النص المفهرس
صفحات 141-160
عياض(١) عن بعضهم أن التبتل حرام، ثم قال: أي عن النساء، ومن الناس من یکون أصلح لدينه. الخامس: قوله: ((ولو أذن له لاختصينا»، أي لو أذن له في معنى الواذن الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا لاختصينا، لدفع شهوة وحكم له لاختصيناه الاختصاء [٨/١١٠ب) النساء ليمكننا التبتل / وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم، ولم يكن ظنهم هذا موافقاً، فإن الاختصاء في الآدمي حرام صغيراً كان أو كبيراً، ويحتمل أن المراد [به](٢) لامتنعنا عن النكاح، فإنه بمثابة الخصي، وهذا هو الظاهر، فإنه لا يخفى عليهم أنه يقطع النسل. قال البغوي: وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز في صغره، ويحرم في كبيره. وقال مالك: يكره في الخيل ولا بأس به في البغال والحمير والفرس إذا أكلت وفي الأنعام لأنه يصلح لحومها، وكذا قال القاضي عبد الوهاب: يكره خصاء الخيل، ويجوز خصاء البهائم سواها، ولم يفصل بين صغير وكبير، قال الفاكهي: والظاهر أن الكراهة هنا للتنزيه لا للتحريم، وكره عمر الخصاء، وقال: فيه تمام الخلق أي في بقائه. السادس: فيه من الأحكام أيضاً عدم الإقدام على ما تحدثه عرض ما تحدثه النفوس من غير سؤال العلماء عنه، وترك التنطع، وتعاطي الأمور الشرع النفوس على الشاقة على النفس، والتسهيل في الأمر، وترك المشقة وعدم المنع (١) ذكر في إكمال إكمال المعلم (٩/٤). (٢) في هـ ساقطة. ١٤١ من الملاذ خصوصاً إذا قصد بها تذكر نعم الله - تعالى - على عبده، أو تعرف لذة ما وعد [الله](١)، أو تعرف افتقار النفس وحاجتها إلى غيرها، أو امتثال أوامر الشرع وغير ذلك. (١) في ن هـ (به). ۔۔ ١٤٢ الحديث الرابع ٦٢/٤/٣٢٢ - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: ((يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان، فقال: أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي ◌َّة: إن ذلك لا يحل لي، قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم، قال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا / (١١٥/ هـ/ب] أخواتكن، قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي وَلقول، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله بشر حيبة، قال له: ماذا لقيت؟ قال له أبو لهب: لم ألقَ بعدكم خيراً غير أني سُقِيتُ في هذه بعتاقتي ثويبة)) (١). الحيبة : الحالة بكسر الحاء. (١) البخاري (٥١٠٦)، ومسلم (١٤٤٩)، والحميدي (٣٠٧)، وابن ماجه (١٩٣٩)، والنسائي (٩٤/٦، ٩٥)، وأبو داود (٢٠٥٦)، وابن الجارود (٦٨٠)، والبغوي (٢٢٨٢)، والبيهقي (٤٥٣/٧)، وأحمد (٢٩١/١)، (٤٢٨/٦)، وعبد الرزاق (٤٧٥/٧)، وابن أبي شيبة (٣٨٧/٣). ١٤٣ الكلام عليه من وجوه، واعلم قبلها أن قوله: وقال عروة: إلى آخره ليس في مسلم وإنما هو في البخاري، خاصة، وقد نبه علی ذلك عبد الحق أيضاً في «جمعه)) : التعريف بأم حبية [٨/١١١] أحدها: في التعريف براويه، وقد أسلفت في الجنائز أن اسم أم حبيبة رملة على المشهور، وقيل: هند / . واسم أبيها: صخر بن حرب بن أمية، وهي إحدى أمهات المؤمنين والسابقين إلى الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك ومات نصرانيّاً، فتزوجها. رسول الله وَيه وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع، وكانت شقيقة حنظلة بن أبي سفيان الذي قتله عليٍّ - رضي الله عنه - يوم بدر كافراً وأميمة بنت أبي سفيان، أمهم صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان. رُوي لها عن النبي ◌َله خمسة وستون [حديثاً](١) اتفقا على حديثين، ولمسلم مثلهما، روى عنها أخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عنبسة بن