النص المفهرس

صفحات 341-360

الثاني: أن في قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أوه عين
الربا)) ما يفهم الرد، ويؤيده قوله بعده: ((لا تفعل)) ثم أرشده إلى ما
يفعل .
وفيه وجه ثالث: وهو أنا أسلمنا بتعدد الواقعة، فتحمل رواية
الكتاب على أنه جهل بائعه، ولا يمكن معرفته، فصار مالاً ضائعاً
لمن عليه دين بقيمته، وهو التمر الذي قبله عوضاً عنه (١).
العاشر: في قوله: ((لا تفعل)) وفي رواية مسلم ((رده)) دلالة كما
قال القرطبي على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصحح بوجه،
قال: وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن بيع الربا
جائز بأصله، من حيث إنه بيع ممنوع بوصفه، من حيث هو ربا
فيسقط الربا، ويصح البيع، ولو كان على ما ذكر ما فسخ النبي ◌َله
هذه الصفقة، ولأمره برد الزيادة على الصاع، ولصحح الصفقة في
مقابلة الصاع (٢).
(١) انظر: شرح مسلم (٢٢/١١).
(٢) المفهم (٢٨٥٠/٥)، انطر: الفتح (٤٠١/٤)، قال ابن عبد البر
- رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٤٥/١٩) والبيع إذا وقع محرماً،
فهو مفسوخ مردود، وإن جهله فاعله، قال رسول الله وَله: ((من عمل
عملا ليس عليه إصرنا، فهو رد)).
وقال أيضاً (١٤٦/١٩).
وفي اتفاق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا، فهو مفسوخ أبداً دليل
واضح على أن بيع عامل رسول الله وَّة الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية
الربا، وقبل أن يتقدم إليهم رسول الله وَيقر بالنهي عن التفاضل في ذلك، =
٣٤١

الحادي عشر: فيه جواز الوكالة أيضاً كما سلف عن
(١)
البخاري (١).
ولهذا سأله عن فعله ليعلمه بما أحدث الله فيه من حكمه، ولذلك لم يأمر
==
بفسخ ما لم يتقدم فيه إليهم، والله أعلم.
وقد احتج بظاهر هذا الحديث من أجاز أن يبيع الرجل الطعام من رجل
بالنقد، ويبتاع منه بذلك النقد طعاماً قبل الافتراق، وبعده؛ لأنه لم يخص
فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره.
(١) كما بوب عليه البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة: باب إذا باع الوكيل
شيئاً فاسداً فبيعه مردود: انظر: الفتح (٤/ ٤٩٠) ح (٢٣١٢).
٣٤٢

الحديث الرابع
٥٧/٤/٢٩٦ - عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن
عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف فكل واحد منهما يقول: هذا خير
مني، وكلاهما يقول: نهى رسول الله وَلقر عن بيع الذهب بالورق
ديناً (١).
الكلام عليه من وجوه:
(١) أخرجه البخاري (٢١٨٠)، ومسلم في باب الربا (١٦/١١/٤) النووي،
والنسائي (٢٨٠/٧)، وفي الكبرى له (٦١٦٩)، وأحمد (٣٧١/٤،
٣٦٨، ٣٧٤)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٠٠).
فائدة: قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في ((الفتح)) (٤ /٣٨٢)، على
قوله: ((باب بيع الورق بالذهب نسيئة)) البيع كله إما بالنقد أو بالعرض حالاً
أو مؤجلاً، فهي أربعة أقسام: فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة، أو بنقد
غيره وهو الصرف، وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمناً والعرض عوضاً،
وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة، والحلول في جميع ذلك جائز،
وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخراً فلا يجوز، وإن كان العرض
جاز، وإن كان العرض مؤخراً فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع
الدين بالدين وليس بجائز إلاّ في الحوالة عند من يقول: ((إنها بيع)). اهـ.
انظر ص ٣١٩.
٣٤٣

