النص المفهرس

صفحات 201-220

سأل أن يضمنه في الجواب إلى المسؤول عنه، ونظيره حديث: ((هو
الطهور ماؤه الحل ميتته» / .
[٢١٨/هـ/ أ]
رابعها: فيه دلالة على تحريمه وتحريم كل مسكر وتحريم
الجنس لا القدر، لأنهم إنما سألوا عن جنس البتع لا عن القدر
المسكر منه، وإلاّ لقالوا: ما يحل / منه وما يحرم. فوجب أن يكون [٢٦١/أ/ب]
الجواب عن الجنس المسؤول عنه، لأنه لو كان جواباً للقدر المسكر
لكان عدولاً عما سئل عنه وذلك لا يجوز، وهذا هو المعروف
المعتاد من كلام العرب إنهم إذا سألوا عن الجنس قالوا: هل هذا
الشراب نافع أو ضار؟ فإن سألوا عن القدر قالوا: كم مقدار ما يشرب
منه؟
والمراد بقوله: ((أسكر))، أي: فيه صلاحية ذلك.
خامسها: هذا السائل لا يحضرني اسمه بعد البحث عنه،
وسؤاله عنه إما لأنه لم يبلغه تحريم الخمر إلاّ باسم خاص أو جواز
التخصيص بها فقط، والله تعالى أعلم.
٠
٢٠١

الحديث الثالث
: ٧٨/٣/٤٠٩ - عن عبد الله [بن عباس](١) رضي الله عنهما،
قال: بلغ عمر رضي الله عنه أن فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً،
ألم يعلم أن رسول الله وَ له قال: ((قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم،
فجملوها فباعوها»(٢)؟ .
جملوها: أذابوها .
الكلام علیه من وجوه :
الأول: هذا البائع سمرة بن جندب رضي الله عنه، كذا ثبت
مصرحاً به في ((صحيح مسلم))(٣)، وذكره أيضاً الخطيب في ((مبهماته)) (٤)
(١) في المخطوط (ابن عمر)، وما أثبت من البخاري ومسلم.
(٢) البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢)، والنسائي (١٧٧/٧)، وفي الكبرى
له (٤٥٨٣)، وابن ماجه (٣٣٨٣)، وأحمد (٣٢٢/١، ٢٩٣، ٢٤٧)،
والحميدي (١٣/١، ١٤)، وشرح سنة البغوي (٢٠٤١/٨)، والبيهقي في
السنن (٤٩٧/٨، ٤٩٨)، وابن أبي شيبة (١٨٧/٥)، وعبد الرزاق
(٧٥/٦).
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (٧/ ١١).
(٤). الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (١١٠).
٢٠٢

وابن بشكوال(١) وغيرهما، ومن المتأخرين النووي(٢) والشيخ
تقي الدين(٣)، ووقع في ((أحكام المحب الطبري)) أنه جابر بن سمرة،
والظاهر أنه وهم، وكان سمرة بن جندب والياً على البصرة من قبل
عمر، قال ابن ناصر الحافظ: إنما كان يأخذ قيمة الجزية خمراً،
فيبيعه، فيهم ظنًّا منه أن هذا جائز، وكان على البصرة، فنهاه عمر،
فكان ينبغي له أن يوليهم بيعها.
قال ابن عقيل الحنبلي: فهم إذا باعوها أخذوا ثمنها ونحن
نأخذه منهم، فهذا الحائل بين الأخذين يخرج اسم المأخوذ منهم عن
اسم القيمة، كما قال عليه الصلاة والسلام لبريرة: «هو عليها صدقة
ولنا هدية».
وأجاب غيره بوجهين: أحدهما: أنه باع العصير ممن يتخذه
خمراً، فأطلق اسم الخمر عليه باعتبار ما يؤول إليه. الثاني: أنه
خللها، ثم باعها. وفيه خلاف مشهور، ذكرهما الخطابي (٤) وغيره.
ومن يقول بجواز التخليل يحمل النهي عنه على أنه كان في أول
الأمر، عقب تحريمها، حسماً للباب.
الثاني: تقدم الكلام على الشحوم وأحكامها وما يتعلق بذلك
من الادِّهان في الحديث من باب العرايا من كتاب البيوع.
(١) غوامض الأسماء (٦٠٤).
(٢) الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات (٥٧٣).
(٣) إحكام الأحكام (٤/ ٤٨٦).
(٤) معالم السنن (٢٦١/٥).
٢٠٣

