النص المفهرس

صفحات 121-140

ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهناً وربما دعوه عرافاً فهذا غير
داخل في جملة النهي وإنما هو مغالطة في الأسماء وقد ثبت عن
رسول الله * الطب وأباح العلاج والتداوي هذا آخر كلامه(١).
قال الماوردي في آخر ((أحكامه السلطانية))(٢): ويمنع
المحتسب من يكتسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه / الآخذ [١/٤١/ ب]
والمعطي.
(١) عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله صل﴾: ((تداووا، فإن الله لم ينزل
داءً إِلَّ وقد أنزل له شفاء، إلَّ السام والهرم)). أخرجه الحميدي (٨٢٤)،
وابن ماجه (٣٤٣٦)، وأحمد (٢٧٨/٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)»
(٢٩١)، وأبو داود (٣٨٥٥) في الطب، باب: في الرجل يتداوى،
والترمذي (٢٠٣٨)، والبيهقي (٣٤٣/٩)، والبغوي في شرح السنة
(٣٢٢٦)، والطيالسي (١٢٣٢).
قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في زاد المعاد (١٥/٤): وفي هذه
الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه
دفعُ داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد
إلَّ بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن
تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من
حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزٌ ينافي
التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في
دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا يدفع هذا الاعتماد من
مباشرة الأسباب، وإلاَّ كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد
عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً. اهـ.
(٢) الأحكام السلطانية (٢٥٨).
١٢١

الحديث العاشر
٥٣/١٠/٢٨٢ - عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن
رسول الله وسلم قال: ((ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب
الحجام خبيث»(١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحدیث معدود في أفراد مسلم کما نبه علیه عبد
الحق وغيره فكان ينبغي للمصنف أن ينبه عليه لئلا يوهم أنه من
المتفق عليه ولم ينبه على ذلك أحد من الشراح فتنبه له وأغرب
الحميدي فلم يذكره رأساً في ((جمعه بين الصحيحين» في ترجمة رافع
مع أن مسلماً كرره في البيوع من صحيحه وفي بعض ألفاظه («شر
الكسب مهر البغي وثمن الكلب وکسب الحجام)) .
التعريف ابرافع
بن خديج)
الثاني: في التعريف براويه وهو أبو عبد الله، ويقال:
أبو رافع، ويقال: أبو خديج رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة ثم
دال مهملة مکسورة ثم مثناة تحت ثم جیم بن رافع بن عدي بن یزید.
بالمثناة فوق ثم زاي ثم مثناة تحت ثم دال مهملة الأنصاري الحارثي
(١) مسلم (١٥٦٨)، والترمذي (١٢٧٥)، وأبو داود في الإجارة (٣٤٢١)
باب: في كسب الحجام، وأحمد (٤٦٤/٣، ٤٦٥).
١٢٢

من بني حارثة المديني شهد أُحد وما بعدها له أحاديث مجموعها
ثمانية وسبعون حديثاً اتفقا على خمسة منها وانفرد مسلم بثلاثة كذا
قالوا وهذه الأحاديث قد عدها الحميدي في (جمعه)) فلم يذكر هذا
الحديث [قلت](١): فيكون مسلم انفرد إذن بأربعة كان يخضب
بالصفرة ويحفي شاربه وكان يعد من الرماة أصيب بسهم يوم أحد في
ترقوته، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن شئت نزعت السهم وتركت
القطيفة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيداً)(٢) فتركها لا يحس منها
شيئاً [دهراً] (٣) وكان إذا ضحك فاستغرق بدأ ذلك السهم وانتقضت
جراحته في زمن عبد الملك بن مروان ومات بالمدينة قبل ابن عمر / [٩١/هـ/أ]
بيسير سنة أربع وسبعين أو في أول سنة ثلاث وسبعين وهو ابن ست
وثمانين سنة(٤). روى له الشيخان وأصحاب السنن والمسانيد،
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) ذكره في الإصابة (١٨٧/٢).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) قال ابن حجر في الإصابة - رحمنا الله وإياه - (١٨٧/٢): [رافع] بن
خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن
الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسى الحارثي
أبو عبد الله أو أبو خديج أمه حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر من بني
بياضة ... عرض على النبي 8* يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد
فخرج بها وشهد ما بعدها وروى عن النبي ( 8* وعن عمه ظهير بن رافع
وروى عنه ابنه عبد الرحمن وحفيده عباية بن رفاعة والسائب بن يزيد
ومحمود بن لبيد وسعيد بن المسيب ونافع بن جبير وأبو سلمة بن
عبد الرحمن وأبو النجاشي مولى رافع وسليمان بن يسار وآخرون =
١٢٣

