النص المفهرس

صفحات 441-460

الرابع عشر: جواز أكل الضيفان منها بالمعروف، وهو أن
لا يتعطل مقصود شرط الواقف.
الخامس عشر: كراهة التكثر والتأثل من مال الأوقاف، بل
يأكل ما يعتاد شرعاً من غير تجاوز.
[السادس عشر](١): فضيلة صلة الأرحام وغيرهم من
المحتاجين والوقف عليهم، فإن المراد بالقربى هنا قربى عمر كما
سلف .
السابع عشر: فيه فضيلة ومنقبة ظاهره لعمر - رضي الله
عنه - .
الثامن عشر: فيه قبول ما أشير به عليه والمبادرة إليه.
التاسع عشر: المبادرة إلى فعل الخير المتعدى.
العشرون: وفيه أيضاً جواز ذكر الوالد باسمه من غير كنية وقد
تقدم [سره](٢) في الوجه الرابع عشر في الكلام على الحديث
الخامس من كتاب الزكاة (٣).
الحادي والعشرون: فيه أيضاً جواز وقف المشاع، لأن هذه صحة وقف
المائة سهم من حيث كانت مشاعة، كما رده الشافعي ولا يسرى إلى
المشاع
الباقي، لأنها من خواص العتق [ولم ينقل](٤) أن الوقف سرى من
(١) تصحیح الأوجه من ن هـ.
(٢) في هـ (ذكره).
(٣) (٨٦/٥) من هذا الكتاب المبارك.
(٤) في ن هـ ساقطة.
٤٤١

حصة عمر إلى غيرها من باقي الأرض ولا خلاف عندنا في هذا،
وفي ((شرح هذا الكتاب للصعبي)): أن بعض متأخري الشافعية حكى
السراية وربما حكم به بعض متأخري زمنه واختاره ثم قال: وهذا
ليس بمشهور وهو كما قاله، قال: ويجمع بين هذا وبين تسمية
الأرض بثمغ فإن الظاهر أنها قد أفرزت، فإنها كانت مشاعة أولاً ثم
أفرزت بعد الوقف، ولا [يخفى] (١) هذا الجمع من نظر.
وقال القرطبي في ((مفهمه))(٢): هذه الأرض صارت له
بالقسمة، فإنه - عليه الصلاة والسلام - قسم أرض خيبر لما افتتحها
عنوة، ورواية النسائي أنه اشتراها بمائة، وليس له مخالف.
الثاني والعشرون: روى الدارقطني أنه - عليه الصلاة
والسلام - قال له: ((احبس أصلها، واجعل ثمرها صدقة، قال
فكتب)) إلى آخره، كذا ذكره بفاء التعقيب، وهو دال على أن الوقف
[٨٠/ أ/ ب] كان حينئذٍ، لا كما ادعاه بعضهم / أنه وقف في المرض مضافاً إلى:
ما بعد الموت وأنه - عليه الصلاة والسلام - أشار به.
الثالث والعشرون: فيه أن من وقف وقفاً ولم يعين له ناظراً.
يجوز، لأنه قال: لا جناح على من وليها، أن يأكل منها بالمعروف.
ولم يعين أحداً.
الرابع والعشرون: فيه أيضاً أن الواقف إذا صار بصفة الموقوف.
عليه ينتفع بالوقف، لأنه أباح لمن وليه، وقد يليه الواقف، وقد قال
:
(١) هكذا ولعله (يخلو).
(٢) المفهم (٤ / ٥٩٩).
٤٤٢

- عليه الصلاة والسلام - للذي أهدى البدنة ((أركبها)).
الخامس والعشرون: استدل أحمد بقوله: ((لا جناح على من
وليها بالمعروف)) على أنه إذا شرط لنفسه عند الوقف نفعه مدة حياته
صح لأن عمر هو الذي وليها، وخالفه مالك وغيره، لأنه في معنى
الواقف على نفسه، وهو لم يرد نفسه وإنما ذكر صفة عامة فإذا
اتصف بها دخل .
٤٤٣