الأول: في التعريف برجاله.
أما أبو المنهال: فهو سيَّار بن سلامة، وقد سلف في الحديث
ترجمة أبي
المنهــالـ
الرابع من كتاب الصلاة(١). وكذا البراء بن عازب سلف في باب
الأمامة .
وأما زيد بن أرقم: فسلف في باب جامع(٢).
الثاني: في أحكامه :
الأول: السؤال عن العلم من أهله والتورع عن الفتيا إذا وُجد
من يقوم بها، وقد جاء أن المسألة كانت تعرض على عشرين ومائة
من الصحابة فيتراجعونها بينهم.
الثاني: الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، والتواضع لهم، وإنما
يعترف بالفضل لأهل الفضل أولو الفضل، والاعتراف والتواضع من
النعم الجليلة، ويكفي في التواضع أنه ضد الكبر. وقد قال - عليه
الصلاة والسلام - حكاية عن الله تعالى: ((العظمة إزارى والكبرياء
ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته»(٣).
الثالث: موافقة أهل الحق ومقاصدهم.
الرابع: تحريم ربا النساء في النقدين لاجتماعهما في علة
واحدة .
(١) (٢٥٤/٢).
(٢). (٣٤١/٣).
(٣) مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وشرح السنة
(٣٥٩٢)، وأحمد (٣٧٦/٢، ٤١٤)، والأدب المفرد للبخاري (٥٥٢).
٣٤٤

وقوله: «ديناً»، أي: مؤجلاً. أما إذا باعه في الذمة حالاً فإنه
يجوز عند جماعة كشرط / التقابض في المجلس كما سلف في [٦٩ /١/١]
الحديث الثاني.
خاتمة: ترجم البخاري(١) على هذا الحديث بيع الورق تراجم
بالذهب نسيئة، ثم أخرجه باللفظ المذكور.
الصحیحین على
هذا الحديث
وأما مسلم(٢)، فأخرجه بقصة، وهي أن شريك أبا المنهال باع
ورقاً نسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إليه، فأخبره، فقال
أبو المنهال: هذا أمر لا يصلح، قال: قد بعته في السوق، فلم ينكر
ذلك عليّ أحد، فأتيت البراء فسألته، فقال: قدم النبي ◌َّليل المدينة،
ونحن نبيع هذا البيع. فقال: ((ما كان يداً بيد فلا بأس به، وما كان
نسيئة فهو ربا، وأئت زيد بن أرقم، فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته
فسألته، فقال: مثل ذلك)).
وفي رواية عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب عن
الصرف، فقال: سل زيد بن أرقم، فهو أعلم فسألت زيداً. فقال سل
البراء فإنه أعلم ثم قالا: ((نهى رسول الله وَل عن بيع الورق بالذهب
دیناً» .
(١) ((الفتح)) (٣١٩/٤)، ح (٢١٨٠، ٢١٨١).
(٢) مسلم (١٥٨٩)، انظر: ((جامع الأصول)) (٥٥٤/١).
٣٤٥

الحديث الخامس
٥٧/٥/٢٩٧ ٢ عن أبي بکرة - رضي الله عنه - قال: (نھی
النبي ◌َّلة عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلَّ سواء بسواء،
وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة
كيف شئنا، قال: فسأله رجل، فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا:
سمعت)(١).
الكلام علیه من وجوه:
تراجم الحديث
الأول: هذا اللفظ هو لمسلم، ولم يذكر البخاري قوله :.
عند البخاري (فسأله رجل)) إلى آخره، ولفظه بعد قوله: ((سواء بسواء، وأمرنا أن
نبتاع الذهب بالفضة، كيف شئنا، أو الفضة بالذهب كيف شئنا».
وترجم عليه قبل هذا باب: بيع الذهب بالذهب (٢) وذكره بلفظ.
(١) البخاري (٢١٧٥)، ومسلم (١٥٩٠)، والنسائي (٧/ ٢٨٠، ٢٨١)، وفي
الكبرى له (٣٢/٤)، والبيهقي (٢٨٢/٥)، وابن حبان (٥٠١٤)، معرفة.
السنن والآثار (١١٠٤٤)، وأحمد (٣٨/٥، ٣٩)، وابن أبي شيبة
(١٠٦/٧، ١٠٧).
(٢) الفتح (٣٧٩/٤).
٣٤٦

