النص المفهرس

صفحات 141-160

وقد اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه
للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم، بخلاف
الذمي والبهيمة. وقصر ابن العطار من ((شرحه)) في عزو هذه الرواية
التي نقلناها من كونهم ارتدوا فقال: روى في بعض هذا الحديث
الصحيح في ((سنن أبي داود))(١) والنسائي من رواية ابن عمر: ((أنهم
قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإِسلام))، وهذا عجيب منه فعزوه إلى
الصحيح أولى. وأيضاً فهو ثابت فيه من حديث أنس فإنه لا يعدل
إلى راوٍ آخر إلا بعد عدمه في تلك الرواية كما جرت به عادة أهل هذا
الشأن .
الثامن عشر: في فوائده وأحكامه:
الأولى: قدوم القبائل والغرباء على الإِمام.
الثانية: نظر الإِمام في مصالحهم وأمره لهم بما يناسب حالهم
وإصلاح أبدانهم.
الثالثة: طهارة بول ما يؤكل لحمه وهو مذهب مالك وأحمد طهارة بول ما
يؤكل لحمه
وقول ابن خزيمة والروياني من الشافعية. لكن إنما تكون طاهرة عند
المالكية إذا كانت لا تستعمل النجاسة. قالوا: فإن كانت تستعمل
فنجسة على المشهور.
وأجاب المخالفون: وهم الحنفية وجمهور الشافعية القائلون
بنجاسة بوله وروثه بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل
النجاسات سوى الخمر والمسكرات.
(١) انظر تخريج حديث الباب.
١٤١

· واعترض عليهم: بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب ما جاز
التداوي لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها.
وقد يجاب: عن ذلك بأن الضرورة جوزته.
[١٨/١٨٧]
الرابع: ثبوت / أحكام المحاربة في الصحراء فإنه عليه الصلاة
والسلام بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم بالرعاة. واختلف العلماء في
ثبوت أحكامها في الأمصار فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك والشافعي،
ووافق بعض المالكية الحنفية .
الخامسة: شرعية المثلة في القصاص والنهي عن المثلة
محمول على من وجب عليه القتل لا على طريق المكافأة كما سلف
في الباب قبله.
جواز المماثلة
في القصاص
والخلاف في
ذلك
وقال بعضهم: فعله عليه الصلاة والسلام ذلك بهم فعل زائد
على حد الحرابة لعظيم جرمهم لارتدادهم ومحاربتهم وقتلهم الرعاة
وتمثيلهم بهم وأن النهي عن المثلة نهي تنزيه لا تحریم.
وقال محمد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. ذكره
البخاري في حديث أنس، أي: وقبل أن تنزل آية المحاربة والنهي
عن المثلة .
وفي البخاري(١) أيضاً عن قتادة أنه قال: ((بلغنا أنه عليه الصلاة
--
[١٧١/هـ/أ] والسلام بعد ذلك [أنه](٢) كان / يحث على الصدقة، وينهى عن
المثلة)). وكذا قال الشافعي رحمه الله: إنه منسوخ، حكاه الإِمام في
(١) (٤١٩٢).
(٢) فى ن هـ ساقطة .
١٤٢

