النص المفهرس

صفحات 201-220

=
إنما تحرِّم المفاسدَ الخالصةَ أو الراجحةَ، وطرفَها وأسبابها الموصلةَ
إليها.
قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباحَ بشحوم الميتة إذا
خالطت دُهناً طاهراً، فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباحُ بالزيت
النجس، وطليُ السفن به، وهو اختيارُ طائفة من أصحابه، منهم: الشيخ
أبو محمد، وغيره، واحتج بأن ابن عمر أمر أن يُستصبح به .
وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النَّجِس، ويستصبحُ
به إذا لم يمسوه، لأنه نجس، وهذا يعم النِّجسَ، والمتنجِّس، ولو قُدِّرَ أنه
إنما أراد به المتنجِّس، فهو صريحٌ في القول بجواز الاستصباح بما خالطه
نجاسة ميتة وغيرها، وهذا مذهبُ الشافعي، وأيُّ فرق بين الاستصباح
بشحم الميتة إذا كان منفرداً، وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر
فنجسه؟
فإن قيل: إذا كان مفرداً، فهو نَجِسُ العين، وإذا خالطه غيره تنجس به،
فأمكن تطهيره بالغسل، فصار كالثوب النَّحِس، ولهذا يجوز بيع الدُّهْن
المتنجِّس على أحد القولين دون دهن الميتة.
قيل: لا ريبَ أنَّ هذا هو الفرق الذي عَوَّل عليه المفرِّقون بينهما، ولكنه
ضعيف لو جھین.
أحدهما: أنه لا يعرف عن الإِمام أحمد، ولا عن الشافعي ألبتة غسل
الدهن النجِّس، وليس عنهم في ذلك كلمةٌ واحدةٌ، وإنما ذلك من فتوى
بعض المنتسبين، وقد رُوي عن مالك، أنه يَطْهُر بالغسل، هذه رواية ابن
نافع، وابن القاسم عنه .
الثاني: أن هذا الفرق وإن تأتَّى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما،
فلا يتأتَّى لهم في جميع الأدهان، فإن منها ما لا يُمكن غسله، وأحمد
والشافعي قد أطلقا القولَ بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير =
٢٠١

على منع طلي السفن ودهن الجلود والاستصباح بها وفيه نظرٌ لأن
تفریق.
وأيضاً فإنَّ هذا الفَرق لا يُفيد في دفع كونه مستعملاً للخبيث والنجاسة،
سواء كانت عينيةً أو طارئةً، فإنه إن حرم الاستصباح به لما فيه من
استعمال الخبيث، فلا فرق، وإن حرم لأجل دُخان النجاسة، فلا فرق،
وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه، فلا فرق، فالفرق بين
المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دونَ هذا لا معنى له.
وأيضاً فقد جوز جمهورُ العلماء الانتفاعَ بالسِّرقين النَّجس في عمارةِ
الأرض للزَّرْع، والثمر، والبقل مع نجاسة عينِهِ، وملابسةِ المستعمل له
أكثر من ملابسة الموقَدِ، وظهورٍ أثره في البقول والزروع، والثمار، فوق
ظهور أثر الوقيد، وإحالةُ النار أتم من إحالة الأرض، والهواء والشمس
للسِّرقين، فإن كان التحريم لأجل دُخَان النَّجَاسَّةِ، فَمن سَلَّمَ أن دُخَّان
النجاسةِ نجس، وبأيِّ كتاب، أم بأيَّةٍ سُنَّةٍ ثبت ذلك؟ وانقلابُ النجاسةِ إلى
الدُّخان أتمُّ من انقلابِ عينِ السرقينِ والماءِ النجس ثمراً أو زرعاً، وهذا
أمر لا يُشَكُّ فيه، بل معلوم بالحسِّ والمشاهدةِ، حتى جوز بعضُ أصحاب
مالك، وأبي حنيفة رحمهما الله بَيْعَه، فقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع
العَذِرةِ، لأن ذلك من منافع الناس. وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزِّبْل.
قال اللخميُّ: وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العَذِرةِ. وقال أشهب
في الزِّبْل: المشتري أعذر فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد
الحكم: لم يَعْذُرِ الله واحداً منهما، وهما سِيَّان في الإِئم.
قال: وهذا هو الصوابُ، وأن بيع ذلك حَرَامٌ وإن جاز الانتفاع به،
والمقصود: أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما
حرم الله ورسوله منها إلى أنه قال: فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع
به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع. اهـ.
٢٠٢