الحديث السادس
٥٨/٦/٣٠٣ - عن عمر - رضي الله عنه - قال: (حملت
على فرس في سبيل الله؛ فأضاعَهُ الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه،
فظننت أنه يبيعه برخص. فسألت النبي وَ ل# فقال: ((لا تشتره ولا تعد
في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في
قیئه» ).
وفي لفظ: ((فإن الذي يعود في صدقته، كالكلب يعود في
قیئه»(١).
[٩٦/ هـ/ب]
ألفاظ الحديث
والكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم [البخاري عليه] (٢) / على حديث
وتراجمه عند ابن عباس الآتي باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. ثم
البخاري
(١) البخاري أطرافه (١٤٩٠)، ومسلم (١٦٢١)، وأبو داود (١٥٩٣)، في
الزكاة: باب الرجل يبتاع صدقته، والبغوي (١٦٩٩)، وأحمد
(٥٥/٢، ٧، ٣٤)، وعبد الرزاق (١٦٥٧٢)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي
(١٠٩/٥)، والبيهقي (١٥١/٤)، والحميدي (١٥)، ومالك (٢٨٢/١)،
وابن ماجه (٢٣٩٠).
(٢) في هـ (عليه البخاري).
٤٤٤

ذكره(١) بلفظ: «بائعه» بدل: ((يبيعه)»، والباقي مثله. إلا أنه لم يذكر:
((ولا تعد في صدقتك)»، وقال: ((في صدقته)) بدل في: ((هبته)).
[وقال](٢): بعد قوله: ((بدرهم واحد)).
ثم ترجم(٣) عليه بعد ذلك. إذا حمل رجلاً على فرس فهو
كالعمرى والصدقة .
وقال بعض الناس: له أن يرجع فيها، وذكره مختصراً بلفظ:
(حملت على فرس في سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله والتي
فقال: ((لا تشتره ولا تعد في صدقتك))).
وذكره في الجهاد(٤)، باب: الجعائل والحملان في [سبيل الله]
بنحوه .
وذكره في باب(٥): إذا حمل على فرس فرآها تباع، كذلك
وفي لفظ: ((لا تشتره وإن بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود
في قیئه» .
وفي بعض طرق البخاري(٦) أن عمر حمل على فرس له في
(١) البخاري الفتح (٢٣٥/٥)، ح (٢٦٢٣).
(٢) لعلها وقاله أي جملة: فإن العائد في هبته ... الحديث.
(٣) البخاري الفتح (٢٤٦/٥)، ح (٢٦٣٦).
(٤) البخاري الفتح (١٢٣/٦)، ح (٢٩٧٠). ما بين القوسين في الفتح
(السبيل).
(٥) البخاري الفتح (١٣٩/٦)، ح (٣٠٠٣). ما بين القوسين في المخطوط
(كان)، وما أثبت من الفتح.
(٦) البخاري الفتح (٤٠٥/٥)، ح (٢٧٧٥)، من رواية ابن عمر.
٤٤٥