الثالث: الحديث دال على تحريم الخمر وبيعها، وقد سلف
الكلام في بيعها في الموضع المشار إليه أيضاً. وقدمنا هناك عن
[١/١/٢٦٢] أبي حنيفة أنه جوز أن يوكل المسلم ذميًّا في بيعها وشرائها /، وهو
دال أيضاً على تحريم بيع ما حرمت عينه مطلقاً.
الرابع: فيه استعمال الصحابة القياس في الأمور من غير نكير،
لأن عمر قاس بيعها عند تحريم عينها على بيع الشحوم عند
تحریمها، وهو قياس من غير شك.
الخامس: فيه أيضاً تأكيد استعمال القياس، حيث دعا عمر
على من خالفه وباعها بقوله: ((قاتل الله فلاناً)).
. السادس: فيه أيضاً الدعاء على فاعل ذلك، وهذه لفظة جرت
على ألسنتهم من غير قصد لمعناها.
السابع: قد فشّر المصنف («جملوها»، وقد أوضحناها هناك في
الموضع المشار إليه أولاً .
الثامن: فيه دلالة على منع التحيل فيما حرم إذا كان طريقاً
لارتكابه، كما فعلته اليهود هنا وفي الصيد يوم السبت.
٢٠٤

باب اللباس
٢٠٥

٧٩ - باب اللباس
ذكر فيه ستة أحاديث :
الحدیث الأول
٧٩/١/٤١٠ - عن عمر رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَير: ((لا تلبسوا الحرير. فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه
في الآخرة)) (١).
الكلام عليه من وجوه :
[أحدها](٢): الحرير اسم جنس، واحدته حريرة، ذكره الحرير
الجوهري (٣)، قال [أبو](٤) هلال العسكري: ويقال له الدِّمَقْسُ
(١) البخاري (٥٨٣٠)، ومسلم (٢٠٦٩)، والنسائي (٨/ ٢٠٠)، وفي الكبرى
له (٩٥٨٨، ٩٥٨٩)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (٢٨١٨)، وابن
ماجه (٣٥٩١)، ومالك في الموطأ (٦٩٦/٢)، وأحمد (٢٩/١، ٣٧،
٣٩، ٤٣، ٤٦).
(٢) في ن هـ (الأول).
(٣) انظر: مختار الصحاح، مادة (ح ر ر).
(٤) زيادة من ن هـ. انظر: التلخيص (١٩٨).
٢٠٧

والسَّرَقُ والسِّيَرَاءُ، وقيل: السِّيَراء، ضرب من البُرُود، مِسَيَّرٌ:
مخطط. وهو عربي، وقيل: فارسي معرب وهو ضعيف (١)، وإنما.
سمي حريراً، لأنه من خالص الإِبريسم. وأصل هذه الكلمة
الخلوص؛ ومنه قولهم: طين حر، لأنه لم يخالطه رمل أو حمأة.
وقيل: للحر خلاف العبد: لأنه خالص لنفسه. وحررت الكتاب ::
خلصته من التسوید .
ثانيها: هذا الخطاب في قوله: ((لا تلبسوا)) للذکر، فلا يتناول
[٢١٨/ د/ب] الإناث [كما] (٢) هو / مذهب المحققين من أهل الأصول،
والأحاديث الصحيحة مصرحة بإباحته للنساء، فإنه عليه الصلاة
والسلام أمر عليًّا وأسامة(٣) أن يكسو الحرير نساءهما. وقال في
الذهب والحرير: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثهم)) (٤)،
والإِجماع قائم على ذلك، وإن خالف عبد الله بن الزبير فيه مستدلاً
(١) المعرب للجواليقي (١٨٩)، وقصد السبيل (٣٤/٢).
(٢) في ن هـ (و).
(٣) من رواية ابن عمر عند البخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨)، وأبو داود
(٤٠٤١)، والنسائي (٢٠١/٨)، وأحمد (٤٢/٢).
(٤) والنسائي (١٦٠/٨، ١٦١)، وأبو داود (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥)،
والبيهقي (٤٢٥/٢) من رواية علي بن أبي طالب.
وجاء أيضاً من رواية عمر عند البزار (٣٠٠٥)، والطبراني في الصغير
(٤٦٤)، وهو ضعيف لأن في إسناده عمرو بن جرير وهو متروك.
ومن رواية عبد الله بن عباس عند البزار أيضاً (٣٠٠٦)، والطبراني في
الكبير (١٠٨/١٩)، وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
ومن رواية عقبة بن عامر عن البيهقي (٢٧٥/٣).
٢٠٨