الضمير في هو يعود في البيع لا على الانتفاع ((لا تبيعوا الشحوم فإن
بيعها حرام))، فكأنه عليه الصلاة والسلام أعاد تحريم البيع بعدما بين
القائل له أن فيه منفعة إهداراً لتلك المنافع التي ذكرت وبهذا يقوى
مذهب الشافعي في جواز الانتفاع بها.
وادعى بعضهم: أنه جاء في رواية لما قيل إنه يدهن بها
السفن، فقال: ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء)» فيحمل على الكراهة
ويحترز من النجاسة أن تمسه.
قلت: وفي الباب حديث صريح في الاستصباح بالدهن النجس
وهو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَلو أنه سئل عن
فأرة وقعت في السمن فقال: ((إن كان جامداً فخذوها وما حولها
فألقوه وإن كان ذائباً أو مائعاً فاستصبحوا أو فانتفعوا به)) رواه
الطحاوي في ((بيان المشكل)»(١)، وقال: عبد الواحد بن زياد المذكور
(١) الطحاوي في مشكل الآثار ((المعتصر)) (٢٧٢/١).
وقد ورد من رواية أبي هريرة عند أبي داود ولفظه «إذا وقعت الفأرة في
السمن: فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)).
أخرجه أبو داود في الأطعمة (٣٦٩٤) باب: في الفأرة تقع في السمن،
وأحمد (٢٣٣/٢، ٢٦٥، ٤٩٠)، وهذا التفريق غلط كما بينه البخاري.
والترمذي (١٧٩٨)، وأبو حاتم الرازي في العلل (٩/٢، ١٢)،
والدارقطني وغيرهم.
قال المنذري - رحمنا الله وإياه ـ في مختصر السنن (٣٣٩/٥): وذكره
الترمذي معلقاً (١٧٩٨) وقال: هو حديث غير محفوظ، سمعت
محمد بن إسماعيل البخاري يقول: هذا خطأ. قال: والصحيح حديث =
٢٠٣

=
الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. وسأنقل لك كلام ابن القيم.
- رحمنا الله وإياه - عليه من تهذيب السنن. والحديث أخرجه البخاري
أطرافه (٢٣٥)، وأبو داود في الأطعمة (٣٦٩٣) باب: في الفأرة تقع في
السمن، والترمذي (١٧٩٨)، والنسائي (١٧٨/٧)، وأحمد (٣٢٩/٦،
٣٣٠، ٣٣٥)، والبيهقي (٣٥٣/٩)، والطبراني في الكبير (٤٢٩/٢٣)، ..
(١٥/٢٤)، والدرامي (١٨٨/١)، ومالك (٩٧٢/٢)، وعبد الرزاق.
(٨٤/١)، والحميد (١٤٩/١)، وابن شيبة (٣٨٠/٨). ولفظه ((عنّ
ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنهما -: ((أن فأرة وقعت في سمن،
فأخبر النبي وَطه، فقال: ألقوا ما حولها وكلوا)).
قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في تهذيب السنن (٣٣٦/٥، ٣٤١):
.(حديث: ((الفأرة تقع في السمن)) قد اختلف فيه إسناداً ومتناً، والحديث
من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه سمع ابن عباس:
يحدث عن ميمونة، ولفظه: ((أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل
النبي ◌َ*؟ فقال: ألقوها وما حولها وكلوه)) رواه الناس عن الزهري بهذا.
المتن والإِسناد، ومتنه خرجه البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي،
وأصحاب الزهري كالمجمعين عليه.
۔۔
وخالفهم معمر في إسناده ومتنه، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ*، وقال فيه: ((إن كان جامداً فألقوها وما
حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه».
ولما كان ظاهر هذا الإِسناد في غاية الصحة: صحح الحديث جماعة،
وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذهلي
تصحيحه .
ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه؛ ولم يروه صحيحاً، بل رأوه خطأً محضاً.
قال الترمذي في جامعه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمرً =
٢٠٤

عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذا خطأ، وقد أشار أيضاً إلى علة
=
حديث معمر من وجوه.
فقال: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد، أو الذائب، ثم ذكر
حديث ميمونة.
وقال عقبه: قيل لسفيان: فإن معمراً يحدثه عن الزهري عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقوله إلاَّ عن عبيد الله،
عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ◌َّ؛ ولقد سمعته منه مراراً.
ثم قال: حدثنا عبدان حدثنا عبد الله عن يونس، عن الزهري: ((سئل عن
الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد، أو غير جامد: الفأرة
أو غيرها؟ قال: بلغنا أن رسول الله وَلخير أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما
قرب منها فطرح، ثم أكل)).
فذكر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره، الجامد
والذائب: أنه يؤكل.
واحتجاجه بالحديث من غير تفصيل: دليل على أن المحفوظ من رواية
الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو
رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به
واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق، واحتج به: دل على أن معمراً
غلظ عليه في الحديث إسناداً ومتناً.
ثم قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق عنه: ((فلا تقربوه)»، وقال
عبد الواحد بن زياد عنه: ((وإن كان ذائباً أو مائعاً لم يؤكل)».
وقال البيهقي: وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه - يعني: من عبد الرزاق.
وفي بعض طرقه ((فاستصبحوا به)) وكل هذا غير محفوظ في حديث
الزهري.
٢٠٥
=

فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البستي في صحيحه من رواية الزهري عن
=
عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة ((أن رسول الله و 8* سئل عن
الفأرة تموت في السمن؟ فقال: إن كان جامداً فألقوها وما حولها وكلوه،
وإن كان ذائباً فلا تقربوه)) رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي، حدثنا
إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان عن الزهري، وكذلك هو في مسند:
إسحاق.
فالجواب: أن كثيراً من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة،
فإن الناس إنما رووه عن سفيان، عن الزهري مثل ما رواه سائر الناس
عنه، كمالك وغيره من غير تفصيل. كما رواه البخاري وغيره.
وقد رد أبو حاتم البستي هذا، وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة
برواية معمر عن الزهري، فقال: ذكر خبر أوهم بعض من لم يطلب العلم.
من مظانه: أن رواية ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة - ثم ساق من طريق
عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة
الحديث: ((إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)».
وهذا لا يدل على أن حديث إسحاق محفوظ، فإن رواية معمر هذه خطأ،
كما قاله البخاري وغيره، والخطأ لا يحتج به على ثبوت حديث معلول،.
فكلاهما وهم.
ثم قال أبو حاتم: ذكر الخبر الدال على أن الطريقين جميعاً محفوظان : :
حدثنا عبد الله بن محمد الأزدي، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق،
حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -
فذكره، قال: ((إن كان جامداً ألق ما حولها وكله، وإن كان مائعاً لم
تقربه» .
قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن بن بوذويه أن معمراً كان يذكر
أيضاً عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، =
٢٠٦

عن النبي صل مثله.
فهذه مثل رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله بالتفصيل.
فتصير وجوه الحديث أربعة .
وجهان عن معمر، وهما:
أحدهما: عبد الرزاق عنه عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بذكر
التفصيل.
الثاني: عبد الرحمن بن بوذويه عنه عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن
عباس، عن ميمونة بالتفصيل أيضاً.
ووجهان عن سفيان.
أحدهما: رواية الأكثرين عنه عن الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس،
عن ميمونة بالإِطلاق من غير تفصيل.
والثاني: رواية إسحاق عنه، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس،
عن ميمونة بالتفصيل.
وأما رواية معمر: فإنه خالف أصحاب الزهري في حديثه المفصل في
إسناده ومتنه في حديث أبي هريرة، وخالف أصحاب الزهري في المتن
في حديث عبيد الله، عن ابن عباس، ووافقهم في الإسناد.
وهذا يدل على غلطه فيه، وأنه لم يحفظه كما حفظ مالك وسفيان
وغيرهما من أصحاب الزهري.
وأما حديث سفيان: فالمعروف عن الناس منه: ما رواه البخاري في
صحيحه، عن الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني
عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس عن ميمونة - فذكره من غير
تفصيل، وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار عن سفيان.
قال البخاري في صحيحه: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد
أو الذائب: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري قال: أخبرني =
٢٠٧