سبيل الله، أعطاها رسول الله وَلي له فحمل عليها رجلاً ... الحديث.
الفاظ عند مسلم. ورواه مسلم بألفاظ، منها: (حملت على فرس عتيق في
سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت
رسول الله وَّل عن ذلك فقال: ((لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإن
[١/٨١/ ١] العائد في صدقته: كالكلب يعود / في قيئه))).
ومنها: ((لا تبتعه [ولا تعد في صدقتك]))(١).
ومنها: أنه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده عند صاحبه،
وقد أضاعه، وكان قليل المال، فأراد أن يشتريه، فأتى رسول الله والده
فذكر ذلك له، فقال: ((لا تشتره وإن أُعطيته بدرهم، فإن مثل العائد
في صدقته: كمثل الكلب يعود في قيئه)).
وفي رواية للشافعي في «سننه» (٢): ((لا تشتره، ولا شيئاً من
نتاجه)) .
ورواه المزني عن الشافعي بلفظ: «دعها حتى يوافيك وأولادها
جمیعاً)).
اسم هذا الفرس
الثاني: اسم هذا الفرس ((الورد))(٣) أهداه لرسول الله وَّل تميم
الداري، فأعطاه عمر، ذكره ابن سعد، وقد أسلفنا عن إحدى
روايات البخاري أنه - عليه الصلاة والسلام - أعطاه عمر ليحمل
عليه، فحمل عليها رجلاً.
(١) هكذا اللفظ في مسلم وأما في الأصل فهي: وإن اعطاکه بدرهم.
(٢) السنن المأثورة للشافعي (٣٣١)، ح (٣٨١).
(٣) طبقات ابن سعد (٤٩٠/١).
٤٤٦

الثالث: أن (١) هذا الحمل حمل تمليك، ليجاهد عليه، المراد بهذا
الحمل التمليك
لا حبساً عليه وإن كان محتملاً لكنه مرجوح، لأن الذي أعطيه أراد
بيعه، ولم ينكر عليه ذلك، ولو كان حبساً لم يبع، إلا أن يحمل على
أنه انتهى إلى حالة عدم الانتفاع به فيما حبس عليه، وليس في اللفظ
ما يشعر به، ولو ثبت أنه حمل تحبيس لكان في ذلك متعلق في
مسئلة وقف الحيوان، ويدل على أنه حمل تمليك، قوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((ولا تعد في صدقتك))، وقوله: ((فإن العائد في
صدقته))، وفي لفظ: ((في هبته كالكلب، يعود في قيئه)»، ولو كان
حبساً لعلله به، دون الهبة ونحوها.
الرابع: معنى ((أضاعه)» لم يحسن القيام عليه وقصّر في مؤنته، معنى أضاعه؟
ويحتمل أن يكون أضاعه بكونه استعمله في غير ما جعل له.
الخامس: سمي شراءه برخص عوداً في الصدقة من حيث
الغرض فيها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عوض
الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير
المتصدق، فكيف بالمتصدق أو المملك بسبب تقدم إحسانه بذلك،
فيصير راجعاً في ذلك المقدار الذي سومح فيه (٢).
السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تشتره ولا تعد في
صدقتك)» حمل هذا النهي أكثر العلماء على التنزيه، وحمله بعضهم.
على التحريم. قال القرطبي: وهو الظاهر من سياق الحديث.
(١) انظر: إحكام الأحكام (١٣٦/٤).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١٣٦/٤)، باختلاف يسير.
٤٤٧

: السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أعطاكه بدرهم)) هو
مبالغة في رِخِصِه الحامل على شراء، وفي البخاري كما أسلفناه ..
(بدرهم واحد))، فلا تضيع الثواب العظيم بشيء من الحقير: قل
أو كثر.
سبب ذكر
الكلب في العود
في الهبة
الثامن: ذكر - عليه الصلا والسلام - الكلب وعوده في القيء
ليكون ذلك مبالغة في التنفير في العود في الهبة والصدقة، ولا شك
[١/٨١/ب] في شدة / كراهة ذلك، وهي من وجهين:
الأول: وقوع تشبيه الراجع بالكلب.
والثاني: وقوع تشبيه المرجوع فيه بالقيء(١)، وكل منهما قذر
محرم، و ((القيء)» مهموز. والعامة تثقله(٢) [ولا تهمزه].
(٣) [التاسع]: في أحكام الحديث:
الأول: الإعانة على الغزو بكل شيء حتى بتمليك فرس.
الثاني : إن أخذه یملكه.
الثالث: أن لأخذه بيعه والانتفاع بثمنه.
[٩٧ / هـ/ أ]
الرابع: منع من تصدق بشيء / أو أخرجه في کفارة أو نذر،
ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن تصدق به عليه أو يتهبه
أو يتملكه باختيار منه، فلو ورثه منه فلا منع منه ولا كراهة فیه،
(١) انظر: إحكام الأحكام (٤/ ١٣٧).
(٢) انظر: إصلاح غلط المحدثين (٣٢)، وما بين القوسين زيادة منه.
(٣) في الأصل (الثامن)، وما أثبت من هـ.
٤٤٨