((نهايته)) عنه. وكذا ادعى نسخه ابن شاهين(١) بحديث كثير بن شنظير
عن الحسن بن عمران قال: ما قام فينا رسول الله وَ ل# خطيباً إلا أمرنا
بالصدقة ونهانا عن المثلة، وقال: هذا الحديث ينسخ كل مثلة كانت
في الإِسلام، قلت: في سماع الحسن من عمران خلاف(٢).
وقال ابن الجوزي في كتابه: ((الإعلام)»(٣) ادعاء النسخ يحتاج
إلى التاريخ، وقد قال العلماء إنما سمل أعين أولئك لأنهم سملوا
أعين الرعاة فاقتص منهم بمثل ما فعلوا والحكم بذلك ثابت وما
حكاه عن العلماء قد أسلفته حديثاً صحيحاً مصرحاً به، لكن اعترض
الشيخ تقي الدين على ما ذكره ابن الجوزي فقال: الحديث وردت فيه
المثلة من جهات عديدة وأشياء كثيرة فهب أنه ثبت القصاص في
سمل الأعين فما يصنع بباقي ما جرى في المثلة فلا بد له فيه من
جواب غير هذا، وقد رأيت عن الزهري في قصة العرنيين أنه ذكر
(١) الناسخ والمنسوخ لابن شاهين (٤٢٠).
(٢) قال الذهبي - رحمنا الله وإياه - في السير (٥٦٧/٤): قائلاً في إثبات
سماع الحسن من عمران وقد صح سماعه في حديث العقيقة، وفي حديث
النهي عن المثلة)). اهـ.
(٣) الإِعلام في الناسخ والمنسوخ (تفسير آية المائدة (٢٣))، قال ابن حجر
- رحمنا الله وإياه - (٣٤١/١): ويدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من
حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإِذن فيه، وقصة العرنيين
قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإِذن ثم النهي، وروى قتادة عن ابن سيرين
أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، ولموسى بن عقبة في ((المغازي)) وذكروا
أن النبي 98َّ نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا
مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في ((النهاية)) عن الشافعي. اهـ.
١٤٣

أنهم قتلوا يساراً مولى النبي 3 # ثم مثلوا به. فلو ذكر ابن الجوزي
هذا كان أقرب إلى مقصوده مما ذكره من حديث سمل الأعين فقط
على أنه أيضاً بعد ذلك يبقى نظر في بعض ما حكى في القصة . .
قلت: [وقد] (١) سلف أنهم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه
وسمروا عينه .
ونقل القرطبي في ((مفهمه)) (٢) عن أهل التواريخ والسير أنه عليه.
الصلاة والسلام إنما قطع أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالراعي.
قالوا: وأدخل الشوك في عينيه حتى مات وأدخل المدينة ميتاً ..
وفي (النسائي)) أنه عليه الصلاة والسلام صلبهم أيضاً. وقال ابن
شهاب بعد أن ذكر قصتهم: ذكروا والله أعلم أنه عليه الصلاة والسلام
[١٨٧// ب] نهى بعد ذلك عن المثلة، فالآية التي في سورة المائدة / ﴿إِنَّمَا.
جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(٣) الآية. وفي رواية فما مثّل نبي الله
قبل ولا بعد ونهى عن المثلة. وقال: ((لا تمثلوا بشيء))، وفي رواية
من حدیث جریر بإسناد ضعيف(٤)، من حديث جرير فکره علیه
الصلاة والسلام سمل الأعين فأنزل الله آية المحاربين.
(١) في هـ ساقطة.
(٢) المفهم (١٩/٥).
(٣) سورة المائدة: آية (٣٣).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤٧/١٠)، وهو حديث ضعيف لأن فيه.
الربذي ضعفه ابن كثير في تفسيره (٥٣/٢)، وابن حجر في الإصابة في
ترجمة جرير بن عبد الله البجلي.
١٤٤

وفي سنن ((أبي داود)) و((النسائي))(١) عن أبي الزناد عليه
الصلاة والسلام لما قطعهم وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك
ونزل: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤًا﴾ الآية.
السادسة: إن فعل الإِمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في إظهار العقوبة
نشر الأدب
المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك ليس هو من عدم الرحمة بل
هو رحمة لما فيه من كف العادية عن الخلق وفعل ذلك بهم لا يظن
أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا،
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إن لي على قريش حقاً، ولقريش
عليكم حقاً ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، واسترحموا
فرحموا)»(٢) .
السابعة: عقوبة المحاربين وهو موافق للآية الكريمة السالفة: عقوية
﴿ إِنَّمَا جَزَُّؤَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(٣) الآية. واختلف العلماء في وحدهم
المحاربين
المراد منها في القتل والصلب والقطع من خلاف على قولين:
أحدهما: أن ((أو)) فيها للتخيير، فيتخير الإِمام بين الأمور
الثلاثة المذكورة فيها وهو قول مالك، إلا أن يكون المحارب قد قتل
فیتحتم قتله.
(١) أبو داود (٤٣٧٠)، والنسائي (١٠٠/٧)، والبيهقي (٢٨٣/٨). انظر
تخريج حديث الباب.
(٢) أحمد (٢٧٠/٢)، وعبد الرزاق (١٩٩٠٢)، وذكره الهيثمي في مجمع
الزوائد (١٩٢/٥)، وزاد نسبته إلى الطبراني في الأوسط وقال: رجال
أحمد رجال الصحيح .
(٣) سورة المائدة: آية (٣٣).
١٤٥

وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإِمام بالخيار وإن
قتلوا .
وقال بعض الحنفية: إن هذا عن أبي حنيفة غلط لأن مذهبه
فيمن أخذ المال.
وقيل: إن الإِمام بالخيار: إن شاء قطعه وقتله أو صلبه وإن
شاء قتله ابتداء وصلبه .
والقول الثاني: أن ((أو)) للتقسيم قاله الشافعي وآخرون.
فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن قتلوا وأخذوه
قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ولم
يقتلوا طلبوا حتى يعزروا وهو المراد بالنفي عند أصحاب هذا
القول .
[١٧١/هـ/ب]
. قالوا: لأن ضرر هذه الأفعال يختلف فكانت عقوباتها /
مختلفة فلم تكن للتخيير ..
.. وحكى القاضي(١) عن مالك أنه يقتل ذا الرأي والتدبير، ويقطع
ذا البطش والقوة، ويعزز من عداه. قال فجعلها مرتبة على صفاتهم
لا على أفعالهم.
[الثامنة](٢): جواز التطبب وأن طب كل
جواز التطيب
والسعي في
إعطاء الجسم
ما يلائمه
(١) نسبه له في إكمال إكمال المعلم (٤٠٩/٤).
(٢) في الأصل السابع وما أثبت من ن هـ.
١٤٦
۔ ۔

[جسد](١) بما اعتاد فإن هؤلاء القوم أعراب البادية عادتهم شرب
أبوال الإبل وألبانها وملازمتهم الصحارى فلما دخلوا القرى / [١٨/١٨٨)
وفارقوا أغذيتهم، وعادتهم مرضوا فأرشدهم ◌َ﴿ إلى ذلك، فلما
رجعوا إلى عادتهم من ذلك صحوا وسمنوا. وقد أدخل البخاري هذا
الحديث في الطب من ((صحيحه)) وترجم عليه الدواء بألبان الإِبل
وأبوالها(٢)، وفيه أنهم («قالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا
قالوا إن المدينة وخمة فأنزلهم الحرة في ذود له فقال: اشربوا
ألبانها، فلما صحوا قتلوا الراعي))، الحديث.
قال سلام بن مسكين: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني
بأشد عقوبة عاقب النبي ◌َّا فحدثه بهذا فبلغ الحسن فقال: وددت
أنه لم يحدثه.
التاسعة: قتل المرتد من غير استتابة وفي كونها واجبة
أو مستحبة خلاف شهير. ورأيت من يجيب بأنهم حاربوا والمرتد إذا
حارب لا يستتاب لأنه يجب قتله فلا يظهر له معنى.
العاشرة: قتل الجماعة بواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، وبه جواز قتل
الجماعة بواحد
قال الشافعي ومالك وجماعة وخالف فيه أبو حنيفة.
الحادية عشرة: لا بد من تقدير اعتراف القائلين، أو الشهادة
عليهم وإن لم يصرح بذلك في الحديث.
(١) في الأصل سجيم وما أثبت من ن هـ.
(٢) الفتح (١٤٨/١٠) ح (٥٦٨٥).
١٤٧

