النص المفهرس

صفحات 181-200

واقتصر الجوهري في ((صحاحه)) (١) عليه فقال: الملحة من الألوان:
بياض يخالطه سواد، يقال: كبش (أملح) وتيس (أملح) إذا / كان [٢١٦/هـ/أ]
شعره خَلِيساً.
سابعها: نقله الماوردي(٢) عن عائشة؛ أنه الذي يأكل في
سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبرك في سواء، يعني
أن مواضع هذه من بدنه سواد، وباقیه بیاض.
الوجه الثاني: في قصد أضحيته بالأملح وجهان، حكاهما
الماوردي(٣) والرافعي:
أحدهما: لحسن منظره. وثانيهما: لشحمه وطيب لحمه، لأنه
نوع [يتميز] (٤) عن جنسه.
الوجه الثالث: قوله (أقرنين)، أي: لكل واحد منهما قرنان
حسنان .
وقوله: ((ووضع رجله على صفاحهما))، أي: صفحة العنق
وهو جانبه، وفعل هذا ليكون أثبت له وأملكه، لئلا تضطرب الذبيحة
برأسها، فيمنعه من إكمال ذبحها أو تؤذيه، وورد النهي في بعض
الأحاديث(٥) عن هذه لكن لا تقاوم هذا.
(١) الصحاح، مادة (م ل ح)، ومختار الصحاح (٢٦٤).
(٢) الحاوي الكبير (٨٣/١٩).
(٣) المرجع السابق.
(٤) في المرجع السابق (متميز).
(٥) من حديث ابن عباس قال: مر رسول الله وَّر على رجل واضع رجله على
صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها. قال: أفلا قتل =
١٨١

الوجه الرابع: في أحكامه :
الأول: شرعية الأضحية، ولا خلاف أنها من شرائع الدين،
وهي: سنة مؤكدة على الكفاية وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وبه
قال أحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: هي واجبة على:
المقيمين من أهل الأمصار. ويعتبر في وجوبها النصاب، وهو قول
[١/٢٥٨/ب] مالك والثوري /، ولم يعتبر مالك الإقامة، واستثنى الحاج بمنى (١).
الثاني: تقديم الغنم في الأضاحي على الإِبل، بخلاف الهدايا،
فإن الإِبل فيها مقدمة، وهو قول المالكية(٢)، والشافعية(٣)، قدموا.
الإِبل عليها، وقد يستدل المالكية باختيار النبي ويشير الغنم وباختيارها.
تعالى في [فداء] (٤) الذبيح(٥).
هذا أو يريد أن يميتها موتتين.
=
البيهقي (٢٨٠/٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٦/٤): ورجاله
رجال الصحيح. أهـ، لكن الحديث ليس فيه النهي عن وضع الرجل على:
صفحة العنق، وإنما المقصود منه النهي عن إحداد الشفرة وهي تنظر إليه ،،
ويدخل ذلك تحت الأمر بإحسان الذبح، وبهذا جاء تبويب البيهقي في.
سننه فقال: باب الذكاة بالحديد وبما يكون أخف على المذكي وما
يستحب من حد الشفار ومواراته عن البهيمة وإراحتها .
(١) الاستذكار (١٥٥/١٥، ١٥٧).
(٢) الاستذكار (١٣٦/١٥، ١٤١).
(٣) الحاوي الكبير (٩٢/١٩).
(٤) في ن هـ (في هذا).
(٥) في ن هـ في الحاشية: وصفه تعالى بالعظمة، لأنه رعى في الجنة سبعين
خريفاً، أو لأنه لم يكن من نسله حيوان، وإنما هو مكون بالقدرة؛ أو لأنه =
١٨٢

