النص المفهرس

صفحات 341-360

وقال داود(١): يجبر في الحيض دون النفاس. كذا نقله عن داود،
ونقل الباجي(٢) عن داود: أنه يقع في الحيض، وقد أسلفنا نقله عن
بعض أهل الظاهر أيضاً.
الرابع: أن الطلاق [في] (٣) غير زمن الحيض لا إثم فيه، هل بأئم
وكذلك في الطهر الذي لم يجامعها فيه؛ بخلاف الطهر الذي جامعها
بالطلاق مطلقاً
[فيه،](٤) نعم يكره أن تطلق من غير سبب لحديث ابن عمر أيضاً في
أبي داود وابن ماجه(٥): ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))، فيكون
(١) المرجع السابق.
(٢) المنتقى للباجي (٩٨/٤).
(٣) في هـ (من).
(٤)
في هـ ساقطة .
(٥) أبو داود (٢٠٩١)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والبيهقي ٣٢٢/٧)، قال
المنذري في مختصر السنن (٩٢/٣)، وأخرجه ابن ماجه والمشهور فيه
المرسل وهو غريب. وقال البيهقي وفي رواية ابن أبي شيبة يعني محمد بن
عثمان عن عبد الله بن عمر موصولاً، ولا أراه يحفظه قال ابن القيم
- رحمنا الله وإياه ـ في تهذيب السنن (٩١/٣). وقد روى الدار قطني من
حديث معاذ بن جبل عن النبي ◌ّلير ((ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من
الطلاق)) وفيه حميد بن مالك، وهو ضعيف، وفي مسند البزار من حديث
أبي موسى عن النبي و لو قال ((لا تطلق النساء إلَّ من ريبة، إن الله لا يحب
الذواقين ولا الذواقات)). اهـ.
قال الخطابي - رحمنا الله وإياه - في معالم السنن (٩٢/٣): ومعنى
الكراهة فيه منصرف إلى السبب الجالب الطلاق، وهو سوء العشرة، وقلة
الموافقة لا إلى نفس الطلاق، فقد أباح الله الطلاق، وثبت عن
رسول الله﴾ («أنه طلق بعض نسائه ثم راجعها))، وكانت لابن عمر امرأة =
٣٤١

حديثه هذا لبيان كراهة التنزيه. وحديثه في الصحيح لبيان عدم
التحريم.
الأحكام التي
بأني الطلاق
علبهـا
واعلم أن الطلاق: قد يكون مكروهاً كما قد عرفته آنفاً، وقد
يكون محرماً كما سلف. وحاصل صور الحرام ثلاث: أن يطلقها في
الحيض بلا سبب منها، أو في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل، أو
أن يكون عنده زوجات فقسم لهن، وطلق واحدة منهن قبل أن يوفيها
حقها .
. وقد يكون واجباً، كما في طلاق الحكم والمولى.
. وقد يكون مندوباً، كما إذا كانت غير عفيفة، أو يخافا أو
أحدهما أن لا يقيما حدود الله، ونحو ذلك.
ولا يكون مباحاً مستوى الطرفين، ولا بدعة عند الشافعي في
جمیع الطلقات الثلاث، وبه قال أبو ثور وأحمد.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة. قال
أبو حنيفة: ويجعل في الحامل بين الطلقتين شهراً، وبه قال
أبو يوسف .
[١٣٦/ ١/١] وقال مالك وزفر / ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من
واحدة حتى تضع.
يحبها، وكان عمر رضي الله عنه يكره صحبته إياها، فشكاه إلى
رسول الله8# فدعا به وقال: ((يا عبد الله طلق امرأتك، فطلقها)) وهو
لا یأمر بأمر یکرهه الله. اهـ.
٣٤٢

