النص المفهرس

صفحات 121-140

رابعها: تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان الذي لا يعقل للتنفير
عن مثل فعله.
خامسها: أن المتعدي بالجناية إذا ترتبت عليه جناية بسبب
جنايته يوجب ضماناً بمجردها أنه لا يجب له ضمان تلك الجناية بدية
ولا قيمة.
.
١٢١

الحديث التاسع
٦٨/٩/٣٦٣ - عن الحسن بن أبي الحسن البصري
[رحمه الله تعالى](١) قال: حدثنا جندب في هذا المسجد، وما نسينا
منه حديثاً، ما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله وَ لخير،
قال: قال رسول الله (وَ لقال: ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح
فجزع، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله
عزَّ وجل: عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة))(٢).
الكلام علیه من وجوه:
لفظ الحديث
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري بهذه السياقة في باب ما
عند البخاري ذكر عن بني إسرائيل(٣)، من كتاب بدء الخلق، من صحيحه. وقال
فيه: ((بادرني عبدي)) بتقديم ((بادرني)) على لفظ ((عبدي))، وفيه: ((وما
نسينا منه حديثاً) بدل ((منه حديثاً))، كذا رأيته في نسخة معتمدة منه،
ورأيت في ((الجمع بين الصحيحين للحميدي)) كما في الكتاب.
(١) زيادة من حاشية إحكام الأحكام.
(٢). البخاري (١٣٦٤)، ومسلم (١١٣)، وأحمد (٣١٢/٤)، والطبراني في
الكبير (٢/ ١٦١).
(٣) الفتح (٥٧٢/٦) ح (٣٤٦٣).
١٢٢

ورواه مسلم في كتاب الإيمان، بلفظين: أحدهما: عن الحسن لفظ الحديث
عند مسلم
قال: إن رجلاً ممن كان خرجت به قرحة فلما آذته انتزع [سهماً
من](١) كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: ((حرمت
عليه الجنة)). ثم مدَّ الحسن يده إلى المسجد فقال: إني والله لقد
حدثني هذا جندب عن رسول الله وَله .
ثانيهما: / عنه حدثنا جندب بن عبد الله البجلي في هذا [١٨/١٨٤]
المسجد فما نسينا وما نخشى أن يكون كذب على رسول الله الجلد
قال: قال رسول الله وَله: خرج برجل فيمن كان قبلكم خراج ...
فذكر نحوه.
ثانيها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب العيدين.
والحسن هذا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن بن يسار التعريف
بأبي الحسن
البصري، بفتح الباء وكسرها، نسبةً إلى البصرة، البلدة المعروفة، البصري
مثلثة الباء، الأنصاري مولاهم، مولى زيد بن ثابت.
وقيل: جابر بن عبد الله.
وقيل: مولى أبي اليسر، ويقال: إنه من سبي ميسان وقع إلى
المدينة فاشترته الرُّبيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، فأعتقته. وهو
من أكابر التابعين وسادات المسلمين، ومن مشاهير العلماء والزهاد
المذكورين، ومن الفصحاء المبرزين وأحد الشجعان الموصوفين.
وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، أمه خيرة مولاة أم
سلمة، ربما غابت فترضعه أم سلمة أم المؤمنين، فيرون أن تلك
(١) زيادة من ن هـ .
١٢٣

