النص المفهرس

صفحات 121-140

قال: وسئل الشافعي(١) فكرهها من غير تحريم، وما نقله عنه
خلاف مشهور مذهبه.
قال: وسئل عنها ابن حنبل(٢) فقال: لا بأس بها.
وقال ابن حزم في ((مراتب الإِجماع)) (٣): اتفقوا على أن [(٤)]
سحاق المرأة للمرأة حرام.
واختلف في الاستمناء أحرام هو أم مكروه أم مباح))(٥)؟ [والله
(١) قال الشافعي - رحمنا الله وإياه - في الأم (١٠١/٥، ١٠٢)، قال
- تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٤) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ﴾، قرأ إلى
﴿اَلْعَادُونَ﴾، قال: فكان بيناً في ذكر حفظهم لفروجهم إلاَّ على أزواجهم
أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان، وبين أن
الأزواج وملك اليمين من الآدميات دون البهائم، ثم أكدها فقال عز وجل:
﴿فَنِ أَبَغَى وَرَ ذَلِكَ فَأُوْلَتِكَ هُ الْعَادُونَ لَهُ﴾، فلا يحل العمل بالذكر إلاَّ في الزوجة
أو في ملك اليمين ولا يحل الاستمناء، والله أعلم. اهـ.
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٠٥/١٢)، والمحرر للمجد ابن تيمية
(١٥٤/٢). انظر: تعليق (٥)، ص ١٢١ فإنه وجه الرواية عن الإِمام أحمد
بجواز الاستمناء - وهو لمن خشي العنت من زنا أو لواط - ، والصحيح
أن الاستمناء محرم كما في آية المعارج ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (َّ إِلَّا عَلَى
أَزْوَجِهِمْ أَوَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ﴾، فمن عمل بالذكر في غير هذين الصنفين فإن الله
وصفه بأنه عادي .
(٣) مراتب الإِجماع (١٣٣).
(٤) في الأصل زيادة (من).
(٥) قال شيخ الإسلام - رحمنا الله وإياه - في الفتاوى (٥٧٣/١٠، ٥٧٥):
. «وكذلك من أباح ((الاستمناء)) عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل، =
١٢١

فقد روي عن ابن عباس: أن نكاح الإِماء خير منه، وهو خير من الزنا، فإذا
=
كان الصبر عن نكاح الإِماء أفضل، فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل.
لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقاً، وهو أحد
الأقوال في مذهب أحمد واختاره ابن عقيل في ((المفردات))، والمشهور عنه
- يعني عن أحمد - أنه محرم إلاّ إذا خشي العنت، والثالث أنه مكروه إلاّ
إذا خشي العنت، فإذا كان الله قد قال في نكاح الإِماء: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾، ففيه أولى، وذلك يدل على أن الصبر عن كلاهما ممكن.
فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه، فذلك لتسهيل التكليف كما قال
- تعالى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحَقِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾﴾
و((الاستمناء)» لا يباح عند أكثر العلماء سلفاً وخلفاً، سواء خشي العنث
أو لم يخشَ ذلك، وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنما هو لمن :
خشي ((العنت)) وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع
في ذلك، فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته .
وأما من فعل ذلك تلذذاً أو تذكراً أو عادة؛ بأن يتذكر في حال استمنائه
صورة كأنه يجامعها، فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره، وقد
أوجب فيه بعضهم الحد!، والصبر عن هذا من (الواجبات) لا من
المستحبات.
وأما الصبر عن المحرمات فواجب، وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها، قال
- تعالى -: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِمٍ﴾،
و ((الاستعفاف)) هو ترك المنهي عنه، كما في الحديث الصحيح عن
أبي سعيد الخدري، عن النبي والقر أنه قال: ((من يستعفف يعفه الله، ومن:
يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع.
من الصبر».
((قالمستغني)) لا يستشرف بقلبه، و((المستعف» هو الذي لا يسأل الناس=
١٢٢