الثالث: استحباب تعداد الأضحية، فإنه عليه الصلاة والسلام
ضحى بكبشين حتى قال أصحابنا: سبع شياه أفضل من بعير، لأن
الدم المراق أكثر، والقربة تزيد بحسبه.
الرابع: استحباب الأضحية بالأقرن، وقام الإِجماع على
جوازها بالأجم، الذي لم يخلق له قرنان. واختلفوا في مكسور
القرن، فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، سواء يدمي أم لا،
وكرهه مالك إذا كان يدمي، وجعله غيباً(١).
الخامس: استحباب أحسنها وأكملها واختيار ذلك لها، وهو
مجمع عليه وعلى عدم إجزاء المعيبة منها بالعيوب الأربعة الثابتة في
الحديث الصحيح (٢) في السنن الأربعة من حديث البراء رضي الله
عنه، وهي ((المرض والعجف والعَوَرُ والعرج البين)) وكذا ما كان في
معناها(٣).
=
غُدِيَ به عظيم، أو لأنه مضى سنة إلى يوم القيامة. حاشية.
(١) انظر: الاستذكار (١٣١/١٥، ١٣٣).
(٢) أبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، وابن ماجه (٣١٤٤)، والمسند
(٢٨٤/٤، ٢٨٩)، والموطأ (٤٨٢)، والدارمي (٧٦/٢)، والبيهقي في
السنن (٢٧٣/٩).
(٣) قال أبو عمر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٢٤/١٥، ١٢٩)، أما
العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث مجمع عليها، لا أعلم [خلافاً]
بين العلماء فيها، ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها، فإذا كانت
العلة في ذلك قائمة، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز في الضحايا، فالعمياء
أحرى ألا تجوز، وإذا لم تجز العرجاء، فالمقطوعة الرجل أحرى ألا =
١٨٣

السادس: استحباب استحسان لون الأضحية، وهو مجمع
عليه، وقد قال صاحب ((المهذب))(١) والرافعي من أصحابنا:
أفضلها البيضاء ثم [العفراء] (٢) وهي التي لا يصفو بياضها ثم
السوداء، وفي ((صحيح الحاكم)) (٣) من حديث أبي هريرة رفعه
(دم عفراء أحب إلى الله تعالى من دم سوداوين))، ورأي الإمام أن
أفضلية البياض تعبداً، ومنهم من ادعى أنها أحسن منظر أو أطيب
لحماً. وأبدل صاحب ((التنبيه)) العفراء بالصفراء، وأدخل ابن الصباغ
بين العفراء والسوداء البلقاء، وكذا النووي في ((شرح المهذب))(٤)
.تجوز، وكذلك ما كان مثل ذلك كله، وفي هذا الحديث دليل على أن
=
المرض الخفيف يجوز في الضحايا والعرج الخفيف الذي تلحق به الشاة
في الغنم، لقوله ◌َّة: ((البين مرضها، والبين ضلعها)»، وكذلك النقطة في
العين إذا كانت يسيرة، لقوله: [العوراء] البين عورها، وكذلك المهزولة
التي ليست بغاية في الهزال، لقوله: ((والعجفاء التي لا تنقي))، يزيد بذلك
التي لا شيء فيها من الشحم. والنقي: الشحم.
كذلك جاء في هذا الحديث لبعض رواته، وقد ذكرناه في التمهيد، ولا
خلاف في ذلك أيضاً.
ومعنى قول شعية فيه :: والكسير التي لا تنقي، يريد الكسير التي لا تقوم؛
ولا تنهض من الهزال ... إلخ ما ذكر.
(١) متن المهذب مع المجموع شرح المهذب (٣٩٦/٨).
(٢) في المرجع السابق (الغبراء) ...
(٣) البيهقي (٢٧٣/٩)، وفي لفظ: (دم عفراء أحب إليَّ من دم سوداوين)
أحمد (٤١٧/٢)، والمستدرك (٢٢٧/٤).
(٤) المجموع شرح المهذب (٣٩٦/٨، ٣٩٧).
١٨٤