الثانية عشرة: سماهم أبو قلابة سرّاقاً لأنهم أخذوا النعم من
حرز مثلها وهو وجود الراعي معها ويراها كلها.
مواضع تراجم
البخـاري
الثالثة عشرة: خرّج البخاري هذا الحديث في صحيحه في
مواضع منها باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق(١)؟ كما
سلف، وفيه قالوا: (يا رسول الله وَ ل18 أبغنا رسلاً، قال: ما أجد لكم
أن تلحقوا بالذود)). ومنها في الحدود(٢) ((وذكر أنهم كانوا في الصفة
يعني أولاً))، ومنها في الطب: كما سلف(٣)، ومنها في الزكاة كما
سلف .
:
ومنها في المغازي بعد غزوة الحديبية وقبل غزوة ذي قرد فقال:
قصة عكل وعرينة (٤)، ثم رواه بلفظ: أن ناساً من عكل وعرينة قدموا
المدينة وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم
نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله صل# بذود وراع
وأمرهم أن يخرجوا فيه، الحديث. وفيه: حتى إذا كانوا بناحية الحرة.
كفروا بعد إسلامهم وقتلوا الراعي وفيه: وتركوا في ناحية الحرة حتى
(١) الفتح (١٧٧/٦) ح (٣٠١٨).
(٢) كتاب الحدود:
( أ) باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا (١١٣/١٢)
ح (٦٨٠٤).
(ب) باب سمر النبي # أعين المحاربين (١١٤/١٢) ح (٦٨٠٥).
(ج) باب المحاربين من أهل الكفر والردة (١١١/١٢) ح (٦٨٠٢).
(٣) وأيضاً في باب: من خرج من أرض لا تلايمه (١٨٨/١٠) ح (٥٧٢٧).
(٤) الفتح (٧/ ٥٢٤) ح (٤١٩٢).
١٤٨

ماتوا على حالهم (١).
٠
(١) ومما فات على المؤلف - رحمنا الله وإياه - ذكره من تراجم البخاري:
(أ) في كتاب الوضوء. باب: أبوال الإبل والدواب والغنم والصلاة
ومرابضها (١/ ٤٠٠) ح (٢٣٣).
(ب) وفي كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهُ
وَرَسُولَمْ﴾ (٥٢٤/٧) ح (٤١٩٣).
(ج) وفي كتاب الديات باب القسامة (٢٣٩/١٢) ح (٦٨٩٩).
١٤٩

الحديث الثاني
٦٩/٢/٣٦٥ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: ((إن
رجلاً من الأعراب أتى رسول الله وَ له، فقال: يا رسول الله، أنشدك.
الله إلَّ قضيت بيننا بكتاب الله. فقال الخصم: [الآخر](١) - وهو أفقه
[١٨٨/أ/ب] منه - / نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال
[رسول الله وَل)](٢): قل، [قال] (٣) إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزناً.
بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة
ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب
عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله وَير: والذي نفسي
بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد [عليك] (*) وعلى
ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أُنيس - لرجل من أسلم ـــ
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في متن العمدة مع حاشية إحكام الأحكام: النبي تَله.
(٣) في المرجع السابق: فقال.
(٤) زيادة من المرجع السابق ..
١٥٠

