النص المفهرس

صفحات 41-60

كلها كبائر. وحكاه القاضي عياض عن المحققين، لأن كل مخالفة
فهي بالنسبة إلى جلال الله [تعالى] (١) كبيرة، ولهذا قال السلف
رحمة الله عليهم: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى من عصيت.
لكن جمهور السلف والخلف على الأول، وهو مروي عن ابن عباس
أيضاً. قال الغزالي في ((بسيطه)): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة
لا يليق بالفقه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع وقاله أيضاً غير الغزالي
بمعناه. ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله
تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما
تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة
أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة أو غير
ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى ما لا تكفره ذلك
كما ثبت في الصحيح: ((ما لم تغش الكبائر)) فسمى الشرع ما تكفره
الصلوات ونحوها صغائر وما لا تكفره كبائر [وهذا حسن بالغ](٢)
ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى،
فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها، لكونها أقل قبحاً، ولكونها
ميسرة التكفير.
الثانية: درجات الكبائر متفاوتة بحسب تفاوت مفاسدها، ولا تفاوت الكبائر
يلزم من كون هذا أكبر الكبائر استواء رُتبها أيضاً في نفسها، فإن
الإشراك بالله تعالى أعظم الكبائر، ويليه قتل النفس بغير حق، كما
نص عليه الشافعي في ((مختصر المزني))، واتفق عليه الأصحاب. قال
(١) في ن هـ ساقطة، وما أثبت يوافق شرح مسلم (١/ ٨٤، ٨٥).
(٢) في شرح مسلم (٨٥/١) (ولا شك في حسن هذا).
٤١

عليه الصلاة والسلام: ((لا يزال ابن آدم في فسحة من دينه ما لم
يصب دماً حراماً)(١)، وأما ما سواهما من الزنا واللواط وعقوق
الوالدين [والسحر] (٢) وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف وأكل
الربا وغير ذلك فلها تفاصيل وأحكام يعرف بها مراتبها، ويختلف
أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، كما قدمناه وعلى
[١/٨/٢٠٠] هذا يقال في كل واحدة منها / هي من أكبر الكبائر، وإن جاء في
[٢٣٣/ ١/١] موضع هي أكبر الكبائر، كما يقال في / أفضل الأعمال.
الخلاف في
معرفة الكبائر
الثالثة: اختلفوا في أن الكبائر كلها معروفة أم لا؟ على قولين
وبالثاني قال الواحدي وجماعات وأنه الصحيح، وإنما ورد الشرع
بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر وأنواع بأنها صغائر وأنواع لم
توصف وهي مشتملة على كبائر وصغائر. والحكمة في عدم بيانها أن
يكون العبد ممتنعاً من جميعها مخافة أن تكون من الكبائر. وبالأول
قال الأكثرون.
الخلاف في
معرفة الكبائر
ثم اختلفوا في أنها معروفة بحد وضابط [أو](٣) بالعدد على
بحد وضابط قولين وبالثاني قال جماعات وفي الصحيح أنها ثلاث وفي رواية
(أربع)) وفي أخرى ((سبع)).
:
(١) البخاري (٦٨٦٢) عن ابن عمر، ومن رواية ابن مسعود في الكبير
للطبراني (٩٠٧١)، قال في الفتح (١٨٨/١٢): بسند رجاله ثقات إلاَّ أن
فيه انقطاعاً .
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) زيادة من ن هـ.
.-
٤٢