أبي سفيان، وجماعة كثيرة من التابعين منهم ذكوان السمان وغيره، وذكر ابن سعد أنه لما تنصر زوجها عبيد الله، قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن آتياً يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله وله يتزوجني. فتزوجها سنة سبع، ولما قدم بها المدينة كانت بنت بضع وثلاثين سنة. واختلف في الذي زوجها منه ◌َ# على ثلاثة أقوال: (١) زيادة من هـ. ١٤٤ أحدها: عثمان. ثانيها: خالد بن سعيد بن العاصي. ثالثها: النجاشي، ولعل أحدهما [(١)] أوجب، والآخر: قبل عنه وَّهو . واختلف في الصداق الذي أصدقها النجاشي على أقوال: أحدها: أنه كان أربعة آلاف. ثانيها: أربعمائة. ثالثها: مائتان. رابعها: أربعون أوقية، حكاه الصير فيني. واختلف في موضع العقد على قولين أصحهما: بأرض توضيح إشكال الحبشة. ثانيهما: بالمدينة بعد رجوعها من الحبشة، ووقع في أخرجه مسلم في حديث (صحيح مسلم)) (٢) من حديث النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ◌َله: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن نساء العرب وأجملهن أُم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟ قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم)). وهو حديث مشهور بالإِشكال معروف بالإِعضال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة، وكان الفتح سنة ثمان قطعاً، وكان ولو تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، قال خليفة / والجمهور: تزوجها سنة ست، ودخل بها [١١١//ب] سنة سبع. وقيل: تزوجها سنة سبع كما قدمناه وقيل: سنة خمس ومن عظم هذا الإشكال طعن جماعة في هذا الحديث فتوسط القاضي (١) في المخطوطتين زيادة (ولا)، ولا معنى لها هنا. (٢) صحيح مسلم (٢٥٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢٠/٢٣). ١٤٥ عياض فقال في ((إكماله))(١) تزويج أبي سفيان لها في مسلم غريب جدّاً وخبرها مع أبي سفيان حين ورد بالمدينة في حال كفره مشهور(٢)، وأفصح ابن حزم الظاهري فقال: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه، قال: والآفة فيه من عكرمة (٣)، قال: ولا يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في أنه - عليه الصلاة والسلام - لم [١١٦/هـ/أ) يتزوج أم حبيبة إلَّ قبل الفتح بدهر، وهي بأرض / الحبشة (٤)، ! (١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٦/ ٣٤٠، ٣٤١). (٢) في قصة قدومه للمدينة لتمديد الهدنة وتجديدها فقالت له: ((إنك مشرك)) ومنعته من الجلوس عليه. انظر: طبقات ابن سعد (٩٩/٨)، وستأتي بعد هذا. (٣) في رسالة له ((جزء فيه ذكر حديثين: أحدهما: في ((صحيح البخاري)) وثانيها: في ((صحيح مسلم)) طبعت في مجلة ((عالم الكتب)). (٤) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في جلاء الأفهام (٣٥٩، ٣٦٣) وقالت طائفة: لم يتفق أهل النقل على أن النبي و # تزوج أم حبيبة - رضي الله عنها ب وهي بأرض الحبشة، بل قد ذكر بعضهم أن النبي ول تزوجها بالمدينة بعد قدومها من الحبشة، حكاه أبو محمد المنذري، وهذا أضعف الأجوبة؛ لوجوه : أحدها: أن هذا القول لا يعرف به أثر صحيح ولا حسن، ولا حكاه أحد ممن يعتمد على نقله . الثاني: أن قصة أم حبيبة - رضي الله عنها - وهي بأرض الحبشة قد جرت مجرى التواتر، كتزويجه لي خديجة بمكة، وعائشة بمكة، وبنائه بعائشة بالمدينة، وتزويجه حفصة بالمدينة، وصفية عام خيبر، وميمونة في عمرة القضية - [رضي الله عنهن] -، ومثل هذه الوقائع شهرتها عند أهل العلم موجبة لقطعهم بها، فلو جاء سند ظاهر الصحة يخالفها؛ عدوه غلطاً، ولم يلتفتوا إليه، ولا يمكنهم مكابرة نفوسهم في ذلك. ١٤٦ الثالث: أنه من المعلوم عند أهل العلم بسيرة النبي وَل# وأحواله؛ أنه لم = يتأخر نكاحه أم حبيبة إلى بعد فتح مكة، ولا يقع ذلك في وهم أحد منهم أصلاً. الرابع: أن أبا سفيان لما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﴿#؛ طوته عنه؛ فقال: - يا بنية! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: [والله] بل هو فراش رسول الله وَ ل *! قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر! وهذا مشهور عند أهل المغازي والسير، وذكره ابن إسحاق وغيره في قصة قدوم أبي سفيان المدينة لتجديد الصلح. الخامس: أن أم حبيبة - رضي الله عنها - كانت من مهاجرات الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ثم تنصر زوجها، وهلك بأرض الحبشة، ثم قدمت هي على رسول الله 18 من الحبشة، وكانت عنده، ولم تكن عند أبيها. وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل النقل، ومن المعلوم أن أباها لم يسلم إلَّ عام الفتح، فكيف يقول: ((عندي أجمل العرب أزوجك إياها))؟! وهل كانت عنده بعد هجرتها وإسلامها قط؟! فإن كان قال له هذا القول قبل إسلامه؛ فهو محال! فإنها لم تکن عنده، ولم یکن (له) ولاية عليها أصلاً، وإن كان قاله بعد إسلامه فمحال ! - أيضاً -؛ لأن نكاحها لم يتأخر إلى ما بعد الفتح. (فإن قيل): بل يتعين أن يكون نكاحها بعد الفتح؛ لأن الحديث الذي رواه مسلم صحيح، وإسناده ثقات حفاظ، وحديث نكاحها وهي بأرض الحبشة من رواية محمد بن إسحاق مرسلاً، والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيد ابن إسحاق، فكيف بمراسيله؟! فكيف بها إذا خالفت المسانيد الثابتة؟! وهذه طريقة لبعض المتأخرين في تصحيح حديث ابن عباس هذا، فالجواب من وجوه: = ١٤٧ أحدها: أن ما ذكره هذا القائل إنما يمكن عند تساوي النقلين؛ فيرجح بما ذكره، وأما مع تحقيق بطلان أحد النقلين وتيقنه؛ فلا يلتفت إليه. فإنه لا يعلم نزاع بين اثنين من أهل العلم بالسير والمغازي وأحوال رسول الله ﴿ أن نكاح أم حبيبة لم يتأخر إلى [ما] بعد الفتح، ولم يقله أحد منهم قط، ولو قاله قائل؛ لعلموا بطلان قوله، ولم یشکوا فيه. الثاني: أن قوله: «إن مراسيل ابن إسحاق لا تقاوم الصحيح المسند ولا تعارضه))، فجوابه: أنَّ الاعتماد في هذا ليس على رواية ابن إسحاق وحده لا متصلة ولا مرسلة، بل على النقل المتواتر عند أهل المغازي والسير: [أن أم حبيبة - رضي الله عنها - هاجرت مع زوجها، وأنه هلك نصرانياً بأرض الحبشة، وأن النجاشي زوَّجها النبي ◌َلّر، وأمهرها من عنده، وقصتها في كتب المغازي والسير]، وذكرها أئمة العلم. واحتجوا بها على جواز الوكالة في النكاح. قال الشافعي في رواية الربيع : - ((في حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ ل} قال: «إذا [ أ] نكح الوليان فالأول أحق)» قال: ((فيه دلالة على أن الوكالة في النكاح جائزة ... )) مع: (توكيل النبي ﴾ عمرو بن أمية الضمري فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - رضي الله عنها - )). وقال الشافعي في كتابه ((الكبير)) (أيضاً - رواية الربيع -): ((ولا يكون الكافر ولياً لمسلمة وإن كانت بنته، قد زوج ابن سعيد بن العاص النبي وَلّل أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأبو سفيان حي؛ لأنها كانت مسلمة، وابن سعيد مسلم، ولا أعلم مسلماً أقرب بها منه، ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأن الله قطع الولاية بين المسلمين والمشركين، والمواريث والعقل، وغير ذلك)). اهـ. ١٤٨ وأبوها أبو سفيان يومئذٍ كافر، قال: ومثل هذا لا يكون خطأ أصلاً، ولا يكون إلاَّ قصداً نعوذ بالله من البلاء. هذا لفظه برمته. وتبعه على ذلك ابن دحية، فقال في كتابه ((التنوير في مولد السراج المنير» ، هذا حديث موضوع دس في مسلم ورکب