغي هذا خلاف العلماء
لمن السلب؟
أن يكون السلب للجيش أولاً ثم أعلم عليه الصلاة والسلام أنه للقاتل
مقبلا غير مدبر.
واختلف العلماء فیه علی قولين:
أحدهما: أنه يستحقه، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من
(١) في مسلم (١٢/ ٦٠) فيؤخذ.
(٢) في ن هـ (فصه).
٣٠٩

[٢٢٨/ هـ/ب] قتل / قتيلاً فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وبه قال الشافعي،
والأوزاعي، والليث، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن".
جرير وغيرهم، قالوا: وهذا الحديث فتوى منه عليه الصلاة والسلام
وإخبار عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول أحد (١).
والقول الثاني: لا يستحق القاتل ذلك لمجرد القتل، وإنما هو
لجميع الغانمين: كسائر الغنيمة، إلاَّ أن يقول قبل القتال ((من قتل
قتيلاً فله سلبه)) وبه قال مالك وأبو حنيفة ومن تابعهما، وحملوا
الحديث على هذا، وجعلوا هذا إطلاقاً من النبي ◌َلفر، وليس بفتوى
وإخبار عام(٢).
واستضعف هذا: فإنه صرح في هذا الحديث في الصحيح بأنه
عليه الصلاة والسلام قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع
الغنائم(٣). وقال الشيخ تقي الدين(٤): هذا يتعلق بقاعدة، وهي أن
(١) انظر: الاستذكار (١٤ /١٣٨).
(٢) انظر: الاستذكار (١٤/ ١٣٨).
(٣) كما هو مصرح في سياق الحديث ((خرجنا مع النبي ◌َ ل# يوم حنين، فلما
التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من
المسلمین، فاستدبرت حتی أتیته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل
عاتقه، فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه
الموت فأرسلني، فلحقني عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟ قال:
أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي ◌َّله، فقال: من قتل قتيلاً فله
سلبه)) الحديث. فيتضح أنه قال ذلك بعد أن فرغ القتال.
(٤) إحكام الأحكام (٤/ ٥١٩).
٣١٠

تصرفات الشارع في أمثال هذا إذا ترددت بين التشريع، والحكم
الذي يتصرف فيه ولاة الأمور، هل يحمل على الأول أو على الثاني؟
والأغلب حمله على الأول، إلاّ أن مذهب مالك في هذه المسألة فيه
قوة، لأن قوله عليه الصلاة والسلام من قتل قتيلاً))(١) [إلى آخره](٢)
يحتمل [(٣)] الأمرين [٦](٤) [لكن](٥) جاءت أمور في أحاديث ترجح
الخروج [عن الأغلب](٦) [حمله] (٧) مثل قوله عليه الصلاة والسلام
بعدما أمر أن يعطي السلب [للقاتل](٨) فقابل هذا القاتلُ خالد بن
الوليد بكلام فقال عليه الصلاة والسلام بعده («لا تعطه يا خالد)) (٩).
فلو كان مستحقاً له بأصل التشريع لم يمنعه منه بسبب كلامه
لخالد فدل على أنه كان على وجه النظر فلما كلَّم خالد بما يؤذيه
استحق العقوبة بمنعه، نظراً إلى غير ذلك من الدلائل.
(١) في المرجع السابق زيادة (فله سلبه).
(٢) غير موجودة في المرجع السابق.
(٣) في المرجع السابق زيادة (ما ذكرناه من).
(٤) في المرجع السابق زيادة (أعني التشريع العام، وإعطاء القاتلين في ذلك
الوقت السلب تنفيلاً - فإن حمل على الثاني فظاهر. وإن ظهر حمله على
الأغلب - وهو التشريع العام - .
(٥) في إحكام الأحكام (فقد).
(٦) في المرجع السابق عن هذا الظاهر.
(٧) في ن هـ والمرجع السابق ساقطة.
(٨) في المرجع السابق (قاتلاً).
(٩) أخرجه أبو داود (٢٧٢١)، وأحمد (٧٢/٣)، وسعيد بن منصور في سننه
(٢٦٩٨).
٣١١