بهذا الحديث، فقد انعقد الإجماع بعده على التحريم، ولا عبرة بمن
أباحه مطلقاً، كما [حكاه](١) صاحب ((المعلم)) (٢) عن قوم، وليحمل
ما ذكر عن ابن الزبير على كراهة التنزيه، وكذا حديث عقبة بن عامر
في ((سنن النسائي)»(٣) أنه عليه الصلاة والسلام ((كان يمنع أهله الحلية
والحرير ويقول: إن كنتم تحبُّون حلية أهل الجنة وحريرها فلا
تلبسوها في / الدنيا»، وفي حل افتراشه لهم، وحل الولي إلباسه [١/٢٦٢/ ب]
للصبيان خلاف، محله كتب الفروع، وقد أوضحناه فيها.
ثالثها: هذا الحديث محمول عند الجمهور على الخالص من
الحرير، أما الممتزج بغيره فحلال إن لم يَزِدْ وَزْنُ الحرير، فإن زاد
حَرُمَ، وعند الاستواء وجهان أصحهما: الحل.
رابعها: هو محمول أيضاً على غير حالة الضرورة، فأما حال
الضرورة كمفاجأة الحرب، ولم يجد غيره والجرب والحكة ونحو
ذلك. وسيأتي في الباب الآتي إباحته، لأجل دفع القمل فتلك أحوال
مستثناة ومحل [الخوض] (٤) فيها كتب الفروع.
ومنع مالك(٥) إلباسه في الغزو والحكة وغيرهما، وجوَّزه عبد
الملك في الغزو وعبد الوهاب للحكة.
(١) في ن هـ (أباحه).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣٧٤/٥) عنه.
(٣) السنن الكبرى (٤٣٤/٥) (٩٤٣٦).
(٤) في ن هـ ساقطة.
(٥) الاستذكار (٢٠٦/٢٦، ٢٠٨) لهذه المسألة وما بعدها.
٢٠٩

واختلف قول مالك في العلم في الثوب ونحوه فنهى عنه مرة
وأجازه أخرى.
واختلف في اتخاذ الراية في أرض الحرب منه، فلم يره مالك،
وأجازه ابن القاسم حكاه صاحب ((الجواهر)).
خامسها: غير اللبس كالتدئر والجلوس عليه في معناه،
وخالف فيه أبو حنيفة (١)، وفي ((صحيح البخاري))، من حديث حذيفة
رضي الله عنه («نهانا رسول الله وَل عن لبس الحرير والديباج وأن
نجلس عليها)) (٢).
علة النهي عن
لبس الذهب
والحرير
سادسها: نبّه على العلة في التحريم بقوله: ((فإنه من لبسه في
الدنيا لم يلبسه في الآخرة))، فإنه إشارة إلى أنه ما يحصل له به من
التنعم والتزين، ونظير ذلك الخمر، ويبعد حمل هذا الحديث على
المبالغة في الزجر، والظاهر حمله على المستحل للبسه. وقال
القاضي: يحتمل أن يريد كفار ملوك الأمم والأعاجم، الذين كان
زيهم، ويحتمل أن يريد من أراد الله عقابه بذلك من مؤمني المؤمنين
فحرمه في الآخرة وقتاً قبل دخوله الجنَّة. فيكون إمساكه ذلك الوقت
حرمان له من لباسه، ويحتمل: أن يمنع من لباسه بعد دخول الجنة،
لكن ينسيه الله تعالى إياه، ويشغله عنه بلذات أخر حتى يقضي الله
تعالى أمر حرمانه منه، أو يشغله عنه أبداً، ويكون راضياً بذلك، غير
(١) أشار في الاستذكار إلى الخلاف (٢٠٦/٢٦).
(٢) البخاري (٥٤٢٦). تنبيه: وضع في ترقيم أطرافه على حديث
(٥٨٢٨) وهو خطأ.
٢١٠

حاسد لغيره، ولا منتقص منه لتتم له لذته دون تنقيص ولا رؤية
نقص، إذ لا حزن ولا تنغيص في الجنة، ولا يرى أحد قط من أهل
الجنة أن منزلة غيره فوقه ولا لذته فوق لذته، كما أن أهل الغرف
وعليين يراهم من دونهم، كالكواكب في الأفق، ثم من دونهم
لا ينقص عنده محالهم ولا نقص. ويحتمل أن يريد بقوله /: «لم [١/١/٢٦٣]
يلبسه في الآخرة))، يعني مدة عقابه إذا عوقب على معصيته بارتكاب
النهي عن لباسه .
٢١١