واختلف في عدد [ذلك](١) السبع [وعلى روايات](٢) وهذه
الصيغة وإن كانت تقتضي الحصر فهو غير مراد، وإنما وقع الاقتصار
عليها لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت
عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وذلك
ظاهر في إرادة البعض، ويكون التقدير من الكبائر، ولهذا ثبت في
الصحيح ((إن من [أكبر] الكبائر شتم الرجل والديه)) (٣)، وإن منها
عدم الاستبراء من البول، وإن منها النميمة. وجاء أن منها اليمين
الغموس واستحلال بيت الله الحرام. وقد ذكر أصحابنا جملة
مستكثرة. منها في الشهادات وتبعتهم في ((شرح التنبيه)). وروي عن
ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي فقال: هي إلى السبعين،
ويروى إلى سبعمائة أقرب.
والقول الثاني: أنها معروفة بحد وضابط واختلف فيه على تعريف الحد
والضابط في
الكبائر
آراء:
منها: ما روي عن ابن عباس أنه كل ذنب ختمه الله بنار
أو غضب أو لعنة أو عذاب.
ونحو هذا عن الحسن البصري.
ومنها: أنها ما أَوْعَدَ الله عليه بنارٍ أو حد في الدنيا.
(١) في ن هـ (تلك).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأبو داود (٥١٤١)، والترمذي (١٩٠٢)،
أحمد (١٩٥/٢)، البغوي في السنة (٣٤٢٧). من رواية ابن عمرو وما بين
القوسين زيادة من البخاري وبدل (شتم) (سب).
٤٣

ومنها: عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي هي جميع ما نهى الله
عنه من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. وهي: ((إن تجتنبوا)) ..
ومنها: أنها كل ما قرن به وعيد أو لعنة أو حد فتغيير منار
الأرض كبيرة لاقتران اللعن به. وكذا قتل المؤمن لاقتران الوعید به،
والمحاربة والزنا والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها واللعنة
ببعضها .
ومنها: ما قاله الغزالي في ((بسيطه)) أنها كل معصية يقدم المرء
علیها من غير استشعار وخوف وحذر وندم كالمتهاون بارتكابها
والمتجرىء عليها اعتياداً؛ فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو
كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك
عن ندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة،
وليس هو بكبيرة.
ومنها ما قاله ابن الصلاح في ((فتاويه)) (١) أنها كل ذنب وعظم
عظماً يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبير ووصف بكونه عظمياً على
الاطلاق .
ه
أمارات الكبائر
:
ولها أمارات [(٢)] منها: إيجاب الحد.
ومنها: الإِيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو /
[١/٢٣٣/ب]
السنة .
(١) الفتاوى لابن الصلاح (١٤٨).
(٢) في الأصل زيادة واو، وما أثبت من ن هـ، ويوافق شرح مسلم (٨٥/١).
٤٤

ومنها: وصف فاعلها بالفسق.
ومنها: اللعن.
ومنها: ما قال ابن عبد السلام في ((قواعده)) (١) إذا أردت الفرق مفاسد الكبائر
والصغائر
بينهما فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر [المنصوص عليها؛
فإن نقصت عن أقلّ مفاسد الكبائرفهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى
مفاسد الكبائر](٢) وأَرْبَتْ عليها فهي من الكبائر فمن شتم الرب
سبحانه وتعالى أو رسوله أو استهان بالرسل أو كذب واحداً منهم
أو ضمَّخ الكعبة بالقذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من
أكبر الكبائر ولم يصرّح الشرع بأنه كبيرة (٣)، وكذلك لو أمسك امرأة
محصنة [ثم زنى](٤) بها أو مسلماً [ثم](٥) يقتله فلا شك / أن مفسدة [٢٠٠/ هـ/ب]
ذلك أعظم من مفسدة[(٦)] مال اليتيم مع كونه من الكبائر، وكذلك
لو دل الكفار على عورة [المسلمين] (٧) مع علمه بأنهم يستأصلون
بدلالته ويَسْبُون حرمهم وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فإن تسببه إلى
هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من
(١) قواعد الأحكام (١٩).
(٢) زيادة من ن هـ، والمرجع السابق، وشرح مسلم (٨٦/١).
(٣) مراد المؤلف - رحمنا الله وإياه -: أنه لم يرد نص خاص في هذا ومع
ذلك فھو من أكبر الكبائر.
(٤) في المراجع السابقة (لمن يزني).
(٥) المراجع السابقة (لمن).
(٦) في المراجع السابقة زيادة (أكل).
(٧) في ن هـ (المسلم)، وما أثبت يوافق المراجع السابقة.
٤٥