وأبعد من قال يجب عليه أن يتصدق به(١).
(١) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٣٢٨/٩)، كره
مالك، والليث، والحسن بن حَيّ والشافعي شراء الصدقة لمن تصدق بها.
؛ فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخوا العقد ولم يردوا البيع ورأوا له التنزه
عنها .
* وكذلك قولهم في شراء الإنسان ما يخرجه كفارة اليمين مثل الصدقة
سواء، وإنما كرهوا شراءها لهذا الحديث ولم يفسخوا البيع لأنها راجعة
إليه بغير ذلك المعنى.
، وقد بدأ ذلك في قصة هدية بريرة بما تصدق بها عليها من اللحم.
وقال أهل الظاهر: يفسخ البيع في مثل هذا، لأنه طابق النهي ففسر
بظاهر قوله {#: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك)».
* ولم يختلفوا أنه من تصدق بصدقة ثم رزقها أنها حلال له.
* رواه بريدة عن النبي وَلغير أنه قال: ((قد وجب أجرك، ورجعت إليك
بالميراث)»، - مسلم (١١٤٩)، وأبو داود (١٦٥٦)، وابن ماجة
(١٧٥٩)، والترمذي (٦٦٧) -.
* ويحتمل حديث هذا الباب أن يكون على وجه التنزه للرواية أن بيع
الصدقة قبل إخراجها أو تكون موقوفاً على التطوع في التنزه عن شرائها.
* وقال أبو جعفر الطحاوي: المصير إلى حديث عمر في الفرس أولى
من قول من أباح شراء صدقته.
قال أبو عمر: استدل من أجاز للمتصدق به بعد قبض المتصدق عليه له
على أن نهيه عن شرائه على التنزه لا على التحريم بقوله {َله في الخمسة
الذين تحل الصدقة: ((أو رجل اشتراها بماله)) فلم يخص المعطي من غير
المعطي وغير ذلك على العموم.
* وقال في هذا الحديث أيضاً: ((أو مسكين تُصدق عليه فأهداها المسكين
=
للغني)) وهذا في معنى قصة بريدة، وسنوصحه في موضعه إن شاء الله .
٤٤٩

وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق، ولا كراهة.
وهذا مذهب الشافعي والجمهور أن المنع للتنزيه .
وقال جماعة: للتحريم، قال صاحب ((الإِكمال))(١). وهو ظاهر
الموازية .
تحريم الرجوع
في الهية
والخلاف في
الخامس: تحريم الرجوع في الهبة والصدقة، وإنما يحرم بعد
الإِقباض فيها، والحديث عام في كل هبة، وبه قال طاوس وأحمد،
ذلك كما حكاه عنهما القرطبي (٢)، وحكى غيره عن أحمد موافقتنا، وهو
أنه خص بجواز رجوع هبة الوالد لولده، وإن سفل لحديث
النعمان بن بشير الآتي بحديث ابن عباس وابن عمر - رضي الله
عنهما - عن النبي 8 98 أنه قال: ((لا يحل لرجل أن يعطي عطية
أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي
يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قاء، ثم
عماد فيه))(٣). رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي
* وأما ما يوجبه تهذيب الآثار في ذلك عندي فللقول بأنه لا يجوز شراء
ما تصدق به، لأن الخصوص قاضٍ على العموم لأنه مستبق منه، ألا ترى
أنه قد جاء في حديث واحد، يعني: «إلّ لمن اشتراها بماله)) بما لم يكن
هذا المتصرف لم يكن كلاماً متدافعاً ولا معارضاً، مجمل الحدیثین عندي
على هذا استعمال لهما دون رد أحدهما بالآخر وبالله التوفيق. اهـ.
(١) إما تأليف ((الجيلي)) سليمان بن مظفر أو تأليف محمد بن عبد الرحمن
الحضرمي واسمه «الإكمال لما في التنبيه من الإشكال» والأول أرجح.
(٢) المفهم (٤/ ٥٨٣)، انظر: الاستذكار (٣٠٨/٢٢، ٣٠٩).
(٣) أبو داود (٣٥٣٩)، في البيوع والإِجارات، باب: الرجوع في الهبة،
٤٥٠