قلت: قد أجبت عن هذا الحديث بجوابين:
أحدهما: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنما أخبره تعزيراً له
لإطلاقه لسانه، في حق خالد وانتهاك حرمة الوالي ومن ولاه (١).
(١) أقول وظاهر الحديث حرمانه منه لانتهاك حرمة الوالي كما يدل عليه لفظ.
الحديث من رواية عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد حارثة
في غزوة فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من
المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه
كهيئة الدَّرْقِ ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر
عليه سَرْجٌ مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يُفْرِي بالمسلمين، فقعد له
المدديُّ خلف صخرة، فمر به الرومي فَعَرْقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله
وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله عزَّ وجلّ للمسلمين بعث إليه خالد بن
الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن
رسول الله ◌َ﴾ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت:
التردُّنُه عليه أو لأعَرِفنكها عند رسول الله (ص 98، فأبى أن يرد عليه، قال
عوف: فاجتمعنا عند رسول الله وَلهر، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل
خالد، فقال رسول الله وَله: ((يا خالد، ما حملك على ما صنعت))؟ قال:
يا رسول الله لقد استكثرته، فقال رسول الله وَى: ((يا خالد رد عليه ما
أخذت منه»، قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد، ألم أف لك؟ فقال
رسول الله وسلم: ((وما ذلك))؟ فأخبرته، قال فغضب رسول الله صل* فقال:
(يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم
وعليهم كَدَرُهُ». أخرجه مسلم (١٨٥٣)، وسقته بلفظ أبي داود (٢٧١٩)،
وأحمد (٢٨/٦)، والبيهقي في السنن (٣١٠/٦)، ومعاني الآثار
(٢٣١/٣)، وإلى هذا ذهب ابن حبان فقال: قوله ◌َالر: ((يا خالد لا تعطه))،
أراد به في ذلك الوقت، ثم أمره فأعطاه». اهـ. (١٧٦/١١).
٠٣١٢

الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه، فتركه باختياره، وجعله
للمسلمين، وكأن المقصود بذلك استطابة قلب خالد / للمصلحة في [١/١/٢٧٩]
إكرام الأمراء(١)، فتكون واقعة عين لا تقتضي العموم. وفي المسألة
قول ثالث، أنه إن كان السلب يسيراً فهو للقاتل، وإن كان كبيراً
خمس، وسيأتي وفي ((سنن أبي داود)) بإسناد جيد من حديث
عوف بن مالك وخالد بن الوليد أنه عليه الصلاة والسلام قضى
بالسلب للقاتل، و((لم يخمس السلب))(٢)، وأخرجه أبو حاتم بن
حبان في (صحيحه)) عن عوف أنه عليه الصلاة والسلام ((لم يخمس
السلب))(٣)، وفي صحيح مسلم بمعناه.
الثاني عشر: شرط الشافعي في استحقاقه أن يغزو بنفسه في
قتل كافر ممتنع في حال القتال، والأصح أن القاتل لو كان ممن له
رضخ ولا سهم له كالمرأة والصبي والعبد يستحق السلب أيضاً.
وقال مالك: لا يستحقه إلاَّ القاتل.
وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق [السلب](٤) إلَّ في قتيل
قتله قبل التحام [القتل](٥) فأما من قتل في حال التحام [القتل] (٦) فلا
(١) ذكرهما النووي في شرح مسلم (١٢/ ٦٤).
(٢) أبو داود (٢٧٢١)، وأحمد (٢٦/٦)، وسنن سعيد بن منصور (٢٦٩٨)،
وابن الجارود (١٠٧٧).
(٣) ابن حبان (٤٨٤٤).
(٤) زيادة من شرح صحيح مسلم (٥٩/١٢).
(٥) في المرجع السابق ون هـ (الحرب).
(٦) في المرجع السابق وهـ (الحرب).
٣١٣