الحديث الثاني
٧٩/٢/٤١١ - عن حذيقة بن اليمان رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله جر يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا
تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة))(١).
الكلام عليه من وجوه، ولم يتكلم عليه الشيخ تقي الدين رأساً
بل أورده إيراداً فقط:
ضبط الديباج
ولغاته
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في السؤال.
ثانياً: ((الديباج)) بكسر الدال وفتحها، عجمي معرّب(٢) جمعه
ديابيج، قال الجوهري: وإن شئت قلت ((دبابيج)) بالباء على أن
يجعل أصله مشدداً، كما قلناه في الدنانير يريد أن أصل دینار دِنّارٍ
(١) البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٢٠٦٧)، والنسائي (١٩٨/٨، ١٩٩)، وفي
الكبرى له (٩٦١٥)، وأبو داود (٣٧٢٣)، والترمذي (١٨٧٨)، وابن
ماجه (٣٤١٤)، والدارقطني (٢٩٣/٤)، وأحمد (٣٩٠/٥)، والحميدي
(٤٤٠/١)، وابن أبي شيبة (٦/٦).
(٢) المعرب للجواليقي (٢٩١)، وقصد السبيل (٤٣/٢).
٢١٢

بنون مشددة، فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه باء لئلا تلتبس
بالمصادر التي تجيء على فعال ككذباء، وهو ما غلظ وثخن من
ثياب الحرير، وذكره بعد الحرير وإن كان نوعاً منه هو من باب ذكر
الخاص بعد العام، قال الجواليقي(١): فأصله بالفارسية
(دِيُّوبَافْ)(٢)، أي : نِسَاجَةُ الجن.
ثالثها: ((الصحاف)) بكسر الصاد جمع صحفة بفتحها، وهي ضبط
الصحاف)
دون القصعة، قال الجوهري (٣): قال الكسائي أعظم القصاع
الجَفْنَة، ثم القَصْعَةُ تليها تُشْبِعُ العَشَرَة / ثم الصَّحْفَةُ تشبع [٢١٩/هـ/١]
الخمسةَ، ثم المِثْكَلةُ تُشْبِعُ الرجلين والثلاثة، ثم الصُّحَيْقةُ تشبع
الرجل.
رابعها: قوله: ((فإنها لهم في الدنيا))، أي: للكفار، ومعناه أن
الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا. وأما الآخرة فمالهم فيها من
نصيب. وأما المسلمون فلهم في الجنة الحرير والذهب، وما لا عين
رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
خامسها: قوله ((ولكم في الآخرة))، أي: يوم القيامة، وجاء في المراد في الآخرة
رواية أخرى في الصحيح ((يوم القيامة)) بعد ذكر الآخرة، وإنما جمع
(١) المعرب (٢٩١).
(٢) قال في المعجم الذهبي (٢٨٧/٩٨) في الفارسية: (ديوب) إبليس،
و (باف، أو بافت) نسج. اهـ من شرح قصد السبيل (٤٣/٢)، وأيضاً في
التخليص للعسكري (١٩٧).
(٣) انظر: مختار الصحاح، مادة (ص ح ف).
٢١٣

بينهما لئلا يظن أنه بمجرد [الموت](١) صار في حكم الآخرة في هذا
الإكرام، فتبين أنه إنما هو يوم القيامة وبعده في الجنة أبداً، ويحتمل
أن المراد لهم في الآخرة من حين [الموقف](٢) ويستمر في الجنة
أبداً.
سادسها: الحديث دال على تحريم لبس الحرير والديباج
مطلقاً، واستثنى أصحابنا الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في
دفع السلاح حالة القتال لدعاء الحاجة إليه.
سابعها: هو دال أيضاً على تحريم استعمال أواني النقدين
مطلقاً سواء فيه الرجل والمرأة وهو الجديد وعن القديم أن المنع
[٢٦٣/أ/ب] منهما للتنزيه، وهو غلط مرجوع عنه / ومؤل أيضاً.
ثامنها: خص الأكل والشرب بالذكر دون غيرهما، لكونهما
الغالب في الاستعمال، لا للتقييد. وإن كان كلام المرعشي في
((تقاسيمه))(٣) يقتضي حرمة ذلك فقط، وهو جمود على النص، وأبعد.
داود فحرم الشرب فقط، وأجاز الباقي وهو عجيب منه، فإن الأكل
قد نص عليه أيضاً في الحديث، وخص الإِناء بالشرب، لأنه معدله
غالباً، وكما خص الصحاف بالأكل.
تاسعها: لا حجة فيه لمن قال الكفار غير مخاطبين بالفروع،
(١) في شرح مسلم (٣٦/١٣) موته.
(٢) في المرجع السابق (الموت)، ولعله أقرب للصواب كما جاء في حديث
وصف نزع روح المؤمن ونزع روح الكفار.
(٣) سبق التعريف به .
٢١٤