أعلم](١).
بلسانه، و((المتصبر)) هو الذي لا يتكلف الصبر، فأخبر أنه من يتصبر يصبره
=
الله، وهكذا كأنه في سياق الصبر على الفاقة، بأن يصبر على مرارة
الحاجة، لا يجزع مما ابتلي به من الفقر، وهو الصبر في البأساء والضراء،
قال - تعالى -: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِوَحِينَ الناسِ﴾. انتهى.
(١) في هـ ساقطة.
١٢٣

الحديث الثاني
٦٢/٢/٣٢٠ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - : أن نفراً
من أصحاب النبي ◌َّ سألوا أزواج رسول الله وَلقر عن عمله في
السر؟ فقال بعضهم؛ لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم،
وقال بعضهم: لا أنام على فراش ، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما.
بال أقوام قالوا كذا؟ لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنزوج
النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني(١).
الكلام عليه من وجوه، والتعريف براويه سلف في باب
الاستطابة .
تعين النفر
الأول: هؤلاء النفر (٢) قيل هم أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن
٠
(١) البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) في النكاح، باب: استحباب النكاح
لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤنة، والنسائي (٦٠/٦)، والبغوي (٩٦)،
وأحمد (٢٤١/٣، ٢٥٩، ٢٨٥)، والبيهقي (٧٧/٧)، وعبد الرزاق
مرسلاً عن سعيد بن المسيب (١٦٧/٦).
(٢) جاء في مصنف عبد الرزاق (١٦٧/٦) تسمية علي بن أبي طالب
وعبد الله بن عمرو مرسلاً عن سعيد بن المسيب.
:
تنبيه: جاء في الفتح (١٠٤/٩) ذكر عثمان بن مظعون في مرسل سعيد =
١٢٤

مسعود /، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو ذر، وسالم مولى [١١٣/ هـ/ب]
أبي حذيفة، والمقداد، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، اتفقوا
على هذا في بيت عثمان بن مظعون، وقد أسلفنا في الحديث الأول
من باب الجمعة أن ((النفر)) [لغة] (١): عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة
ولفظ رواية البخاري في صحيحه(٢) لهذا الحديث عن أنس قال: لفظ الحديث
(جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي وي ليه يسألون عن عبادة
عند البخاري
النبي وَل*، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من
النبي ◌َ﴾؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم:
((أما أنا فإني أصلي الليل أبداً))، وقال آخر: ((أنا أصوم الدهر ولا
أفطر))، وقال آخر: ((وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء
رسول الله وَلي / [(٣)] فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني (١٨/١٠٨]
عند عبد الرزاق ولم يذكر فيه، قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في
=
الفتح (١٠٤/٩): ووقع في ((أسباب النزول)) للواحدي بغير إسناد - ثم
ساق أسماءهم - ، ثم قال: فإن كان هذا محفوظاً احتمل أن يكون الرهط
الثلاثة هم الذين باشروا السؤال، فنسب ذلك إليهم بخصوصهم تارةً
ونسب تارة للجميع لاشتراكهم في طلبه، ويؤيد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة
في الجملة ما روى مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن هشام أنه قدم
المدينة وفيه ((فأخبروه أن رهطاً ستة)) الحديث.
وقال: فيه وفي عَدِّ عبد الله بن عمرو معهم نظر، لأن عثمان بن مظعون
مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب. اهـ.
(١) ساقطة من هـ.
(٢) انظر: التعليق رقم (١) من هذا الحديث، ص ١٢٤ .
(٣) في الأصل ون هـ زيادة (إليهم)، وهي غير موجودة في البخاري.
١٢٥

الأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد،
وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))، رواه عن سعيد بن
أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن حميد الطويل، عن أنس.
لفظ الحديث
عند مسلم
وأما مسلم فأخرجه من طريق آخر إلى أنس رواه عن
أبي بكر [بن](١) نافع العبدي، عن بهز، عن حماد بن سلمة، عن
ثابت، عن أنس بلفظ المصنف سواء، وزاد بعد قوله: ((قالوا كذا)»
لفظة ((وكذا)) فحينئذٍ لفظ رواية المصنف هو لمسلم خاصة، فتنبه له،
ثم رأيت بعد ذلك المصنف نبه على ذلك في ((عمدته الكبرى))، فقال
بعد أن ساقه: متفق عليه، واللفظ لمسلم، وللبخاري معناه.
ثم اعلم: بعد ذلك أنه وقع في بعض نسخ الكتاب قبل قوله
((فحمد الله)) ((فبلغ ذلك النبي وَلقر)» وهي ثابتة في شرح الشيخ
تقي الدين(٢) دون غيره من الشيوخ.
قال ابن منده في ((مستخرجه)): وروى أيضاً قوله: من رغب
عن سنتي فليس مني)) ابن عمر، وعثمان بن مظعون، وعائشة.
معنى قوله (قمن
رغب عن سنتي
الوجه الثاني: معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فمن
فليس منيّةً رغب عن سنتي فليس مني)) تركها إعراضاً عنها، غير معتقد لها على
ما هي عليه، أما من ترك النكاح على الصفة التي يستحب له تركها
كما سبق، أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه أو لاشتغاله بعبادة
مأذون فيها ونحو ذلك فلا يتناوله هذا الذم، وكان جماعة من السلف
(١) زيادة من مسلم بشرح الأبي (٧/٤).
(٢) إحكام الأحكام (٤/ ١٧٤).
١٢٦

يمسكون عن تأويل هذا وأمثاله، لأنه أبلغ في الردع عن مخالفة
السنة .
الوجه الثالث في أحكامه :
الأول: يستدل به من رجح النكاح على التخلي لنوافل ترجيح النكاح
العبادات، فإن هؤلاء القوم قصدوا هذا المقصد فرده - عليه الصلاة للعبادات
على التخلي
والسلام - عليهم، وأكد ذلك بأن خلافه رغبة عن السنة، قال الشيخ
تقي الدين(١): ويحتمل أن تكون هذه الكراهة للتنطع والغلو في
الدين، وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد: فإن من ترك أكل اللحم
- مثلاً - يختلف حكمه بالنسبة إلى مقصوده، فإن كان من باب الغلو
والتنطع، والدخول في الرهبانية فهو ممنوع، مخالف للشرع، وإن
كان لغير ذلك من المقاصد المحمودة كمن تركه تورعاً لقيام شبهة في
ذلك الوقت في اللحوم، أو عجزاً أو لمقصود صحيح غير ما تقدم،
لم يكن ممنوعاً، وظاهر الحديث ما ذكرناه من تقديم النكاح، كما
يقوله أبو حنيفة، ومن وافقه قال: ولا شك أن الترجيح يتبع
المصالح، ومقاديرها / مختلفة، وصاحب الشرع أعلم بتلك [٨/١٠٨ب]
المقادير، فإذا لم يعلم المكلف حقيقة تلك المصالح، ولم يستحضر
أعدادها فالأولى اتباع اللفظ الوارد في الشرع.
وقال القاضي عياض: لا حجة في هذا الحديث لمن يوجب
النكاح لأنه ذكر معه غيره فرد الكلام إلى النكاح وحده دون قرينة
لا يلتفت إليه.
(١) إحكام الأحكام (٤ /١٧٥).
١٢٧

الثاني: فيه تتبع آثاره و ﴿ فإنهم لما تتبعوا أحواله الجهرية بحثوا
تبعآثاره﴾
عن السرية، ثم ظنوا أنما عزموا عليه من آثاره فرد عليهم أحسن رد،
[١/٥/١١٤] ولم يعين / قائل ذلك لحصول المقصود بدونه من غير شناعة عليه،
وقد سلف مثل ذلك في حديث بريرة في البيع، وهذه عادته وَّ في
خطبه، وهو من جزیل مکارم أخلاقه.
الثالث: فيه أيضاً التوصل إلى العلم من النساء إذا تعذر أخذه
من أصل محله.
الرابع: فيه أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يذكر ما عزم عليه من
الأعمال الشاقة التي يظن أنها طاعة ليتبين أمرها، ويرجع عنها إلى
السنة فيها .
الخامس: فيه استحباب الخطبة لأمور المسلمين الحادثة العامة
النفع، والثناء على الله فيها، وبيان الأحكام ليتبعوها، وتحذير
مخالفيها .
السادس: فيه أيضاً أن ملاذ النفس والبدن إذا فعلت لامتثال
الشرع فيما امتن به وأباحه تصير طاعات مثاباً عليها، وإذا تركت لغير
مقصود شرعي عناداً تصير كفراً.
السابع: فيه تنبيه على قاعدة أصولية وهي: أن الدوام وعدم
الزوال ثابت لله - تعالى-، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما
سواه. وشاهد ذلك تنقل المخلوقات من حال إلى حال، فلهذا قال
- عليه الصلاة والسلام -: ((لكني أصلي وأنام)) الحديث.
الثامن: استدل به بعض الشراح على قبول خبر الواحد لأنه ما
قبول خبر الواحد
١٢٨