١٠
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة ((أن:
=
فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل النبي * عنها؟ فقال: ألقوها وما.
حولها وكلوه)»، قيل لسفيان: فإن معمراً يحدثه عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقوله إلاَّ عن
عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ◌َّ، ولقد سمعته منه.
مراراً.
حدثنا عبدان، حدثنا عبد الله عن يونس، عن الزهري: سئل عن الدابة
تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال:
بلغنا ((أن النبي وَليل أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح،
ثم أكل)) كذا من حديث عبيد الله بن عبد الله.
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا مالك عن ابن شهاب، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: ((سئل النبي وَل.
عن فأرة سقطت في سمن؟ فقال: ألقوها وما حولها وكلوه)». هذا آخر
كلام البخاري.
وأما الحديث الذي رواه ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر، عن ابن
شهاب، عن سالم، عن أبيه: ((أن رسول الله آل# سئل عن فأرة وقعت في
سمن؟ فقال: ألقوها وما حولها، وكلوا ما بقي، فقيل: يا نبي الله،"
أرأيت إن كان السمن مائعاً؟ قال: انتفعوا به، ولا تأكلوه)) فعبد الجبار بن
عمر ضعيف، لا يحتج به.
وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن جريج عن ابن شهاب.
قال البيهقي: والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت؛
قال: «استصبحوا به وادهنوا به أدمكم)).
وفيه دليل: على أن ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء القليل لم
ينجسه .
٢٠٨

وذلك: أن غمس الذباب في الإِناء قد يأتي عليه، فلو كان نَجَّسَه إذا مات
=
فيه لم يأمره بذلك؛ لما فيه من تنجيس الطعام، وتضييع المال، وهذا قول
عامة العلماء، إلاَّ أن الشافعي قد علق القول فيه، فقال في أحد قوليه: إن
ذلك ينجسه .
وقد روي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال في العقرب يموت في الماء
((إنها تنجسه).
وعامة أهل العلم على خلافه.
وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له. وقال: كيف يكون
هذا؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة؟ وكيف تعلم ذلك من
نفسها حتى تقدم جناح الداء، وتؤخر جناح الشفاء، وما أرَبُّها إلى ذلك؟
قلت: وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، وإن الذي يجد نفسه ونفوس عامة
الحيوان قد جُمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي
أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن الله سبحانه قد ألَّف بينها،
وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التي بها بقاؤها
وصلاحها. لجدير أن لا يُنكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوان
واحد، وأن الذي ألهم النَّحْلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة، وأن تَعْسِل
فيه، وألهم الذَّرَّة أن تكتسب قوتها وتذَّخره لأوان حاجتها إليه: هو الذي
خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تقدِّم جَناحاً وتؤخر جناحاً، لما
أراد من الابتلاء الذي هو مَدْرَجة.
وقد روي هذا الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، ولكن
الصواب: أنه موقوف عليه، ذكره البيهقي) اهـ. وابن عباس راوي الحديث
أفتی فیما إذا ماتت أن تلقى وما حولها وتؤكل.
انظر: مجموع الفتاوى (٥١٩/٢٠) (٤٩١/٢١، ٤٩٨)، فقد فصل وأجاد
وأفاد رحمه الله .
٢٠٩

فيه ثقة: إذا انفرد بحديث قبل حديثه وكذلك إذا انفرد بزيادة قبلت
زيادته، وانفرد داود فقال بجواز بيع الزيت النجس دون السمن(١).
معنى «قاتل
الله اليهودة
الرابع عشر: [قوله](٢) عليه الصلاة والسلام: («قاتل الله اليهود»
أي: قتلهم. كقوله تعالى: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ قاله الهروي،
قال: وسبيل (فَاعَلَ) أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد،
كقولك: سافرتُ وطارقت النعل.
وقال ابن عباس: لعنهم. وقد جاء مصرحاً به في رواية
أخرى(٣)، وقال غيره: عاداهم.
[٥٢ / أ/ ب]
الخامس عشر: قوله: ((قاتل الله اليهود)) إلى آخره / فيه تنبيه
على تعليل تحريم بيع هذه الأشياء وأن العلة تحريماً فقط فإنه عليه
الصلاة والسلام وجه اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم
أكل الشحوم.
سد الذرائع
السادس عشر: استدلت المالكية بهذا على سد الذرائع من
حيث أن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم
أكل الأصل وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه لكن لما كان مسبباً
إلى أصل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم به.
(١) قال الخطابي في معالم السنن - رحمنا الله وإياه - (٣٣٩/٥): وقال
داود: إن کان هذا سمناً. فلا يجوز تناوله ولا بيعه. وإن كان زیتاً لم يحرم
تناوله وبيعه. وذلك أنه زعم أن الحديث إنما جاء في السمن، وهو
لا يعدو لفظه ولا يقيس عليه من طريق المعنى غيره. اهـ.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) انظر: الوجه العشرون، وقد سبق تخريجه.
٢١٠