وابن حبان والحاكم وغيرهم. ولا رجوع في هبة الأخوة والأعمام من
ذوي الأرحام؛ وكل هذا مذهب مالك والأوزاعي أيضاً (١).
وقال أبو حنيفة (٢) وآخرون: يرجع كل واهب في هبة الأجنبي
إلَّ الوالد، وكل ذي رحم محرم.
واعتذروا عن هذا الحديث: بأن رجوع الكلب في قيئه
والترمذي (١٢٩٩)، والنسائي (٢٦٧/٦، ٢٦٨)، وابن ماجه (٢٣٧٧)،
والبيهقي (١٧٩/٦)، والدارقطني (٤٢/٤، ٤٣)، وابن الجارود (٩٩٤)،
وأحمد (٢٧/٢)، والحاكم (٤٦/٢)، وصححه ووافقه الذهبي، وابن
حبان (٥١٢٣).
(١) الاستذكار (٣٠٨/٢٢).
(٢) الاستذكار (٣١٣/٢٢، ٣١٤)، وانظر: شرح مسلم (٦٥/١١).
فائدة: قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٣٣٧/٥)، وقد
استشكل ذكر عمر مع ما فيه من إذاعة عمل البر وكتمانه أرجح.
أجيب: بأنه تعارض عنده المصلحتان - الكتمان وتبليغ الحكم الشرعي -
فرجح الثاني فعمل به .
وتعقب: بأنه كان يمكنه أن يقول: حمل رجل على فرس مثلاً، ولا
يقول: حملت فيجمع بين المصلحتين والظاهر أن محل رجحان الكتمان
إنما هو قبل الفعل وعنده، وأما بعد وقوعه فلعل الذي أعطيه أذاع ذلك
فانتفى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافة ذلك إلى نفسه تأكيداً لصحة
الحكم المذكور، لأن الذي تقع له القصة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلاَّ
وقوعها بحضوره، فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصد صرح بإضافة
الحكم إلى نفسه، ويحتمل أن يكون محل ترجيح الكتمان لمن يخشى
على نفسه من الإعلان بالعجب والرياء، أما من أمن ذلك كعمر فلا. اهـ.
٤٥١

لا يوصف بالحرمة، لأنه غير مكلف، والتشبيه وقع بأمر مكروه في
الطبيعة، لتثبت به الكراهة في الشريعة، وفيه نظر.
واتفقوا: على كراهة الرجوع مطلقاً تنزيهاً لا تحريماً.
وعن مالك: أنه إن رغب راغب في مواصلة الولد بسبب المال
الموهوب لم یکن له الرجوع.
٤٥٢