عدا المتواتر. قال: ولم يثبت في الحديث أن النفر السائلين وأزواج
النبي قل* المسؤولات بلغوا حد التواتر، ثم شرع يتكلم في التواتر
واختلاف الناس في حده، وفيه نظر.
التاسع: قال الطبري: فيه رد على من منع من استعمال الحلال الردعلى من منع
والمباحات من الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ من الأطعمة
استعمال الحلال
الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره، وأن صرف فضلها في
واللباس
وجوه البر والقربات، فإن حياطة جسم الإنسان وصيانة صحته بذلك
آكد وأولى، واحتج بقوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾(١)
الآية، وقوله - تعالى -: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللّهُ لَكُمْ﴾(٢)،
قال القاضي: وهذا الباب مما اختلف فيه السلف كثيراً، فمنهم
من آثر ما قاله الطبري، ومنهم من آثر ما أنكره، واحتج هؤلاء بقوله
- تعالى - في ذم أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتَِّتِكُمْ فِى حَبَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم / بِهَا﴾(٣)، [١٨/١٠٩]
(١) سورة الأعراف: آية ٣٢.
(٢) سورة المائدة: آية ٨٧.
(٣) سورة الأحقاف: آية ٢٠.
قال الشنقيطي - رحمنا الله وإياه - في أضواء البيان (٣٩٣/٧، ٣٩٥):
واعلم أن للعلماء كلاماً كثيراً في هذه الآية قائلين إنها تدل على أنه ينبغي
التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك.
وأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يفعل ذلك خوفاً منه، أن
يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَتَِّتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾
الآية، والمفسرون يذكرون هنا آثاراً كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصفة
وما لاقوه من شدة العيش.
قال مقیده عفا الله عنه وغفر له:
١٢٩
=

التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في
المؤمنين اللذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم، لأنه - تعالى - ما
أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم.
وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق، لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه
والله - تعالى - يقول: ﴿فَإِن تَبْزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية .
أما كون الآية في الكفار، فقد صرَّح الله - تعالى - به في قوله: ﴿وَيَوْمَ
يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَبَتِكُمْ﴾ الآية.
والقرآن والسنَّة الصحيحة قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً
مطابقاً للشرع، مخلصاً فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرجم
ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه
الله يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك ولا
نصيب له في الآخرة . .
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا
وَزِينَهَا نُّوَفِ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ( ٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
إِلَّا التَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾، وقوله
- تعالى -: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْتَ الذُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ
تَصِيب لأ
وقد قيد - تعالى - هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته
وإرادته في قوله - تعالى -: ﴿مِّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ
تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَضْلَنْهَا مَذْمُومًا مَّدْ حُورًا.
١٨
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ونَ﴾ قال: ((إن الله
لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما
الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها الله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة
لم تكن له حسنة يجزى بها)» هذا لفظ مسلم في صحيحه.
١٣٠

