النص المفهرس

صفحات 61-80

يلسوم ابْنُّ أُمّي لو أُمرتُ بقتله
لَطَبَّقْتُ ذِفَرَاهُ بِأَبْيَضَ قَاضِبٍ
حُسامٍ كَلَوْنِ الملح [أُخْلِصَ](١) صقلُهُ
متى ما أُصوبه فليس بكاذب
وما سرني أني قتلْتُكَ طائعاً
وأنَّ لنا ما بين بُصرى ومأرب
شهد أحداً والخندق وسائر المشاهد مع النبي ◌َّله.
بعبد الرحمن
ابن سهـ
وأما عبد الرحمن بن سهل: فهو عبد الرحمن بن عمرو بن التعريف
سهل الأنصاري، ثم الخطمي المدني؛ وهو من بني حارثة. شهد
أُحداً وما بعدها. روى عن عثمان وغيره، وعنه ابنه عمرو وغيره. له
حديثان. قال أبو عمر: يُقال إنه شهد بدراً، وكان له فهم وعلم،
وهو القائل لأبي بكر لما أعطى الجدة أم الأم دون أم الأب:
يا خليفة رسول الله أعطيت الذي لو ماتت لم يرثها وتركت الذي
لو ماتت ورثها، فجعله أبو بكر بينهما.
قلت: واستعمله عمر على البصرة حين مات عتبة بن غزوان.
وأما حماد بن زيد فهو عالم أهل البصرة في زمنه أبو إسماعيل التعريف
بحماد بن زيد
حماد بن زيد بن درهم الأزدي، البصري، الأزرق، الضرير،
الحمصي، مولى جرير بن حازم. سمع / خلقاً من التابعين وغيرهم، [٨/١٧١/ب]
(١) في الأصل ون هـ (أبيض)، وما أثبت من المغازي وسيرة ابن هشام
(٢/ ٤٤١) .
٦١

وعنه خلائق من الأئمة والعلماء. قال ابن مهدي: أئمة الناس في
زمانهم أربعة: الثوري، ومالك، والأوزاعي، وحماد بن زيد. وقال
أحمد: هو أحب إليَّ من حماد بن سلمة. وقال أبو زرعة: هو أثبت
منه بكثير وأصح حديثاً وأتقن. وُلد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة
تسع وسبعين ومائة، بعد موت مالك بأشهر، وهو ابن إحدى وثمانين
سنة، وصلَّى عليه والي البصرة إسحاق بن سليمان بن علي
الهاشمي .
وأما سعيد بن عبيد: فهو الطائي الكوفي أبو الهذيل. روى عن
بشير بن يسار وسعيد بن جبير وجماعة، وعنه وكيع وجماعة. وثقه
أحمد وابن معين والنسائي.
وقال أبو حاتم: یکتب حديثه.
تصحيح خطأ في
اسم أحد الرواة
[١٦٠/هـ/ أ]
واعلم أنه وقع في شرح الشيخ تقي الدين(١): سعد بن عبيد،
بدل: سعید، وهو من النساخ، / وصوابہ سعید - كما ذكرت - .
ووقع في (شرح الفاكهي)) على الخطأ أيضاً. ولما رأى بعض الشراح
ذلك ترجمه سعيد بن عبيد الزهري - السالف - في باب أفضل
الصيام وغيره، فاجتنبه. ووقع في بعض نسخ الكتاب: سعيد بن
عبيد، بدل: سعيد بن زيد. فعقد له بعض من تكلم على رجاله
ترجمة، وهذا وهم آخر فاحذره، ووهم الصعبي شارح هذا الكتاب
وهماً آخر، فكتب فيما شاهدته من خطه: سعد بن عبيد، ثم ضرب
على عبيد وكتب: ابن زيد، فاجتنب ذلك [كله](٢).
(١) في النسخة التي بين يدي (سعيد).
(٢) في هـ ساقطة.
٦٢