زاد الماوردي(١): الحمراء بين الصفراء والبلقاء. قال: إلا أنَّ لحم
السوداء أطيب. قال: وحكى ابن قتيبة أن مداومة أكل [لحوم](٢)
[السود](٣) يحدث موت الفجأة، قال الماوردي: فإن اجتمع حسن
المنظر مع طيب اللحم فهو أفضل، وإن افترقا كان طيب المخبر،
[أحسن] (٤) من حسن النظر.
ونقل النووي في ((شرح مسلم)»(٥) عن الأصحاب ذكر الصفراء
بين البيضاء والغبراء، وبعد الغبراء البلقاء ثم السوداء.
السابع: استحباب تولي الإِنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل فضيلة نولي
فيها إلاَّ لتعذر وحينئذٍ يستحب أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها أضحيته وجواز
المضحي
مسلماً جاز، وإن استناب كتابيًّا كره كراهة تنزيه، وأجزاه، ووقعت /
الاستنابة
[١/٢٥٩/ ١]
الضحية عن الموكل. وبهذا قال الشافعي والعلماء كافة إلاَّ مالكاً في
إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيًّا
وامرأة حائضاً، لكن / يكره توكيل الصبي لا الحائض على الأصح (٢١٦/ هـ/ب]
من رواية ((الروضة)) (٦)، لأنه لم يصح فيه نهي، والأولى أن يوكل
مسلماً فقيهاً بباب الذبائح والضحايا، لأنه أعرف بشروطها وسننها،
والحائض أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي.
(١) الحاوي الكبير (٩٣/١٩).
(٢) في المخطوطتين (الجداء)، وما أثبت من المرجع السابق.
(٣) في المرجع السابق (السواد).
(٤) في المرجع السابق (أفضل).
(٥) (١٢٠/١٣).
(٦) الروضة (٢٠٠/٣).
١٨٥

الثامن: شرعية التسمية عليها وعلى سائر الذبائح، وهو إجماع
لكن هل هذه المشروعية على وجه الاشتراط أو الاستحباب؟ فيه
خلاف سلف في الباب قبله.
التاسع: استخباب التكبير مع التسمية عند الذبح، فيقول :.
باسم الله، والله أكبر.
العاشر: استخباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية
الأيمن، واتفقوا على أن اضجاعها [يكون](١) على جانبها الأيسر،
وإذا كان كذلك كان وضع الرجل على الجانب الأيمن؛ قالوا: لأنه
أسهل على الذابح في أخذ السكين وإمساك رأسها باليسار.
(١) زيادة من ن هـ.
١٨٦

باب الأشربة
١٨٧

٧٨ - باب الأشربة
ذکر فیه - رحمه الله - ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول
٧٨/١/٤٠٧ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر
قال على منبر رسول الله وَالله: ((أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم
الخمر وهي من خمسة من [العنب](١) والتمر، والعسل، والحنطة،
والشعير، والخمر: ما خامر العقل ثلاث، وددت أن رسول الله وَل فيلم
كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من
أبواب الربا))(٢).
(١) في الأصل (العم)، وما أثبت من ن هـ وإحكام الأحكام.
(٢) البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢)، والترمذي (١٨٧٤)، وأبو داود
(٣٦٦٩)، والنسائي (٢٩٥/٨)، وابن الجارود (٨٥٢)، والبغوي
(٣٠١١)، والبيهقي (٢٨٨/٨، ٢٨٩)، وعبد الرزاق (١٧٠٥٠،
١٧٠٥١)، وابن أبي شيبة (١٠٥/٨)، والدار قطني (٢٤٨/٤،
٢٥٢).
١٨٩