الحكمة والفصاحة كانت من بركتها، وأخوه عمار من البكائين، وله
[١٦٨/هـ/ب] أخ / ثالث اسمه سعيد [أدرك ثلاثين ومائة](١) [من الصحابة وأكثر،
وكان مع جلالته يكثر من الإِرسال. قال هشام بن حسان: أدرك
ثلاثين ومائة من الصحابة](٢)، ولم يصح له سماع من بعضهم إلا
القليل، بل روايته ومرسلاته صحيحة. قال أبو زرعة: كل شيء. قال
الحسن: قال رسول الله وَله: وجدت له أصلاً ثابتاً ما خلا أربعة
أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له سماع من جندب،
وحديثه هذا صريح في سماعه منه، وفضائله كثيرة أفردت بالتأليف.
قال أيوب - يعني السختياني -: كان الرجل يجلس إلى الحسن
ثلاث سنين فلا يسأله عن شيء هيبة له. وقال أبو قتادة العدوي: ما
رأيت رجلاً أشبه رأياً بعمر بن الخطاب منه. مات سنة عشر ومائة
بعد ابن سيرين بمائة يوم عن تسع وثمانين سنة.
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: ((الجرح [ ... ](٣). الظاهر أنه هنا
الأخرى بالضم، وهو اسم للمكان المجروح. ورواية مسلم به ((قرحة)): هي
حبات تخرج في بدن الإنسان. والرواية الأخرى: ((خراج)) بضم
الخاء وتخفيف الراء القرحة أيضاً، ويبعد أن يكون بالفتح لأنه مصدر
خرج.
المراد بالجرح
والروايات
و ((جزع)) بكسر الزاي: أي لم يصبر.
(١) في الأصل (رأى الحسن عشرين من مائة) وما أُثبت من ن هـ.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) في الأصل زيادة (هي حبات تخرج في بدن الإنسان).
١٢٤

و ((السكين)) تذكر وتؤنث، وتقال: بالهاء أيضاً: وهي المدية،
أيضاً بتثليث الميم / .
[١٨٤/أ/ب]
و((حز" بالحاء المهملة أي: قطع يده أو بعضها. قاله الشيخ معنى (الحز"
تقي الدين(١). وقال ابن الجوزي في ((كشف مشكل الصحيحين))(٢):
الحز: قطع بعض العضو دون إبانته. ورأيت من علق على هذا
الكتاب ضبطه بخطه بالجيم.
و((رقأ)) بفتح الراء والقاف والهمز: ارتفع وانقطع. يقال: رقأ ضبط (رنا)
الدم والدمع يرقأ رقواً مثل ركع يركع ركوعاً: إذا انقطع.
رابعها: في الحديث إشكالان أصوليان نبه عليهما الشيخ تقي إشكال ورده
الدين، أحدهما: قوله تعالى: ((بادرني بنفسه))، وهي مسألة تتعلق بادرني بنفسه؟
في قوله
بالآجال، ولا شك أن أجل كل شيء حينه ووقته. يقال: تم أجله،
أي: تم أمده، وجاء حينه، وليس كل وقت أجلاً، ولا يموت أحد
بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور.
وما علمه فلا يتغير، فعلى هذا يبقى قوله: ((بادرني بنفسه)) محتاجاً
إلى التأويل، فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخراً عن ذلك الوقت،
فقدم عليه ولم يذكر الشيخ تأويله.
وقال [الفاكهي و](٣) غيره: يحتمل أن تكون المبادرة من حيث
السبب في ذلك، والقصد له لا أنه كان أجله متأخراً لو لم يفعل لكن
لما كان على صورة المستعجل لأجله بتسببه في ذلك صح إطلاق
(١) إحكام الأحكام (٣٣٥/٤).
(٢) (٤٦/٢) أقول: أثبته المحقق بالجيم. فليصحح.
(٣) في هـ ساقطة.
١٢٥

اسم المبادرة عليه صورة، ويحتمل أيضاً أن تكون المبادرة من حيث
أنه لم يطلب منه ذلك مع أن علمه تعالى سابق بوقوع ذلك منه وهو
راجع إليه أيضاً. وعبارة القاضي أبي بكر في الجواب: إن قدر الله
في خلقه مطلق ومقيد بصفة، فالمطلق يمضي على الوجه المراد بلا
صارف، والمقید بصفة له وجهان:
فوجود الصفة يقتضي أحدهما وعدمه يقتضي الآخر. مثاله عمر
دائرٌ بين عشرين سنة إن قتل نفسه وبين ثلاثين إن لم يقتلها، والله
تعالى عالم بما يؤول إليه الأمر ولا يقع إلا ما علمه، والتردُّد إنما هو
في حق العبد، والأجلان كالواجب المخير الواقع منه معلوم عند الله،
والعبد مخيّر في أي الخصال يكفر بها، فالذي يكفر به معلوم عند الله
قبل التكفير مبهم عند العبد، وكذلك الأجلان، فالعبد يختار أحدهما
وما يختاره معلوم عند الله، ولا يقع غيره. ويؤيد ذلك قوله: ((بادرني
بنفسه)»، أي اختار الأجل المقيد، ولم يقل: ((بادرته بنفسه)).
إشكال في
قوله: «فحرمت
والإِشكال الثاني: قوله: «فحرمت عليه الجنة» قد يتعلق به من
علي الجنة، يرى وعيد الأبد وأهل السنّة يجيبون عنه بأوجه:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون مشركاً قد ضم إلى شركه هذا
[١٨/١٨٥] الفعل. /
ثانيها: لعله فعله مستحلاً له، فتحريم الجنة عليه بسبب كفره
لا بقتله نفسه .
[١٦٩/هـ/ أ].
/ ثالثها: أن المراد بالجنة المرتفعة القدر من بين الجنان.
رابعها: أن لا يدخلها أول الداخلين ويطال احتباسه أو يخبس
في الأعراف.
١٢٦