!
وروى عنه ابنه رفاعة وخلق وعنه ابن عمر والسائب بن يزيد من
الصحابة [وغيرهما](١) من التابعين.
· فائدة :
خديج يشتبه بخديج - بضم الخاء المهملة ثم دال مفتوحة ثم
ياء مثناة تحت ثم جيم - وهم جماعة منهم معاوية بن خديج
الصحابي.
مشتبه النسبة
(بخديج»
واستوطن المدينة إلى أن انتقضت جراحته في أول سنة أربع وسبعين
=
فمات وهو ابن ست وثمانين سنة وكان عريف قومه بالمدينة، كذا قال
الواقدي في وفاته.
وقد ثبت أن ابن عمر صلَّى عليه وصرح بذلك الواقدي وابن عمر في أول سنة
أربع كان بمكة عقب قتل ابن الزبير ثم مات من الجرح الذي أصابه من زج الرمح
فكأن رافعاً تأخر حتى قدم ابن عمر المدينة فمات فصلى عليه ثم مات ابن عمر
· بعده أو مات رافع في أثناء سنة ثلاث قبل أن يحج ابن عمر فإنه ثبت أن ابن عمر
شهد جنازته فقد أخرج من طريق أبي نصرة، قال أبو نصرة، خرجت جنازة
رافع بن خديج وفى القوم ابن عمر فخرج نسوة يصرخن فقال ابن عمر اسكتن
فإنه شيخ کبیر لا طاقة له بعذاب الله. وقال یحیی بن بکیر : مات أول سنة ثلاث
وسبعين فهذا أشبه. وأما البخاري فقال: مات في زمن معاوية وهو المعتمد وما
عداه واهٍ وسيأتي سنده في ذلك في ترجمة أم عبد الحميد في كنى النساء.
وأرخه ابن قانع سنة تسع وخمسين. وأخرج ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد
عن رجاله أصاب رافعاً سهم یوم أحد، فقال له رسول الله پر: إن شئت نزعت
السهم وتركت القطيفة وشهدت لك يوم القيامة إنك شهيد، فلما كانت خلافة
عثمان انتقض به ذلك الجرح فمات منه. كذا قال، والصواب خلافة معاوية كما
تقدم ويحتمل أن يكون بين الانتقاض والموت مدة. اهـ.
(١) في ن هـ ساقطة.
١٢٤

الوجه الثالث: ((الخبيث)) الردي من كل شيء وقد تقدم الكلام معنى (الخبيث))
على ثمن الكلب(١) ومهر البغى(٢) في الحديث قبله وإطلاق الخبيث
على ثمن الكلب يقتضى التعميم في كل كلب ولم يثبت تخصيص
شيء منه كما سبق فيجب إجراؤه على ظاهره والخبيث من حيث هو
لا يدل على الحرمة صريحاً وكذلك جاء في كسب الحجام أيضاً ولم
يحمل على التحريم / عند جمهور العلماء غير أن ذلك بدليل خارج [١/١/٤٢]
وهو أنه عليه الصلاة والسلام ((احتجم وأعطى الحجام أجرة)) أخرجه
الشيخان(٣) في صحيحهما ((ولو كان حراماً لم يعطه)) (٤) فإن ثبت أن
(١) ص ١٠٧ .
(٢) ص ١١٤ .
(٣) البخاري (٢١٠٢، ٢٢٧٧، ٢٢٨١)، ومسلم (١٥٧٧) (٦٤)، وأبو داود
في البيوع (٣٤٢٤) باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٨)، وابن
ماجه (٣٤٨٣)، والدارمي (٢٧٢/٢)، والطيالسي (٢٦٢/١)، والبيهقي
(٣٣٧/٩)، والطحاوي (١٣١/٤)، والحميدي (١٢١٧)، وأحمد
(١٠٠/٣، ١٨٢): هذا من رواية أنس وقد ورد من رواية ابن عباس وجابر
- رضي الله عنهم ــ ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٩٤).
(٤) من كلام ابن عباس - رضي الله عنهما - البخاري (١٨٣٥)، ومسلم
(١٢٠٢)، وأبو داود في المناسك (١٨٣٥) باب: المحرم يحتجم،
والترمذي (٨٣٩)، والنسائي (١٩٣/٥)، والدارمي (٣٧/٢)، والحميدي
(٥٠٠، ٥٠١)، وابن ماجه (٣٠٨١)، والدارقطني (٢٣٩/١)، والبيهقي
(٢٦٣/٤)، وأحمد (٢١٥/١، ٢٢١).
قال في شرح السنة للبغوي (١٨/٨): اختلف أهل العلم في كسب
الحجام، فذهب قوم إلى تحريمه. وذهب بعضهم إلى أن الحجام، إن =
١٢٥