الخامس: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها ولا لا يلزم رضا
المرأة في الرجعة
تجديد عقد. وهذا الوجه استنبطه الخطابي(١)، ونقله القاضي عنه.
ثم قال: وليس بيناً، ولم يظهر لي وجه توقفه فيه .
[١٣٦/هـ/أ]
السادس: أن الأقراء في العدة هي الأطهار / وإليه الإِشارة
المراد بالأقراء
بقوله: ((فتلك العدة، كما أمر الله)) أي كما أذن فلا يتعدى، ولا في العدة
يتجاوز، ولا يصح عود الضمير في ((فتلك)) إلى الحيض لأن الطلاق
في الحيض غير مأمور به، بل محرم، وقد أجمع الفقهاء والأصوليون
واللغويون على أن القرء في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر.
ثم اختلفوا في الأقراء المذكورة في آية الطلاق، وفيما تنقضي المراد بالأقراء
المذكورة في آية
الطلاق
به العدة، فقال مالك والشافعي وآخرون: هي الأطهار(٢).
وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون: هي الحيض. وهو مروي
عن عمر وعلي وابن مسعود، وبه قال الثوري وزفر وإسحاق وآخرون
من السلف، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
قالوا: لأن من قال بالأطهار يجعلها قرءين وبعض الثالث.
وظاهر القرآن أنها ثلاثة .
والقائل بالحيض شرط ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب
إلى موافقة القرآن.
ولهذا الاعتراض مال ابن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي
الأطهار. قال: ولكن لا تنقضي العدة إلاَّ بثلاثة كاملة، وهو مذهب
(١) معالم السنن (٩٣/٣).
(٢) انظر: الاستذكار (٣٢/١٨).
٣٤٣

تفرد به القائلون بالأطهار اتفقوا على انقضائها بقرءين وبعض الثالث.
وأجابوا عن الاعتراض: بأن الشهر وبعض الثالث يطلق عليه
اسم الجمع. قال تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾(١)، ومعلوم أنها
شهران وبعض الثالث، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنٍ﴾(٢)،
[المراد في يوم وبعض](٣) الثاني.
متى تنقضي عدة
المطلقة عند من .
قال بالأطهار
واختلف القائلون بالأطهار متى تنقضي عدتها؟ .
فالأظهر عند الشافعية أنه بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث.
وفي قول لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة. والخلاف المذکور ثابت
عند المالكية أيضاً.
واختلف القائلون بالحيض أيضاً فقال أبو حنيفة وأصحابه حتى
تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة (٤).
متى تنقضي عدة
المطلقة عند من
قال بالحيف
وقال عمرو وعلي وابن مسعود والثوري وزفر وإسحاق
وأبو عبيد: حتى تغتسل من الثالثة .
وقال الأوزاعي وآخرون: ينقضي بنفس انقطاع الدم. وعن
إسحاق رواية أنه إذا انقطع الدم انقطعت الرجعة، ولكن لا تخل
للأزواج حتى تغتسل احتياطاً وخروجاً من الخلاف(٥).
(١) سورة البقرة: آية ١٩٧ .
(٢) سورة البقرة: آية ٢٠٣.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) الاستذكار (٣٥/١٨).
(٥) الاستذكار (٣٤/١٨، ٣٦).
٣٤٤

السابع: الأمر بإمساك المرأة المراجعة حتى تطهر، ثم تحيض الحكمة في أمر
فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها.
المطلق في
الحيض
بالمراجعة
واختلف في السر في أمره بالرجعة، ثم تأخير الطلاق إلى طهر
بعد طهر يلي هذا الحيض على أوجه:
أحدها: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها
زمناً كان يحل له فيه / طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة، [١/١٣٦/ب]
وهذا جواب أصحابنا، وهو الأصح. أعني أنه لا يستحب الطلاق في
الطهر الثاني لتلك الحيضة، لأن الصيغة ((حتى)) للغاية.
ثم اختلفوا: هل يندب الوطء في الطهر الأول؟ على وجهين: حكم الوطء في
الطهر الأول
أحدهما: نعم ليظهر مقصود الرجعة.
وأصحها: لا، اكتفاء بإمكان الاستمتاع.
ثانيها: أنه عقوبة له، وتوبة من معصيته، واستدراك جنايته.
قال المازري(١): وهذا معترض لأن ابن عمر لم يعلم الحكم وإنما
يغلظ على المعتمد ونوقش فيه، فإنه عليه الصلاة والسلام تغيظ فيه
كما في الحديث ولم يعذره. إما لأن الأمر من الظهور بحيث لا يكاد
يخفى، فكانت الحال تقتضي التثبت، أو مشاورته عليه الصلاة
والسلام في ذلك واستفتائه.
ثالثها: أن الطهر الأول مع الذي يليه، وهو الذي طلق فيه:
كقرء واحد، فلو طلقها في أول طهر لكان كمن طلق في الحيض.
(١) المعلم بفوائد مسلم (١٨٤/٢).
٣٤٥