وقال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير
أصحاب الكبائر، وأنه نكأها استعجالاً للموت أو لغير مصلحة، فإنه
لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن
حراماً.
خامسها: في أحكامه :
النفس
أحدها: تحريم قتل النفس سواء كانت نفس الإِنسان أو غيره، تحريم قتل
فإن نفس الإِنسان ليست ملكه، يتصرَّف فيها على حسب ما يراه، بل
على حسب الأمر والنهي الشرعيّين حتى لو أراد قطع أنملة من أنامله
فما دونها - لا لمعنى شرعي - كان عاصياً فلا ملك على الحقيقة
إلا لله رب العالمين.
وأما قوله تعالى - حكايةً عن موسى - : ﴿قَالَ رَبٍّ إِنِِّ لَآ أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ﴾(١)، ففيها حذف تقديره إلا أمر نفس أو إلا طاعة
نفسي وأخي؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا ﴾
غضب عليه الصلاة والسلام، وقال ذلك كأنه يقول لم يطعني منهم
إلا نفسي وأخي.
ثانيها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه وحال المحدث في
ضبطه وعدم نسيانه والمحدث عنه، فإن الحسن البصري ذكر الرواية
بلفظ حدثنا، وفي مسجد البصرة وعدم نسيانه لما رواه وعدم كذب
المحدث عنه وعدالة الصحابة .
ثالثها : ترجيح رواية الحديث بلفظه دون معناه.
(١) سورة المائدة: آية ٢٥.
١٢٧

رابعها: التحديث عن الأمم الماضية للاعتبار وتقرير الأحكام،
جواز التحديث
عن الأمم
الماضية
وذلك ما اطلعه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطياً
يديه فقال له: ما صنع بك ربك. قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ولار
[٨/١٨٤ب] فقال: / ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن يصلح منك ما
أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله وَله، فقال رسول الله الر
((اللهم وليدة فاغفر))(١).
دليل لأهل السنة
على عدم تكفير
صاحب الكبيرة
وعقوية أهل
المعاصي
وهذا الحديث فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنّة أن من قتل
نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا
يقطع له بالنار، هو في حكم المشيئة. وهذا الحديث أيضاً شرح(٢)
لحديث جندب المذكور ولغيره من الأحاديث [الموهمة](٣) لتخليد
قاتل نفسه في النار، ورد على المعتزلة القائلين بذلك وعلى المرجئة
القائلين بعدم المؤاخذة بالذنوب مع الإِيمان وهو نص في عين
المسألة .
(١) مسلم (١١٦)، وأحمد (٣٧١/٣).
(٢) في الأصل (الموهمة).
(٣) زيادة من ن هـ.
١٢٨