[إلى](١) امرأة هذا، إن اعترفت فارجمها. [قال](٢) فغدا عليها،
فاعترفت فأمر بها رسول الله ﴿ ﴿﴿ فرجمت(٣).
العسيف: الأجير.
الكلام عليه من وجوه.
الأول: في بيان الأسماء الواقعة فيه.
أما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فهو أبو عبد الله الهذلي المدني التعريف
بعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة
التابعي، الفقيه، الأعمى، أحد الفقهاء السبعة. روى عن أبيه وعائشة .
وغيرهما وعنه، أخوه: عون، والزهري، وآخرون. واتفقوا على
توثيقه وأمانته، وجلالته، وكثرة علمه، وفقهه، وحديثه، وصلاحه،
وكان معلم عمر بن عبد العزيز. قال الزهري ما جالست / أحداً من (١١٧٢ هـ /أ)
العلماء إلاَّ وأرى أني قد أتيت على ما عنده ما خلا عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة فإني لم آته إلاَّ وجدت عنده علماً طريفاً.
مات سنة ثمان وتسعين على الصحيح وحمل علي بن الحسين
جنازته .
(١) في المرجع السابق: على.
(٢) غير موجودة في المرجع السابق.
(٣) البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم (١٦٩٧)، وأحمد (١١٥/٤، ١١٦)،
وأبو داود (٤٤٤٥)، والنسائي (٨/ ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢)، والترمذي
(١٤٣٣)، والدارمي (١٧٧/٢)، وابن الجارود (٨١١)، والحميدي
(٣٥٤/٢)، والبيهقي في السنن (٣٦٩/٨)، والبغوي (٢٥٧٩)،
وعبد الرزاق (٣١٠/٧)، وابن أبي شيبة (٥٥٤/٦)، وابن ماجه
(٢٥٤٩).
١٥١

أما أبو هريرة: فسلف التعريف به في الطهارة.
وأما زيد بن خالد الجهني: فسلف التعريف به في باب:
اللقطة .
التعريف بأنيس
وأما أنيس: فهو صحابي مشهور يعد في الشاميين وهو ابن:
الضحاك الأسلمي، وقال أبو عمر: يقال مرثد بن أبي مرثد مات سنة
عشرين وقيل: إنه ابن الضحاك.
وقال النووي(١): إن هذا هو الصحيح ثبت.
قلت: وسبقه إليه ابن الأثير فإنه قال إنه أشبه بالصحة لكثرة
الناقلين له ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يقصد أن لا يؤمر في
القبيلة إلاَّ رجلاً متها لنفورهم من حكم غيره وكانت المرأة
أسلمية(٢). ورجحه ابن طاهر المقدسي أيضاً.
الثاني: في مبهماته هذه المرأة أسلمية ولكن لا يحضرني
اسمها وكذا اسم الأعرابي وابنه والخصم بعد البحث عن ذلك.
الثالث: في ألفاظه ومعانيه.
يعني: ((أنشدك)) / بفتح الهمزة وضم الشين ومعناه: أسئلك
رافعاً نشيدي [وهو صوتي](٣).
[١٨/١٨٩]
و ((كتاب الله)) هنا حكمه مطلقاً، أي: بما كتب على عباده من
الحدود والأحكام.
المراد بكتاب الله
(١) شرح مسلم (٢٠٧/١١).
. (٢) ذكره عنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١٢٩/١).
(٣) زيادة من ن هـ.
١٥٢

قال الشيخ تقي الدين(١): وهو أولى من حمله على القرآن
خاصة لأنه ذكر فيه التغريب، وليس منصوصاً فيه إلاَّ بواسطة أمر الله
باتباع رسوله وطاعته.
قلت: لكن سيأتي أنه تفسير للسبيل الآتي في الآية فهو
منصوص علیه فيه على هذا.
وقال القرطبي(٢): إن كانت هذه القضية وقعت بعد [نسخ
[تلاوة] (٣) آية الرجم فالمراد به] (٤) حكم الله وإن كانت قبله،
[فالمراد حقيقة كتاب الله](٥).
وقوله: ((وهو أفقه منه))، أي: لأنه أدى القصة على وجهها معنى اوهو
أفقه منه»
وتأنى واستأذن في الكلام ليأمن من الوقوع في النهي في قوله تعالى:
﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ﴾(٦) بخلاف خطاب خصمه أنشدك الله: فإنه من
جفا الأعراب.
والعسيف: بالعين والسين المهملتين الأجير كما ذكره المصنف ضبط(العسيف!
وهو في الصحيح معزواً إلى مالك. وجمعه عسفاء، كأجير وأجراء،
وفقيه وفقهاء.
(١) إحكام الأحكام مع الحاشية (٣٤١/٤).
(٢) المفهم (١٠٤/٥).
(٣) زيادة من المفهم.
(٤) فى ن هـ بياض ورمز له بحرف ط .
(٥) في ن هـ بياض ورمز له بحرف ط. وانظر لهما المفهم.
(٦) سورة الحجرات: آية ١ .
١٥٣