الحديث السابع
٥٨/٧/٣٠٤ - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن
رسول الله وَ الإ قال: ((العائد في هبته، كالعائد في قيئه)»(١).
الكلام عليه سلف [في الكلام] (٢) على الحديث قبله، ولم أرى ألفاظ الحديث
هذا الحديث في شرح الشيخ تقي الدين(٣) ولا الفاكهي، وترجم البخاري
وتراجمه عند
البخاري (٤) عليه وعلى الذي قبله، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في
هبته وصدقته - كما أسلفناه ۔۔ و ذكره بلفظين:
أحدهما: هذا.
(١) البخاري أطرافه (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٢)، وابن ماجه (٢٣٨٥)،
والبغوي (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٥٣٨)، في الهبة، باب: لا يحل لأحد
أن يرجع في هبته، الطبراني (١٠٦٩٢)، والبيهقي (٦/ ١٨٠)، وأحمد
(٢٨٠/١، ٣٤٢)، والطيالسي (٢٦٤٩)، والنسائي (٢٦٦/٦)، في متن
العمدة زيادة: وفي لفظ: ((فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم
يعود في قيته))، رواه مسلم (١٦٢٢).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) وهو غير موجود في النسخ التي بين يدي من إحكام الأحكام.
(٤) الفتح (٢٣٤/٥)، ح (٢٦٢١، ٢٦٢٢).
٤٥٣

[٨٢ /١/١]
والثاني: ليس لنا مثل السوء، الذي / يعود في هبته: كالكلب.
پرجع في قیئه.
وذكره أيضاً في باب(١): هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها،
بلفظ: ((العائد في هبته، كالكلب يقيء ثم يعود في قیئه)).
:
وذكره معلقاً(٢) بدون: (واو))، بلفظ: ((العائد في هبته كالكلب
يعود في قیئه».
ألفاظ الحديث
عند مسلم
ورواه مسلم بألفاظ،
منها: لفظ الكتاب قاله ابن منده في ((مستخرجه))، وروى هذا
الحديث أيضاً مع ابن عباس ابن عمر(٣) ووالده(٤). وجابر بن عبد الله
وأبي هريرة (٥) والصديق وعبد الله بن عمرو (٦).
فرع: حكم الرجوع في الهدية حكم الرجوع في الهبة، وفي
الصدقة اضطراب عندنا كما ستعلمه في الحديث الآتي، وفي إلحاق
الأم والجد والجدات بالأب خلاف عندنا، والأصح الإِلحاق خلافاً.
لأحمد.
دخول الهدية
في الرجوع
بحكم الهية
(١) الفتح (٢١٦/٥)، ح (٢٥٨٩).
(٢) ح (٦٩٧٥).
(٣) عند البخاري أطرافه (١٤٨٩)، ومسلم (١٦٢١)، وأبو داود (١٥٩٣)،
وأحمد (٥٥/٢)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي (١٠٩/٥)، والبيهقي
(٤/ ١٥١).
(٤) انظر: ت (١)، ص ٤٤٤.
(٥) ابن ماجه (٢٣٨٤)، وأحمد (٢٥٩/٢، ٤٣٠، ٤٩٢).
(٦) عند النسائي، وأبي داود.
٤٥٤

وللرجوع شروط أيضاً محلها كتب الفقه، فلذلك أضربنا عن شروط الرجوع
في الهية
الكلام فيه (١) .
وعند المالكية خلاف في إلحاق المنافع بالرقاب، فسوى
بينهما عبد الملك ویأباه ابن المواز.
(١) شروط الرجوع خمسة: وهي ألاَّ يتزوج الولد بعد الهبة، ولا يحدث ديناً
لأجلها، وألاَّ يتغير الموهوب عن حاله، وألاّ يحدث الموهوب له في
الموهوب حدثاً، وألّ يمرض الواهب أو الموهوب له، فإن وقع شيء من
ذلك يمتنع الرجوع، وانظر: معنى هذه الشروط في الاستذكار
(٢٢/ ٣١٤) .
نظم موانع الرجوع:
يا صاحبي حروف ((دمع خزقة)»
ومانع من الرجوع في الهبة
فالدال: رمز للزيادة المتصلة في نفس العين، والميم للموت، والعين:
للعوض، والخاء: لخروج الموهوب عن ملك الموهوب له، والزاي:
للزوجية، والقاف: للقرابة، والهاء: للهلاك.
٤٥٥