وفي لفظ له عن رسول الله وَله: ((إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة
=
في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدّخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في
الدنيا على طاعته)). اهـ.
فهذا الحديث الثابت عن النبي ◌َّ# فيه التصريح بأن الكافر يجازى
بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة
معاً، وبمقتضى ذلك، يتعين تعييناً لا محيص عنه، أن الذي أذهب طيباته
في الدنيا واستمتع بها هو الكافر، لأنه لا يجزى بحسناته إلاَّ في الدنيا
خاصة .
وأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، فلم يذهب
طيباته في الدنيا، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله - تعالى -
يثيبه بها في الدنيا كما قال - تعالى -: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهَا ()
وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث
لا يحتسب ثواباً في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة.
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وعلى كل حال فالله - جلَّ وعلا - أباح
لعباده على لسان نبيه ولو الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها،
ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال - تعالى -: ﴿ قُلْ مَنْ
حَّمَ زِينَةَ الَّهِ الَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَأَلَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ مُّلّ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنَا
خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَوْ﴾ .
فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في
الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو
صريح في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.
ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة،
يكون لهم أجر زائد على ذلك، لأن المؤمنين يؤجرون، بما يصيبهم في
الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم.
١٣١
=

وقد احتج عمر بن الخطاب بذلك وحجة [الآخر](١) عليهم أن الآية
نزلت في الكفار بدليل أول الآية وآخرها والنبي و* قد أخذ بالأمرين
وشارك في الوجهين فلبس مرة الصوف والشملة الحسنة، ومرة البرد
والرداء الحضرمي، وتارةً أكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجد،
ومرة لزم أكل الحواري ومختلف الطعام، كل ذلك ليدل على
الرخصة بالجواز مرة، والزهد في الدنيا وملاذها أخرى. وكان يحب
الحلوى والعسل ويقول: ((حبب إليَّ من دنياكم ثلاث، الطيب،
والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة))(٢).
والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا،
=
لأنه يجزى في الدنيا فقط كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند
مسلم، قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله
- تعالى -: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
سَعِيُّهُم مَّشْكُورًا (١)﴾، وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه.
انظر: (٤٩٣/٣) من أضواء البيان.
(١) لعلها (الآخرين).
(٢) النسائي (٦١/٧)، ومسند أحمد (١٢٨/٣، ١٩٩. ٢٨٥)، والبيهقي في
السنن (٨٧/٧)، والحاكم في المستدرك (١٦٠/٢)، وقال: صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه وكذا قال الذهبي، قال المناوي في فيض القدير
(٣٧١/٣) نقلاً عن العراقي قوله: إسناده جيد، وعن ابن حجر: إنه
حسن. اهـ. أيضاً وهم المناوي والسيوطي في نسبة الحديث إلى مسند
الإِمام أحمد وأنه ما أخرجه إلاّ في الزهد والصواب أن الإِمام أحمد
أخرجه في المسند.
تنبيه: كلمة «ثلاث)) غالباً ما تذكر بعد هذه الجمل وهي غير صحيحة = .
١٣٢

تنبيه: قال القرافي: اختلف العلماء في أول الدهر الذي
أدركته هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا؟ فادعى ذلك
بعضهم ومنعه بعضهم، وصنف بعضهم على بعض فيه، وممن قال:
إنه لا ورع في المباح الأنباري في كتاب ((الورع)) له، وممن قال:
بمقابله بهاء الدين الحميدي(١)، وهذا الحدیث یشهد للأول.
قال القرافي: والجمع بين القولين أن يقال: الاستكثار من
المباحات يقع الورع فيه فإنه يجر إلى كثرة الاكتساب والوقوع في
المتشابهات. وأما المباح من حيث هو مباح فلا ورع في تركه.
٠
ولم ترد في الحديث لإفسادها المعنى. انظر: فيض القدير (٣٧١/٣)
=
للاطلاع على كلام أهل العلم.
(١) هو علي بن هبة الله بن سلامة مند الديار المصرية بهاء الدين أبو الحسن
المعروف بابن الجميزي ولد يوم عيد الأضحى سنة تسع، - بتقديم
التاء - وخمسين وخمسمائة بمصر. ترجمته في النجوم الزاهرة (٢٤/٧)،
وطبقات الشافعية للأسنوي (١٣٣).
١٣٣