الكلام علیه من وجوه :
أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف أول الكتاب، وولده
سلف في باب الاستطابة، وهذا الحديث ذكره البخاري هنا، ومسلم
في آخر صحيحه في التفسير.
الثاني في ألفاظه: ((المنبر)» سلف الكلام عليه في باب الجمعة.
و ((أما بعد)) سلف الكلام عليه في الخطبة . .
وقوله: ((أيها الناس)) الأصل: يا أيها الناس، فحذف حرف
الكلام على.
(أيها الناس" النداء، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها حذف حرف النداء،
والنعت هنا نعت لا يستغني عنه، وهو أيضاً أحد المواضع التي يلزم
فيها النعت وجوباً ؛
وقوله: ((إنه نزل تحريم الخمر)) يريد والله أعلم قوله تعالى:
﴿إِنََّا اُلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ... ﴾(١) الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ
-
أَنْ يُوقِعَ ... ﴾(٢) الآية، والإجماع قائم الآن على تحريم الخمر
[٢٥٩/أ/ ب] العنبي والني وكانت / تشرب في أول الإِسلام، لكن هل هو
الاستصحاب حكمها في الجاهلية، أم لشرع ورد في إباحتها؟ فيها
وجهان: رجح الماوردي(٣) الأول ووجه الثاني، قوله تعالى:
﴿لَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٤)، أي: ما يسكر، قاله ابن عباس(٥) وغيره.
(١) سورة المائدة: آية ٩٠.
(٢) سورة المائدة: آية ٩١.
(٣) الحاوي الكبير (٢٦٥/١٧).
(٤) سورة النحل: آية (٦٧).
(٥) تفسير الطبري (١٣٤/٨، ١٣٥)، تفسير ابن كثير (٥٧٥/٢) ..
١٩٠

ثم حرمت في آيات: ﴿﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾(١)، ﴿لَا تَقْرَبُواْ
اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾(٢)، ﴿إِنَّمَا الْخَتُ﴾(٣)، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَّ﴾(٤)،
إلى قوله: ﴿ بَطَنَ﴾ .
ووقع التحريم بالأولى(٥) عند الحسن البصري وبالثالثة عند
الأكثرين، ولما قدم الدارميون من تخمر في ربيع الأول سنة سبع من
الهجرة وكانوا عشرة أنفس. هانىء بن حبيب، الفاكة بن النعمان،
وجبلة بن مالك، وأبو هند بن برة وأخوه الطيب بن برة، وتميم بن
أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة بن مالك وأخوه
مرة بن مالك. أهدوا إلى رسول الله وَلخير راوية خمر، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((إن الله قد حرم الخمر))، فسألوه عن بيعها، فقال:
(«إن الذي حرم شربها حرم بيعها)».
وبسبب نزول الآية الأولى من الآيات الأربعة فيما ذكره
المفسرون أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار
سألوا رسول الله بَّر، وقالوا أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة
للعقل مسلبة للمال، فنزلت الآية فتركها قوم للإِئم، وشربها قوم
لقوله: ﴿ومنافع﴾، إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا
ناساً من أصحاب رسول الله وَالخير، وآتاهم بخمر، فشربوا، وسكروا،
(١) سورة البقرة: آية ٢١٩.
(٢) سورة البقرة: آية ٤٣ .
(٣) سورة البقرة: الآيتان ٩٠، ٩١.
(٤) سورة الأعراف: آية ٣٣.
(٥) أي بالآية الأولى.
١٩١

--
فحضرت صلاة المغرب، فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ: (قل يا
([٢١٧/ د/ب) أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون)) هكذا إلى آخر السورة بحذف / ((لا))
فأنزل الله الآية الثانية السالفة، فحرمت في أوقات الصلاة، فتركها
قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة. وتركها قوم
في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة حتى كان الرجل
يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد
الصبح فيصحوا إذا جاء الظهر. واتخذ غسان بن مالك طعاماً ودعا
رجالاً من المسلمین منهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوی لهم
رأس بعير فأكلوا منه، وشربوا حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا
عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها
هجاء الأنصار وفخر لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير
[٢١٧/ أ/ أ] فضرب به رأس سعد فشجع فرضخه / .
فانطلق به سعد إلى رسول الله وَله، فشكا إليه الأنصاري، فقال
عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً. فأنزل الله الآية الثالثة
السالفة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والأحزاب سنة أربع.
وقيل: خمس فقال: عمر انتهينا يا رب(١).
قال أنس: حرمت ولم يكن للعرب عيش أعجب منها، وما
حرم عليهم شيء أشد منها.
١
وقال ابن دحية في كتابه «وهج الخمر في تحريم الخمر» كان
تحريمها في السنة الثالثة بعد أحد، وفي هذه الآية أعني - الثالثة للـ
(١) انظر: تفسير الطبري (٣٦٢/٢) (٩٥/٤) (٣٢/٥).
١٩٢