الحديث الثامن(١)
٥٨/٨/٣٠٥ - عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -
قال: تصدق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة:
لا أرضي حتى تشهد رسول الله وَّل، فانطلق أبي إلى رسول الله وَل
ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله وَله: ((أفعلت هذا بولدك.
کلهم؟)).
قال: لا. قال: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم))، فرجع
أبي، فرد تلك الصدقة .
وفي لفظ، قال: «فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد علی جور)»،
وفي لفظ: ((فأشهد على هذا غيري))(٢).
(١) في إحكام الأحكام السابع فلیتنبه.
(٢) البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض
الأولاد في الهبة (١٦٢٣) النووي، وأبو داود (٣٥٤٢، ٣٥٤٣، ٣٥٤٤)،
النسائي (٢٥٨/٦، ٢٦٠)، وفي الكبرى له (١١٧/٤)، ومالك
(٥٧٦/٢)، وابن الجارود (ح ٩٩١، ٩٩٢)، والحميدي (٤١١/٢)،
وابن ماجه (٧٩٥/٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٧٦/٦)، والبغوي:
في شرح السنة (٢٩٦/٨)، وابن أبي شيبة (٣١٦/٧)، وعبد الرزاق
(٩٧/٩)، وأحمد (٢٦٩/٤، ٢٧٠).
٤٥٦

الكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث ترجم عليه البخاري(١) باب: الإِشهاد في تراجم الحديث
عند البخاري
الهبة، ثم ساقه من حديث الشعبي: سمعت النعمان بن بشير وهو
على المنبر يقول أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة (٢)
لا أرضى حتى تشهد رسول الله وَ ل فأتى رسول الله وسطقل فقال: ((إني
أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة)) / عطية، فأمرتني أن أشهدك [٩٧/ هـ/ب]
يا رسول الله قال: (أعطيت ساير ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال:
فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، قال فرجع فرد عطيته.
وترجم عليه مثل ذلك الهبة للولد(٣)، ثم ساقه مختصراً من
حديث ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن
النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله وق طر فقال إني نحلت
ابنى هذا غلاماً، فقال: أكل ولدك نحملت مثله؟ قال: لا، قال:
فأرجعه(٤).
ورواه مسلم من طرق. منها: هذه الطريق بهذا اللفظ ألفاظ الحديث
عند مسلم
أيضاً(٥).
بلفظ ((فرده)».
(١) الفتح رقم (٢٥٨٧).
(٢) زيادة من هـ.
(٣) الفتح حديث رقم (٢٥٨٦).
(٤) ومما ترجم عليه البخاري:
١ - في كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على جور حديث (٢٦٥٠).
(٥) في هـ زيادة (ومنها هذا الطريق).
٤٥٧

ومنها: الطريق الأول بلفظ المصنف الأول ولم يقل سمعت
: [٨٢/ أ/ ب] النعمان، وإنما قال: عن النعمان ثم رواه / باللفظ الثاني الذي ذكره
المصنف، ثم باللفظ الثالث، وقال في آخره: ((أيسرك أن يكونوا
إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: ((فلا إذاً، وكلاهما أيضاً من
طريق الشعبي.
قال عبد الحق: ولم يذكر البخاري هذا، ولم يقل من هذه الألفاظ
إلّ قوله: ((فلا تشهدني على جَوْر)» وهو عنده على الشك ثم قال: وقال
أبو جرير عن الشعبي: ((لا أشهد على جور)) ليس عنده إلاّ هذا.
ورواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أيضاً وفيه:
((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلاَّ على حق)».
الثاني: وقع في ((بسيط)) الغزالي ((ووسيطه)) أن الواهب هو
النعمان بن بشير، وغلطوه في [ذلك وإنما هو الموهوب له لكنه لم
ينفرد بذلك، فقد رواه المزني عن الشافعي كذلك](١).
ونبه عليه البيهقي (٢): أن الصواب خلافه.
الثالث: [قوله](٣): ((ببعض ماله)) قد عرفت من رواية
الصحيحين أنه كان غلاماً، وفي رواية لمسلم: ((إني قد نحلت
النعمان، كذا وكذا من مالي)).
الرابع: سلف التعريف براوي الحديث في باب الصفوف.
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) معرفة السنن والآثار (٦٢/٩).
(٣) زيادة من ن هـ.
٤٥٨