وقوله: ((كان عسيفاً على هذا)) معناه: لهذا، والحروف يقوم
بعضها مقام بعض كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا﴾، أي: عليها.
وقوله: ((فافتديت منه))، أي: من الرجم.
(والوليدة)) الأمة وجمعها ولائد وقد سلف في اللعان واضحاً.
المراد بقوله
الأقضين بينكما
وقوله: ((لأقضين بينكما بكتاب الله))، أي: بحكم الله كما
بكتاب اله سلف، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلاً ﴾، وفسر ◌َلهو السبيل: بالرجم في حق المحصن وبالجلد
والتغريب في حق غيره كما أخرجه مسلم(١) من حديث عبادة، وإن
كان فيه ضم الجلد إلى الرجم أيضاً في حق المحصن، وسيأتي
اختلاف العلماء فیه .
وقيل: هو إشارة إلى أنه ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
البتة)) هو مما نسخت تلاوته وبقي حكمه. فعلى هذا يكون الجلد قد
أخذ من قول الله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَلَجْلِدُواْ﴾(٢) وقيل: المراد
[بعض](٣) صلحكما الفاسد لأنه أكل المال بالباطل وكتاب الله مصرح
بالنهي عنه.
وقوله: ((الوليدة والغنم رد))، أي: مردودة عليك. وأطلق
معنى قوله:
الوليدة
والغنم ردا
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٠)، وأحمد (٣١٣/٥)، والترمذي (١٣٣٤)،
وأبو داود (٤٤١٦)، وقد جاء تفسير السبيل بالحد كما ذكره أبو داود عن
مجاهد باب في الرجم (٤٢٥٢).
(٢) سورة النور: آية ٤٩ .
(٣) زيادة من ن هـ.
١٥٤

المصدر على اسم المفعول كقولك: ثوب نسيج اليمن، أي: منسوج
اليمن، وهذا خلق الله، أي: مخلوقه، ومعناه يجب ردها عليك.
وقوله: ((وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام))، هذا متضمن أن بيان حد البكر
ابنه كان بكراً وعلى أن ابنه اعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه لا يقبل
إلاَّ أن يكون هذا من باب الفتوى فيكون معناه إن كان ابنك زنى وهو
بکر فحده ذلك.
السبب في
وقوله: / ((واغد يا أنيس)) إلى آخره، إنما بعثه لإعلام المرأة [٨/١٨٩ب]
بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حد القذف فيطالب به أو تعفو إلاَّ بعنه أنيس
أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حد القذف بل عليها حد الزنا وهو
الرجم لأنها كانت محصنة، فذهب إليها أنيس فاعترفت به فأمر عليه
الصلاة والسلام برجمها فرجمت .
قال النووي(١): كذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم / ولا [١٧٢/ هـ/ب]
بد منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب [إقامة](٢) حد الزنا وهو غير مراد
لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتنقيب عنه بل لو أقر به مقراً
استحب أن يلقّن بالرجوع عنه فحينئذٍ يتعين التأويل المذكور، وقع
الرافعي في كتاب الوكالة أن بعثه لاستيفاء الحد منها بالوكالة، وقال
في آخر باب القضاء على الغائب: إنه لأجل سماع الدعوى على
المحدودة .
وقال القاضي عياض: إنما أرسله ليشهد عليها مع أبي الزاني
(١) شرح مسلم (١١/ ٢٠٧).
(٢) زيادة من ن هـ.
١٥٥