الحديث الثالث
٦٢/٣/٣٢١ : - عن سعيد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -
قال: ((رد رسول الله وَ ◌ّل على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له
لاختصینا))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف براويه، وقد سلف في الحديث الثاني من
الوصايا.
التعريف بعثمان
بن مظعون
وأما عثمان هذا فهو: ابن مظعون بن حبيب بن وهب بن
حذافة بن جمع بن عمر بن هصيص القرشي الجمحي يكنى
أبو السائب، أخو قدامة بن مظعون، أمهما سخيلة بنت العنبس بن
[١١٤/هـ/أ] أهبان بن حذافة بن جمح، كان عثمان من فضلاء الصحابة /
وساداتهم وعبادهم ومتهجديهم، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، هاجر
هجرتين، وشهد بدراً، وكان أول رجل مات في المدينة من
(١) البخاري (٥٠٧٣، ٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢)، وابن ماجه (١٨٤٨)،
والترمذي (١٠٨٣)، والبغوي (٢٢٣٧)، والنسائي (٥٨/٦)، والدارمي
(١٣٣/٢)، والبيهقي (٧٩/٧)، وابن الجارود (٦٧٤)، وأحمد
...
(١٧٥/١، ١٧٦، ١٨٣).
١٣٤

المهاجرين بعدما رجع من بدر، [وأول من تبعه إبراهيم بن
رسول الله ◌َّر، ثم زينب](١)، وكان هو وعلي وأبو ذر همّوا أن
يختصوا فنهاهم النبي ◌َّر عن ذلك، ونزلت فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ (٢) الآية، وكان أحد من ذم الخمر في
الجاهلية، توفي سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: في الثالثة بعد شهوده
بدر، وكان أول من دفن بالبقيع في قول مصعب الزبيري، ولما مات
أكب رسول الله وَّل عليه، وقبّله، وجرت دموعه، وقال: ((اذهب
أبا السائب فقد خرجت منها (يعني الدنيا) ولم تلتبس منها بشيء)).
ولما مات قالت له امرأته: هنيئاً لك الجنة، فنظر إليها - عليه الصلاة
والسلام - نظرة غضب / وقال: ((ما يدريك؟!)) قالت: يا رسول الله [٨/١٠٩ب]
فارسك وصاحبك !! فقال رسول الله وثلي: ((إني رسول الله، وما أدري
ما يفعل بي)) فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب بنت
رسول الله والر قال رسول الله وي ليل: ((ألحقي بسلفنا الخير: عثمان بن
مظعون)). فبكى النساء، فجعل عمر يسكتهن، فقال ◌َله: ((مهلاً
يا عمر))، ثم قال: ((إياكن ونعيق الشيطان ومهما كان من العين
فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان))(٣).
(١) هذا وهم من المصنف - رحمنا الله وإياه - لأن إبراهيم بن رسول الله وَالو
توفي في السنة التاسعة أو العاشرة وزينب توفيت حينما انتهو من غزوة
بدر، وذلك لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه تخلف عن غزوة بدر
لتمريضها فتكون زينب توفيت قبله، لأن عثمان شهد بدراً وتوفى بعدها.
(٢) سورة المائدة: آية ٩٣.
(٣) أحمد في المسند (٢٣٨/١، ٣٣٥).
١٣٥

الوجه الثاني: ترجم البخاري(١) على هذا الحديث باب:
ما يكره من التبتل والخصاء، ثم روى معناه من حديث ابن
مسعود(٢) وأبي هريرة (٣)، وكذا ترجم عليه الترمذي (٤) أيضاً
باب: ما جاء في النهي عن التبتل [ثم ساق من حديث الحسن بن
سمرة، أنه - عليه الصلاة والسلام -: ((نهى عن التبتل))](٥)،
وقرأ قتادة: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾(٦)،
ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وروي عن عائشة(٧) مرفوعًاً
من روی مذا نحوہ قال: ویقال: کلا الحدیثین صحیح، ثم روی حدیث سعد
الصحابة السالف قال: وفي الباب أيضاً عن أنس(٨) وابن عباس(٩) قلت:
الحديث من
(١) الفتح (٩/ ١١٧)، (ح ٥٠٧٣، ٥٠٧٤).
(٢) الفتح (١١٧/٩)، (ح ٥٠٧٥)، ومسلم بشرح الأبي (١٢/٤) في كتاب
· النكاح أحاديث المتعة.
(٣) الفتح (٩/ ١١٧)، (ح ٥٠٧٦).
(٤) سنن الترمذي (٣٨٤/٣، ٣٨٥)، (ح ١٠٨٢)، وأيضاً عند ابن أبي شيبة
(١٢٨/٤)، وابن ماجه (١٨٤٩)، وأحمد (١٧/٥).
(٥) في هـ ساقطة .
(٦) سورة الرعد: آية ٣٨.
(٧) النسائي (٥٩/٦)، وأحمد (١٥٧/٦، ٢٥٣).
(٨) أحمد في مسنده (١٥٨/٣، ٢٤٥)، وسعيد بن منصور (٤٩٠)، والبيهقي
(٨١/٧، ٨٢)، ولفظه قال: ((كان رسول الله وَلَه يأمر بالباءة، وينهى عن
التبتل نهياً شديداً، ويقول: ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم
الأنبياء يوم القيامة)).
(٩) أحمد (٣١٢/١)، وأبو داود (١٧٢٩) في المناسك، باب: لا ضرورة في =
١٣٦