كتاب الحدود
١٢٩

٦٩ - كتاب الحدود
الحدود: جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ومنه حد الدار، الحدودلغة
وسيب تسمية
وسميت الحدود حدوداً لمنعها من ارتكاب الفواحش. وقيل: الحدود
لأن الله تعالى حددها وقدرها فلا يزاد عليها ولا ينقص منها.
وكانت الحدود في صدر الإسلام بالغرامات ثم نسخت بالحدود
[المشهورة](١). والمنصوص عليها، وفي سنن ابن ماجه وصحيح ابن
حبان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَّفي قال: الترغيب في
((حدٌّ يقام في الأرض خير من أن تمطر أربعين يوماً))(٢). رواه النسائي.
إقامة الحدود
وقال: ثلاثين، والإِمام أحمد بالشك فيهما.
وذكر المصنف في الباب ستة أحاديث / والأخير منها في [١٦٩/هـ/ب]
إباحة فقء عين من نظر إليه من صير الباب.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) النسائي (٧٥/٨، ٧٦)، وأحمد (٤٠٢/٢، ٣٦٢)، وابن الجارود
(٨٠١)، وابن ماجه (٢٥٣٨).
١٣١

الحدیث الأول
٦٩/١/٣٦٤ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:
((قدم ناس من عكل - أو عرينة - فاجتووا المدينة، فأمر لهم
النبي ◌َّلتر بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا.
فلما صحوا قتلوا راعي النبي ◌َّ، واستاقوا النعم. فجاء الخبر في
أول النهار، فبعث في آثارهم. فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر
بهم، فقُطعت أيديهم وأرجلهم [من خلاف](١)، وسُمرت أعينهم،
وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا
وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله)). أخرجه
الجماعة(٢).
هذا حديث عظيم مشتمل على نفائس من علم الأسماء والنسب
(١) زيادة من متن العمدة ما حاشية إحكام الإحكام.
(٢) البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١)، وأحمد (١٦١/٣، ١٦٣، ١٧٠،
١٧٣٠، ٢٣٣)، والنسائي (١٥٨/١، ١٦٠)، (٩٣/٧، ٩٨)، وفي الكبرى
له (٣٣٤/٦)، وأبو داود (٤٣٦٤، ٤٣٦٨)، وابن ماجه (٢٥٧٨)،
والترمذي (٧٢)، والبيهقي في السنن (٨/ ٤٩٠)، وعبد الرزاق
(١٠٦/١٠)، والبغوي في شرح السنة (٢٠٦/١٠).
١٣٢

واللغة والمبهمات والأحكام، ويتبين ذلك في وجوه:
أولها: أنس - رضي الله عنه - تقدَّم التعريف به في أول باب
الاستطابة .
وأبو قلابة: سلف في باب صفة صلاة النبي وَله ومراد / [١٨/١٨٥]
المصنف: ((بالجماعة)) أصحاب الكتب الستة، وقد أسلفت لك
ترجمة البخاري ومسلم في شرح ديباجة الكتاب، وراجع ترجمة
الأربعة فيما أفردته في الرجال الواقعة في الكتاب.
ثانيها: قوله: ((عكل)) بضم العين المهملة وسكون الكاف ضبط عكل
وبعده لام قبيلة نسبت إلى عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن
ونبها
قيس بن عوف بن عبد مناة بن آد بن طابخة، فغلبت عليهم ونُسبوا إليها .
و ((عرينة)»: بضم العين المهملة وفتح الراء ثم مثناة تحت ضبط عربنة
ساكنة ثم نون ثم هاء: بطن من بجيلة .
ثالثها: في ((الصحيح))(١) أيضاً ((من عرينة على الجزم))، وفيه
((من عكل)) على الجزم، وفيه ((من عكل وعرينة)) من غير شك. وفي
((مصنف عبد الرزاق)) (٢) ((من بني فرازة ماتوا هزلاً)). وفي ((أحكام ابن
الطلاع)» من بني سليم. وفي شرح الشيخ تقي الدين (٣): من بني
عرينة .
رابعها: عدد العرنيين ثمانية كما ثبت في الصحيحين، وعزى عدد العربين
(١) ينظر تخريج الحديث.
(٢) ينظر تخريج الحديث. أقضية رسول الله مَّيو (١٣) لابن الطلاع.
(٣) إحكام الأحكام (٤/ ٣٤٠).
١٣٣