ليكمل به النصاب، أي: وهو الشهادة على إقرارها على الخلاف
الشهير فيه في الاكتفاء باثنین.
ومعنى («اغد» أمضٍ وسر وليس معناه سر إليها بكرة كما هو
موضوع الغداة .
وكذا قوله: ((فغدا عليها))، أي: مضى إليها وسار نحوها.
وقوله(١): ((فاعترفت)) فأمر بها رسول الله وَ ﴾ فرجمت. وفي
رواية للبخاري ((فاعترفت فرجمها))، ورجح القرطبي (٢) [هذه الرواية
على تلك لأنها من رواية مالك عن الزهري وهو أعرف الناس به
والأول من رواية الليث عنه](٣).
الوجه الرابع في أحكامه.
الأول: استحباب صبر الحاكم على جفاء الناس من الخصوم
والمستفتين إذا قالوا احكم بيننا بالحق وافتنا بالحق.
. الثاني: حسن الأدب في المخاطبة للأكابر حيث قال: ((وائذن
لي)».
جواز الاقتصار
في الفتوى
الثالث: جواز استفتاء غير الشارع في زمنه فإنه عليه الصلاة
.
على الظن والسلام لم ينكر ذلك عليه لما قال: ((فسألت أهل العلم)) وهو
كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين.
(١) في الأصل مطموس من إثر التصوير.
(٢) المفهم (١٠٦/٥).
(٣) في الأصل مطموس من إثر التصوير وما أثبت من المفهم.
١٥٦

الرابع: استفتاء المفضول مع وجود الفاضل.
الخامس: إباحة الكلام للإِمام لمن شاء من الخصمين إذا
اجتمعا بين يديه، قاله الخطابي(١).
السادس: رد الصلح الفاسد.
السابع: رد المال المأخوذ فيه.
الثامن: أن الحدود لا تقبل الفداء. واختلف أصحابنا فيما إذا عدم جواز أخذ
عفي عن حد القذف على مال على وجهين: وأصحهما أنه
لا يستحقه، والخلاف محكي عند المالكية أيضاً بعد رفعه إلى
السلطان مع الكراهة لأنه أكل مال في ثمن عرضه.
الغداء في
الحدود
قالوا: ولا خلاف أيضاً في المنع في حق الله تعالى كالحرابة
والزنى والسرقة تبلغ السلطان أم لا، لأنه أكل مال بالباطل في إبطال
حد إن بلغ السلطان أو أكل مال على أن لا يبلغه وهو حرام ورشوة
ولا خلاف في الجواز في حق الأبدان من القصاص في الجراح
والنفس.
التاسع: استنابة الإِمام في إقامة الحدود.
العاشر: وجوب الإِعذار وجوازه بواحد وفيه خلاف للمالكية. وجوب الإعذار
قال القاضي (٢): وقد يمكن أنه عليه الصلاة والسلام ثبت عنده
اعترافها بشهادة هذين الرجلين فكان توجيه أنيس إعذار لها.
(١) معالم السنن (٢٥٨/٦).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤ / ٤٦٢).
١٥٧

قلت: لا بد من ذلك وإلاّ لزم الاكتفاء بشهادة واحد على
الأقرار به ولا قائل به، وإنما اختلفوا في الاكتفاء باثنين فيه
أو باشتراط أربعة.
الحادي عشر: جواز حكم الحاكم في الحدود بما أقر به
[١٨/١٩٠] [الخصم] (١) عنده وسماعه منه / من غير ضبط شهادة على الحدود،
وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلاّ
بعد ضبط الشهادة عليه .
جواز إقامة
الحدود دون
الثاني عشر: إن حضور الإِمام الرجم ليس شرطاً فإنه عليه
حضور الحاكم الصلاة والسلام لم يحضر رجمها، وخالف فيه أبو حنيفة، وحكى
المالكي فيه خلافاً لهم. وعن أبي حنيفة حضور الشهود أيضاً وأنهم
يبدأون بالرجم فإن ثبت بالإقرار بدأ الإِمام.
.. الثالث عشر: لم يذكر المصنف في روايته الحفر [لها](٢) وهو
ثابت في صحيح مسلم وصحح أصحابنا أنه يستحب أن يحفر لها إن
ثبت زناها [بالبينة ولا يستحب إن](٣) ثبت بالإِقرار. وحديث
الغامدية هذا يرده فإنه [ثبت زناها بإقرارها وحفر لها](٤).
الرابع عشر: شرعية التغريب مع الجلد [وفي البخاري
((وجلد](٥) مائة وغربة عاماً)). والحنفية خالفت فيه بناء على أن
مشروعية
التغريب للبكر
(١) في الأصل الحكم وما أثبت من ن هـ.
(٢) بياض بالأصل وما أثبت من ن هـ.
(٣) بياض بالأصل وما أثبت من ن هـ.
(٤) بياض بالأصل وما أثبت من ن هـ.
(٥) بیاض بالأصل وما أثبت من ن هـ.
١٥٨