«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاَّ سواء بسواء، والفضة بالفضة إلاَّ سواء
بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، كيف شئتم».
الثاني: في التعريف براويه واسمه نقيع بن الحارث بن كلدة التعريف بأبي
وقيل: ابن مسروح الثقفي نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وكان بكرة)
صالحاً ورعاً، وقيل له: أبو بكرة لأنه تدلى إلى النبي وَله ببكرة من
حصن الطائف، فأسلم وهو ابن ثمان عشرة وأعتقه مص18 ولم يمت
حتى رأى من صلبه مائة ولد ذكر، وأعقب منهم سبعة روى له مائة
حديث واثنان وثلاثون حديثاً اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري
بأربعة ومسلم بواحد، روى عنه أولاده: عبيد الله، ومسلم، وروّاد،
وعبد العزيز والحسن، وجماعة، واعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع
أحد، ولم ينزل البصرة أحد أفضل منه ومن عمران بن حصين، كما
قاله الحسن البصري. مات بالبصرة سنة خمسين أو إحدى أو اثنين
أو ثلاث وخمسين أقوال(١).
الثالث: في فن المبهمات: هذا الرجل السائل هو ثابت
ابن حميد، وكما جاء مصرحاً به في ((مسند الإمام أحمد)) (٢)، وفي
رواية: ثابت بن / عبد الله، فاستفد ذلك فلم أر أحداً من الشراح نبه [٦٩/أ/ب]
عليه .
الثالث: في فقهه، وفيه أحكام:
(١) انظر: الثقات لابن حبان (٤١١/٣)؛ وأسد الغابة (١٥١/٥)؛
والاستيعاب (٦٢٨/٢)؛ وتاريخ خليفة (٢١٨).
(٢) (٣٧/٥) والموجود ثابت بن عبيد. فليصحح.
٣٤٧

الأول: المراد هنا بالأمر الإِذن والإِباحة.
الثاني: جواز التساوي في الربويات إذا كانت من جنس واحد،
ولا بد من الحلول والتقابض في المجلس.
الثالث: جواز التفاضل إذا اختلف الجنس بشرط القبض في
المجلس . :
:
وقوله: «كيف شئنا»، أي: بالنسبة إلى التفاضل والتساوي،
لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل.
وقد ثبت في ((صحيح مسلم))(١) من حديث عبادة: ((إذا
اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)).
الرابع: أن الفتيا في التوقيفيات كالربويات ونحوها موقوفة
على السماع.
اشتراط المساواة
في الربويات
خاتمة: يؤخذ من اشتراط المساواة في بيع الذهب بالذهب،
والفضة بالفضة، مع المسألة المشهورة بقاعدة: مدعجوة، وهو
مذهب عمر بن الخطاب وابنه جماعة من السلف، وبه قال الشافعي
وأحمد وإسحاق، ابن عبد الحكم ودليلهم حديث القلادة، التي فيها
خرز وذهب، وابتيعت بالذهب، فإنه - عليه الصلاة والسلام - قال:
((لا تباع حتى تفصل)) كما أخرجه مسلم في ((صحيحه))(٢).
(١) مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩)، وابن ماجه (٤٤٥٤)، والنسائي
(٢٧٤/٧).
(٢) مسلم (١٥٩١)، والثنائي (٢٧٩/٧)، وأبو داود (٣٣٥١)، الشافعي
وأصحابه لا يجوز عندهم أن يباع شيء فيه حلية فضة قليلاً كان أو كثيراً . =
٣٤٨

وذهب أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح(١): إلى جواز
بشيء من الفضة بحال من الأحوال، لأن المماثلة المأمور بها، والمفاضلة
المنهي عنها في الفضة بالفضة لا يوفق منها في السيف وما كان مثله على
حقيقته. وعلى هذا يتبين لنا من مذهب الشافعية المنع مطلقاً وهو رواية
عن أحمد.
والعلة عندهم بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن
عليهما بالقيمة، وهذه علة ضعيفة فإن الانقسام إذا باع شقصاً مشفوعاً.
وما ليس بمشفوع - كالعبد، والسيف، والثوب - إذا كان لا يحل: عاد
الشريك إلى الأخذ بالشفعة، فأما انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل
عليه.
والحديث أخرجه مسلم في باب الربا (١٧/١١) النووي، أبو داود،
كتاب: البيوع، باب: في حلية السيف تباع بالدراهم (٣٢١٢).
وتعريف مسألة مد عجوة: أن يبيع مالاً ربوياً بجنسه ومعها أو مع أحدهما
من غير جنسها.
(١) قال الخطابي - رحمنا الله وإياه ـ في معالم السنن (٢٣/٥)، وقال
أبو حنيفة: إن كان الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان مثله،
أو أقل منه لم يجز، وهذا هو الجواز مطلقاً وهو رواية عن أحمد حتى إنه
ليجوز - عند الأحناف - بيع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل
أو قفيزي حنطة بقفیز في زنبيل. اهـ.
قال ابن تيمية: والصواب في هذه الصورة أنه لا يجوز.
قال: فأما ما ذهب إليه أبو حنيفة: فإنه يخرج على القياس، لأنه يجعل
الذهب بالذهب سواء، ويجعل ما فضل عن الثمن بإزاء السلعة، غير أن
السنة قد منعت هذا القياس أن يجري، ألا تراه يقول: ((إنما أردت
الحجارة أو التجارة، فقال: لا حتى تميز بينهما)) فنفى صحة هذا البيع،
مع قصده إلى أن يكون الذهب الذي هو الثمن الخرز بعضه بإزاء الذهب =
٣٤٩