الكبائر، وكذلك لو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه يقتل بسببه [أما
إذا كذب عليه كذباً](١) يؤخذ منه بسببه تمرة فليس كذبه من الكبائر؛
قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من
الكبائر. فإن وقعا في مال خطير(٢) فظاهر، وإن وقعا في حقير [(٣)]
فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاماً عن هذه المفاسد، كما جعل شرب
قطرة من خمر من الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط
ذلك بنصاب السرقة. قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد
الزور متسبب [فيه](٤)، والحاكم مباشر، فإذا جعل التسبب كبيرة ..
فالمباشرة [أولى](٥) (٦) قال: وقد ضبط بعض العلماء] الكبائر فإنها
كل ذنب قرن به وعيد أو حدّ أو لعن، فعلى هذا كل ذنب علم أن
مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو الحد أو اللعن أو أكبر من:
مفسدته فهو كبيرة (٧) ثم قال: الأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بها:
ومن مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قالوا:
(١) في كتاب القواعد (ولو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه).
(٢) في المرجع السابق زيادة (فهذا) ..
(٣) في كتاب القواعد (كزبيبة وتمرة فهذا مشكل).
(٤) في ن هـ ساقطة، وفي كتاب القواعد (متوسل وفي شرح مسلم يوافق ن هـ.
(٥) في القواعد (فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة).
(٦). أسقط من كتاب القواعد قرابة صفحة وما أثبت يوافق نقله من شرح
مسلم.
(٧) في أول ص ٢١ وما بعده في نهاية ص ٢٢، من القواعد، وما أثبت يوافق
نقله من شرح مسلم.
٤٦

وهذا سببه بإخفاء ليلة القدر وساعة يوم الجمعة وساعة إجابة الدعاء
في الليل واسم الله الأعظم ونحوذلك مما أُخفي واعترض الشيخ
تقي الدين(١) فقال: سلك بعض المتأخرين طريقاً في معرفة الفرق
بينها فأعرض مفسدة الذنب فذكره إلى قوله مع كونه من الكبائر،
وعنى به الشيخ عز الدين وهذا الذي قاله عندي داخل فيما نص عليه
الشرع بالكفر إن جعلنا المراد بالإشراك بالله مطلق الكفر على ما
سلف، ولا بد مع هذا من أمرين :
أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر
آخر. فإنه قد يقع الغلط في ذلك. ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن
مفسدة الخمر / السكر وتشويش العقل، فإن أخذنا هذا بمجرده [١/٢٣٤/أ]
لزم منه أن لا يكون من شرب القطرة الواحدة كبيرة [(٢)] لأنها
- وإن خلت عن المفسدة المذكورة - إلاّ أنه يقترن بها مفسدة
التجريء على شرب الخمر الكثير الموقع في المفسدة، فبهذا
الاقتران تصير كبيرة.
الثاني: أَنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض
الوسائل إلى بعض الكبائر مساوية لبعض الكبائر، أو زائدة عليها،
فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلماً معصوماً لمن
يقتله، فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال الربا، أو أكل مال اليتيم،
وهما منصوص عليهما. وكذلك لو دل على عورة من عورات
المسلمين تُفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم، كان
(١) إحكام الأحكام (٤ / ٤٤١).
(٢) في المرجع السابق (لخلائها عن المفسدة المذكورة، لكنها كبيرة).
٤٧