التغريب ليس مذكوراً [في القرآن](١) وأن الزيادة على النص نسخ،
ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز عندهم، وغيرهم يخالفهم في
ذلك والمسألة مقررة في الأصول(٢) وقد أجمع العلماء على وجوب
جلد الزاني البكر مائة ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف فيه
أحد من أهل القبلة إلَّ ما حكاه القاضي(٣) وغيره عن الخوارج
وبعض المعتزلة والنظام وأصحابه أنهم لم يقولوا بالرجم.
واختلف العلماء في جلد الثيب مع رجمه، فقال علي ابن الخلاف في جلد
أبي طالب والحسن البصري وأحمد وابن راهويه وداود وأهل الظاهر الثيب مع رجمه
وابن المنذر: یجلد ثم يرجم.
وقال الجمهور: الواجب الرجم وحده.
وحكى / القاضي عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع [١٧٢/ هـ /أ)
إذا كان شيخاً ثيباً فإن كان شاباً ثيباً، اقتصر على الرجم وهو مذهب
باطل لا أصل له بالأحاديث الصحيحة.
ومنها: قصة ماعز والغامدية، وحديث الجمع بينهما منسوخ
فإنه كان في أول الإِسلام.
وأوله بعضهم فقال: هو محمول على من زنا وهو بكر فلم
يحد حتى زنا وهو محصن.
(١) بياض بالأصل وما أثبت من ن هـ.
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠٨/٤، ١٠٩)، والإحكام لابن حزم (٤ /٦١٧)،
وتقريب الوصول (٣١٩).
(٣) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤٤٨/٤).
١٥٩

الخامس عشر: رجم الثيب دون جلده، وجلد البكر ونفيه،
کما قررناه.
السادس عشر: أن الحاكم إذا قذف إنسان معين في مجلسه
وجب عليه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من القذف.
وجوب إعلام
المقذوف عند
واختلف أصحابنا في وجوب ذلك على الحاكم على وجهين
الحاكم وصححوا الوجوب. ومن تراجم البخاري(١) عليه إذا رمى امرأته أو
[١/١٩٠/ب] امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس / هل على الحاكم أن يبعث
إليها فيسألها عما رمیت به؟ انتھی ..
ولو شهد عنده بالقذف فلا يحده الإِمام إلَّ بطلب المقذوف
عند الشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي.
وعند مالك أنه يرسل إليه فإن أراد ستراً تركه وإلاّ حده،
واختلف قوله في عفوه وإن لم يرد ستراً.
السابع عشر: قبول خبر الواحد، وقد سلف.
الثامن عشر: الاكتفاء بمجرد الإقرار دون مراعاة عذر.
التاسع عشر: الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، فإنه عليه الصلاة
والسلام رتب رجمها على مجرد اعترافها ولم يقيده بعدد.
العشرون: هذه الأسلمية كانت محصنة كما سلف فإن
الإِحصان معتبر في الرجم بالإجماع، ولعله كان معروفاً فاستغنى عن:
ذكره في الحديث.
(١) (٦٨٤٢).
١٦٠