السابع عشر: يؤخذ منه جواز الدعاء على من فعل المحرم جواز الدعاء
أو استباحه أو تحيل على فعله أما من تحيل على الخلاص من فعله محرماً
على من فعل
والخروج منه فليس داخلاً في جواز الدعاء عليه وذمه وقد أمر الله
تعالى أيوب بالضرب بشمراخ النخل وهو الضغث لما حلف على
الضرب بمائة سوط(١).
(١) انظر: المفهم (٤ /٤٦٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمنا الله
وإياه - في ((الفتاوى)) (١٤٧/٣٣، ١٤٨) في إيضاح هذه الآية: أنه لم
يكن في شرع من قبلنا كفارة اليمين بل كانت اليمين توجب عليهم فعل
المحلوف عليه أمر الله أيوب أن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به ولا يحنث،
لأنه لم يكن في شرعه كفارة يمين، ولو كان في شرعه كفارة يمين كان
ذلك أيسر عليه من ضرب امرأته ولو بضغث، فإن أيوب كان قد رد الله
عليه أهله ومثلهم معهم. لكن لما كان ما يوجبونه باليمين بمنزلة ما يجب
بالشرع کانت الیمین عندهم کالنذر والواجب بالشرع قد یرخص فيه عند
الحاجة، كما يرخص في الجلد الواجب في الحد إذا كان المضروب
لا يحتمل التفريق، بخلاف ما التزمه الإنسان بيمينه في شرعنا فإنه لا يلزم
بالشرع فيلزمه ما التزمه، وله مخرج في شرعنا بالكفارة، ولكن بعض
علمائنا لما ظنوا أن الأيمان من ما لا مخرج لصاحبه منه بل يلزمه ما
التزمه، فظنوا أن شرعنا في هذا الموضع كشرع بني إسرائيل احتاجوا إلى
الاحتيال في الأيمان. اهـ. محل المقصود منه.
وقال العلامة صديق حسن خان - رحمنا الله وإياه - في تفسيره ((فتح
البيان)» (١٧٧/٨):
(وخذ) معطوف على اركض، أو على وهبنا، أو التقدير وقلنا له خذ
(بيدك ضغثاً) هو عشكال النخل بشماريخه، وقيل هو قبضة من حشيش
مختلط رطبها بيابسها، وقيل الحزمة الكبيرة من القضبان، وأصل المادة =
٢١١

تدل على جمع المختلطات ، قال الواحدي: الضغث ملء الكف من
الشجر والحشيش والشماريخ، وعن ابن عباس قال: الضغث هو الأسل؛
وقال أيضاً: الضغث القبضة من المرعى الرطب، وقال أيضاً: الحزمة.
(فاضرب به) أي: بذلك الضغث (ولا تحنث) في يمينك والحنث الإثم
ويطلق على فعل ما حلف على تركه. أو ترك ما حلف على فعله، لأنهما
سببان فيه، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة،
واختلف في سبب ذلك فقال سعيد بن المسيب إنها جاءته بزيادة على ما
كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها، وقال يحيى بن
سلام وغيره: إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخله
تقرباً إليه فإنه إذا فعل ذلك برىء. فحلف ليضربنها إذا عوفي مائة جلدة،
وقيل: باعت ذؤابتها برغيفين إذا لم تجد شيئاً وكان أيوب يتعلق بها إذا
أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن عباس
قال: إن إبليس قعد على الطريق وأخذ تابوتاً يداوي الناس، فقالت امرأة
أيوب: يا عبد الله إن ههنا مبتلى من أمره كذا وكذا فهل لك أن تداويه،
قال: نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره.
فأتت أيوب فذكرت له ذلك، فقال: ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن
شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغئاً.
فيضربها به، فأخذ عذقاً فيه مائة شمراخ فضربها به ضربة واحدة ... إلى.
أن قال:
وقد اختلف العلماء هل هذا خاص بأيوب أو عام للناس كلهم؟ وأن من
خلف خرج من يمينه بمثل ذلك؟ قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلاناً.
مائة جلدة أو ضرباً ولم يقل ضرباً شديداً ولم ينو بقلبه فيكفيه مثل هذا
الضرب المذكور في الآية، حكاه ابن المنذر عنه، وعن أبي ثور -
٢١٢