الوجه الثاني: في بيان ما فيه من الأمكنة والألفاظ:
أما خيبر: فتقدم ذكرها في الحديث الخامس من باب الرهن وغيره.
وقوله: ((فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كبر، كبر)) كذا في
الصحیح. وفيه أيضاً: «فذهب محيصة ليتكلم فقال: کبر، کبر» یرید
السن، فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة.
ومعنى (كبر كبر)» ليتكلم الأكبر، وأكَّده بالتكرير تنبيهاً على معنى (كبر كبيرا
شرف السن. وقد روعي في الإِمامة وولاية النكاح ندباً أيضاً،
والمراد بكبر السن: القِدم في الإِسلام والسبق إليه والعلم به
وممارسة أعماله وأحواله والفقه فيه. ولو كان الشيخ عرباً عن ذلك
واتصف الشاب به قدم عليه .
وقد قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شاب للكلام، فقال
له عمر: كبر، كبر؛ فقال: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان هنا
من هو أولى بالخلافة منك. فقال: تكلم، فتكلم، فأبلغ / وأوجز.
[١٨/١٧٢)
وكلام عبد الرحمن على رواية الكتاب لم يكن حقيقة دعوى
يترتب عليها الحكم، إذ لو كان دعوى لما قدم حريصة ومحيصة عليه
لأنه أخوه، وهما ابنا عمه لا حق لهما في المطالبة به مع وجوده،
وإنما هو بيان وشرح للواقعة والأكبر أفقه وأعلم بذلك خصوصاً في
مخاطبة الكفار(١)، فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. قاله النووي
في ((شرحه))(٢) قال: ويحتمل أن عبد الرحمن وكّلهما في الدعوى
(١) ليس هذا محله لأنهما خاطبا النبي وقال.
(٢) شرح مسلم (١٤٦/١١).
٦٣

ومساعدته أو أمر بتوكيله حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر،
واستبعد غيره ممن أدركناه هذا الاحتمال، وقال: لو كان ثم توكيل
لنقل، والأحسن أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يعلم أن
عبد الرحمن أخص منهما بالكلام، وأن أخاه هو المقتول، وأنهم أتوا
بسبب ذلك، وإنما لما جاؤوه مجتمعين فهم من حالهم أنهم أتوه في
أمر يشملهم ولم يعلم السبب الذي جاء بهم. فلما رأى أصغر
الأخوين بدأ بالكلام نبه على أن الأكبر أولى بذلك.
وقول النووي(١): إنه لم يكن المراد بالكلام حقيقة الدعوى.
قد يرده قوله - عليه الصلاة والسلام - بعد ذلك بنحو صفحة
أن فيه جواز الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم(٢). إلا أن
يقال أن الظاهر وقوع دعوى بعد هذا، فلا يرد ذلك عليه.
وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أتحلفون وتستحقون
قاتلكم، أو صاحبكم)) إن قلت: كيف عرضت اليمين على الثلاثة،
معنى قوله
«أتحلفون
وتستحقون
ناتلكم، وإنما اليمين للوارث خاصة وهو عبد الرحمن دونهما؟ فالجواب كما
قاله النووي في ((شرحه))(٣) أنه كان معلوماً عندهم أن اليمين تختص
بالوارث، فأطلق الخطاب لهم؛ والمراد من يختص به اليمين،
واحتمل ذلك لكونه معلوماً عند المخاطبين؛ كما سمع كلام الجميع
في قتله وكيفية ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة
مختصة بالوارث.
(١) (١٤٦/١١).
أي كلام النووي (١٤٨/١١).
(٢)
(٣) شرح مسلم (١٤٦/١١).
٦٤