عشرة أدلة على التحريم منها. وصفها بأنها ((رجس من عمل
الشيطان)»(١) الرجس المحرم بدليل قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ
إِلَّ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾(٢).
وضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام(٣).
ورجا الفلاح(٤): باجتنابها وإرادة الشيطان إيقاع العداوة بين
(١) الرجس فيه أربعة أوجه:
أحدها: السخط .
والثاني: شر.
والثالث: إثم.
والرابع: حرام.
وأصل الرجس: المستقذر، والممنوع منه، فعبر به عن ذلك لكونه ممنوعاً
منه .
(٢) سورة الأنعام: آية ١٤٥ .
(٣) الأنصاب والأزلام فيهما قولان:
أحدهما: أن الأنصاب، الأصنام التي تعبد. و ((الأزلام))، قداح من خشب
يستقسم بها.
والثاني: أن الأنصاب، حجارة حول الكعبة كانوا يذبحون عليها.
و(الأزلام)) تسع قداح ذوات أسماء حكاها الكلبي. ويستقسمون بها في
أمورهم، ويجعلون لكل واحد منها حكماً.
ثم قال: «فاجتنبوه» یحمل وجھین.
أحدهما: فاجتنبوا الرجس أن تفعلوه.
والثاني: فاجتنبوا الشيطان أن تطيعوه.
(٤) في قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾، فیه وجهان:
أحدهما: تهتدون، والثاني: تسلمون.
١٩٣

المؤمنين بسببها. وإرادة إيقاع البغضاء بها(١). وضدها عن ذكر الله،:
وعن الصلاة(٢) وكونها من عمل الشيطان(٣) وإرادة الشيطان لما
يترتب عليها، ومجرده يقتضي تحريمها واستفهام الانتهاء عنها.
بهل (٤)، وهو يقتضي البلاغة في النهي واللطف في طلب النهي ..
ويتضمن ذلك فضل الباري علينا في جميع الوجوه، وهذا إبلاغ في:
الوعيد ونهاية في التهديد. فتحريمها الآن معلوم من الدين:
بالضرورة، ومن أحلها كفر بإجماع.
وقوله: ((وهي من خمسة)): الظاهر أن هذه الواو عاطفة للجملة
على التي قبلها، والمعنى على أنه أخبر أن الخمر يكون لنا من خمسة
أشياء، ويجوز أن تكون ((واو)) الحال والمعنى نزل تحريم الخمر في
حال كونها تعمل من خمسة أشياء، فلا يقتصر عليها، بل غيرها مما
(١) وذلك بحضور الشر والتنافر لحدوث السكر وغلبة القمار.
(٢) فيه وجهان:
أحدهما: أن الشیطان یصدکم عنه.
والثاني: أن سكر الخمر يصدكم عن معرفة الله وعن الصلاة. وطلب الغلبة
في القمار يشغل عن طاعة الله، وعن الصلاة .
(٣) أي: مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به، لأنه لا يأمر إلاَّ بالمعاصي،
ولا ينهى إلاَّ عن الطاعات.
(٤) في قوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فيه وجهان:
أحدهما: منتهون عما نهى عنه من الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام،
فأخرجه مخرج الاستفهام وعيداً وتغليظاً.
والثاني: فهل أنتم منتهون عن طاعة الشيطان فيما زينه لكم من ارتكاب
هذه المعاصي. اهـ. وما سبق من الحاوي (١٩/ ٢٧٤، ٢٧٥).
١٩٤