الذي هو مع الخرز مصارفة، وبعضه بإزاء الحجارة التي هي الخرز بيعاً
وتجارة، حتى يميز بينهما، فتكون حصة المصارفة متميزة عن حصة
المتاجرة، فدل على أن هذا البيع على الوجهين فاسد.
فمثلاً: يقولون لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بعضه أكثر مما فيه من
الفضة، ولا يجوز بيعه بفضة مثلها، أو أقل منها، ويحتاج إلى أن يقبض
حصة الفضة في المجلس، ويقبض السيف. اهـ. قال الخطابي في معالم
السنن (٢٤/٥)، وبيان فساد هذا البيع من جهة المعنى على وجوه.
أحدها: أنه عقد تضمن بيعاً وصرفاً. ومتى جهل التماثل في الذهب
بالذهب وقت العقد بطل الصرف، ولا سبيل إلى معرفة التماثل إلاّ بعد
التمييز والتفضيل، فتكون التسوية حينئذٍ بينهما بالوزن.
فروى أصحاب أبي حنيفة عنه أنه قال: إذا باع صبرة من الطعام بصبرة من
جنسه جزافاً لم يجز، وإن خرجا عند الكيل متساويين، وفي هذا اعتبار
التماثل خال العقد. وهو نظير مسألة الصرف.
والوجه الثاني: أن الصفقة إذا تضمنت شيئين مختلفين في الجنس كان
الثمن مفضوضاً عليهما بالقيمة، وإذا كان كذلك، وأردنا أن نقسط الثمن
عليهما بالقيمة، وأسقطنا قيمة الخرز من جملة الثمن - لن ندر: مجم
مقدار ما يبقى منه؟ وهل يكون مثل الذهب المشترى مع الخرز، أو أقل
منه، أو أكثر؟ فبطل العقد للجهالة.
والوجه الثالث: أن أحكام عقد الصرف لا تلائم أحكام سائر العقود، لأن
من شرطه التقابض قبل التفرق، وانقطاع شرط الخيار وسائر العقود يصح
من غير تقابض، ويدخلها شرط الخيار، فلم يجز الجمع بينهما في صفقةٍ.
واحدة، لتنافي معانيهما. ولأن حكم أحدهما لا ينبني على حكم الآخر.
قال الشيخ: وهذا معنى قوله: ((لا، حتى تميز)) وتأويله: تميز العقدين،.
لا تميز المبيع، وعلى هذا القول: لا يجوز بيع فضة وسلعة معها بدينار . =
٣٥٠