ذلك أعظم من فراره يوم الزحف [والفرار من الزحف](١) منصوص
عليه دون هذه. وكذلك نفصِّل على هذا القول الذي حكيناه من أن
الكبيرة ما رتب عليها اللعن، أو الحد، أو الوعيد. فتعتبر المفاسد
بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، فما ساوى أقلها فهو كبيرة،
وما نقص عن ذلك فليس بكبيرة.
التحذير من
الإصرار على
الصغائر
تذنيب: الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وقد روي عن
عمر وابن عباس وغيرهما («لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع
إصرار)»، ومعناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة
بالإصرار، قال الشيخ عز الدين في [((قواعده))] (٢) والإصرار أن يتكرر
منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة،
بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر
مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر.
[٢٠١/ هـ/١]. وقال ابن الصلاح / في ((فتاويه)) الإصرار التلبس بضد التوبة
باستمرار العزم على المعاودة. [واستدامة] (٣) الفعل بحيث يدخل (٤).
به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيراً [(٥)] عظيماً وليس
!
[لزمان](٦) ذلك وعدده حصر.
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن هـ. انظر: قواعد الأحكام (٢٢، ٢٣).
(٣) في الفتاوى (أو باستدامة)، وأيضاً في شرح مسلم.
(٤) في المراجع السابقة زيادة (ذنبه).
(٥) في الفتاوى (واو).
(٦) في المخطوط (لزمك)، وما أثبت من الفتاوى.
٤٨

الرابعة: العقوق مأخوذ من العق وهو القطع وعدم وصله معنى (العقوق))
الرحم. قال صاحب (المحكم)(١): رجل عُقَقٌ وعُقُق وعَقُّ وعاقٌ
بمعنى واحد وهو الذي شق عصى الطاعة لوالديه وقد أسلفنا الكلام
على هذه المادة في الحديث الثاني من باب الذكر عقب الصلاة كما
سلف في الباب الإشارة إليه.
وأما حقيقة العقوق المحرم شرعاً [فقل](٢) من ضبطه وضبط حقيقة العقوق
الواجب [والمحرم] (٣) من [الطاعة لها والمحرم] (٤) من العقوق لهما
فيه عسر ورتب العقوق مختلفة، وقد قال الشيخ عز الدين(٥) كما
حكيناه عنه ثم لم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من
الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما
يأمران / به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء، أي وإنما [٢٣٤/أ/ب]
طاعتهما تبع لطاعة الشرع، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لا طاعة
لمخلوق في معصية الخالق))، وقال: ((إنما الطاعة في المعروف))(٦)،
(١) لسان العرب، مادة (عقق).
(٢) في ن هـ (قل)، وما أثبت يوافق شرح مسلم.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) في ن هـ ساقطة.
(٥) القواعد (٢٠).
(٦) هذا وما قبله جزء من حديث علي رضي الله عنه، ولفظه: ((أحسنتم
لا طاعة لبشر في معصية الله إنما الطاعة في المعروف))، وفي لفظ:
((لا طاعة في معصية الله جلّ وعلا)).
البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٧٤٠)، والنسائي (١٠٩/٧)، وأبو داود
(٢٦٢٥)، وأحمد (٨٤/١، ٩٤، ١٢٤).
٤٩

1
وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما(١) لما يشق عليهما من توقع
قتله أو قطع عضو من أعضائه، وقد ساوى الولدان الرقيق في النفقة
والكسوة والسكن. وقال ابن الصلاح في ((فتاويه)) (٢) العقوق المحرم
کل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذياً ليس بالهين مع كونه ليس من
الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كل ما
ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما [في ذلك] (٣) عقوق. وقد أوجب
كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات. قال: وليس قول من قال من
علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم، وفي التجارة بغير إذنهما
مخالفاً لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك
المطلق، ونقل الغزالي عن أكثر العلماء وجوب طاعتهما في
الشبهات. وقال الطرطوشي(٤): إذا نهياهُ عن سنَّة راتبة المرة بعد
المرة أطاعهما وإن كان ذلك على الدوام فلا، لما فيه من إماتة
الشرائع. وقال الشيخ تقي الدين(٥) القشيري: الفقهاء قد ذكروا
(١) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً هاجر إلى النبي وقال*
من اليمن قال: ((هل لك أحد باليمن؟))، قال: أبواي. قال: «أذنا لك؟))،
قال: لا، قال: ((فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلاَّ
فبرهما)).
أخرجه أبو داود (٢٥٣٠)، والحاكم (١٠٣/٢)، وأحمد (٧٥/٣، ٧٦)،
والبيهقي (٢٦/٩) ..
(٢) في الفتاوى (٢٠١).
(٣) في المرجع السابق زيادة (كل).
(٤) بر الوالدين (١٥٥).
(٥) إحكام الأحكام (٤/ ٤٤٣).
٥٠