في معناها ملحق به، ولهذا قال بعد: والخمر ما خامر العقل، وقال
ذلك في خطبته بمشهد من الصحابة وغيرهم، وأقروه ولم ينكروا
عليه، فصار إجماعاً.
وقوله: ((والخمر ما خامر العقل))، أي: غطاه، وهو مجاز
تشبيه من باب تشبيه المعنى بالمحسوس.
و ((العقل)) هو آلة التمييز، فلذلك حرّم ما خامره، لأن به يزول
الإدراك الذي طلبه الله تعالى من عباده، ليقوموا بحقوقه.
وقوله: ((عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه)).
إنما رد ذلك لأنه أبعد عن محذور الاجتهاد، وهو الخطأ على
تقدير وقوعه، وإن كان مأجوراً عليه أجراً واحد بخلاف النص، فإنه
إصابة محضة .
وقوله: ((الجد)) يريد ميراثه، وقد كان للسلف فيه خلاف كثير،
ومذهب الصديق أنه كالأب عند عدمه. وقال عمر: قضيت في الجد
بسبعين قضية لا ألوي في واحدة / منها عن الحق، وكان السلف [١/٢٦٠/ب]
يحذرون من الخوض في مسائله وفي حديث روي، مرفوعاً،
وموقوفاً وهو الصواب ((أَجْرَأُكُم على قَسْمِ الجدِّ أجرأكم على النار)».
وقوله: ((والكلالة)» اختلف الناس فيها على خمسة أقوال،
ذكرتها في ((شرحي لفرائض الوسيط)). وذكرت فيه عن الجمهور أنه
القريب الوارث الذي ليس باب ولا ابن، وذكرت فيه هناك حديثين
صحيحين. وآية الكلالة نزلت على النبي ◌َّله وهو في طريق مكة في
حجة الوداع، وتسمى آية الصيف.
١٩٥

وقوله: ((وأبواب من أبواب الربا»، أي: فإن تفاصيله كثيرة
وللاشتباه يقع فيه كثيراً.
الوجه الثالث: في أحكامه.
الأول: الخطبة على منبر.
الثاني: ذکر «أما بعد» فيها.
الثالث: ((التنبيه)) بالنداء.
الرابع: ذكر الدليل على المقصود فيها .
الخامس: تحريم الخمر.
· إلحاق كل مسكر
بهذه الخمسة
السادس: إلحاق ما عداها من المسكر بها، سواء في ذلك نبيذ
التمر والزبيب والعسل والحبوب وأنواع ذلك جميعه مما ينبذ. وهذا
مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً.
وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب ونقيع
الزبيب النيء، فأما المطبوخ منهما والنيء والمطبوخ مما سواهما
فحلال ما لم يشرب ويسكر. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير
ثمرات النخل والعنب. قال: فسلاقة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلاّ
أن يطبخ حتى ينقص ثلثاها. قال: وأما نقيع التمر والزبيب فيحل
مطبوخهما وإن مسته النار شيئاً من غير اعتبار لحد، كما اعتبر في
سلاقة العنب. قال: والنيء منه حرام، ولكن لا يحد شاربه. هذا
کلامه ما لم یشرب ویسکر فإن سکر فهو حرام بالإجماع .
.. واحتج الجمهور: بأن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر
١٩٦

كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع
المسكرات، فوجب طرد الحكم في جميع محاله، وأورد على هذا
بأنه إنما يحصل المعنى في الإِسكار، وهو مجمع على تحريمه .
وأجيب: بأنا أجمعنا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر،
وقد علل الله سبحانه تحريمه بما سبق، فإذاً ما سواه في معناه،
ووجب طرد الحكم في الجميع، ويكون المحرم الجنس المسكر،
وعلل بما يحصل من الجنس في العادة.
قال المازري: وهذا الاستدلال آكد مما يستدل به في هذه
المسألة. قال: ولنا في الاستدلال طريق آخر، وهو أن نقول: إذا
شرب سلاقة الخمر عند اعتصارها، وهي حلوة لم يسكر فهو حلال
بالإجماع، فإن اشتدت وأسكرت /. حرمت بالإِجماع، فإن تخمرت [١/١/٢٦١]
من غير تخليل آدمي حلت، فنظرنا إلى تبدل هذه الأحكام، ويحددها
عند تحدد صفات تبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط الأحكام بهذه
الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بالنطق، فوجب جعل الجميع سواء
في الحكم.
واحتجوا أيضاً من السنة. بهذا الحديث وبحديث عائشة الآتي
بعده. وبالحديث الآخر الصحيح: ((كل مسكر خمروكل خمر
حرام)»(١)، وغير ذلك من الأحاديث.
(١) من رواية ابن عمر أخرجه مسلم (٢٠٠٣)، وأبو داود (٣٦٧٩)،
والترمذي (١٨٦١)، والنسائي (٢٩٦/٨، ٢٩٧)، والبيهقي (٢٨٨/٨)،
والدارقطني (٢٤٨/٤)، وأحمد في كتاب الأشربة (٢٦، ١٠٢).
١٩٧