يستحقه(١).
وقال أبو ثور وابن المنذر: ويستحقه وإن كان المقتول
منهزماً(٢).
وقال أحمد: لا يكون إلاَّ في المبارزة.
الخلاف في
تخميس السلب
الثالث: اختلفوا في تخميس السلب على أقوال.
أصحها: عند الشافعية لا يخمس، لظاهر الحديث، بل صريح
حديث عوف وخالد السالفين، وبه قال أحمد وابن جرير وابن المنذر
وآخرون(٣).
وثانيها: نعم، وهو قول مكحول ومالك والأوزاعي، وهو قول
ضعيف للشافعي(٤).
ثالثها: نعم، إذا كثر، وبه قال عمر بن الخطاب وإسحاق بن
راهويه فعله عمر مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله، فكان
(١) الاستذكار (١٣٨/١٤، ١٣٩).
(٢) الاستذكار (١٤ / ١٤٠).
(٣) وحجتهم في ذلك أثر عمر رضي الله عنه أنه قال: ((كنا لا نخمس السلب
على عهد رسول الله (صَل#))، أخرجه عبد الرزاق (٢٣٣/٥)، والأموال
لأبي عبيد (٣١٠).
وأيضاً عموم قوله پ﴾ ((من قتل قتیلاً فله سلبه)) فملکه إياه ولم يستثن عليه
شيئاً منه ولا استثنى رسول الله وَ﴿ل شيئاً من سنته من جملة الغنيمة غير
سلب القاتل. انظر الاستذكار (١٤/ ١٤٠، ١٤١) فقد ذكر ذلك.
(٤) المرجع السابق.
٣١٤

قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألف فخمس ذلك(١).
وعنه: أنه يخمس على القاتل وحده.
ووقع في ((شرح الفاكهي)) عقب هذا نقلاً عن ابن عطية(٢) أنه
روى [في ذلك](٣) حديث عن النبي وَ لقر في أبي داود، وهو حديث
مالك بن عوف الأشجعي. انتهى. وهذا الحديث هو في عدم
التخميس كما أسلفته في ذلك وراويه ((عوف بن مالك» لا «مالك بن
عوف)).
وعن مالك: رواية أجازها إسماعيل القاضي أن الإِمام
بالخيار، إن شاء خمسه، وإن شاء لم يخمسه (٤).
الرابع: أن السلب لا يعطي إلَّ لمن له بينة بأنه قتل ولا يقبل وجوب البيئة
لأخذ السلب
قوله بغير بينة، وهو مذهب / الشافعي والليث ومن وافقهما من (٢٢٩/هـ/أ]
المالكية وغيرهم. ونقله ابن عطية عن الجمهور(٥). وقال مالك
(١) ولفظه: ((بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك: مرزبان الزأرة فقتله،
فأخذ سلبه، فبلغ ثلاثين ألفاً، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فقال
لأبي طلحة: ((إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً
كثيراً، ولا أرانا إلاَّ خامسيه)»، أخرجه عبد الرزاق (٢٣٣/٥)، والبيهقي
(٣١٠/٦)، والأموال لأبي عبيد (٣١٠)، والتمهيد (٢٤٧/٢٣).
(٢) في الأصل (باطنه)، وما أثبت من ن هـ، وما أثبت هو الصواب لأنه يوافق
ما في المحرر الوجيز (٩/٨).
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) ذكرها في الاستذكار (١٤١/١٤).
(٥) المحرر الوجيز (٩/٨).
٣١٥