لأنه لم يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة؛ أنهم
هم الذين يستعملونه في الدنيا، وإن كان حراماً عليهم، كما هو حرام
على المسلمين، وإنما ذكر ذلك تنبيهاً على تحريم التشبه بهم فيما
يعانونه من أمور الدنيا تأکیداً للمنع منه.
عاشرها: المجازاة على الصبر على الزائل الفاني بالدائم
الباقي.
٢١٥

الحديث الثالث
٧٩/٣/٤١٢ - عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «ما
رأيت من ذي لِمَّةٍ [سوداء](١) في حلة حمراء أحسن من
رسول الله ◌َ، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس
بالقصير ولا بالطويل»(٢).
الکلام علیه من وجوه :
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الإِمامة.
ضبط (اللئَةُ،
ثانيها: الْلِمَّةُ بكسر اللام وتشديد الميم وتاء تأنيث مكتوبة هاء
من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين،
فإذا زادت فهي الجُمَّةُ، والجمع: لِمَمِّ، ولِمَامَ.
ثالثها: ((الحلة)): تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من باب
الأذان، فراجعه من ثم.
(١) في ن هـ ومتن إحكام الأحكام ساقطة.
(٢) البخاري (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧)، والترمذي (١٧٢٤، ٣٦٣٩)،
وأبو داود (٤٠٧٢، ٤١٨٣)، والنسائي (١٨٣/٨)، وأحمد (٢٩٠/٤،
٢٩٥، ٣٠٠، ٣٠٣)، وابن ماجه (٣٥٩٩).
٢١٦

رابعها: ((المنكب)) ما بين الكتف والعنق، والمراد أن شعره
عليه الصلاة والسلام يسترسل غير مضفور ولا مكفوف.
خامسها: فيه جواز لبس الأحمر، وأما الأحاديث الواردة في جوازلبس
الأحمر
المنع منه للرجال في ((سنن أبي داود)) ففي أسانيدها مقال، وعلى والخلاف فيه
تقدير ثبوتها فتحمل على خلاف الأولى، وقد أسلفنا الكلام على وغيره من الألوان
ذلك في الحديث المشار إليه في باب الأذان، فليراجع منه.
وقال القاضي عياض(١): وكره بعضهم جميع ألوان الحمرة،
وأباح بعضم ما خط منها، وكره ما اشتدت حمرته، وأجاز بعضهم ما
یمتهن منها، وکره ما يلبس.
قلت: وصح النهي(٢) عن لباس المعصفر، وهو المصبوغ
(١) إكمال إكمال المعلم (٣٨١/٥).
(٢) من رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ولفظه: «ألقها، فإنها من ثياب
الكفار»، ومسلم (٢٠٧٧).
ومن رواية علي رضي الله عنه يقول: ((نهاني رسول الله وَّل، ولا أقول
نهاكم - عن لبس المعصفر)). مسلم (٢٠٧٨). أخرجه ابن أبي شيبة
(١٨١/٨).
ومن رواية ابن عباس رضي الله عنهما ((لا تلبسوا ثوباً أحمر متورداً)، ابن
أبي شيبة (١٨١/٨).
ومن رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ((أقبلنا مع
رسول الله ◌َ﴿ من ثنية إذا اخر فالتفت إليَّ وعليَّ ريطةٌ مضرجةٌ بالعصفر،
فقال: ((ما هذا؟)» فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم
فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: ((يا عبد الله، ما فعلت الريطة؟))
فأخبرته، فقال: ((ألا كسوتها بعض أهلك، فإنه لا بأس بذلك للنساء)) . =
٢١٧ .