صورة جزئية، وتكلموا فيها منثورة، لا يحصل منها ضابط كلي،
فليس يبعد أن يسلك في ذلك ما أشرنا إليه في الكبائر، وهو أن
تقاس المصالح في طرف الثبوت بالمصالح التي وجبت لأجلها،
والمفاسد في طرف العدم بالمفاسد التي حرمت لأجلها .
الخامسة: أن عقوق الوالدين أكبر الكبائر، ولا شك في عظم
مفسدته لعظم حق الوالدين.
السادسة: تحريم الإشراك بالله تعالى وهو كفر بالإجماع.
السابعة: انقسام الكبائر إلى كفر وغيره.
الثامنة: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه.
التاسعة: تحريم شهادة الزور في معناها كل ما كان زوراً من
لبس وشبع وتعاطي أمرٍ ليس هو له أهلاً.
العاشرة: التحريض على مجانبة الذنوب.
[الحادية عشرة](١): الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين
و تمني عدم غضبهم.
(١) في الأصل (الثانية عشرة)، وما أثبت من ن هـ.
٥١

الحديث السادس
:
٧٤/٦/٣٩٢ -عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن [رسول الله](١)
وَالر قال: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال
وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه))(٢).
هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، ولا يضر
الخلاف في
رفعه أو وقفه
كونه روي موقوفاً، فإن الراوي قد ينشط فيرفع، وقول الأصيلي: إنه
[ ١/١/٢٣٥] لا يصح رفعه إنما هو من / قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع
الجمحي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مردود عليه، فقد أخرجه
[٢٠١/ هـ/ب] الشيخان في صحيحيهما / مرفوعاً وكذا أرباب السنن، وقد رفعه
نافع عن عمر الجمحي أيضاً، كما رواه أبو داود والترمذي وقال: إنه
حديث حسن صحيح. ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه:
أحدها: اللفظ الذي ساقه المصنف هو لفظ مسلم، ولفظ
(١) في متن عمدة الأحكام (النبي).
(٢) البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١)، والترمذي (١٣٤٢)، وأبو داود
(٣٦١٩)، والنسائي (٢٤٨/٨)، والبغوي (٢٥٠١)، وعبد الرزاق
(١٥١٩٣)، وأحمد (٣٤٣/١، ٣٥١، ٣٥٦)، والبيهقي (٢٥٢/١٠)،
وابن ماجه (٢٣٢١)، والدارقطني (٤/ ١٥٧).
٥٢

البخاري في تفسيره سورة آل عمران من صحيحه(١) ((لو يعطى الناس
بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم))، وفي آخره قال النبي والده
((اليمين على المدعى عليه»، ولهذا لما ساقه المصنف في ((عمدته
الكبرى)» باللفظ المذكور قال: رواه مسلم، والبخاري نحوه، ورواه
البيهقي بإسناد جيد بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء
قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)).
ثانيها: الحديث دال على أنه لا يقبل قول الإِنسان فيما يدعيه عدم قبول فول
بمجرد دعواه، وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة
الإنسان فيما
بدعيه
أو يصدق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد
بَيَّن ◌َلَّ الحكمة في كونه لا يعطى لمجرد دعواه، لأنه لو [أعطي](٢)
بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستباحها، ولا يمكن
المدعى عليه أن يصون دمه وماله. وأما المدعي فيمكنه صيانتهما
بالبينة .
ثالثها: الأظهر من قولي الشافعي أن حد المدعي من يخالف
قوله الظاهر والمدعى عليه من يخالفه ومحل البسط في ذلك كتب
الفروع فإنه أليق به.
رابعها: إنما جعلت البينة على المدعي، لأنها حجة قوية إثبات البيئة
بانتفاء التهمة، لأنها [لا](٣) تجلب لنفسها نفعاً، ولا تدفع عنها
ضرر. وجانب المدعي ضعيف، لأن ما يقوله خلاف الظاهر، فكلف
على المدعي
(١) الفتح (٢١٣/٨) ح (٤٥٥٢).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) في ن هـ ساقطة.
٥٣