رابعها: أنه نهى عن / طلاقها في الطهر ليطول مقامه معها،
[١٣٦/هـ/ب]
فلعله يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقه، وادعى
القرطبي(١) أن هذا أشبهها وأحسنها.
حكم الطلاق
ثلاثاً في
ثلاث أطهار
· فرع: يكره له عند المالكية أن يطلقها ثلاث طلقات، فيفرقه
في ثلاثة أطهار، وأجاز ذلك أبو حنيفة في أحد قوليه. وقاله ابن
مسعود وبه قال أشهب مرة، وأجاز أيضاً رجعتها، ثم طلاقها، ثم
رجعتها، ثم طلاقها، فتتم الثلاث.
الأمر المطلق
على شرط يعدم
الثامن: أن الأمر المطلق على شرط يعدم عند عدمه فإن عليه
عندعلى الصلاة والسلام أذن في الطلاق قبل مسيسها، أي وطئها، وقيده به،
وفي ذلك دلالة على امتناعه في الطهر الذي مسَّها فيه لأنه شرط في
الأذن عدم المسيس بها. وقد أسلفنا أن الطلاق في طهر مسبها فيه
حرام، ومذهب مالك: أنه مكروه. وأنصف الفاكهي فقال: الأظهر
عندي أنه حرام. ونقل الفاكهي عن بعضهم أنه لا يعتد بهذا الطهر،
ويستأنف ثلاثة أطهار، وهو شاذ، وإنما كان الطلاق في الطهر الذي
طلقها فيه بدعيّاً حراماً لخوف الندم، فإن المسيس سبب الحمل،
وذلك سبب الندامة على الطلاق بخلاف ما إذا تبين الحمل وطلقها
بعد ذلك، فإن يكون من أمره على بصيرة فلا ندم فلا يحرم.
التاسع: مراجعة الشارع في الأمور المهمة، وتغيظه عند وقوع
وجوب الرجوع
إلى كتاب الله
وسنة نبيه حادث، ومراعاة كتاب الله تعالى، وامتثال ما أمر به رسوله، وغير
ذلك من الفوائد، وذكر عمر طلاق ابنه، قال الشيخ تقي
(١) المفهم (٢٥٢٦/٥).
٣٤٦

الدين(١): لعله يعرِّفه الحكم، قال: وتغيظه عليه الصلاة والسلام إما
لكونه فعل ما يقتضي المنع ظاهراً من غير تثبت أو لتركه المشاورة له
عليه الصلاة والسلام في فعله ذلك إذا عزم عليه. قال(٢): ويتعلق
بالحديث مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر
بذلك الشيء أم لا؟ فإنه عليه الصلاة والسلام قال: أي في الصحيح
لعمر: ((مُره فليراجعها)) فأمره بأمره، وعلى كل حال فلا ينبغي أن
يتردد في اقتضاء ذلك / الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم [١٨/١٣٧]
صيغة الأمر: هل هي أوامر كصيغة الأمر بالأمر، بمعنى أنهما: هل
يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أم لا؟
خاتمة: الصحيح أن ابن عمر رضي الله عنه طلّق واحدة، عدد طلقات ابن
عمر رضي الله
ووهم من روى ثلاثاً، كما بيَّنه مسلم عن ابن سيرين.
عنه
فرع: الطلاق في النفاس كالطلاق في الحيض.
حكم الطلاق
في النفاس
تنبيه: قال أبو عمر(٣): روى جماعة: ((فليراجعها حتى تطهر، ألفاظ الحديث
ثم إن شاء طلَّق بعد، وإن شاء أمسك))، ولم يقولوا: ((ثم تحيض ثم
تطهر))، فأخذ بها أبو حنيفة والمزني وأكثر العراقيين، وزاد بعض
الرواة: ((ثم إن شاء طلَّقها طاهراً قبل أن يمس، أو حاملاً)).
وأخذ برواية: ((ثم تحيض ثم تطهر)) فقهاء الحجاز منهم مالك
والشافعي. قال: قال وروى قاسم بن أصبغ؛ أنه عليه الصلاة
(١) إحكام الأحكام (٤/ ٢٢٣).
(٢) إحكام الأحكام (٤/ ٢٢٨).
(٣) الاستذكار (١٠/١٨).
٣٤٧