البيع بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا دونه. قالوا:
والقلادة كان فيها اثني عشر ديناراً واشترى باثني عشر وحجة الأولين
إطلاق قوله: ((حتى يفصل))، رواية أبي داود إنما: ((أردت
الحجارة، فقال: لا حتى تميز بينهما)).
وذهب مالك وأصحابه وآخرون(١): إلى جواز بيع السيف
وقد ذهب إليه بعض الفقهاء. اهـ.
=
(١) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٢٧/١٩)، قال
مالك: من اشترى مصحفاً أو سيفاً أو خاتماً. وفي شيء من ذلك ذهب
أو فضة بدنانير أو دراهم، فإن ما اشترى من ذلك بدنانير فإنه ينظر إلى
قيمتهد فإن كانت قيمة ذلك الثلثين، وقيمة ما فيه من الذهب الثلث،
فذلك جائز لا بأس به. إذا كان ذلك يداً بيد. ولا يكون فيه تأخير. وما
اشترى من ذلك بالورق، مما فيه الورق نظر إلى قيمته، فإن كان قيمة ذلك
الثلثين، وقيمة ما في من الورق الثلث، فذلك جائز لا بأس به، إذا كان
ذلك يداً بيد، ولم يزل ذلك من أمر الناس عندنا . اهـ.
قال الخطابي - رحمنا الله وإياه - في معالم السنن (٢٥/٥)، وهذا قول
لا وجه له، ولا فرق بين القليل والكثير فيما يدخله الربا، لأن أحداً لم
يجوز الحبة من الذهب بالحبتين لأنها يسير، كما لم يجوز الدينار بالدينار
وبين الدرهم بالدرهمين . اهـ.
قال ابن تيمية - رحمنا الله وإياه - في الفتاوى (٤٦٥/٤) (٤٦٣/٢٩، ٤٦٤):
والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلاً
أو لا يكون، وهذا مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه.
فإن كان المقصود هو البيع الجائز، وما فيه من مقابلة ربوي بربوي على
وجه التبع كبيع الغنم، وفي كل منهما لبن وصوف، أو بيع غنم ذات لبن
بلبن، وبيع دار مموة بذهب، وبيع الحلية الفضية بذهب، وعليها ذهب =
٣٥١

یسیر موهت به، ونحو ذلك.
=
قال ابن تيمية: فهذا الصواب فيه أنه جائز، كما جاز دخول الثمرة قبل بدو
صلاحهاف ي البيع تبعاً، وقد جاء مع ذلك الحديث الذي رواه مسلم
مرفوعاً، كما رواه سالم عن أبيه، ورواه نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((من
ابتاع عبداً وله مال، فماله للبائع إلاَّ أن يشترط المبتاع».
وأما إن كان المقصود الصنفين كليهما مثل: أن يكون على السلاح ذهب،
أو فضة كثير. قال ابن تيمية: فهذا إذا كان معلوم المقدار، وبيع بأكثر من
ذلك، ففيه نزاع مشهور، والأظهر أنه جائز.
ومن جنس هذا بيع الذهب المخيش بالفضة إذا علم مقدار ما فيه من
الفضة، والذهب.
قال ابن تيمية: وهذا على ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون المقصود بيع فضة بفضة متفاضلاً، أو بيع ذهب بذهب
متفاضلاً، ويضم إلى الأنقص من غير جنسه حيلة، فلا يجوز ذلك أصلاً.
والثاني: أن يكون المقصود بيع أحدهما، أو بيع عرض بأحدهما، وفي
العرض ما ليس مقصوداً، مثل بيع السلاح بأحدهما وفيه حلية يسيرة،
أو بيع عقار بأحدهما وفي سقفه وحيطانه أحدهما، فيجوز هذا عند أكثر
العلماء، وهو الصواب. وبيع المخيشة بذهب عند السبك بفضة مثله هو
من هذا الباب، فإذا بيعت الفضة المصنوعة المخيشة بذهب مقبوض جاز
ذلك.
!
أما إذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لأجل الصناعة:
لم يجز .
والثالث: أن يكون كلا الأمرين مقصوداً، مثل أن يكون على السلاح
ذهب، أو فضة کثیر، فهذا إذا كان معلوم المقدار، أو بيع بأكثر من ذلك
فالأظهر جوازه.
٣٥٢

المحلى بذهب وغيره مما هو في معناه مما فيه ذهب، فيجوز
بالذهب إذا كان المبيع فيه تابعاً لغيره، وقدروه بأن يكون الثلث فما
دونه. وحكاه القرطبي (١) عن كافة العلماء.
وذهب حماد بن أبي سليمان (٢) إلى جواز بيعه بالذهب
مطلقاً، سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر، وهو غلط
مخالف لصريح الحديث المذكور.
ويتخرج على مسألة ((مد عجوة)) جواز بيع الأكاديس الإِفرنجية بالدراهم
=
الإِسلامية وذلك في أظهر قولي العلماء عند ابن تيمية، ومثل ذلك بيع
الدراهم المغشوشة بالدراهم الخالصة. اهـ.
(١) المفهم (٤٧٩/٤).
(٢) قال الخطابي - رحمنا الله وإياه ـ في معالم السنن (٢٣/٥)، وقول
حماد: قول منكر، لمخالفته الحديث وأقاويل عامة العلماء، وفساده غير
مشکل، لما فيه من ضريح الربا. اهـ.
٣٥٣