ذلك النووي في ((مبهماته))(١) إلى مسند أبي يعلى، وتبعه تلميذه ابن
العطّار في ((شرحه))، وهو غريب، فقد أخرجه مسلم في الحدود
والبخاري(٢) في باب إذا أحرق المسلم هل يحرق؟ فعزوه إليهما
أولی.
معنى (اجتووا)
خامسها: ((اجتووا)» بجيم ثم مثناة فوق؛ وهو مشتق من الجوا،
وهو داء في الجوف، ومعناه: استوخموها كما جاء مفسراً في الرواية
الأخرى في الصحيح: ((فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم»، أي
لم توافقهم وكرهوها لسقم أجسامهم. يقال: اجتوى البلد إذا
كرهها. واستوخمه واستوبله: إذا سقم فيه عند دخوله، ومنهم من
فرَّق بين اجتوى واستوبل، يقال: اجتوى البلد إذا كرهها، وإن كانت
موافقة، واستوبلها إذا لم توافق وإن اجتواها (٣). وقد وقع كذلك في
بعض نسخ الكتاب.
وفي الصحيح(٤): ((قدم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوا، وقد
وقع بالمدينة الموم))، وهو البرسام، أي وهو نوع من اختلال يُطلق
(١) المبهمات للنووي (٥٣٩). أقول: عزاه للبخاري فقط مع أبي يعلى دون
مسلم.
(٢) انظر تخريج حديث الباب.
(٣) العبارة هكذا في غريب الحديث لأبي عبيد (١٧٤/١). قال أبو زيد:
اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها إذا
لم تكن توافقك في بدنك، وإن كنت محباً لها. اهـ. انظر مادة ((جوا)»
وأيضاً «وبل» في النهاية .
(٤) في الأصل زيادة قد .
١٣٤

على ورم الرأس وورم الصدر(١)، وهو معرب. أصل اللفظة
سريانية(٢).
وفي ((مسند أحمد)): ((شكوا حمى المدينة))، ووقع في
حواشي(٣) بعض نسخ مسلم: ((الحمى)) بدل ((المرم))، حكاه
(٤)
المازري(٤).
فلما حصل لهم ذلك أمرهم - عليه الصلاة والسلام - [أن](٥)
يخرجوا [إلى] (٦) الإِبل واللقاح، فيشربوا من أبوالها وألبانها،
فالمدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. وقد ظهر خبثهم
بعد ذلك وقبح فعلهم.
سادسها: ((اللقاح)): ذوات الألبان من الإِبل. واحدها: لقحة، معنى (اللفاح))
بكسر اللام وفتحها، وقيل: إنما يقال لقحة بعد شهر أو شهرين
أو ثلاثة / لقرب ولادتها، ثم هي بعد ذلك لبون.
[١/١٨٥/ب]
(١) قال في إكمال إكمال المعلم (٤١٢/٤)، وقع في بعض حواشي مسلم
الحمى والبرسام ورم الصدر والشرسام ورم الرأس وقل من رأيت من
الأطباء من يحقق الفرق بين هذين. اهـ. محل المقصود.
(٢) قال في المعرب (٤٤) ((البرسام» معرب. وهو هذه العلة المعروفة ((فبر)» هو
الصدر، ((وسام)) من أسماء الموت. وقيل: ((بر)) معناه الابن. والأول أصح
لأن العلة إذا كانت في الرأس يقال لها ((سرسام)) و(سر)) هو الرأس. وقيل
تقديره: ابن موت. اهـ. انظر: قصد السبيل (١/ ٢٧٠).
(٣) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٤١٢).
(٤) المعلم (٣٧٧/٢).
(٥) زيادة من ن هـ.
(٦) زيادة من ن هـ.
١٣٥