وابن مسعود(١) وأبي هريرة(٢) كما ذكره البخاري.
وفي (شرح السنة)»(٣) للبغوي من حديث عبد الله بن عمرو أن
رجلاً جاء إلى رسول الله مَله، فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن
أختصي؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((خصاء أمتي الصيام
والقيام» (٤).
وفي ((أحكام)) المحب الطبري أن البغوي روى بسنده عن
الإسلام، والبيهقي (١٦٤/٥)، والحاكم (٤٤٨/١)، و (١٥٩/٢)،
=
ومشكل الآثار (١١١/٢، ١١٢)، وابن عدي في الكامل (١٦٨٢/٥)،
وأبو عبيد في غريب الحديث (٦٧/٣)، والطبراني (٢٣٥/١١)، ولفظه:
((لا صرورة في الإسلام))، قال الخطابي في معالم السنن (٢٧٨/٢)،
الصرورة تفسر تفسيرين :
أحدهما: أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على
مذهب رهبانية النصارى، ومنه قول النابغة:
عبد الإِلّه صرورة مثلبدٍ
لو أنها عرضت لأشمط راهب
والوجه الآخر: أن الصرورة هو الذي لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة.
الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج، حتى لا يكون
صرورة في الإِسلام ... إلخ.
(١) البخاري (٥٠٧٣).
(٢) البخاري (٥٠٧٤).
(٣) شرح السنة (٦/٩).
(٤) البغوي في شرح السنة (٦/٩)، وأحمد في مسنده (١٧٣/٢)، وذكره في
مجمع الزوائد (٢٥٦/٤)، وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات
وفي بعضهم كلام. اهـ.
١٣٧

عتبة بن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي ( 18 فقال: ائذن لنا
في الاختصاء؟ فقال: ((ليس منا من خصى أو اختصى، إن خصاء
أمتي الصيام»، وقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة؟ فقال: ((إن
سياحة أُمتي الجهاد)) فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب؟ قال:
((إن ترهب أُمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة)) ولم أرَ ما
عزاء إلى البغوي في ((شرح السنة)) هنا والذي فيها ما أسلفته أولاً،
وإنما استأذنه [في الخصاء](١) لمشقة العزوبة في المغازي، وروي أنه
قال: ((لا، ولكن عليك بالصيام، فإنه مجفر)) (٢) وروي ((مجفرة))،
قال البغوي في ((شرحه))(٣): وفي بعض الأحاديث: «صوموا ووفروا
أشعاركم فإنها مجفرة)) (٤) يعني: مقطعة للنكاح، ونقص للماء، يقال
للبعير إذا أكثر الضراب حتى ينقطع: قد جفر يجفر جُفوراً، فهو
جافر.
وفي كتاب ((الطب)) لأبي نعيم من حديث شداد بن عبد الله أن
نفراً من أسلم استأذنوا رسول الله وهو في الخصاء فقال: ((عليكم
١٨/١١٠٦] بالصوم، فإنه محشمة للعروق [ومذهب للأسر](٥)). /
(١) في هـ (أولاً).
(٢) الطبري (٣٨/٩)، قال في مجمع الزوائد (٢٥٦/٤)، وفيه عبد الملك بن
قدامة الجمحي، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات
وفي المجمع ((مخفرة)).
(٣) شرح السنة (٤/٩).
(٤) غريب الحديث لأبي عبيد (٧٤/٢).
(٥) في الشفاء مختصر الطب (٦٩) (ومذهبة للأشر).
١٣٨