[١/٢٧٩/ب] والأوزاعي: يعطي لقوله بلا بينة، قالا لأنه عليه الصلاة / والسلام.
أعطاه السلب في هذا الحديث بقول واحد، ولم يحلفه (١).
. وأجاب الأول: بأنه محمول على أنه عليه الصلاة والسلام علم
أنه القاتل بطريق، وقد صرح لو بالبينة فلا تلغى. وقد يقول المالكي
هذا مفهوم وليس هو بحجة، وقد يجاب: بأنه عليه الصلاة والسلام
سماها بينة، وعمل بها فيه مع قوله «لو يعطي الناس بدعواهم الادعى
ناس دماء رجال، وأموالهم، و](٢) لكن البينة على المدعي)).
الحدیث .
وأبعد بعض المالكية، فقال: إنه عليه الصلاة والسلام إنما
أعطاه ببينة، وهي الشاهدان:
أحدهما: أن السلب شاهد عرفي على أنه قتله، وهو بمنزلة
الشاهد الواحد، ولذلك جعل لوثاً في باب القسامة يحلف مع الورثة .
والآخر: هو الذي له شهد له به، واحتج بعضهم للأول بأن أبا قتادة
إنما استحق السلب بإقرار من هو بيده، وهو ضعيف، لأن الإِقرار إنما
ينفع إذا كان المال منسوباً إلى من هو في يده فيؤخذ بإقراره والمال هنا
منسوب إلى جميع الجيش فلا يقبل إقرار بعضهم على الباقين.
. ونقل ابن عطية (٣): عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا واحد بحكم
حديث أبي قتادة وضعف قول الأوزاعي، وهو قول عديم النظير.
(١) ذكره في الاستذكار (١٤٧/١٤)، وضعفه في المحرر الوجيز (٩/٨).
(٢) زيادة من متن العمدة، والحديث سبق تخريجه في آخر باب القضاء.
(٣) المحرر الوجيز (٩/٨).
٣١٦

الخامس: استدل بعضهم لقول الأوزاعي وسحنون أنه
لا يستحق السلب إلاّ من قتل أو أنفذ المقاتل، فأما إذا أسره، فإنه
لا يستحق، وهو قول للشافعي والأصح أنه يستحقه، لأنه كفى شره
فهو في معنى [قتله](١).
السادس: استدل به ابن رشد منهم في كتاب - الجعل
والإِجارة - من ((المقدمات)) على جواز الجعل. وفيه نظر، فإن
شرطه أن يكون معلوماً إلاَّ ما استثنى للحاجة.
السابع: استحباب إعادة المفتي أو العالم الكلام مرات لقصد
الإِبلاغ والبيان.
خاتمة: يؤخذ من إيراد المصنف جواز تقطيع الحديث
الواحد من العارف باللفظ والمعنى إذا لم يكن للجملة المقطوعة
تعلق بما قبلها، وقد فعل هذا البخاري وغيره من العلماء المحققين.
وفيه أيضاً التنبيه: على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ
يدل عليه بقوله، وذكر قصة أو حديث قال فيه كذا أو نحو ذلك،
فيجمع بين الاختصار والتنبيه على أنه بعض حديث / .
[ ٢٨٠ / ١/١]
(١) في ن هـ ساقطة.
٣١٧

الحديث الثامن
٨٠/٨/٤٢٢ - عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: أتى
النبيِ وَّ﴾ [عينٌ من المشركين - وهو في سفر - فجلس عند أصحابه
يتحدث، ثم انقتل، فقال [النبي ◌َ*](١): ((اطلبوه واقتلوه)) فقتلته،
فنفلني سلبه ..
وفي رواية، فقال: «من قتل الرجل؟ فقالوا: ابن الأكوع،
فقال: ((له سلبه. اجمع))](٢).
الكلام علیه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في صلاة الجمعة،
وأنه منسوب إلى جده، فإنه سلمة بن عمرو بن الأكوع.
ثانيها: اللفظ الأول الذي أورده المصنف هو للبخاري، إلاّ أنه
(١) زيادة من متن العمدة.
(٢) في ن هـ ساقطة. والحديث أخرجه البخاري (٣٠٥١)، ومسلم (١٧٥٤)،
وأبو داود (٢٦٥٣، ٢٦٥٤)، وابن ماجه (٢٨٣٦)، وشرح معاني الآثار
(٢٢٧/٣)، وأحمد (٤٦/٤، ٤٩، ٥٠)، والبيهقي (٣٠٧/٦)
(١٤٧/٩)، والطبراني (٦٢٧٢، ٦٢٧٣)، وأبو عوانة (١٢٢/٤، ١٢٣)،
وشرح السنة (٢٧٠٩).
٣١٨