الحجة القوية، ليقوّي بها ضعفه. واليمين حجة ضعيفة، إذ الحالف
متهم يجلب النفع لنفسه. وجانب المدعى عليه قوي، إذ الأصل فراغ
ذمته، فاكْتُمِي منه بالحجة الضعيفة .
استثناء القسامة
من إقامة البينة
على المدعي
خامسها: يُستثنى من قاعدة الدعاوى القسامة، فإنه يقبل منها
قول المدعي لترجحه باللوث، وقد جاء استثناؤها في حديث آخر
((إلَّ القسامة))، وقبول قول الأمناء في التلف، لئلا يزهد الناس في
قبول الأمانات، فتفوت المصالح، [وقبول قول الحاكم في الجرح
والتعديل لئلا] (١) تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام،
وقبول قول الزوج في اللعان، لأن الغالب اتقاء الشخص الفحش عن
زوجته، فإذا أقدم على رميها به قدم وضم إلى ذلك أيضاً قبول قول
الغاصب في التلف مع يمينه، لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس.
[١/٢٣٥/ ب]
سادسها: الحديث دال لمذهب الشافعي وجمهور الأمة /
سلفها وخلفها: أن اليمين على المدعى عليه مطلقاً في كل حق،
سواء أكان بينه وبين المدعي اختلاط أم لم يكن.
وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة وبه قضى علي
رضي الله عنه: أن اليمين لا يتوجه إلاّ على من بينه وبينه خلطة، لئلا
يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد فاشْتُرِ طَتِ
الخُلطة منعاً لهذه المفسدة.
واختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل معرفته بمعاملته ومداينته .
بشاهد أو بشاهدین.
(١) زيادة من ن هـ.
٥٤

وقيل: يكفي الشهرة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى بمثلها
على مثله، وقيل: هي أن يليق به أن يعامله بمثلها، وقريب من هذا
قول الاصطخري من الشافعية أن قرائن الحال إذا شهدت بكذب
المدعي لم يلتفت إلى دعواه. مثل أن يدعي الدني استئجار الأمير
والفقيه لعلف الدواب وكنس بيته. ومثل دعوى المعروف بالتعنت
وصبر ذوي الأقدار إلى القضاة وتحليفهم ليفتدوا منه بشيء، ودليل
الجمهور إطلاق هذا الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة في كتاب
ولا سنة ولا إجماع. وهذه تصرفات لتخصيص العموم بغير أصل،
ومن تصرفاتهم أيضاً أن من ادعى شيئاً من أسباب القصاص لم تجب
به اليمين إلاَّ أن يقيم على ذلك شاهداً فيجب اليمين.
ومنها: إذا ادعى الرجل على امرأته نكاحاً لم يجب له عليها
اليمين في ذلك. قال سحنون منهم: إلاّ أن يكونا طارئين.
ومنها: أن بعض الأمناء من يجعل القول قوله، لا يوجبون
عليه يميناً / . ومنها دعوى المرأة الطلاق على الزوج لا يجب عليه [٢٠٢/هـ/أ]
الیمین، وعموم هذا الحدیث راد علی ذلك كله.
سابعها: استدل بعضهم بقوله عليه الصلاة والسلام ((دماء
رجال)» على إبطال قول مالك في التدمية ووجه استدلاله: أنه عليه
الصلاة والسلام قد سؤَّى بين الدماء والأموال في أنَّ المدَّعي لا يُسمع
قوله فيها فإذا لم يُسمع قولُ المدّعي في مرضه: لي عند فلان كذا،
كان أحرى، وأولى أن لا يسمع قوله: دمي عند فلان، لحرمة
الدماء، ولا حجة لهم كبيرة كما نبّه عليه القرطبي(١)، لأن مالكاً
(١) المفهم (١٤٨/٥).
٥٥