قلت: [و](١) هو جواب حسن، لكن ظاهر قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم)) يخدشه، نعم
هو مؤول كما سيأتي، [ولم](٢) تأوله المالكية، بل قالوا به، وأنه إذا
كان ولي الدم وأحد يستعين بعصبته في الأيمان فيحلفون معه وإن لم
یکن لهم ولایة.
ومعنى ((تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم)): يثبت حقكم على
من حلفتم عليه، وهل ذلك الحق قصاص أو دية فيه خلاف بين
العلماء - كما سيأتي - .
وقوله: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم)) لا بد من
تأويله، لأن اليمين إنما تجب / على الوارث خاصة لا على غيره من [١٦٠/هـ/ب]
القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسين / يميناً، [٨/١٧٢ب]
والحالف لها هو الوراث.
وقوله: ((فتبرثكم يهود)» هو مرفوع لا يصرف، لأنه اسم للقبيلة
والطائفة، ففيه التأنيث والعلمية.
ومعنى («تبرئكم يهود بخمسين يميناً»: أي تبرأ إليكم من دعواكم معنى البرئكم
يهود بخمسین
بذلك. وقيل: معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا ببنا)
انتهت الخصومة ولم يثبت عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين.
(الرُّة)) بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة، أصلها: الحبل معنى(الرمة؟
الذي يكون في عنق البعير أو الأسير ليسلم به من يقوده به، شُبِّه به
(١) زيادة من هـ.
(٢) في الأصل (وبه) وما أثبت من هـ.
٦٥

القاتل لتسليمه إلى ولي المقتول للقتل، والجمع: رمم ورمام.
وأما الرِّمة بالكسر: فالعظم البالي. يقال: رمم العظم وأرم
إذا بلي. والرميم: الشيء التالف المتفتّت كالورق المهشَّم؛ ومنه
قوله تعالى: ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَِّيمِ
﴾ (١) .
وقولهم: ((كيف نأخذ بأيمان قوم كفار» هو استبعاد لصدقهم
وتقريب لإِقدامهم على الكذب وجرأتهم على الأيمان الفاجرة.
ومعنى ((عقله)): [أعطى](٢) عقله، أي ديته: وسُمِّيت الدية
عقلاً لأن الإِبل كانت تعقل بفناء المستحقين.
«و وداه» بتخفیف الدال: أي دفع دیته.
ومعنى («كره أن يبطل دمه»، أي يجعله هدراً.
الوجه الثاني : في أحكامه :
إثبات القسامة
الأول: إثبات القسامة، وهو كما قال القاضي عياض: أصل
من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان
مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن:
بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم،
وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال القسامة،
وأنه لا حكم لها ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، والحكم بن
عتبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية،
والبخاري ... وغيرهم.
(١) سورة الذاريات: آية ٤٢ .
(٢) في الأصل أي وما أثبت من هـ.
٦٦

وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين، وكذا عن
سلمان بن يسار، والصحيح عنه العمل به كما قال القرطبي(١).
واختلف قول مالك في جواز القسامة في القتل خطأ، كذا الفسامة في
حكاه القاضي عياض، ونوقش في ذلك، وأنه إنما اختلف في قوله
القتل خطأ
في قتل الخطأ مع قول الميت: فلان قتلني، لا فيما إذا كان اللوث
غير ذلك.
واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمداً هل يجب القتل بالقسامة
عمدًا
القصاص بها؟
فقال معظم الحجازيين: يجب، وهو قول الزهري، وربيعة،
وأبي الزناد، ومالك وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وداود. وهو قول الشافعي في القديم.
وروي عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز. / قال أبو الزناد : [١٨/١٧٣)
قتلنا بها وأصحاب رسول الله وَله متوافرون، إني لأرى أنهم ألف
رجل فما اختلف منهم اثنان. والذي قال بهذا جعل له شرطين:
أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى.
والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المراودة
في استحقاق ما ادعى به .
وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا يجب بها
القصاص، وإنما تجب الدية .
(١) المفهم (١٨/٥).
٦٧