الوجه الثالث: ((التبتل)): ترك النكاح انقطاعاً [لعبادة](١) الله. معنى (التيضل)
وأصل التبتل: القطع، ومنه: قيل لمريم: البتول، ولفاطمة:
البتول لانقطاعها عن نساء زمانهما ديناً وفضلاً ورغبةً في الآخرة،
ومنه: صدقة بتلة أي منقطعة عن تصرف مالكيها.
وقال الطبري(٢): التبتل ترك لذات الدنيا وشهوتها، والانقطاع
إلى الله - تعالى - بالتفرغ لعبادته / قال: ومنه قيل لمريم: البتول [١١١٥هـ/أ]
لانقطاعها إلى الله - تعالى - بالخدمة.
وقال القرافي: سميت فاطمة لانقطاعها عن الأزواج إلاَّ عن
علي [رضي الله عنه](٣).
وقال الليث: البتول كل امرأة منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها
فیھم.
وقال البغوي في ((شرح السنة)) (٤)، المراد به في الحديث
الانقطاع عن النساء، ثم يستعمل في الانقطاع إلى الله - تعالى -
ومنه: ((وتبتل إليه تبتيلاً))(٥)، أي: انفرد له في الطاعة، أي فالتبتل في
الآية غير التبتل في الحديث، فإنه في الآية الانقطاع إلى الله
- تعالى -، ورفض الدنيا والتماس ما عنده، ولم يقصد مع ذلك
(١) في الأصل ون هـ (إلى عبادة).
(٢) تفسير الطبري (١٣٢/٢٩).
(٣) في ن هـ ساقطة.
شرح السنة للبغوي (٦/٩).
(٤)
(٥) سورة المزمل: آية ٨.
١٣٩

ترك [(١)] النكاح ولا أمر به، بل كان موجوداً مع هذا الأمر كله. وأما
الذي في الحديث فهو قصد الانقطاع إلى العبادة بالكلية مما هو
داخل في باب التنطع والتشديد على النفس والإِجحاف بها والتشبه
بالرهبان.
قال الشيخ تقي الدين(٢): ويؤخذ من هذا منع ما هو في هذا
الباب وشبيهه، مما قد فعله جماعة من المتزهدين.
المراد برد النبل
الرابع: معنى ((رد عليه التبتل)) نهاه عنه ليكثر النسل، ويدوم
الجهاد، وقد كان خير هذه الأمة أكثرهم نساء(٣) ومات عن تسع،
ومات الصديق عن ثلاث، وعمر عن أربع، وعثمان عن اثنتين وعلي
عن عدة ما بين حرائر وسراري، والزبير عن أربع، وكذا عبد الرحمن
إلاّ أنه طلق واحدة في مرضه. وعليه كان السلف. والتبتل [من](٤)
شريعة النصارى كما ذكره البغوي في ((شرحه)»(٥)، وهذا الذي عند
أصحابنا محمول على من تاقت نفسه إلى النكاح، ووجد أهبته، كما.
سلف وعلى من أضر به التبتل بالعبادات الكثيرة الشاقة أما الإِعراض
عن الشهوات واللذات من غير إضرار بنفسه ولا تفويت حق لزوجة
ولا غيرها ففضيلة لا منع فيها، بل مأمور بها. ونقل القاضي
(١) في هـ زیادة (في) ولا وجه لها.
(٢) إحكام الأحكام (١٧٨/٤).
(٣) ورد عن ابن عباس - رضي الله عنه -، أخرجه البخاري في صحيحه
معلقاً (٥٠٦٩).
(٤) في هـ ساقطة.
(٥) في هـ (شرح السنة)، وما أثبت من الأصل (٦/٩).
١٤٠