سابعها: هذه اللقاح ثبت في الصحيح أنها لقاح النبي ◌َّر،
هذه اللقاح
للنبي ﴾
وثبت فيه أنها إبل الصدقة، ولعل الجمع بينهما اللقاح له والإِبل
للصدقة، وكانت ترعى معها فاستاقوا الجميع، وإنما أذن لهم في
شرب لبنها على هذه الرواية لأنه للمحتاجين من المسلمين، وهؤلاء
[١٧٠/هـ/أ] منهم. وقد ترجم عليه البخاري في كتاب الزكاة استعمال / إبل
الصدقة وألبانها لأبناء السبيل(١).
عدد هذه اللقاح
ثامنها: عدد هذه اللقاح خمس عشرة [ ... ](٢) ذكره ابن سعد
في ((طبقاته))(٣)، قال: وفقد منها واحدة. قال: وهذه اللقاح كانت
ترعى بذي الحدر، ناحية قباء، قريباً من عير على ستة أميال من
المدينة .
اسم الراعي
عاشرها: اسم هذا الراعي: يسار، بمثناة تحت في أوله، وهو
مولى رسول الله وَّلير، وكان نوبياً، فأعتقه. وقيل: إنه - عليه الصلاة
والسلام - أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لقاح له
يرعى ناحية الحمى، فقتلوه ثم مثلوا به وغرزوا الشوك في لسانه
وسمروا عينيه. وفي ((معرفة الصحابة))(٤) لأبي نعيم أنهم قتلوه
وجعلوا الشوك في عينيه. وفي الصحيح: ((ثم مالوا على الرعاة
فقتلوهم))، ولا تنافي بينهما، فإن الراعي اسم جنس.
(١) الفتح (٤٢٨/٣) ح (١٥٠١).
(٢) في المخطوطتين كلمة (عدا).
(٣) الطبقات لابن سعد (٩٣/٢).
(٤) (٢٨٠٩).
١٣٦

الحادي عشر: ((استاقوا)): حملوا، وهو من السوق وهو السير
السريع العنيف.
الثاني عشر: ((النعم)) بفتح النون والعين المهملة، يُذكَّر معنى النعم.
ویؤنَّث. حکاهما ابن دريد وغيره.
وقال الفراء: لا يؤنث، سمي نعماً لنعومة بطنه، وهي الإِبل
خاصة. قاله ابن دريد والهروي.
قال الهروي: بخلاف الأنعام، فإنها الإبل والبقر والغنم. وهذا
غريب في الأسماء أن يدل الجمع على جنس لا يدل عليه المفرد.
وقال الجوهري(١): الأنعام المال الراعية، وأكثر ما يقع على
الإِبل. وقال النووي في ((تحريره))(٢): النعم الإِبل والبقر، وهو اسم
جنس، وجمعه: أنعام. قال: ونقل الواحدي: إجماع أهل اللغة على
هذا كله .
وقال غيره: لا تطلق على الغنم أنها نعم إلا إذا كان معها إبل
[أو](٣) بقر، ويُطلق على كل من الإِبل والبقر نعم بمفرده.
الثالث عشر: في الصحيح أيضاً: أنهم ((استاقوا ذود
رسول الله و9َّ))، وفيه أيضاً: ((أنهم طردوا الإِبل))، ووجه الجمع أنهم
استاقوا الذود، وهو النعم في الرواية الأخرى ((مع إبل الصدقة))
أيضاً.
(١) مختار الصحاح (ن ع م).
(٢) تحرير ألفاظ التنبيه (٢٣٤).
(٣) في ن هـ بالواو.
١٣٧

الرابع عشر: بعث لر في آثارهم كرزبن جابر الفهري ومعه
عشرون فارساً. قاله ابن سعد في ((طبقاته)(١).
وفي ((صحيح مسلم))(٢): وعنده شباب من الأنصار قريب من
هذه الإِبل عشرين، فأرسل / إليهم وبعث معهم قائفاً يقص أثرهم.
قائد السرية
لاستخلاص
[١٨/١٨٦]
وذكر أيضاً أبو حاتم ابن حبان في ((ثقاته)) (٣) فقال: كان ذلك
في السنة السادسة، وأنه بعث في طلبهم كرز بن جابر الفهري بسرية
في شوال في عشرين راكباً معهم قائف، فأخذ قرابهم حتى أخذوهم
وجاءوا بهم إلى رسول الله وَله. وقال موسى بن عقبة: كان أمير
السرية سعيد بن زيد. وروى محمد بن الفضل الطبري من حديث
جرير: أنه - عليه الصلاة والسلام - بعثه في أثرهم، وفيه على تقدير
صحة إسناده نظر؛ لأن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست كما
ذكرناه، وإسلام جرير كان في السنة العاشرة على المشهور؛ إلا أن
يدعي أنه استعان به .
معنی اسمرت،
الرابع عشر: (سمرت)) بالميم المخففة وشددها بعضهم،
والأول أوجه، أي كحلت بمسامير محماة. ويؤيده رواية البخاري:
(ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها)». وفي معظم نسخ ((مسلم)):
((سمل)) باللام وتخفيف الميم، أي فقأها وأذهب ما فيها إما بشوك
أو بغيره.
(١) الطبقات لابن سعد (٢/ ٩٣).
(٢) سبق تخريجه في حديث الباب.
(٣) الثقات لابن حبان (٢٨٧/١).
...
١٣٨