وروي عن الصديق، والفاروق، وابن عباس، ومعاوية،
والحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي،
والحسن بن صالح، وإسحاق؛ واستدل لذلك بقوله - عليه الصلاة:
والسلام - في الصحيح: ((إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا
بحرب)) فإنه يدل على أن المستحق دية لا قود، ولأنه لم يتعرض
للقصاص؛ لكن الاستدلال بقوله - عليه الصلاة والسلام - فيما.
مضى فيدفع (برمته)) أقوى من الاستدلال بقوله: ((وتستحقون دم.
صاحبكم))، لأن قولنا ((يدفع برمته)) [مستعمل](١) في دفع القاتل
للأولياء للقتل، و[لو] (٢) أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ
[فيها](٣)، وهو [في](٤) استعماله في تسليم القاتل أظهر،".
والاستدلال بقوله: ((دم صاحبكم)) كما ثبت في الصحيح من رواية
الكتاب: ((تستحقون قاتلكم، أو صاحبكم)) لأن هذا اللفظ الأخير
لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر: ((دية صاحبكم)).
[إضماراً] (٥) ظاهراً، وإنما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل
اللفظ، بإضمار بدل ((دم صاحبكم))، والإِضمار على خلاف
[١/٨/١٦١] الأصل /، ولو احتيج إلى الإِضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة
الدم أقرب، والمسألة مستشنعة عند المخالفين لهذا المذهب،
(١) في إحكام الأحكام (يستعمل).
(٢) زيادة من هـ وإحكام الأحكام.
(٣) في هـ (فيه).
(٤) في هـ ساقطة.
(٥) في إحكام الأحكام (احتمالاً).
٦٨

أو بعضهم، فربما أشار بعضهم إلى احتمال أن يكون المراد بقوله:
(دم صاحبكم)) هو القتيل لا القاتل، ويرده قوله: ((دم صاحبكم
أو قاتلكم».
ثم اختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي الخلاف فيمن
والجمهور: يحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً،
يحلف بالقسامة
واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بالمدعى
وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا يندفع، وقال مالك: الذي
أجمعت عليه الأمة قديماً وحديثاً أن المدّعين يبدؤون في القسامة،
ولأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث. قال القاضي(١): وضعف
هؤلاء رواية من روى الابتداء بيمين المدعى عليهم.
قال أهل الحديث: هذه الرواية وهم من الراوي، لأنه أسقط
الابتداء بيمين المدعى عليهم، ولم يذكر رد اليمين، ولأن من روى
الابتداء بالمدعين معه زيادة علم ورواياتها صحاح من طرق كثيرة
مشهورة توجب / العمل بها ولا يعارضها رواية من نسي. قال: وكل [١/١٧٢/ب]
من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية بدأ بيمين المدعى عليهم
إلا الشافعي وأحمد، فقالا بقول الجمهور، وأنه يبدأ بيمين المدعي،
فإن نکل ردت على المدعى عليه.
وأجمع العلماء: على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد
الدعوى حتى يقترن بها شبهة يغلب الظن بالحكم بها.
واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة؛ لها سبع صور: الخلاف في
الشبهة المعتبرة
في القسامة
وصورها
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٣٩٥).
٦٩

الأولى: أن يقول المقتول في حياته دمي عند فلان. وهو قتلني
أو ضربني وإن لم يكن به أثراً وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي
أو جرحني، ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند مالك واللیث،
وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة [حديثاً وقديماً](١). قال
القاضي (٢): ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما ولا روي عن
غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء كافة، فلم ير أحد غيرهما في هذا
قسامة، واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة.
واحتج مالك في ذلك بقصة بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا
أضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾(٣)، قالوا: فحي الرجل وأخبر
بقاتله .
واحتج أصحابه: بأن تلك حالة تطلب فيها غفلة الناس، فلو
شرطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء
غالباً. قالوا: ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق، ويتجنب
الكذب والمعاصي، ويتزوَّد البر والتقوى، فوجب قبول قوله.
وقال الباجي(٤): إن قيل ذلك - أعني ما سلف من قصة بني
إسرائيل - أنه قيل: إنما الآية في إحيائه، وإذا صار حياً لم يكن
كلامه آية؛ وهذا مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت
نسخه .
(١) ن هـ (تقديم وتأخير).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٣٩٧).
(٣) سورة البقرة: آية ٧٣.
(٤) المنتقى (٥٦/٧).
٧٠