وأمر به عليه الصلاة والسلام في ذاك الزاني الذي أفتى أن
يضربوه بها ضربة واحدة(١).
وأصحاب الرأي. وقال عطاء هو خاص بأيوب، ورواه ابن القاسم عن
=
مالك . اهـ.
(١) عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رجلاً قال أحدهما: أحبن المستسقي
من الحبن وهو داء يأخذ في البطن فيعظم منه ويرم - وقال الآخر:
مقعد - كان عند جواري سعد فأصاب امرأة حبل، فرمته به، فسئل
فاعترف، فأمر النبي ◌َّر به، قال أحدهما: فجلد بأشكال النخل، وقال
الآخر بأنكول النخل». أخرجه البغوي (٣٠٢/١٠) الشافعي (٢٨٨/٢)
ومن طريقه البيهقي في السنن (٢٣٠/٨). الدارقطني (١٠٠/٣) النسائي
(٢٤٢/٨، ٢٤٣). انظر: كلام صاحب التعليق المغنى على الدارقطني
(١٠٠/٣)، وأبو داود في الحدود (٤٤٧٢)، في باب إقامة الحد على
المريض.
قال المنذري: وقد روي عن أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري،
وعن أبي أمامة عن أبيه، وعن أبي أمامة عن النبي وَط#9، وعن أبي أمامة
عن سعيد بن سعد بن عبادة، وروي أيضاً عن أبي حازم عن سهل بن
سعد، وانظر: جميع هذه الروايات في المعجم الكبير (٥٤٤٦، ٥٥٢١،
٥٥٢٢، ٥٥٦٨، ٥٥٨٧، ٥٨٢٠)، والدارقطني (١٠٠/٣)، والنسائي
(٢٤٢/٨، ٢٤٣) الکبری له.
وأخرجه أحمد في المسند من رواية سعد بن عبادة (٢٢٢/٥)، وابن ماجه
(٢٥٧٤). قال في الزوائد: مدار الإسناد على محمد بن إسحاق وهو
مدلس وقد رواه بالعنعنة البغوي (٢٥٩١)، والبيهقي في السنن
(٢٣٠/٨).
قال الحافظ في تلخيص الحبير (٥٩/٤): ورواه الدارقطني من حديث فليح =
٢١٣

وأمر أيضاً بوضع اليد على الأنف عند الخروج من الصلاة
بالحدث إيهاماً للرعاف(١) وبهذا يرد على ما أطلقه القاضي من قوله.
عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: وهم فيه فليح، والصواب عن
أبي حازم عن أبي أمامة بن سهل، ورواه أبو داود (٤٤٧٢) من حديث
الزهري عن أبي أمامة، عن رجل من الأنصار ورواه النسائي من حديث
أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، عن أبيه، ورواه الطبراني من حديث أبي
أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري، فإن كانت الطرق کلها محفوظة،
فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة وأرسله مرة، وقال في
((بلوغ المرام)) (٣١٤) إسناد هذا الحديث حسن، ولكن اختلف في وصله.
وإرساله.
وورد أيضاً من رواية عبد الله بن عباس أن النبي وهل مر بامرأة زمنة ضعيفة.
لا تقدر أن تمتنع ممن أرادها، ورآها عظيمة البطن، حبلى، فقال لها ممن؟
فذكرت رجلاً أضعف منها ... إلخ. أخرجه العقيلي في الضعفاء
(٨١/٣).
(١) ابن ماجه (١٢٢٢)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة: (إسناد.
صحيح رجاله ثقات). انظر: الدارقطني (١٥٧/١)، وابن خزيمة
(١٠١٨)، وأبو داود (١١١٤)، والحاكم (١٨٤/١، ٢٦٠)، وصححه
ووافقه الذهبي، والبيهقي (٢٥٤/٢). والمنتقى لابن الجارود
(٢٢٢).
قال أبو داود - رجمنا الله وإياه ـ : رواه حماد بن سلمة، وأبو أسامة عن
هشام عن أبيه، عن النبي ◌َّه لم يذكرا عائشة - رضي الله عنها -. وانظر.
أيضاً كلام البيهقي :
ولفظه: ((إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة، فليأخذ على أنفه ثم
لینصرف».
٢١٤