وأما [أمه](١): فهي أخت عبد الله بن رواحة، وزوج [بشير](٢) بن أم النعمان بن
بشير
سعد الأنصاري، لما ولدت النعمان حملت إلى رسول الله وَل# فدعا
بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في فيه، فحنكه بها. فقالت: يا رسول الله
اُدُعُ اللَّهَ أن يكثر ماله وولده، فقال: ((أما ترضين أن يعيش كما عاش خاله
حميداً، وقتل شهيداً، ودخل الجنة، ومن حديثها ((وجب الخروج
- يعني في الجهاد - على كل ذات نطاق))(٣).
[الخامس](٤): ((الجور)) لغة الميل عن السواء والاعتدال، معنى (الجور؟
فكلما خرج عن ذلك فهو جور، سواء [كان حراماً أو مكروهاً، وقد
يكون تارة لهذا، وتارة لهذا وقد استعمل فيه بمعنى الضلال](٥)
وبمعنى الظلم وكلاهما محرمان.
السادس: في أحكام الحديث:
الأول: [(٦)] في جواز تسمية الهبة صدقة.
الثاني: شرعية الإِشهاد عليها، كما أسلفناه عن ترجمة البخاري
والاحتياط في العقود، بشهادة الأفضل والأكبر.
(١) في الأصل أخته وما أثبت من ن هـ.
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) أخرجه أحمد في مسند (٣٥٨/٦)، وقد ساقه في الإصابة (١٤٦/٨)، خطأ
في لفظه ((فرحت الخزرج على ذات نطاق)) فليصحح وسياقه في أسد الغابة
في ترجمتها على الصواب
(٤) في الأصل الثامن وما أثبت من ن هـ.
(٥) في ن هـ ساقط.
(٦) في الأصل زيادة (في)، وما أثبت من هـ.
٤٥٩

الثالث: أن للأم كلاماً في مصلحة الولد وماله وأنه مسموع.
الرابع: أن المفتى والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلّ بما يسوغ شرعاً.
الخامس: الرجوع في المعاملات ونحوها إلى العلماء.
السادس: سؤال المفتي والشاهد عن شرط الحكم وما يسوغ
فعله، سواء كان الشرط واجباً أو مندوباً.
السابع: أمر مخالف ذلك بتقوى الله، والعدل بين البقية.
الثامن: المبادرة إلى قبول قول الحق، من غير تأخير ولا حرج
في النفس ..
[٨٣ /١/١]
الخلاف في
التاسع: التسوية بين الأولاد / في العطية من غير تفضيل. وقد
الأمر بالتسوية نبه على الحكمة في ذلك، وهي محبة الوالد أن يكون برهم له على
السواء، فكذلك عطيته لهم، فإن التفضيل يؤدي إلى الانحباس
والتباغض، وهل ذلك على الإِيجاب [أو](١) الندب؟ فيه قولان
للعلماء.
بين الأولاد
قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: بالثاني، وحكاه القرطبي (٢).
عن الجمهور وأن التفضيل مكروه فقط، والهبة صحيحة (٣).
(١) في هـ (واو).
(٢) المفهم (٤/ ٥٨٥، ٥٨٦).
(٣) قال الشافعية والمالكية وأبو يوسف من الحنفية وهو رأي الجمهور :.
يستحب للأب أن يسوى بين الأولاد الذكور والإناث في العطية، فتعطى
الإِناث مثل ما يعطى الذكور، لقوله : ((سووا بين أولادكم في العطية،
ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء على الرجال))، وفي رواية للبخاري: ((اتقوا
الله وأعدلوا بين أولادكم))، ولأن العدل في القسمة والمعاملة مطلوب، =
٤٦٠