والسلام «أمره أن يراجعها فإذا طهرت مسّها، ثم إذا طهرت أُخرى
فإن شاء طلَّق، وإن شاء أمسك)). وهذه الرواية تؤيد الوجه السالف
القائل باستحباب الوطء في الطهر الأول، لكنها معلولة، كما بيَّن
ذلك عبد الحق.
٣٤٨

الحديث الثاني
٦٤/٢/٣٣٦ - عن فاطمة بنت قيس ((أن أبا عمرو بن حفص
طلقها البنة، وهو غائب)).
وفي رواية: طلقها ثلاثاً، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته،
فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله وَلقول، فذكرت
ذلك له، فقال: ((ليس لكِ عليه نفقة))، وفي لفظ: ((ولا سكنى» فأمرها
أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي / ، [١٣٧/هـ/أ]
اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا
حللت فآذنيني)). قالت: فلمَّا حللت ذكرت ذلك له أن معاوية بن
أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله وتالجر: ((أما أبو جهم
فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له ..
انكحي أسامة بن زيد، فكرهته. ثم قال ((انكحي أسامة بن زيد)»،
فنكحته، فجعل الله فيه خيراً، واغتبطت به(١) .
(١) مسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٤، ٢٢٨٥، ٢٢٨٦، ٢٢٨٧، ٢٢٨٩)،
والنسائي (٧٥/٦، ٧٦)، والبيهقي (١٣٥/٧، ١٧٧، ١٧٨، ١٨١،
٤٣٢، ٤٧١)، والبغوي (٢٣٨٥)، وابن الجارود (٧٦٠)، ومالك =
٣٤٩

الكلام علیه من وجوه :
ألفاظ الحديث
عند البخاري
أحدها: هذا الحديث بهذه السياقه من افراد مسلم، والبخاري
ذكر منه قصة انتقالها فقط (١). وفي رواية له(٢) عن عائشة: ((ما
لفاطمة ألا تتقي الله؟)) يعني في قولها: ((لا سكنى لها ولا نفقة)) وفي
رواية عنها (٣): ((إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على
ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي ونَ ﴿».
الثاني: في التعريف براويه وبالأسماء الواقعة فيه.
التعريف بفاطمة
بنت قيس
أما راويه: ففاطمة بنت قيس هي أخت الضحاك بن قيس بن
خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن
محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشية الفهرية،
[١٣٧//ب]. وكانت / أكبر من أخيها الضحاك بعشر سنين، قدمت عليه الكوفة،
وكان أميراً. لها صحبة ورواية، وكانت من المهاجرات الأُول،
وذات عقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل
(٢/ ٥٨٠)، والأم (١٠٩/٥)، والمسند (١٨/٢، ١٩، ٥٤)،
(٦/ ٤١٢).
:
أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها، ولم أرها في البخاري، وإنما
ترجم لها كما ترى، وأورد أشياء من قصتها بطريق الإشارة إليها، ووهم
صاحب ((العمدة)) فأورد حديثها بطوله في المتفق عليه. اهـ. محل
المقصود.
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٤٧٨/٩):
(٢) البخاري الفتح (٩/ ٤٧٧) ح (٥٣٢٣، ٥٣٢٤).
(٣) البخاري الفتح (٤٧٧/٩) ح (٥٣٢٤، ٥٣٢٦).
٣٥٠

عمر بن الخطاب، وخطبوا خطبتهم المأثورة، قال الزبير: وكانت
امرأة نجوداً، أي نبيلة.
رُوي لها عن النبي ◌َّر أربعة وثلاثون حديثاً اتفقا على حديث
في مسند عائشة، ولمسلم ثلاثة روى عنها عروة والقاسم
وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن(١) عبد الله
ابن عتبة والشعبي، وكل هؤلاء فقهاء.
وأما زوجها أبو عمرو بن حفص: فهو ابن المغيرة بن التعريف بزوجها
عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ابن عم خالد بن الوليد
وقيل: إنه أبو حفص ابن عمر، وقيل: إنه (٢) أبو حفص ابن المغيرة.
قال النووي في ((مختصر المبهمات))(٣) وهو ما رواه مسلم في معظم
الروايات. وقال في ((شرحه لمسلم)»(٤) الجمهور على الأول، وكذا
قال الشيخ تقي الدين(٥): إن من قاله أكثر.
وفي اسمه أقوال :
أحدها: عبد الحميد: وصححه القاضي عياض، ونقله
النووي(٦) في ((شرحه)) عن الأكثرين.
(١) في هـ زيادة يسار.
(٢) زيادة من هـ.
(٣) من ضمن كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٥٨٢).
(٤) العبارة هكذا في شرح مسلم (٩٤/١٠) أن أبا عمرو بن حفص طلقها.
هکذا قاله الجمهور أنه أبو عمرو بن حفص .
(٥) إحكام الأحكام (٢٣٨/٤).
(٦) شرح مسلم (١٠/ ٨٠، ٨٩).
٣٥١