٥٨ - باب الرهن وغیرہ
أي: من الحوالة، والتفليس، والشفعة، والوقف، والهبة،
والعمرى، والمساقاة، والمؤاجرة، والأخبار على وضع الجذوع،
والغصب، وذكر فيه ثلاثة عشر حديثاً:
الأول
٥٨/١/٢٩٨ - عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله والله
(اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٌّ طَعاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَديدٍ)(١) .
الكلام عليه من وجوه :
الأول: في المبهمات: هذا اليهودي يعرف بأبي الشحم كما رواه
المبهم في هذا
الحديث
الشافعي والبيهقي(٢) في الحديث وقالا هو رجل من بني ظفر، وضبطه
[٧٠/ أ/ أ] بعض العصريين بهمزة ممدودة قال: واختلف في تسميته/ بذلك
فقيل: لأنه كان يأكل الشحم.
(١) البخاري (٢٠٦٨)؛ ومسلم (١٦٠٣)؛ والنسائي في الكبرى (٦٢٠٢، ٦٢٤٦)؛
وأحمد (١٦٠،٤٢/٦، ٢٣٠)؛ والبيهقي في الكبرى (٣٦/٦)؛ وابن ماجه
(٢٤٣٦)؛ وابن الجارود (٦٦٤)؛ والبغوي (٢١٢٩).
(٢) مسند الشافعي (١٤٩)؛ وسنن البيهقي (٣٦/٦)، وقال فيه: هذا منقطع
٣٥٤

وقيل: لأنه لا يأكل ما ذبح على الأصنام وليت شعري من أين
له ذلك وكأنه التبس عليه بأآبي اللحم(١).
ووقع في ((نهاية))(٢) إمام الحرمين: تسميته بأبي شحمة.
الثاني: هذا الطعام كان ثلاثين صاعاً من شعير، كما ذكره مقدار الطعام
البخاري في بعض طرقه، كما ستعلمه في الوجه السابع.
الذي رهن به
الدرع
وفي الترمذي(٣): من حديث ابن عباس ((بعشرين صاعاً)) ثم
قال: حسن صحيح، ورواها النسائي أيضاً.
قال الشيخ تقي الدين: في آخر ((الاقتراح)) (٤): وهو على شرط
البخاري.
قال ابن الطلاع: وفي ((مصنف ابن السكن)): ((بوسق شعير
(١) اختلف في اسمه ــ أي أبي اللحم - فقيل عبد الله بن عبد الملك، وقيل:
الحويرث بن عبد الله بن خلف بن مالك بن غفار وهذا أظهر، وقيل
خلف بن عبد الملك، قتل مع النبي 83* يوم حنين، انظر: توضيح مشتبه
النسبة (١٤٥/١).
(٢) هو عبد الله بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية إمام الحرمين
أبو المعالي ابن الشيخ أبي محمد الجويني النيسابوري (٤١٩ - ٤٧٨)،
له تصانيف منها ((النهاية)) ابن قاضي شهبة (٢٧٥/١)، وابن هداية الله
(١٧٤ - ١٧٦).
(٣) الترمذي كتاب البيوع، باب: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل
(١٢١٤) إلّ أنه قال: ((بعشرين صاعاً من طعام))، والنسائي في كتاب
البيوع، باب: مبايعة أهل الكتاب (٣٠٣/٧)، وابن ماجه (٢٤٣٩).
(٤) الاقتراح (٤٦٦، ٤٦٧).
٣٥٥