قال: ((فنفله سلبه)) بدل ((فنفلني رسول الله وَلل سلبه))، وهو بمعناه، لفظ الحديث
عند البخاري
وترجم عليه الحربي إذا دخل دار الإِسلام بغير أمان.
والرواية الثانية: هي لفظ مسلم، وذكر أن ذلك في غزوة رواية مسلم
هوازن، وساقه مطولاً وأدخله أبو ((داود)) في باب الجاسوس
المستأمن .
ثالثها: ((الجاسوس)) هو صاحب سر الشر، كما أن الناموس معنى
(الجاسوس!
صاحب سر الخبر. يقال: اعتان له إذا أتاه بالخبر، ويقال له:
ذو العينين أيضاً والعين من الألفاظ المشتركة، تطلق بإزاء أمور:
إطلاقات العين
أحدها: ما ذكرنا.
ثانيها : حاسة الرؤية.
ثالثها: عين الماء.
رابعها: عين الركبة، ولكل ركبة عينان، وهما نقرتان في
مقدمها عند الساق .
خامسها: عين الشمس.
سادسها : الدينار.
سابعها: المال الفاض.
ثامنها: عين الميزان، وهي ترجيح إحدى الكفتين على
الأُخرى.
تاسعها: عين الشيء خياره.
عاشرها: عين الشيء نفسه، يقال هو هو عيناً وهو هو عينه.
الحادي عشر: المعاينة، ومنه قولهم: لا أطلب أثراً بعد عين،
أي: بعد معاينة.
٣١٩

الثاني عشر: القليل بلد قليل العين، أي: قليل الناس.
الثالث عشر: ماء عن يمين قبلة العراق يقال: أنشأت السحابة
من قبل العين.
الرابع عشر: العين مطر أيام لا [يقلع] (١).
الخامس عشر: أسود العين [جبل](٢).
السادس عشر: رأس عين بلدة.
السابع عشر: العين من حروف المعجم.
الثامن عشر: يقال هو عبدي عين: أي هو كالعبد ما دمت
تراه، فإذا غبت فلا.
التاسع عشر: يقال: أنت على عيني في الإكرام والحفظ
جميعاً، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ ()﴾(٣).
العشرون: يقال في الجلد عين، وهي دوائر رقيقة، وذلك
عیب فيه (٤).
رابعها: ((السلب)) تقدم بيانه في الحديث قبله / والسلب الذي
.
[١/٢٨٠/ب]
نوع سلب سلمة
أخذه ابن الأكوع، هو جمل أحمر، عليه رحله وسلاحه، كما جاء
مبيناً في («صحيح مسلم».
(١) في الأصل (يقطع)، وما أثبت يوافق ن هـ والمنجد في الفقه (٣٢).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) سورة طه: آية ٣٩.
(٤) للاطلاع على تفاصيلها، راجع مادة (ع ي ن)، والمنجد في اللغة (٣٢،
٢٥٩)، وشجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة (٨٨، ١٤٤،
١٦١، ١٩٣، ٢٣٥، ٢٣١، ٢٤٤)، ومعجم البلدان (١٧٤/٤، ١٧٥)،
وتاج العروس (فصل العين مع النون) (١٨/ ٤٠٠، ٤١٤).
٣٢٠