له إسناد من الموضوعات على الثقات، وكذا ابن الجوزي فقال في ((جامع المسانيد))(١)، انفرد مسلم بإخراج هذا الحديث، وهو وهم من بعض الرواة بلا شك، [وقد اتهموا](٢) بذلك الوهم عكرمة، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد(٣)، وقال: ليست بصحاح. وكذا أحمد (٤) حيث قال: هي ضعاف، ولذلك لم يخرج عنه البخاري وإنما أخرج عنه مسلم، لأن يحيى بن معين قال: هو ثقة، قال: وإنما قلنا هذا وهم لأن الرواة أجمعوا على أن رسول الله وَير بعث إلى النجاشي ليخطب له أم حبيبة، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة وذلك في سنة سبع، وتزوجها وبعثت إليه وأسلم أبو سفيان سنة ثمان وأنكر الأئمة على ابن حزم ما قاله صوناً للصحيح عن ذلك ورميه عكرمة بالوضع من أفراده، وقد أسلفنا احتجاج مسلم به، وقد استشهد به البخاري أيضاً وروى عنه من الأئمة: شعبة وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، وهم الأئمة المقتدى بهم، وقال يحيى بن معين: ثقة كما أسلفناه عنه، (١) انظر: العلل المتناهية (٧١٧). (٢) في هـ (اتهم). (٣) انظر: الكامل لابن عدي (١٩١١/٥)، وتاريخ بغداد (٢٦٠/١٢). (٤) المراجع السابقة . ١٤٩ وفي رواية: ثبت، وفي رواية: صدوق ليس به بأس، وفي رواية: كان أميناً حافظاً، وقال علي بن المديني: كان عند أصحابنا ثقة ثلاثاً، وقال الدارقطني: هو ثقة، وقال علي بن عاصم: هو مستجاب الدعوة ولا شك في كون الرجوع إلى قول هؤلاء الأئمة الأثبات في تعديله أولى من الرجوع إلى خرقها. قال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي: هذا كلام رجل مجازف هتك فيه حرمة كتاب مسلم، ونسبه إلى الغفلة عما اطلع هو عليه قال: ثم إن هذا الرجل لم يزل به وثوبه على الأئمة المتقدمين [١/١/١١٢] مثل مالك بن أنس، ومن / بعده من أئمة الحديث حتى مات مهجوراً من سائر الفرق بعد الموات العظيم والحبس الشديد، وأنكر أيضاً الشيخ تقي الدين بن الصلاح هذا على ابن حزم، وتابع في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته فإنه كان هجوماً على تخطئة الأئمة الكبار، وإطلاق اللسان فيهم، قال: ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة، وكذا قال المنذري: عكرمة وإن تكلم فيه غير واحد فلم ينسبه أحد فيما علمناه إلى الوضع. قلت: وهذه عادة ابن حزم في عكرمة، قال أيضاً في حقه في باب الغسل من محلاه(١) في حديث ذكره عن عائشة: عكرمة هذا ساقط، وقد وجدنا عنه حديثاً موضوعاً في نكاح رسول الله وَل (١) المحلى (٣٢/٢). ١٥٠ لأم حبيبة بعد فتح مكة، وما أحسن قول ابن مفوز [الحافظ](١) في جزئه الذي ذكر فيه مواضع من كلامه وأبان فيه عن عواره مثله كالمتطبب بلا طب، المتكلف بلا علم، المتسلط بلا فهم، الهاجم بلا [درية](٢) المستحب بلا تجربة، المصنف بغير هداية، المتهور بلا دلالة، ليس له عقل ينظر به في عاقبة ولا دين يفكر من أجله في معاد، فصوابه خطأ، وعلمه جهل، واجتهاده وبال، واهتداؤه ضلال، فكم من نفس قتل، وعضو خبل، فهو ضامن لما جنى، مأخوذ بما أتى، ظلوم على ما يكلف، مذموم كيف تصرف، فهل يستويان مثلاً أو يتقاربان مثلاً. قلت: ولم ينفرد عكرمة بذلك بل توبع عليه فانتفى أن تكون الآفة منه كما ادعاه، قال الطبراني في ((معجمه))(٣): ثنا محمد بن محمد / الجُذُعي (٤)، ثنا العباس بن عبد العظيم(٥)، ثنا النضر بن [١١٦/هـ/ب] (١) زيادة من هـ. (٢) في ن هـ بالهامش لعله دلیل. (٣) المعجم الكبير (١٩٩/١٢، ٢٠٠). (٤) هو محمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد الله المتوفى سنة (٢٩١)، قال الخطيب: كان ثقة. تاريخ بغداد (٢٠٦/٣). (٥) هو العباس بن عبد العظيم بن إسماعيل العنبري، أبو الفضل البصري الحافظ المتوفى سنة (٢٤٦)، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال سلمة: ثقة. تاريخ البخاري (٦/٧)، والجرح والتعديل (٢١٦/٦). ١٥١ محمد، ثنا عكرمة بن عَمار (١)، ثنا أبو زميل(٢)، حدثني ابن عباس الحديث ثم قال: ثنا علي بن سعيد الرازي(٣)، ثنا عمرو بن حليف(٤) بن إسحاق بن مرسال الخثعمي، قال حدثني عمي (١) عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار المتوفى سنة (١٥٩)، قال أحمد والبخاري: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو داود: ثقة، في حديثه عن يحيى اضطراب، وقال ابن حجر: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى اضطراب ولم يكن له كتاب. التاريخ الكبير (٥٠/٧)، والجرح والتعديل (٧/ ١٠)، وطبقات ابن سعد (٥٥٥/٥)، قال في ميزان الاعتدال (٩٣/٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣٧/٧)، وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلاً منكراً عن سماك الحنفي، عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان. اهـ. (٢) هو سماك بن الوليد أبو زميل الحنفي اليمامي، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن سماك أبي زميل الحنفي فقال: توفي، أصله في اليمامة، قال ابن طاهر في الجمع بين رجال الصحيحين (٢٠٣/١)، روى عنه عكرمة بن عمار أحاديث منها حديث أنكر على مسلم إخراجه في الصحيح وهو قصة أبي سفيان وأن أبا سفيان عقد نكاح أم حبيبة. تهذيب التهذيب (٤ /٢٣٥)، والتقريب (٣٣٢/١) .. (٣) علي بن سعيد الرازي الحافظ المتوفى سنة (٢٩٩) رحّال جوّال، قال ابن يونس: تكلموا فيه وكان من المحدثين الأجلاء، وكان يصحب السلطان ويلي بعض العمالات، وقال سلمة: کان ثقة عالماً بالحديث، حدثني عنه غير واحد. انظر: تذكرة الحفاظ (٧٥٠)، ولسان الميزان (٢٣١/٤)، وميزان الاعتدال (١٣١/٣). (٤) عمرو بن خلیف أبو صالح، قال ابن عدي في الضعفاء: بعد أن ذکر له حديثاً ولعمرو بن خليف غير ما ذكرت موضوعات فكان يتهم بوضعها . = ١٥٢ إسماعيل بن مرسال عن أبي زميل الحنفي، قال: حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يفاتحونه، فقال: يا رسول الله! ثلاث أعطنيهن ... )) الحديث، فهذا إسماعيل بن مرسال تابع عكرمة(١)، وقد أخرج الدارقطني(٢) بهذا السند حديث جابر: تكلف لك أخوك، وصنع، ثم تقول: إني صائم. كل وصم يوماً مكانه. ولم يتكلم عليه بشيء، أفاد هذه المتابعة شيخنا الحافظ عبد الكريم الحلبي في كلامه على أحاديث المحلى، لكن عمرو بن حليف مجروح متهم بالوضع، قال ابن عدي: يروي الموضوعات، هو المتهم بوضعها. فهذه المتابعة لا يرويها علي بن حزم. نعم أجاب العلماء عن الإشكال المذكور بأجوبة : أولها: أن أبا سفيان لما أسلم عام الفتح أراد / بهذا القول (١/١١٢/ب] تجديد النكاح، لأنه إذ ذاك كان مشركاً، فلما أسلم ظن أن النكاح المجروحين (٨٠/٢)، وميزان الاعتدال (٢٥٨/٣). = (١) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في جلاء الأفهام (٣٦٧). فهذا إسماعيل بن مرسال قد رواه عن أبي زميل، كما رواه عنه عكرمة بن عمار، فبرىء عكرمة من عهدة التفرد. قيل: هذه المتابعة لا تفيده قوة، فإن هؤلاء مجاهيل لا يعرفون بنقل العلم، ولا هم ممن يحتج بهم، فضلاً عن أن تقدم روايتهم على النقل المستفيض المعلوم عند خاصة أهل العلم وعامتهم، فهذه المتابعة إن لم تزده وهناً؛ لم تزده قوة، وبالله التوفيق. اهـ. (٢) سنن الدار قطني (١٧٨/٢). ١٥٣ يتجدد بإسلام الولي، وخفي ذلك عليه، وقد خفي على أمير المؤمنين علي الحكم في المذي مع تقدم صحبته وفقهه وعلمه حتى أرسل وسأل عنه، وخفي على ابن عمر الحكم في طلاق الحائض. ولهذا نظائر لا تخفى على أهل النقل. قاله ابن طاهر وابن الصلاح(١) والمنذري. ثانيها: لعله - عليه