ثانيها: أحمد، قاله النسائي(١)، ولا يعرف في الصحابة من
اسمه أحمد غيره على هذا القول.
ثالثها: أن اسمه كنيته، وذكره البخاري(٢) ممن لا يعرف
اسمه .
: أمه: درة بنت خزاعي الثقفية. وكان قد طلق امرأته فاطمة هذه
وهو غائب بالشام(٣)، فأرسل إليها وكيله، وفي ((الصحابة)) للعسكري
و ((التهذيب)) أنه طلَّقها باليمن(٤). نعم أسلم وخرج مع علي إلى
اليمن فمات هناك. وحديثه في النسائي يدل على أنه بقي إلى أيام
عمر، وأنه قال لعمر لما نزع خالد بن الوليد، واعتذر يوم الجابية بأنه
أمره بحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا
اليسار وذا الشرف، وأثبت أبا عبيدة: والله لقد نزعت عاملاً استعمله
رسول الله (8# [](٥) وأغمدت سيفاً سلّه، ووضعت لواء نصبه، ولقد
قطعت الرحم وحسدت [ابن](٦) العم. فقال عمر: أما إنك قريب
القرابة، حديث السن، تغضب لابن عمك.
تنبيه: وقع في ((مبهمات)) (٧) الخطيب حافظ المشرق حكاية
ذكر قول شاذ
فيمن طلق فاطمة
(١) سنن النسائي (٦/ ٥١).
(٢) تاريخ البخاري الكبير (٥٥/٨).
(٣) انظر: موطأ مالك (٣/ ٥٨٠).
(٤) انظر: مسلم النووي (٩٩/١٠).
(٥) في الأصل زيادة يعني.
(٦) زيادة من ن هـ، والتاريخ الكبير للبخاري (٨/ ٥٥).
(٧) الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٣٩٥).
٣٥٢

قول إن الذي طلق فاطمة هذه عياش بن أبي ربيعة المخزومي،
وقدمه على غيره، فقال: قيل: اسمه عياش بن أبي ربيعة. وقيل:
أبو حفص بن المغيرة، وفي بعض طرقه عمرو بن حفص، وتابعه
على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في ((تلقيحه))(١) وهو عجيب منهما،
فإن هذا وكيل زوجها، لا / زوجها، لا جرم / ضعفه النووي في [١٣٧/ هـ/ب]
[١٨/١٣٨)
((اختصاره للمبهمات))(٢)، فقال: هذا الذي قاله الخطيب فاحش،
فإن عياش بن أبي ربيعة ليس زوجها قطعاً، إنما هو رسول زوجها،
أرسله إليها يخبرها بالطلاق، ويعطيها نفقة من شعير، هكذا جاء
مصرحاً به في ((صحيح مسلم)). وأما زوجها فقد أسلفنا ما فيه.
وأما أم شريك: فهي قرشية عامرية وقيل: أنصارية. وقد ذكره التعريف بأم
مسلم في آخر ((صحيحه))(٣) في حديث الجساسة. وفي اسمها ثلاثة
شريك
أقوال: أسلفناها في الحديث الثاني من باب الصداق. وقيل: إنها
الواهبة نفسها. وقيل: غيرها، وذكرها بعضهم في أزواجه، ولا
يصح. ومن عدها منهم قال: كان ذلك بمكة. روى لها الشيخان
حديثاً واحداً، ومسلم آخر.
وأما ابن أم مكتوم: فسلف التعريف به في باب الأذان.
وأما معاوية: فسلف في باب الذكر عقب الصلاة نبذة من
حاله، وغلط من قال: إن معاوية هذا آخر فرواية المصنف مصرحة
(١) تلقيح فهوم الأثر (٢٤٠).
(٢) ضمن كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٥٨٢).
(٣) صحيح مسلم (٢٩٤٢).
٣٥٣