قال أبو عمر (١): هذه غفلة شديدة، لأن هذه الآية لا تصح إلا
النبي، أو بحضرة نبي، وقتيل بني إسرائيل لم يقسم عليه أحد بيمين
واحدة ولا خمسين، وقد أجمعوا أن شرعة المسلمين وسنتهم في
الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى المجردة، وأن المقتول
لو قال عند موته: دمي عند فلان، ولي على فلان درهم فما فوقه لم
يقبل قوله في الدرهم.
واختلفت المالكية: في أنه هل يكتفى في الشهادة على قوله
بشاهد أم لا بد من اثنين؟ حكاه القاضي عنهم، ونقل غيره أن
المشهور الثاني .
واختلفوا أيضاً إذا لم يقم على الضرب أو الجرح إلا شاهد
واحد.
[١٨/١٧٤)
فقال ابن القاسم: يقسم معه. وقال غيره: لا يقسم حتى يثبت
أصل الجرح أو الضرب / .
الثانية: اللوث من غير بيِّئة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك
والليث والشافعي: ومن اللوث شهادة العدل وحده. وكذا قال
جماعة ليسوا عدولاً، وفي الواحد غير العدل خلاف عن مالك،
وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة العبيد والصبيان
والذميين لوثاً.
وقال بعض المالكية: شهادة الصبيان والنساء لوث وأباه
أکثرهم.
(١) الاستذكار (٣٢٦/٢٥).
٧١

الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياماً ثم مات قبل
[١٦١/ هـ/ب] أن يفيق منه /، قال مالك والليث: هو لوث، أي إذا لم ينفذ مقاتله
عند مالك ..
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا، بل يجب القصاص
بشهادة [العدلين](١):
[الرابعة](٢): يوجد المتهم عند المقتول، أو قريباً منه، أو آت
من جهته ومعه آلة القتل، وعليه أثر من لطخ دم وغيره، وليس هناك
سبع ولا غيره. مما يمكن إحالة القتل عليه أو تفرق جماعة عن
قتيل، فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي.
[الخامسة](٣): أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل، ففيه.
القسامة عند مالك والشافعي. وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل
فيه دية على الطائفة الأخرى إن كان من الطائفتين، وإن كان من
غيرهما فعلی الطائفتین دیته.
وقال أحمد وإسحاق: ديته على الفئة المنازعة، فإن عينوا
رجلاً ففيه القسامة.
[السادسة](٤): أن يوجد الميت في زحمة الناس. قال
الشافعي: تثبت فيه القسامة وتجب بها الدية ..
(١) في هـ (عدلين).
(٢) في الأصل (العاشرة) وما أثبت من هـ.
(٣) في ن هـ (الخامسة).
(٤) ن هـ (سادسة).
٧٢

!
وقال مالك : هو هدر.
وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروى مثله
عن عمر وعلي.
[السابعة](١): أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم.
فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا تثبت
بمجرد هذا قسامة، بل القتيل هدر، لأنه [لا] (٢) يقتل الرجل الرجل
ويلقيه في محلة طائفة ليست لهم ليلطخهم به .
قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أو قرية صغيرة.
[لا عداية](٣) لا يساكنهم غيرهم فيكون كالقصة التي جرت
بخيبر، فحكم - عليه الصلاة والسلام - بالقسامة لورثة القتيل لما
كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم.
وعن أحمد نحو قول الشافعي، وتأوله بعضهم على مذهب
مالك.
وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في
المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من
الصور السبعة إلا بهذا، لأنها عندهم / في الصورة التي حكم بها [٨/١٧٤/ب]
النبي ◌َّل* فيها بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.
(١) ن هـ (سابعة).
(٢) زيادة من هـ وفي المفهم (قد).
(٣) هكذا في المخطوط والمراد به (العداوة) كما في المفهم (٦/٥) وسياق
الكلام بعده.
٧٣

قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد حلف أهل المحلة ووجبت
الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن
لم يكن عليه أثر، ونحوه عن داود، وقال: لا أقضي بالقسامة في
شيء إلا في الدعوى في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة
أو المدينة وهم أعداء المقتول.
الثاني: من أحكام الحديث اشتراط وجود الدم في إيجاب
القسامة صريحاً، والجراحة ظاهراً لوجود عبد الله بن سهل يتخبّط في
دمه قتيلاً، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - بالقسامة بسببه وقد
قدمنا في الصورة الأولى عن بعض المالكية اشتراط الأثر والجرح.
وقال أصحابنا: لا يشترط وجود دم ولا جراحة، فإن القتل قد
يحصل بالخنق، وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس؛ فيقوم
أثرهما مقام الجراحة .
وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحة ولا دم فلا قسامة، وإن
وجدت الجراحة ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دونها؛ فإن خرج من
أنفه فلا قسامة، وإن خرج من أذنه أو فمه ثبتت.
قال الرافعي: وهو وإن شرط الجراحة أو الدم في القسامة فلا
يجعل الخلو عنها مبطلاً للوث، واللوث غير معتبر عنده، وليست
القسامة عندہ کھي عندنا.
الثالث: فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، وقد سلف
واضحاً.
٧٤

الرابع: البداءة في القسامة بيمين المدعي، وهو مذهب أهل البداءة في
الحجاز، ونقل عن أبي حنيفة خلافه. وهو مخالف لما اقتضاه المدعي
القسامة بيمين
الحديث، وقدم المدعي ها هنا باليمين على - خلاف قياس
الخصومات - بما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث، مع عظم قدر
الدماء، ولينبّه على أنه ليس كل واحد من هذين المعنيين بعلة
مستقلة، بل كل واحد جزء علة.
الخامس: تعدد الأيمان في القسامة، وأنها خمسون، والحكمة عدة الأيمان
في تعددها أن تصديق المدعي على خلاف الظاهر، فأكد بالعدد لتعظيم
في القسامة
شأن الدم، فلو كانت الدعوى في غير محل اللوث وتوجهت اليمين
على المدعى عليه، ففي تعددها خمسين، قولان للشافعي / أظهرها [١٦٢/هـ/أ)
نعم لتعظيم شأن الدم. ونقل مقابله عن أبي حنيفة لأنها يمين في جانب
المدعى عليه لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد کسائر الدعاوى.
السادس: أن المدعي في محل القسامة إذا نكل غلظت اليمين، تغليظ الأيمان
على المدعي
فالتعداد على / المدعى عليه. وهو أصح الطريقين عند الشافعية، في القامة
لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)) [١٨/١٧٥)
جعل أيمان المدعى عليهم بعد أيمان المدعين.
والطريق الثاني: طرد القولين المذكورين في المسألة قبلها لأن
نکوله یبطل اللوث، فكأنه لا لوث.
السابع: صحة يمين الكافر، والفاسق أولى بالصحة منه. صحة يمين
ومشهور مذهب مالك أن الكافر إنما يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو
الكافر والفاسق
سواء كان يهودياً، أو نصرانياً، أو غيرهما من الأديان كما يحلف
٧٥