- رحمه الله - لم يُسند القصاصَ أو الدية لقول المدعي دمي عند
فلان، بل للقسامة على القتل والتدمية لوث يقوي جنبة المدعي في
بداءتهم بالأيمان كسائر أنواع اللوث.
ثامنها: أجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه في
إستخلاف
المدعى عليه
في الأموال الأموال، واختلفوا في غيرها على قولين:
أحدهما: إلحاق الطلاق والنكاح والحدود والعتق بذلك أخذاً
[١/١/٢٣٦] بظاهر الحديث، فإن نكل حلف المدعي وثبتت / دعواه، وهو قول
الشافعي وأحمد وأبي ثور.
ثانيهما: إلحاق ما عدا الحد به، فإن نكل لزمه ذلك، قال
أبو حنيفة وأصحابه، وقال الثوري والشعبي: لا يستحلف في الحد
والسرقة، وقال: بنجوه مالك. قال: ولا يستحلف في السرقة إلاّ إذا
كان متهماً، ولا في الحدود والنكاح والطلاق والعتق إلاَّ أن يقوم.
شاهد واحد، يستحلف المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى. واختلف.
قوله إذا نكل هل يحكم عليه بما ادعى عليه أو يسجن حتى يحلف
أو حتى يطول سجنه؟
۔۔
٥٦
۔۔

كتاب الأطعمة
٥٧

٧٥ - باب الأطعمة
ذكر فيه - رحمه الله - عشرة أحاديث:
الحدیث الأول
٧٥/١/٣٩٣ - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:
سمعت [النبي](١) وَالثّ يقول - [وأشار](٢) النعمان بأصبعيه إلى
أُذنيه -: ((إن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات،
لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات: استبرأ لدينه
وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول
الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى
الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))(٣).
(١) في متن العمدة (النبي ونَ﴿).
(٢) في المرجع السابق (وأهوى).
(٣) البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، والترمذي (١٢٠٥)، والنسائي
(٢٤١/٧) (٣٢٧/٨)، وأبو داود (٣٣٢٩، ٣٣٣٠)، وابن ماجه =
٥٩

عظمة هذا
الحديث وموقعه
من الإسلام
هذا الحديث جمع على عِظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أحد
الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، قال جماعة: هو ثلث الإِسلام،
وقال أبو داود: ربعه كما أسلفنا ذلك في الطهارة، وسبب عظم
موقعه أنه عليه الصلاة والسلام نَّه فيه على صلاح المطعم والمشرب
والملبس وغيرها وأنه ينبغي [أن يكون حلالاً وأرشد إلى معرفة
الحلال والحرام](١) وأنه ينبغي ترك الشبهات، فإنه سبب لحماية دينه.
وعرضه، وحذَّر من مواقعة الشبهات، وأوضح بضرب المثل
بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، فإن بصلاحه
يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه، بل لو أمعن الأئمة النظر.
في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره لوجدوه متضمناً لعلوم
الشريعة كلها ظاهرها وباطنها، كما نبه عليه القرطبي (٢)، فإنه
مشتمل على الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب،
وما يفسدها، وتعلق أعمال الجوارح بها ... فيستلزم إذن معرفة
تفاصيل أحكام الشريعة كلها: أصولها وفروعها.
ثم الكلام علیه من وجوه:
: أحدها: هذا الحديث رواه عن النبي / 983 غير النعمان، رواه
[١/٢٣٦/ ب]
رواة الحديث
من الصحابة
علي بن أبي طالب وابنه الحسن وابن مسعود وجابر بن عبد الله(٣)
(٣٩٨٤)، والبغوي (٢٠٣١)، والدارمي (٢٤٥/٢)، والبيهقي:
=
(٢٦٤/٥)، وأحمد (٢٦٩/٤، ٢٧١).
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) المفهم (٤ / ٤٩٩).
(٣) تاريخ بغداد (٩/ ٧٠)، وذكره في كنز العمال (٤٣٣/٣).
٦٠