بأنه ابن أبي سفيان، قال: النووي في ((تهذيبه)) (١): هذه القولة غلط
صريحة لا شك فيها .
وأما أسامة: فسلف في باب دخول مكة.
التعريف بأبي
الجهم
وأما أبو الجهم: فهو صاحب الإِنبجانية المذكورة في باب
الذكر عقب الصلاة، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في باب
المرور، قال القاضي عياض(٢): وغلط يحيى بن يحيى أحد رواة
الموطأ فنسبه فقال: أبو جهم بن هشام، ولم ينسبه في الرواية غيره،
وهو غلط ولا يعرف في الصحابة أحد يقال له: أبو جهم بن هشام ..
قال: ولم يوافق يحيى على ذلك من رواة الموطأ ولا غيرهم، وكذا
قال ابن الطلاع(٣) أيضاً إنه غلط، وأنه ليس في جميع الصحابة أحد
يقال له أبو جهم بن هشام، وإنما هو أبو جهم بن صخر بن عدي
قرشي، ويقال: أبو جهم بن حذيفة.
قلت: [ورواه] (٤) عبد بن حميد في («مسنده»(٥) مصرخاً
بالأول، وهذا لفظه: «فخطبها معاوية وأبو جهم بن [صخر])»(٦)،
ووقع في بعض روايات مسلم مصغراً، والمشهور إنه مكبر، وهو
المعروف في باقي الروايات وفي كتب الأسماء وغيرها.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٤/٢).
(٢) إكمال إكمال المعلم (١٢٤/٤، ١٢٥)، وشرح مسلم (١٠/ ٩٧) ..
(٣) أقضية رسول الله ويوليو (٨٣).
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) المنتخب للحافظ عبد بن حميد (٢٦٨/٣، ٢٦٩).
(٦) في المرجع السابق: خير، وهو تصحيف.
٣٥٤
۔۔

الوجه الثالث: في تبيين المبهم الواقع فيه وهو الوكيل، وقد اسم وكيل
زوجها
أسلفنا أنه عياش بن أبي ربيعة المخزومي، واسم أبي ربيعة
عمرو.
الوجه الرابع: في تبيين ألفاظه ومعانيه:
فقولها: ((طلقها))، هو الصحيح الذي رواه الحفاظ، واتفق معنى (طلقها)
على روايته الثقات على اختلاف ألفاظهم: ((أنه طلقها ثلاثاً)
أو ((البتة)) أو ((آخر ثلاث طلقات))، وجاء في آخر ((صحيح مسلم)) في
حديث الجساسة ما يوهم أنه مات عنها، فإنه روى بإسناده عن فاطمة
بنت قيس، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو / من خيار شباب قريش [٨/١٣٨/ب]
يومئذٍ، فأُصيب في الجهاد مع رسول الله (َ﴿ فلما تأيمت خطبني))،
الحديث. قال العلماء: ليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي
وهم أو مؤولة على أن معناها أصيب بجراحة أو في ماله أو نحو
ذلك، لا أنه مات في الجهاد مع رسول الله وَّ، بل إنما تأيمت
بطلاقه البائن، كما ذكره مسلم هنا وهناك، وكذا ذكره المصنفون في
جمیع کتبهم.
وقد اختلفوا في وقت وفاة زوجها. فقيل: مع على عقب وفت وفاة
طلاقها باليمن، حكاه ابن عبد البر، وقيل: بل عاش إلى خلافة أوج اناطمة؟
عمر، حكاه البخاري في ((تاريخه))(١).
وقولها: ((طلقها البتة))، وفي لفظ: ((ثلاثاً))، فيه رواية ثالثة: روايات الحديث
((أنه طلَّقها آخر ثلاث تطليقات))، ورابعة: ((أنه طلَّقها طلقة كانت
(١) التاريخ الكبير (٥٤/٨).
٣٥٥