قال ابن عبد البر (١): لا خلاف في الأخذ بقوله عليه الصلاة
والسلام: ((كل مسكر حرام))، واختلفوا في تأويله: هل المراد الجنس
والقدر؟
فالجمهور: أنه الجنس قل أو كثر.
وقال: قال أهل العراق، القدر المسكر. ومنطقهم به ضعيف،
ورأيهم فيه سخيف .
وقال البزار والنسائي والعقيلي وغيرهم: المروي في هذا
الباب عن ابن عباس وعلي وأبي سعيد الخدري وغيرهم من قوله:
[حرمت الخمر لعينها والمسكر من غيرها](٢) رجاله بين ضعيف
ومتروك ومجهول.
السابع: التنبيه على شرف العقل وفضله.
الثامن: رد الإنسان للخير وعدم الاشتباه والبيان الواضح لعدم
وقوع الاختلاف وإرادة الوفاق.
التاسع: إبراز ذلك وإيضاحه للناس.
العاشر: أن المعتبر في الأحكام الشرعية مفاهيم الصحابة
ولغاتهم، فإن الكتاب نزل بلغتهم.
(١) التمهيد (٢٥٦/١، ٢٥٧).
(٢) لفظ الحديث من رواية ابن عباس في سنن النسائي الكبرى (٣٣٣/٣):
(أ) (حرمت الخمر قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب).
(ب) (حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب).
(ج) (حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب) لم
يذكر ابن الحكم قليلها وكثيرها.
١٩٨

الحادي عشر: قال الخطابي(١) فيه القياس وإلحاق حكم
الشيء بنظيره.
الثاني عشر: قال: فيه دليل أيضاً على جواز إحداث الاسم
للشيء من طريق الاشتقاق بعد أن لم يكن.
(١) معالم السنن (٢٥٨/٥).
١٩٩

الحديث الثاني
٧٨/٢/٤٠٨ - عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله وَل،
سئل عن البتع؟ فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)) (١).
(٢) البتع : نبيذ العسل.
الكلام علیه من وجوه :
ضبط (البنع٤
: أحدها: ((البتع)) بباء موحدة مكسورة ثم تاء مثناة فوق ساكنة
وبفتحها أيضاً حكاه الجوهري(٣) ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل،
كما ذكر المصنف، وهو شراب أهل اليمن.
ثانيها: هذا الحديث من جوامع كلمه اص لا .
ثالثها: فيه أنه يستحب للمفتي إذا رأى بالسائل حاجة إلى ما.
.
(١) البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١)، والنسائي (٢٩٨/٨)، وأبو داود
(٣٦/١٢)، والترمذي (١٨٦٣)، وأحمد (٣٦/٦، ٩٦، ٢٢٥)، وفي:
الأشرية له (١، ٤٢)، والطيالسي (١٤٧٨)، وابن ماجه (٣٣٨٦)، وابن
الجارود (٨٥٥)، والدارمي (١١٣/٢)، والدارقطني (٢٥١/٤)، والبغوي
(٣٠٠٩).
.
(٢) في متن حاشية إحكام الأحكام زيادة (قال رضي الله عنه).
(٣) الصحاح. باب العين فصل الباء (١١٨٣).
٢٠٠