في الحديث دلالة على إبطال الحيل والحجة على من قال بها في
إسقاط حدود الشرع من الكوفيين فالتفصيل الذي ذكرناه هو
الصواب .
الثامن عشر: يؤخذ منه أيضاً أن المحرم إذا أحرم، حرم عليه
جميع ما يتعلق به ما هو سبب إلى تحليله فإنه عليه الصلاة والسلام
دعا على اليهود حيث أذابوا الشحوم وباعوها وأكلوا أثمانها لأن
تحريمها لذاتها لا لوصفها فإن التحريم للوصف يزول بزواله ألا
ترى إلى قوله في حديث بريدة الآتي في كتاب الفرائض(١) في
ذلك اللحم الذي تصدق بها ((هو عليها صدقة ولنا هدية)) فلما
تغير الوصف من الصدقة إلى الهدية صار حلالاً بخلاف المحرم
لعينه .
التاسع عشر: قد فسر المصنف معنى ((جملوه)) يقال: أجمل معنى اجملوه)
الشحم. وجاء رباعي وثلاثي، والجميل: الشحم المذاب. وفي
رواية ((اجتملوها))، قال أبو عبيد(٢): يقال: جملت، وأجملت،
واجتملت.
٠
قال الخطابي - رحمنا الله وإياه - في معالم السنن (٢٤٨/١): إنما أمره
أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رُعافاً، وفي هذا باب من الأخذ بالأدب
في ستر العورة، وإخفاء القبيح من الأمر، والتورية بما هو أحسن منه،
وليس يدخل في هذا الباب الرياءُ والكذب، وإنما هو من باب التجمل
واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس. اهـ.
(١) الحديث الرابع من كتاب الفرائض سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(٢) غريب الحديث (٤٠٧/٣).
٢١٥

: العشرون: روى أبو داود(١) بإسناد صحيح عن ابن عباس
هذا الحدیث دال
على تحريم ما
المقصود منه
الأكل لا المباح
يعه والانتفاع
بجمنـ
- رضي الله عنه - قال رأيت رسول الله و ليل جالساً عند الركن فرفع
بصره إلى السماء فضحك فقال: لعن الله اليهود ثلاثاً وفي لفظ قاتل
الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله
إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» وهذا محمول على ما
المقصود منه الأكل بخلاف ما المقصود منه غيره كالعبد، والبغل،
والحمار الأهلي فإن أكلها حرام ويجوز بيعها بالإجماع.
(١) سبق تخريجه وصححه ابن القيم في زاد المعاد (٧٤٦/٥). انظر:
الحديث التاسع، في باب: ما ينهى عنه من البيوع حديث أبي مسعود.
٢١٦

٥٥ - باب السّلم
تعريف "السلم؟
السلم: والسلف: بمعنى سُمِّي سلماً / لتسليم رأس المال في
[ ٥٣ / أ / أ]
المجلس، وسلفاً لتقديمه.
قال الماوردي(١):
والسلف: لغة عراقية، والسلم: لغة حجازية.
قلت: وقد أخرج مسلم في صحيحه الحديث باللفظين.
وفي ((غريب الحديث للخطابي))(٢): أن في حديث ابن عمر
(١) الشرح الكبير للماوردي (٣/٧).
(٢) غريب الحديث للخطابي (٤١١/٢).
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥/٨).
قال الخطابي في حديث ابن عمر: ((أنه كان يكره أن يقول السَّلم، وكان
يقول السلف)» إلى أن قال: السَّلَم: الاستسلام، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ
لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾، أي من استسلم وأعطى المقادة،
وكذلك الإِسلام إنما هو الطاعة لله والانقياد لأمره، وأحدهما مشتق من
الآخر، كره ابن عمر أن يقال: أسلمت إلى فلان أو أعطيته السَّلَم بمعنى
السلف، وأحب أن يكون هذا الاسم محضاً في طاعة الله لا يدخله شيء
غيره. اهـ. وذكره ابن عبد البر عن عمر في الاستذكار (١٩/٢٠)، ولعله =
٢١٧