بقيت من طلاقها)). وخامسة: ((أنه طلقها)»، ولم يذكر عدداً ولا
غيره، والكل في ((صحيح مسلم)).
الجمع بين
هذه الروايات
والجمع بينهما: أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه
المرة الطلقة الثالثة. فمن روى أنه طلقها مطلقاً، أو واحدة، أو ((آخر
[١٣٨/هـ/أ] ثلاث تطليقات))، فهو ظاهر / ومن روى ((البتة)) فمراده طلقها طلاقاً
صارت مبتوتة بالثلاث، أو عبر بها عن الثلاث على من يجعل لفظ
(البتة)) للثلاث، ومن روی ((ثلاثاً) أراد تمام الثلاث.
إعراب «و کیله»
وضبطها
وقولها: ((وهو غائب))، قد أسلفنا الخلاف في موضع طلاقها.
و(وكيله)) منصوب على المفعول، ويجوز رفعه، وجزم بهذا النووي
في شرحه(١) فقال: الوكيل مرفوع وهو المرسل، وقال الشيخ تقي
الدين(٢): يحتمل النصب، ويكون الوكيل هو المرسل، ويحتمل
الرفع، ويكون الوكيل هو المرسل. قال: وقد عينه بعضهم للرواية،
ولعله عنى به النووي حيث جزم به في شرحه، والضمير في وكيله
يعود على أبي عمرو بن حفص. واعلم أنه جاء في ((صحيح مسلم))
وكيله كما ذكره المصنف، وجاء في رواية له: أنهما الحارث بن
هشام وعباس بن أبي ربيعة بنفقة. فقال القرطبي(٣) قوله: ((وكيله)).
فإن صوابه أن يقول: وكيليه عملاً بالرواية الأخرى وفيما ذكره نظر ..
ومعنی اسخطته)) کرهته ولم ترضَ به.
معنی اسخطته،
(١) شرح مسلم (٩٦/١٠).
(٢) إحكام الأحكام (٢٣٨/٤).
(٣) المفهم (٢٥٦٩/٥).
٣٥٦

وقوله: ((واللَّهِ ما لكِ علينا من شيء)» إنما قال لقيامه مقام
موكله في ذلك، وكأنه أيضاً مدعى عليه. قال القرطبي: وكأن
إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقة واجبة عليه،
فلذلك سخطته، ورأت أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب،
فأجيبت إذ ذاك بالحكم، فلم تقبل ذلك حتى أخبرها الشارع به .
وقوله: ((تلك [امرأة](١) يغشاها أصحابي)) معناه أنهم كانوا الأذن لها في
يزورون أم شريك، ويكثرون التردد إليها لصلاحها فرأى عليه السلام ابن أم مكتوم
الاعتداد بيت
أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجاً من حيث إنه يلزمها التحفظ من
نظرهم إليها ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفظ في هذا
مع كثرة دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة فأمرها بالاعتداد في بيت ابن
أم مكتوم لأنه لا يبصرها / ولا يتردد إلى [بيته](٢) من يتردد إلى بيت أم [١٨/١٣٩]
شريك، ولا يلزم من إذنه عليه الصلاة والسلام بالاعتداد [في بيته] (٣)
الإِذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها، وهي
مأمورة بغض بصرها، فيمكنها التحرز عن النظر بلا مشقة بخلاف مكثها
في بيت أم شريك. وفي هذا بحث سيأتي.
ومعنى ((آذنيني)) أعلميني، وهو بهمزة ممدودة.
معنى (آذنيني)
بيان «العائق)
والعاتق: ما بين العنق والمنكب.
وفي معنى لا يضع عصاه عن عاتقه: تأويلات.
معنى الا يضع
عصاهعن عائقه»
(١) في الأصل: (المرأة)، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في المخطوط بيتها وهي خطأ وما أثبت من المحقق.
(٣) زيادة من هـ.
٣٥٧