الصلاة والسلام - أراد بقوله ((نعم)) إن مقصودك يحصل وإن لم يمكن تحقيقه بعقد، ويوضح هذا أنه ليس في الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - جدد العقد، ولا أنه قال لأبي سفيان إنه يحتاج إلى تجديده. قاله النووي(٢) في شرحه. ثالثها: إنه يحتمل أن تكون مسألته الأولى إياه في تزويج أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه. فجمع الراوي بين المسائل الثلاث ذكره البيهقي ثم (٣) المنذري(٣). (١) انظر: شرح مسلم (٦٣/١٦)، والسيرة لابن كثير (٢٧٦/٣، ٢٧٧) .. واختاره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٢٢/٢). (٢) شرح مسلم (٦٣/١٦). (٣) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه ـ في جلاء الأفهام (٣٦٧، ٣٦٨) عن هذا الجواب ما يأتي. وقالت طائفة: منهم البيهقي والمنذري - رحمهما الله تعالى -: يحتمل أن تكون مسألة أبي سفيان النبي ولو أن يزوجه أم حبيبة وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض = ١٥٤ رابعها: ذكره شيخ شيوخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي، فقال: القول في كتاب مسلم حديث موضوع فيه نظر وتأويل ((أزوجكها)) أرضى بزواجك بها. فإنه كان على رغم مني ودون اختياري، وإن كان زواجك صحيحاً، لكن هذا أجمل وأحسن وأكمل لما فيه من تأليف القلوب. قال: أو يقول إن إجابته - عليه الصلاة والسلام - ((بنعم)) كانت تأنيساً له، ثم أخبر بصحة العقد بأنه لا يشترط رضاك، ولا ولاية لك عليها لاختلاف دينكما حالة العقد، الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا بعد إسلامه، فجمعها الراوي، == وهذا أيضاً ضعيف جداً؛ فإن أبا سفيان إنما قدم المدينة آمناً بعد الهجرة في زمن الهدنة قبيل الفتح، وكانت أم حبيبة إذ ذاك من نساء النبي وَّر، ولم يقدم أبو سفيان قبل ذلك إلاّ مع الأحزاب عام الخندق، ولولا الهدنة والصلح الذي كان بينهم وبين النبي ◌َّر لم يقدم المدينة، حتى قدم، وزوج النبي ◌َ﴾ أم حبيبة! فهذا غلط ظاهر. وأيضاً؛ فإنه لا يصح أن يكون تزويجه إياها في حال كفره؛ إذ لا ولاية عليها، ولا تأخّر ذلك إلى ما بعد إسلامه، لما تقدم، فعلى التقديرين لا يصح قوله: «أزوجك أم حبيبة». وأيضاً؛ فإن ظاهر الحديث يدل على إن المسائل الثلاث وقعت منه في وقت واحد، وأنه قال: ثلاث أعطنيهن (الحديث)، ومعلوم أن سؤاله تأميره، واتخاذ معاوية كاتباً إنما يتصور بعد إسلامه، فكيف يقال بل سأل بعض ذلك في حال كفره وبعضه وهو مسلم! وسياق الحديث يرده! ورده أيضاً في ((زاد المعاة)) ص ١١١/١ قائلاً: والتعسف والتكلف الشديد الذي في هذا الكلام يغنى عن رده. اهـ. ١٥٥ قال: وهذا مما لا يمكن رفع احتماله(١). (١) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في جلاء الأفهام (٣٦٨، ٣٦٩) في الإجابة عن هذا الوجه . وقالت طائفة: بل يمكن حمل الحديث على محمل صحيح يخرج به عن كونه موضوعاً؛ إذ القول بأن في ((صحيح مسلم)) حديثاً موضوعاً مما ليس يسهل، قال: ووجهه: أن يكون معنى «أزوجكها)»: أرضى بزواجك بها، فإنه كان على رغم مني، وبدون اختياري، وإن کان نکاحك صحيحاً، لكن هذا أجمل، وأحسن، وأكمل؛ لما فيه من تأليف القلوب، قال: وتكون إجابة النبي 8# بنعم؛ كانت تأنيساً له، ثم أخبره بعد بصحة العقد، فإنه لا يُشترط رضاك ولا ولاية لك عليها؛ لاختلاف دينكما حالة العقد، قال: وهذا مما لا يمكن دفع احتماله، وهذا لا يقوى أيضاً. ولا يخفى شدّة بُعْد هذا التأويل من اللفظ، وعدم فهمه منه؛ فإن قوله: ((عندي أجمل العرب أزوجكها)» لا يفهم منه أحد أن زوجتك التي هي في عصمة نكاحك أرضى زواجك بها، ولا يطابق هذا المعنى أن يقول له النبي (#: ((نعم))، فإنه إنما سأل النبي # أمراً تكون