أحمر بالعصفر، فقال به جماعة: وجعلوه نهي تنزيه، وأباحه
الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبه قال الشافعي
وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال غيرها أفضل منها.
وفي رواية عنه(١) أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور،.
[٢٦٤ / ١/ أ]
[٢١٩/ هـ/ب] وكرهه في المحافل والأسواق / ونحوهما / وقال البيهقي في
((المعرفة))(٢): نهى الشافعي الرجل عن المزعفر، وأباح له المعصفر،
قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحداً يحكي
عن النبي ◌َّير النهي عنه، إلّ ما قال علي رضي الله عنه: ((نهاني ولا
أقول نهاكم))(٣)، واعترضه البيهقي فقال: قد جاءت أحاديث تدل
على النهي على العموم، ثم ذكرها، ثم قال: ولو بلغته لقال بها.
وحمل الخطابي(٤) النهي على ما صبغ منها بعد النسج، فأما
ما صبغ قبله فليس داخلاً فيه. وهذا قد أسلفته في باب الأذان أيضاً،
وحمل بعضهم: على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقاً
ابن أبي شيبة (١٨١/٨)، وأحمد (١٩٦/٢)، وابن ماجه (٣٦٠/٣)،
وأبو داود (٤٠٦٨).
٤
ومن رواية ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله و لو عن المقدم،
قال يزيد: قلت للحسن: ما المقدم؟ قال: المشبع بالعصفر» ابن
:أبي شيبة (١٨٢/٨).
(١) الموطأ (١٦٩٢).
1
(٢) معرفة السنن والآثار (٢/ ٤٥١، ٤٥٤).
(٣) مسلم (٢٠٧٨). ابن أبي شيبة (١٨١/٨).
(٤) معالم السنن (٤٣/٦) ..
٢١٨

لحديث ابن عمر ((نهى المحرم أن يلبس ثوباً مسَّه ورسٌ
أو زعفران)»(١) .
سادسها: في استحباب [إرسال](٢) الشعر للرجال، وكان الجمع بين حالتي
لشعر سيدي رسول الله رَ حالتان: حالة إلى المنكبين إذا طال في الشعر
الفرق والسدل
وأخرى إلى شحمة أذنه إذا قصره، قال القاضي عياض(٣): وقد جاء
أنه عليه الصلاة والسلام كانت له لمة، فإن انفرقت فرقها، وإلاَّ
تركها، قال: وقد اختلف السلف في تفريق الشعر، ففرق منهم
جماعة، واتخذ اللمة منهم آخرون، وهي الشعر الذي يلم بالمنكبين،
قال: وجاء عنه أنه سدل، وأنه فرق، وهو آخر الأمرين منه، حتى
جعله بعضهم نسخاً، فعلى هذا لا يجوز السدل واتخاذ اللمة،
ويحتمل أن يكون فرق ليرى الجواز أو الندب، ولذلك اختلف
السلف فيه، والصحيح جوازهما واختيار الفرق.
سابعها: فيه توفير الشعر، وهذه الأمور الخلقية المنقولة عن
الشارع، فيستحب الاقتداء به في هيئتها، وما كان ضروريًّا منها لم
يتعلق بأصله استحباب بل بوصفه.
ثامنها: قوله: ((بعيد ما بين المنكبين)) هو بمعنى الرواية الحكمة في كونه
بعيد مابين
الأخرى ((جليل المُشَاس)) (٤)، والكتد، أي: عريض رؤوس المنكبين
(١) سبق تخريجه في كتاب الحج.
(٢) في ن هـ (استرسال).
(٣) ذكر في شرح مسلم (١٥/ ٩٠).
(٤) أخرجه الترمذي (٥٩٩/٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢٦٩/١، ٢٧٠)
من رواية علي رضي الله عنه .
٢١٩

المناكب، وهي المشاش، والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل،
وهذه الصفات تدل على قوته في الضرب، والطعن، وأنه بطل
. لا يطاق، لأن أصول اليدين في هذه الأعضاء، كلما عظمت كانت
قوة الیدین أعظم ...
تاسعها: قوله: ((ليس بالطويل ولا بالقصير))، أي: متوسط
بينهما، لكنه كان من معجزاته أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يمشي
معه أحد من الناس ينسب إلى الطول الإِطالة، فإذا [فارقه](١) ينسب
إلى الربعة .
(١) في الأصل (رافقه)، وما أثبت من ن هـ.
٢٢٠