أخذه لأهله))(١).
وفي ((المدونة)): إنه قضى بذلك ديناً كان عليه.
قال: وفي غير البخاري أنه كان لضيف طرقه ثم فداها
أبو بكر(٢).
اسم هذه الدرع
الثالث: هذه الدرع هي: ذات الفضول(٣)، قاله أبو عبد الله
محمد بن أبي بكر التلمساني في كتابه ((الجوهرة».
الرابع: هذا الحديث ترجم عليه البخاري (٤) باب: الكفيل في
تراجم البخاري
على هذا
الحديث السلم ثم رواه بلفظ: ((اشترى طعاماً من يهودي بنسيئة، ورهّنه درعاً.
له من جدید».
ثم ترجم عليه عقب هذا باب: الرهن في السلم(٥). ثم رواه
بلفظ «اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل معلوم، وارتهن منه درعاً
من حديد)) .
(١) أقضية النبي ◌َّلتر لابن الطلاع القرطبي (١١٧) وفي سنن البيهقي
(٣٦/٦).
(٢) هذا والذي قبله ذكره في المرجع السابق.
(٣) سميت بذلك لطولها وأصلها من سعد بن عبادة أرسل بها إليه ولو لما سار
إلى بدر ذكر ذلك حماد بن إسحاق في تركة النبي وَلؤر (١٠١)، إنسان.
العيون (٤٢٨/٣)، انظر: زاد المعاد (١٣٠/١)، ١٣٩٠هـ، المواهب:
اللدنية للقسطلاني (٢٣٢/١)، وتاريخ الخميس (١٨٩/٢).
(٤) الفتح (٤/ ٤٣٣)، ح (٢٢٥١).
(٥) الفتح (٤/ ٤٣٣)، ح (٢٢٥٢).
٣٥٦

وترجم عليه في باب: من رهن درعه (١) ثم رواه بلفظ ((اشترى
من یهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعه)).
ثم ترجم عليه الرهن عند اليهود وغيرهم (٢)، ثم رواه بلفظ:
«اشتری من یھو دي، ورهنه درعه».
ورواه في الرهن من حديث أنس بلفظ: ((رهن درعه بشعير))
وترجم عليه الرهن في الحضر(٣).
ورواه في البيوع من حديث عائشة بلفظ: ((اشترى طعاماً من
يهودي إلى أجل، ورهنه درعه))(٤) وترجم عليه شراء الطعام إلى أجل.
(١) ح (٢٥٠٩).
(٢) الفتح (١٤٥/٥)، ح (٢٥١٣).
(٣) الفتح (١٤٥/٥)، ح (٢٥٠٨).
(٤) الفتح (٣٠٢/٤)، ح (٢٠٦٨)، والذي في البخاري، باب: شراء
النبي ◌َله بالنسيئة. (قد ذكرنا هذا الباب ضمن ما فات على الشارح).
فات المؤلف - رحمنا الله وإياه - ذكر ما بوب عليه البخاري في هذا
الحديث وقد ذكر بعضها مضمن في الشرح وللفائدة رأيت ذكرها مفردة:
١ - في كتاب البيوع:
( أ) باب شراء الإِمام الحوائج بنفسه ح (٢٠٩٦).
(ب) باب شراء الطعام إلى أجل ح (٢٢٠٠).
٢ - في كتاب الاستقراض:
(أ) باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه أو ليس بحضرته ح (٢٣٨٦).
٣ - في كتاب الجهاد والسير:
(أ) باب ما قيل في درع النبي ◌َّر والقميص في الحرب ح (٢٩١٦).
٤ - في كتاب المغازي:
(أ) باب ما قيل في درعه ح (٤٤٦٧).
٣٥٧

رواه مسلم بألفاظ .
ألفاظ الحديث
عند سلم
أحدها: اشترى طعاماً من يهودي بنسيئة، فأعطاه درعاً له
رهناً)).
ثانيها: ((اشترى من يهودي طعاماً، ورهّنه درعاً من حديد))
وهذا ما أورده المصنف.
ثالثها: «اشتری من یهودي طعاماً إلى أجل، ورهنه درعاً له من
حدید»، وفي رواية إسقاط قوله ((من حديد)).
الخامس: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، ومنه الحالة
الراهنة .
معنى الرهن
وقال الماوردي(١): هو الاحتباس ومنه «كل نفس بما كسبت
رهینة)).
ورهنته أفصح من أرهنته.
وفي الشرع: جعل عين مال وثيقةً بدين، يستوفي منها عند
تعذر استيفائه ممن هو عليه، ويطلق أيضاً على نفس العين.
الرهن في المشرع
السادس: والدرع بكسر الدال مؤنثة.
ضبط الدرع
ولناته
وحكى الجوهري(٢) وغيره: تأنيثها.
وجمعها: / أَذْرُعٌ وَأَذْرَاعٌ.
[٧٠ / أ/ ب]
وجمع الكثرة: دروع وتصغيرها دريع بلاهاء.
(١) النكت والعيون تفسير الماوردي (١٤٨/٦).
(٢) انظر: مختار الصحاح (٩١)؛ والمصباح المنير (١٩٢).
٣٥٨