قال أبو ذؤيب(١):
سملت بشوك فهي عور تدمع
والعين بعدهم کان حداقها
وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها،
وعلى هذا تتفق مع رواية من رواه بالراء، وقد تكون هذه الحديدة
مسماراً، وأيضاً فقد فقأها بالمسمار وسملها به كما فعل ذلك
بالشوك، وقيل: إن الراء واللام بمعنى واحد، والراء تبدل منها.
واستعمله القرطبي (٢).
الخامس عشر: إنما سمل أعينهم [لأنهم سملوا أعين سبب سل
الرعاة](٣)؛ كما ثبت في ((صحيح مسلم))، وهو من أفراده،
أعينهم
واستدركه صاحب المستدرك (٤) ولا يحسن استدراكه على مسلم(٥)؛
لأنه فيه - كما علمت -، نعم قد يستدرك على البخاري.
السادس عشر: ((الحرة)) أرض تركبها حجارة سود - كما سلف في معنى (الحرة)
الصيام -، وفي رواية الصحيح: ((ثم نبذوا في الشمس حتى / [١٧٠/ هـ/ب]
ماتوا))، وفيه أيضاً: ((وتركهم بالحرة يعضون الحجارة))، وفيه أيضاً:
«فرأيت الرجل منهم يلزم الأرض بلسانه حتى يموت))، وفيه أيضاً:
((أنه لم يحسمهم بالنار حتى ماتوا))، أي لم يكوهم لينقطع الدم.
(١) انظر: ديوان الهذليين (٣/١)، والنهاية (٤٠٣/٢) مادة («سمل».
(٢) المفهم (١٩/٥).
(٣) في هـ ساقطة. وفي الأصل زيادة (الناس كالرعاة).
(٤) المستدرك (٣٦٧/٤).
(٥) سبق تخريجه.
١٣٩

قال القاضي(١): وهو حجة في أن المحارب لا يحسم لأنه
عدم حسم
المحارب
ممن خير في حده بالقتل، لكن إن حسم نفسه لم يمنع. وأما
السارق: فحده القطع فقط. فيبادر بحسمه لئلا ينزف دمه فيموت،
وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وغيرهما.
السابع عشر: قوله: ((يستسقون فلا يسقون))، أي: يسألوا ذلك
فيه بیان أن من
وجب عليه القتل
يسقى والإجابة وهذا إخبار عن الواقع لا يقتضي بهذا ولا غيره. وقد أجمع العلماء
عن علم سفهم كما نقله القاضي (٢) على أن من وجب عليه القتل فاستسقى / الماء
[٨/١٨٦/ب]
أنه لا يمنع منه لئلا يجمع عليه عذابان وأجيب عن عدم سقايتهم
بجوابین حسنين :
أحدهما: معاقبة بجنايتهم وكفرهم بسقيهم ألبان تلك الإِبل
فعاقبهم الله تعالى بذلك فلم يسقوا.
ثانيهما: أنهم عوقبوا بذلك لإِعطائهم آل بيت النبي و # بأخذ
لقاحهم ودعائه عليه الصلاة والسلام عليهم بقوله: ((عطش الله من
عطش آل محمد الليلة))(٣)، كما رواه النسائي فكان ترك الناس سقيهم
إجابة لدعائه ێ . .
ووجه ثالث حسن: وهو ما ثبت في الصحيح أنهم قتلوا الرعاة
وارتدوا عن الإِسلام فلا حرمة لهم إذن من سقي الماء ولا غيره وهذا
معنى قول أبي قلابة: و ((كفروا بعد إيمانهم)).
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤ / ٤١٢).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤ / ٤١١).
(٣) انظر تخريج حديث الباب.
١٤٠