الإجابة إليه من جهته *، فأما رضاه بزواجه بها؛ فأمر قائم بقلبه هو، فكيف يطلبه من النبي ( !! ولو قيل: طلب منه أن يقره على نكاحه إياها، وسمى إقراره نكاحاً؛ لكان مع فساده أقرب إلى اللفظ، وكل هذه تأويلات مستنكرة في غاية المنافرة لِلَّفْظِ، ولمقصود الكلام. اهـ. وقال أيضاً في ((زاد المعاد)» (١١١/١) في هذا التأويل: ((وهذا وأمثاله . : لو لم يكن قد سُؤَدَتْ به الأوراق، وصنفت فيه الكتب، وحمله الناس؛ لكان الأولى بنا الرّغبة عنه، لضيق الزمان عن كتابته، وسماعه، والاشتغال به؛ فإنه من رُبْد الصُّدور لا من زُبدها)). اهـ. ١٥٦ خامسها: ذكر البيهقي أن أبا سفيان كان يخرج إلى المدينة، فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافرٌ أو بعد إسلامه حين كان - عليه الصلاة والسلام - آلى من نسائه شهراً واعتزلهن، فتوهم أن ذلك طلاق، كما توهم عمر بن الخطاب. فقال أبو سفيان هذا القول، ووصف ابنته بما وصفها متعرضاً ومتلطفاً لرسول الله وَله فأجابه وَله بنعم على تقدير إن وقع طلاق ولم يقع شيء من ذلك. قاله شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي - رحمه الله (١) -. سادسها: أن الحديث على ظاهره، وأنه - عليه الصلاة (١) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في المرجع السابق. وقالت طائفة: كان أبو سفيان يخرج إلى المدينة كثيراً، فيحتمل أن يكون جاءها وهو كافر، أو بعد إسلامه حين كان النبي و 18 آلى من نسائه شهراً واعتزلهن، فتوهم أن ذلك الإِيلاء طلاق كما توهمه عمر - رضي الله عنه -، فظن وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنبي وَ ل*، متعطفاً له، ومتعرضاً، لعله يراجعها، فأجابه النبي وَلتر بنعم، على تقدير: إن امتدَّ الإِيلاءُ، أو وقع طلاق، فلم يقع شيء من ذلك. وهذا أيضاً في الضعف من جنس ما قبله، ولا يخفى أن قوله: ((عندي أجمل العرب وأحسنهنَّ أزوجك إياها)» أنه لا يفهم منه ما ذكر من شأن الإِيلاء، ووقع الفرقة به، ولا يصح أن يجاب بنعم، ولا كان أبو سفيان حاضراً وقت الإِيلاء أصلاً، فإن النبي وَّ اعتزل في مَشْرُبَّةٍ له، وحلف أن لا يدخل على نسائه شهراً، وجاء عمر بن الخطاب فاستأذن عليه وَلقر (في الدخول) مراراً، فأذن له في الثالثة، فقال: ((أطلقت نساءك؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر))، واشتهر عند الناس أنه لم يطلق نساءه، وأين كان أبو سفيان حينئذٍ. اهـ. ١٥٧ والسلام - تزوجها بمسألة أبيها لما أسلم ويقدم على تزويجها بأرض الحيشة، فإن تزويجها بأرض الحبشة جاء من رواية محمد بن إسحاق صاحب ((المغازي)) مرسلاً والناس مختلفون في الاحتجاج بمسانيده فكيف بمراسيله ومن رواية معلى بن منصور، وقد رمي بالكذب وفي [١٨/١١٣] هذا الجواب / انظر. كما قال المنذري: فإن تزويجه - عليه الصلاة والسلام - لم يختلف أهل المغازي أنه كان قبل رجوع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، ورجوعهم كان زمن خيبر، وإسلام أبي سفيان كان زمن [١١٧/هـ/أ] الفتح بعد نكاحها بسنتين أو ثلاث / فكيف يصح أن يكون تزويجها بمسألته. -- قال المنذري: وقول ابن حزم لم يختلف اثنان من أهل المعرفة بالأخبار في أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يتزوج أم حبيبة إلاَّ قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وهم ظاهر فقد ذكر بعضهم أنه - عليه الصلاة والسلام - تزوج بها بعد قدومها من الحبشة على أن : المشهور هو الأول، وكذا نقله القاضي في ((إكماله)) عن بعضهم، ثم قال: وقال الجمهور: بأرض الحبشة واعترض علماء الحديث المعاصرين على ما نقله شيخنا قطب الدين على هذا الحديث بأمر آخر فقال: قال أبو حاتم: عكرمة هذا صدوق، وربما وهم، وربما دلس. فقال: لعله دلس عن رجل ضعيف. قال: والنضر بن محمد وإن كان ثقة من رجال الصحيحين، فقد ذكر ابن حبان أنه ربما انفرد ثم ذكر أن الظاهر أن أبا سفيان أراد أن يزوج النبي وَلّ ابنته الأخرى وهي عزة أخت أم حبيبة وأنه يشهد لهذا حديث أم حبيبة أنها قالت: ١٥٨ يا رسول الله انكح أختي ابنة أبي سفيان فقال: «أوتحبين ذلك؟! فقالت: نعم، أحب من شركني في خير أختي، وفي بعض طرق مسلم ((أختي عزة)) وكأن أبا سفيان اعتقد حل ذلك لرسول الله ولو فقال لأختها أم حبيبة لتساعده على ذلك(١). وأجاب شيخنا عن هذا فقال: أما ما ذكر من التدليس فإنه ينتفي بما تقدم من رواية الطبراني من قول عكرمة ثنا أبو زميل فأتى بتصريح التحديث. وأمَّا انفراد النضر مع ثقته فهذا انفراد بجملة الحديث، ولم يأت له مخالف بمنعه ورده، وقد انفرد جماعة دون النضر بأحاديث فلم ترد وقبلت منهم. وقد نقل الخطيب إجماع العلماء على قبول تفرد الثقة بجملة الحديث. وأما ما ذكر: من أن الظاهر قلب اسم ((عزة)) إلى ((أم حبيبة)) فهو حسن، لكن الأصل عدمه، فهذا موضع وعر أوضحناه وأزلنا إشكاله، فلا تسأم من طوله، فإنه من المهمات التي يُرحلُ إليها(٢)، (١) انظر: الفتح (١٤٢/٩، ١٤٣)، وسيرة ابن كثير (٢٧٦/٣، ٢٧٧). (٢) انظر: السيرة النبوية لابن كثير (٢٧٦/٣، ٢٧٧). قال ابن القيم وقالت طائفة: ليس الحديث بباطل، وإنما سأل أبو سفيان النبي لة أن يزوجه ابنته الأخرى عزة أخت أم حبيبة. قالوا: ولا يبعد أن يخفى هذا على أبي سفيان؛ لحداثة عهده بالإِسلام. وقد خفي هذا على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله # أن يتزوجها، فقال: ((إنها لا تحل لي))، فأراد أن يتزوج النبي وَ ل﴿ه ابنته الأخرى، فاشتبه على الراوي، وذهب وهمه إلى أنها أم حبيبة، وهذه التسمية من غلط بعض الرواة لا من قول أبي سفيان، لكن يرد هذا أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((نعم))، وأجابه إلى ما = ١٥٩ : سأل، فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها؛ لقال: إنها لا تحل لي، كما = قال ذلك لأم خبيبة، ولولا هذا؛ لكان التأويل في الحديث من أحسن التأويلات. اهـ. إلى أن قال: ورأيت للشيخ محب الدين الطبري كلاماً على هذا الحديث، قال في جملته: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك كلَّه قبل إسلامه بمدة تتقدم على تاريخ النكاح، كالمشترط ذلك في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمت تعطنيهنَّ: أم حبيبة أزوجكها، ومعاوية يسلم فيكون كاتباً بين يديك، وتؤمّرني بعد إسلامي فأقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. وهذا باطل أيضاً من وجوه: أحدها: قوله: ((كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال: يا نبي الله! ثلاث أعطنيهن)) فيا سبحان الله! هذا يكون قد صدر منه، وهو بمكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة وهو مجمع الأحزاب الحرب رسول الله و لو، أو وقت قدومه المدينة وأم حبيبة عند النبي ◌َال لا عنده !! فما هذا التكلف البارد !! وكيف يقول وهو كافر: ((حتى أقاتل المشركين، كما كنت أقاتل المسلمين))! وكيف ينكر جفوة المسلمين له وهو جاهد في قتالهم، وحربهم، وإطفاء نور الله سبحانه وتعالى! وهذه قصة إسلام أبي سفيان معروفة لا اشتراط فيها، ولا تعرض لشيء من هذا. وبالجملة؛ فهذه الوجوه وأمثالها مما يعلم بطلانها، واستكراهها، وغثائتها، ولا تفيد الناظر فيها علماً، بل النظر فيها والتعرض لإبطالها من منارات العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فالصواب: أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط، والله أعلم. وهي - رضي الله عنها - التي أكرمت فراش رسول الله * أن يجلس عليه = ١٦٠