وأما درع المرأة: فمذكر بالاتفاق وجمعه أدراع: ((ودرعت
المرأة)» لبته ودرعتها إياه .
السابع: اختلف هل فك سر هذا الدرع قبل موته أم لا؟
متى تم فك
هذا الرهن؟
قيل: نعم لحديث ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه))
رواه ابن حبان في صحيحه(١)، وهو منزه عن ذلك.
وقيل: لا، لأن في ((صحيح البخاري)) في أواخر كتاب
المغازي(٢) من حديث عائشة قالت: ((توفي رسول الله وَلقر ودرعه
(١) ابن حبان (٣٠٦١)، والترمذي (١٠٧٩)، وابن ماجه (٢٤١٣)، والدارمي
(٢٦٢/٢)، والطيالسي (٢٣٩٠)، والبيهقي (٧٦/٦)، والبغوي
(٢١٢٧)، وأحمد (٤٤٠/٢، ٤٧٥، ٥٠٨)، والحاكم (٢٦/٢، ٢٧)،
وصححه ووافقه الذهبي .
قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه ـ في الفتح (١٤٣/٥)، وفيه دليل على
أن المراد بقوله : 18 في حديث أبي هريرة: («نفس المؤمن معلقة بدينه
حتى يقضي عنه))، قيل: هذا محله في غير أنفس الأنبياء فإنها لا تكون
معلقة بدين فهي خصوصية وهو حديث صححه ابن حبان وغيره ((من لم
يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء)» وإليه جنح الماوردي.
فائدة: ذكر ابن الطلاع في: ((الأقضية النبوية)) أن أبا بكر أفتك الدرع بعد
النبي ﴿ لكن روى ابن سعد عن جابر أن أبا بكر قضى عدات النبي وال
وأن علياً قضى ديونه. وروى إسحاق بن راهوية في مسنده عن الشعبي
مرسلاً ((أن أبا بكر أفتك الدرع وسلمها لعلي بن أبي طالب. وأما من
أجاب بأنه ول أفتكها قبل موته، فمعارض بحديث عائشة - رضي الله
عنها -. اهـ.
(٢) الفتح (١٥١/٨)، ح (٤٤٦٧)، وانظر: التعليق السابق.
٣٥٩

مرهونة عند يهودى بثلاثين يعني صاعاً من شعير)).
ورواه في أثناء الجهاد(١) في باب ما قيل: في درعه ◌َل﴾ باللفظ
المذكور، وقال: ((عند يهودى بثلاثين صاعاً من شعير)) وفي ((مسند
أحمد»(٢) من حديث أنس ((ما وجد ما يفتكها حتى مات)).
قال الماوردي: وهو الأصح، والحديث محمول على من لم
یخلف وفاء.
الثامن: اختلف في عدوله - عليه الصلاة والسلام - عن
معاملة مياسير الصحابة كعثمان، وابن عوف، إلى اليهودي على
الصحابة رضي أقوال.
الله عنهم
السبب في
العدول عن
معاملة مياسير
أحدها: أنه لبيان الجواز.
ثانيها: لأنه لم يكن عند أحدهم طعام فاضل عن حاجته لغيرهم.
ثالثها: كراهة أن يرده منه بغير رضاه، وأيضاً فإنهم لا يأخذون
رهنه(٣) . :
التاسع: في أحكامه :
الأول: جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به في
بعض روايات الحديث واتفق العلماء على جوازه في السفر عند عدم
الكاتب. وخصه مجاهد وداود بهذه الصورة لظاهر الآية.
جواز الرهن في
الحضر والسفر
(١) الفتح (٩٩/٦)، ح (٢٩١٦).
(٢) المسند (٢٣٨/٣)، والبيهقي (٣٦/٦، ٣٧)، ومستد أبي يعلى
(٣٠٦١) ..
(٣) انظر: الفتح (١٤١/٥).
٣٦٠