المسلم، وعنه أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على
موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، ويحلف في
المواضع التي يعتقد [تحريمها] (١) الناس أن القسامة يجب بها
القصاص، وقد سلف ما فيه.
تعين المقسم
عليه في القسامة
التاسع: أن القسامة إنما تكون على واحد، لقوله - عليه.
الصلاة والسلام -: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم)). وبه.
قال مالك وأحمد، لأنه لو قتل أكثر من واحد، لم يتعين أن يقسم
على واحد منهم، وخالف فيه المغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب
مالك .
وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاؤوا، ولا
يقتلون إلاَّ واحداً.
وقال الشافعي: إن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم [وثبتت
عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول يجب القصاص
عليهم](٢)، وإن حلفوا على واحد استحقوا عليه وحده.
تعدد المدعين
يلزم تعدد
العاشر: أنه لو تعدد المدَّعون في محل القسامة، حلف كل
الأبمان واحد منهم خمسين يميناً، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((يقسم:
خمسون منكم على رجل منهم))، ومعناه: يقسم كل واحد من
الخمسين القَسم المشروع في ذلك، وهو خمسون يميناً، وهو أحد.
قولي الشافعي،
(١) في هـ والمفهم (١٥/٥) (تعظيمها).
(٢) في ن هـ ساقطة ..
٧٦

وأصحَّهما: أنها توزع عليهم بحسب الإِرث، ويوزع الكسر،
فلو كان الوارث ثلاثة مثلاً حلف كل واحد سبعة عشر، ثم الحالفون
هم ورثة الدم، فلا يحلف غيرهم من الأقارب، وسواء كان الوارث
ذكراً أم أنثى، وسواء كان القتل عمداً أم خطأ؛ وهذا مذهب
الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ووافق مالك فيما إذا كان
القتل خطأ،
أما إذا كان عمداً فقال: يحلف الأقارب خمسين يميناً ولا
يحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد
وداود وأهل الظاهر،
واحتج الشافعي بقوله: ((أتحلفون وتستحقون قاتلكم،
أو صاحبكم))، فجعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص،
ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئاً / فدل على أن المراد حلف [١٧٥/أ/ب]
من يستحق الدية .
الحادي عشر: قد يؤخذ من قوله: ((يقسم خمسون منكم)) ما إذا أن القسم لا يزيد
على أكثر من
خمسين يمينًا
كانوا أكثر من خمسين أنه لا يحلف منهم إلا القدر المذكور.
وقد اختلف عن مالك في ذلك هل يحلف كلهم يميناً
[ ... ](١) أو يقتصر منهم على خمسين.
موزعة على
عددهم
قال القرطبي (٢): وهذا هو الأولى، لأن ((من)) للتبعيض
والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنه إذا حلف منهم خمسون أجزأ.
(١) في هـ زيادة (يميناً).
(٢) المفهم (١١/٥) وفي المطبوع للتبيين وأشار في الحاشية (أنها للتبعيض).
٧٧

الثاني عشر: جريان القسامة في قتل الحر، فإن الحدیث ورد
به، وفي إلحاق العبد به قولان للشافعي مأخذهما شرف الحرية
أو الدماء، والأصح نعم، ونقل عن أبي حنيفة أيضاً.
الثالث عشر: جريانها في النفس الكاملة، وهل يجري فيما
دون النفس من الأطراف والجراحات؟ مذهب مالك: لا.
القسامة لا تكون
إلّ فى النفس
وفي مذهب الشافعي قولان كما حكاه الشيخ تقي الدين(١)،
والذي نعرفه من مذهبه الجزم في الطرف والجراحات كمذهب
مالك. وحكى الروياني وجهاً في الأطراف، وغلط قائله ومنشأ
الخلاف أن وصف كونها نفساً له أثرٌ أم لا، وكون هذا الحكم على
خلاف القياس يقوي الاقتصار على مورده.
الرابع عشر: جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في
الدماء من غير حضور الخصم، وقد سلف ما فيه.
[١٦٢/هـ/ب]
جواز اليمين
الخامس عشر: جواز اليمين بالظن الراجح / وإن لم يوجد
ـالظن القطع، وإنما عرض - عليه الصلاة والسلام - اليمين إن وجد فيهم
هذا الشرط؛ ولهذا قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ .
السادس عشر: إن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم
الإِسلام في الاحتساب بيمينه، والاكتفاء بها، وأن يمين المشرك
مسموعة على المسلمين، كيمين المسلم عليه. قال الشيخ تقي
الدين(٢): ومن نقل من الناس عن مالك أن أيمانهم لا تسمع على
أن الحكم بين
المتنازعين لا
يكون إلّ بحكم
الإسلام ولو كان
أحدهما كافرًا
(١) انظر: إحكام الأحكام (٣١٤/٤).
(٢). إحكام الأحكام (٣١٧/٤).
٧٨