أنه كان يكره أن يقال السلم بمعنى السلف، وكان يقول الإِسلام الله
ضَن بالاسم الذي هو موضوع للطاعة أن يمتهن في غيرها وصيانة من
أن يستذل فیما سواها.
وأخرجه البيهقي(١) في ((سنته)) أيضاً: موقوفاً على
ابن عمر .
وفي حد السلم عبارات لأصحابنا: أحسنها أنه بيع موصوف في
الذمة ببدل يُعطي آجلاً بلفظ السلم، فإن أورد بلفظ البيع انعقد بيعاً
على الأصح لا سلماً.
٥٥/١/٢٨٩ - وذكر المصنف في الباب حديث ابن عباس
- رضي الله عنهما - قال: ((قدم رسول الله وَلا المدينة، وهم يُسلفون
في الثمار: السنتين والثلاث. فقال: ((من أسلف في شيء فليسلف في
كل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))(٢).
والكلام عليه من وجوه :
الأول: فيه دلالة على جواز السلم في الجملة، وهو إجماع من
جواز السلم
=
وهم منه رحمنا الله وإياه.
(١) السنن الكبرى (٢٩/٦).
(٢) البخاري أطرافه (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤)، والترمذي (١٣١١)،
وأبو داود (٣٤٦٣)، والنسائي (٢٩٠/٧)، وابن ماجه (٢٢٨٠)،
والدارمي (٢٦٠/٢)، والحميدي (٥١٠)، والدارقطني (٣/٣، ٤)،
وابن الجارود (٦١٤، ٦١٥)، والبغوي (٢١٢٥)، والبيهقي (١٨/٦،
١٩، ٢٤)، مع زيادات في بعض الروايات كزيادة الحميدي في «تمر
معلوم)).
٢١٨

الأمة؛ وحكى الماوردي(١) وجهين في أنه عقد غرر جوز للحاجة
أم لا .
الثاني: فيه أيضاً دلالة على جواز السلم إلى السنتين والثلاث. بان تحديد
السلم بمدة
الثالث: فيه دلالة أيضاً على جواز السلم فيما ينقطع في أثناء
المدة إذا كان موجوداً عند المحل، فإنه إذا سلم في الثمرة السنتين
والثلاث، فلا محالة ينقطع في أثناء المدة إذا حملت الثمار على
الرطب .
فرع: لو غلب على الظن وجوده، لكن لا يحصِّله إلا بمشقة
عظيمة كالعدد الكثير من الباكورة فأقرب الوجهين عندنا البطلان.
الرابع: ((الواو)) في قوله ((ووزن)) بمعنى ((أو)) التقدير: فليسلم معنى الواوة في
في كيل معلوم إذا كان المسلم فيه مكيلاً أو وزن معلوم إذا كان
قوله "ووزن؟
موزوناً، لأنا لو أخذناها على ظاهرها من معنى الجمع لزم أن يجمع
في الشيء الواحد بين السلم فيه كيلاً ووزناً، وذلك يفضي إلى عزة
الوجود. وهو مانع من صحة السلم.
فتعين حملها على ما ذكرناه من التفصيل.
فرع: العد والزرع في معنى الكيل والوزن، وخص الكيل بيان ما يجوز فيه
والوزن على الذكر لأنها الغالب، وحاصل ذلك أن العلم بقدر ونحوه
السلم من الكيل
المسلم فيه لا بد منه إما كيلاً أو وزناً أو عداً أو ذرعاً.
تنبيه: أجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به، وإنما لم يذكر
(١) الحاوي الكبير (٩/٧).
سـ
٢١٩

معرفته المسلم في الحديث لأنهم كانوا يعملون به، فاستغنى عنه، واعتنى بذكر
فيه بالوصف
ما كانوا يحلون به من المقدار والأجل.
فرع: لو عين كيلاً فسد إن لم يكن معتاداً، وإلا فلا في
الأصح، وكذا لو عين ميزاناً معتاداً.
الخامس: يصح السلم في المكيل وزناً، وعكسه على الأصح
عند الشافعية، لأن المقصود معرفة المقدار بخلاف الربويات على
المشهور للتعبد .
[ ٥٣ / أ/ ب]
:. وقيل: لا يجوز في الموزون كيلاً وحمل / أمام الحرمين إطلاق
الأصحاب جواز كيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطاً حتى
لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلاً لم يصح.
وقال الرافعي: يجوز السلم في اللآلىء الصغار إذا عم وجودها
كيلاً ووزناً فكأنه اختار إطلاق الأصحاب.
عدم جواز
السلم حالاً
الخامس: استدل بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إلى أجل
معلوم)) من منع السلم في الحال، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة
وأحمد، وهؤلاء يوجهون الأمر في قوله: ((فليسلف)) إلى الأجل
والعلم معاً.
والشافعي ومن وافقه: في جوازه حالاً يوجهون الأمر في العلم
فقط، ويكون التقدير: إن أسلم إلى أجل فليسلم الثمن لأجل معلوم
لا إلى أجل مجهول كما تقدم في الكيل والوزن، ولأنه إذا جاز مع
الأجل المعلوم وفيه الغرر البيِّن، فمع الحال أولى لأنه أبعد من
الغرر.
٢٢٠