أظهرها: أنه كثير الضرب للنساء، كما جاء مصرحاً به في رواية
لمسلم «إنه ضرَّاب للنساء)).
ثانيها: أنه كثير الأسفار، وقد جاء في غير مسلم ما يدل له،
حكاه القرطبي(١).
ثالثها: أنه كناية عن كثرة الجماع، حكاه صاحب ((البيان))
والرافعي، والمنذري، واستبعد لأنه عليه الصلاة والسلام يبعد منه
الاطلاع على هذه الحالة من غيره، ثم يبعد ذكره من خلفه وإذنه، ثم
إن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك لا جرم، لما حكاه صاحب
((البيان)) قال: إنه غلط، لأنه ليس في الكلام ما يدل على أنه أراد
هذا، ثم قال: [](٢) قال الصيمري: لو قيل: إنه أراد بقوله هذا كثرة
الجماع، أي أنه كثير التزويج لكان أشبه.
رابعها: أنه شديد على أهله، خشن الجانب في معاشرتهن،
مستقص عليهن في باب الغيرة، قاله الأزهري في ((زاهره))(٣) ثم
حكى القول الثاني والأول، وقال أبو عبيد(٤): في قوله عليه الصلاة
والسلام ((أنفق على أهلك [من طولك](٥)، ولا ترفع عصاك
[عنهم](٦) لم يرد العصا التي يضرب بها ولا أمر أحداً بذلك، وإنما
(١) المفهم (٥/ ٢٥٧٤).
(٢) في هـ زيادة (واو).
(٣) الزاهر (٢٠٢).
(٤) غريب الحديث (١/ ٣٣٤).
(٥) زيادة من الزاهر.
(٦) في الزاهر: (عن أهلك).
٣٥٨

أراد منعها من الفساد [](١) يقال: للرجل إذا كان رفيقاً حسن
السياسة(٢) [لين](٣) العصا.
وقوله: ((وأما معاوية فصعلوك)) بضم الصاد أي فقير يعجز عن معنى (صعلوك))
القيام بحقوق الزوجية.
معنى الترب٥
[١٣٨/هـ/ب]
وفي رواية لمسلم ((إنه / ترب لا مال له)) والترب: بفتح التاء
وكسر الراء الفقير، وأكده بأنه لا مال له، لأن الفقير قد يطلق على
من له شيء يسير لا يقع موقعاً من كفايته ثم صار بعد معاوية إلى ما
صار، فسبحان من بيده الغنى والفقر.
[](٤) قولها: ((واغتبطت))، هو بفتح التاء والياء من غير بناء
للمفعول، ووقع في بعض روايات مسلم زيادة ((به)) ولم يقع في
أکثرها .
والغبطة: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، معنى (الغبطة)
وليس هو بحسد، تقول غبطته [بما نال أغبطه بكسر الباء غبطاً وغبطة
فاغتبط هو .
ومعنى](٥) ((اغتبطت به)) أنها لما امتثلت أمر الشارع في نكاح
أسامة حصل لها الغبطة وقرت عينها. وأما إشارته عليه الصلاة
(١) في المرجع السابق زيادة: واو.
(٢) في المرجع السابق زيادة: لِمَا وَلَيَ - إنه.
(٣) في المرجع السابق: (للين).
(٤) في هـ زیادة (واو).
(٥) في هـ ساقطة.
٣٥٩

[٨/١٣٩ب] والسلام بنكاح أسامة فلما علمه من دينه وفضله / وحسن سيره،
فنصحها، فكرهته، لكونه مولى، وكونه أسود جدًّاً. فكرر عليها
الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، فكان كذلك
و [لهذا](١) لما قالت بيدها هكذا: أسامة، أسامة، فقال لها عليه
الصلاة السلام: طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك)) رواه مسلم.
:
سبب كراهة
فاطمة لأسامة
أحدهما: أن أسامة ليس بكفء لها، لأنها [قرشية، وهو من
الموالي. ويرشد إلى هذا الرواية التي](٢) أسلفناها أيضاً.
[وثانيهما](٣): أنها طمعت في أن يتزوج بها رسول الله وَ فيه.
لأنه قال لها من قبل ما قال: قبل انقضاء العدة.
[الوجه] (٤) الخامس: في فوائده:
حكم إيقاع
الطلاق
الثلاث مرة
الأولى: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة لعدم إنكاره عليه
الصلاة والسلام في رواية ((طلقها ثلاثاً))، وفيه احتمال من كونه أنه
أوقع عليها طلقة تتم بها الثلاث، كما تقدم في تلك الرواية .
الثانية: أنه لا نفقة للمطلقة البائن/ الحامل ولا سكنى، وفيه
ثلاثة مذاهب :
حكم نفقة
المطلقة
(١) في الأصل: (ولها)، وما أثبت من ن هـ.
(٢) في هـ ساقطة.
(٣) في هـ ثانيها.
(٤) زيادة من هـ.
٣٦٠
وقال القاضي حسين إنما كرهته المعنيين:
1