المسلمين كشهادتهم، فقد أخطأ قطعاً في هذا الإِطلاق، بل هو
خلاف الإِجماع الذي لا يعرف غيره؛ لأنه في الخصومات إذا اقتضت
توجيه اليمين على المدعى عليه حلف، وإن كان كافراً.
السابع عشر: نظر الإِمام في المصالح العامة والاهتمام بإصلاح
ذات البين.
الثامن عشر: جواز دفع الدية إلى أولياء المقتول من بيت جواز دفع الدية
المال، ويجعل قول الراوي: ((فوداه من عنده))، أي من بيت المال
من بيت المال
المعدّ للمصالح مع احتمال أنها من خالص ماله - عليه الصلاة
والسلام - .
واستدل به الإِمام أبو إسحاق المروزي - من أصحابنا - على
جواز صرفها من إبل الزكاة، أي ويجوز صرفها / في مثل هذا لأنه [٢١٨/١٧٦
من المصالح العامة، وجعل بعضهم ذكر إبل الصدقة غلطاً من الرواة
لأنها مستحقة لأصناف الزكاة. وحمله الجمهور من أصحابنا وغيرهم
على أنه اشتراها من أهل الصدقات بعد أن ملكوها ثم دفعها إلى أهل
القتيل تبرعاً وهو المختار، وقريب منه أنه تسلفها من مال الصدقة
ليؤدِّيها من مال الفيء.
وحكى القاضي: عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة
في المصالح العامة، وتأول هذا الحديث وتأوله بعضهم على أن
أولياء المقتول كانوا محتاجين ممن تباح لهم الزكاة، وأبطلها
النووي في ((شرحه لمسلم)»(١) بأن قال: هذا قدر كبير لا يدفع
(١) (١٤٨/١١).
٧٩

إلى الواحد الخامل من الزكاة بخلاف أشراف القبائل، ولأنه
سماه دية .
وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة ائتلافاً.
لليهود، ولعلهم يسلمون، وضعفه النووي أيضاً بأن الزكاة لا يجوز
صرفها إلى كافر، ويحتمل أن يكون أولياء القتيل مستحقين
للصدقات، فأعطاها إياهم في صورة الدية تسكيناً لنفرتهم وجبراً لهم
مع أنهم يستحقون لها. ذكره القرطبي(١).
ورأيت من يجيب بجوابين آخرين،
أحدهما: لعله أراد بالصدقة الفيء لأنه مرصد للمصالح؛
ثانيها: لعل ذلك كان قبل نزول بيان مصارف الصدقة في سورة
براءة، لأنها من آخر ما نزل من القرآن.
: التاسع عشر: أن الدية من الإِبل.
أن من نكل عن
یمین فردت على
المدعي لا
يستحق شيئًا
العشرون: أن من وجبت عليه يمين في دعوى فنكل أن
المدعي لا يستحق شيئاً حتى يرد عليه؛ وهو قول مالك والشافعي.
ويُروى عن عمر وعثمان وجماعة من السلف، لقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)). وقال الكوفيون وأحمد:
ويُقضى بالنكول دون رد اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يؤخذ
بالیمین.
(١) المفهم (١٦/٥)
٨٠