لفظة الخبيث ظاهرة في التحريم بخروجها عن ذلك في كسب
الحجام بدلیل، لا يلزم منه خروجها في غيره بغير دليل.
قال الشيخ تقي الدين(١): ((وأما الكلب)»: فإذا قيل بثبوت
الحدیث الذي يدل على جواز بيع كلب الصيد. كان ذلك دليلاً على
طهارته وليس يدل النهي عن بيعه على نجاسته لأن علة منغ البيع
متعددة لا تنحصر في النجاسة.
قلت: قد قدمنا في الحديث قبله نقل اتفاق الحفاظ على ضعفه
فالحدیث باق علی عمومه إذن(٢).
كان حراً، فهو حرام، وإن كان عبداً، فإنه يعلفه دوابه، وينفقه على عبيده
=
قولاً بظاهر الحديث. وذهب الأكثرون إلى أنه حلال، والنهي على جهة
التنزيه عن الكسب الدنيء، والترغيب فيما هو أطيب وأحسن من
المكاسب، يدل عليه أنه أمره بعد المعاودة بأن يُطعم رقيقه، ولولا أنّه
حلال مملوك له لكان لا يجوز أن يطعم منه رقيقه، لأنه لا يجوز أن يُطعم
رقيقه إلاّ من مال ثبت عليه ملكه، كما لا يجوز أن يأكل بنفسه، والدليل
عليه ما في المتفق عليه من حديث أنس بن مالك قال: ((حجم
رسول الله وَ﴾ أبو طيبة فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه.
من خراجه. اهـ.
(١) إحكام الأحكام مع الحاشية (٤ / ٧٠).
(٢) قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه ـ في زاد المعاد (٧٧٠/٥) أنه لا يصح
عن النبي 18 استثناء كلب الصيد بوجه. أما حديث جابر - رضي الله
عنه - ، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا من الحسن بن أبي جعفر؛
وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر، وقال
الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث. اهـ.
١٢٦

الوجه الرابع: قد نقلنا عن الجمهور أنه لا يحرم كسب الحجام كرامة كسب
فهو مكروه كراهة تنزيه سواء فيه الحر والعبد وبه قال أحمد فى الحجام
المشهور عنه، وقال: في رواية أخرى وبها قال (فقهاء المحدثين
يحرم على الحر دون العبد احتجاجاً بالحديث الذي أسلفناه(١) فإن
الذي حجمه أبو طيبة وأمر # [أهله](٢) أن يخففوا عنه من
خراجه(٣).
وحمل الجمهور الأحاديث الواردة فيه على منع التنزيه
والارتفاع عن دنىء الأكساب ولو كان حراماً لم يفرق فيه بين الحر
والعبد فإنه لا يجوز للرجل يطعم عبده ما لا يحل(٤).
قال القاضي عياض(٥): وجعلوا إباحته هذه ناسخة لقوله: (إنه
خبيث)) قال: والخبيث الحرام، قال: ولأنه آخر الأمر من نهي
رسول الله وَّة، قال: وقد قيل إن النهي عنه قد يحتمل أن يكون يبيع
ولفظ الحديث: عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّغر ((نهى عن ثمن
=
الكلب، إلاَّ كلب الصيد)). رواه الترمذي (١٢٨١).
(١) ص ١٢٥.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) انظر التعليق (١) و (٢) (ص ١٢٥). وحديث تخفيفه عن أبي طيبة الخراج
من رواية جابر - رضي الله عنهما - عند أحمد (٣٥٣/٣) الطحاوي في
معاني الآثار (١٣٠/٤)، والطيالسي (٢٦١/١)، وذكره في مجمع الزوائد
(٩٤/٤) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى ورجاله ثقات، إلاّ أنه من رواية
جعفر بن أبي وحشية، عن سليمان بن قيس، وقيل: إنه لم يسمع منه.
(٤) انظر كلام البغوي - رحمنا الله وإياه - في ت (٤ / ١١٧).
(٥) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٤/ ٢٥١).
!
١٢٧

ما يقصده من الحيوانات لمن يستجيز أكلها من الكفرة أو لاستعمالها
في بعض الأشياء.
واحتج لذلك: برواية: ((نهى عن ثمن الدم)» (١) قال
(١) البخاري أطرافه (٢٠٨٦)، وأبو داود في البيوع (٣٤٨٣) باب: في أثمان
الكلب، والبيهقي (٦/٦)، والبغوي (٢٠٣٩)، وأحمد (٣٠٨/٤، ٣٠٩)
من رواية أبي جحيفة. قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في زاد المعاد
(٧٩٠/٥):
فضل
الحكم السادس: خبثُ كسبِ الحَّامِ، ويدخُلُ فيه الفاصد والشارِط،
وكل من يكون كسبُه من إخراج الدم، ولا يدخل فيه الطبيب، ولا الكخَّال
ولا البيطارُ لا في لفظه ولا في معناه، وصحَّ عن النبيِّ ◌َّ ((أنَّه حكم
بِخُبثه وأَمَرَ صَاحِبَه أَنْ يَعْلِفَه نَاضِحَه أَوْ رَقِيقَهُ))، وصحَّ عنه ((أنه احتجمَ
وأعطى الحجامَ أجرَهُ». فأشكل الجمعُ بينَ هذين على كثير من الفقهاء،
وظنوا أن النهيّ عن كسبه منسوٌ بإعطائه أجره، وممِن سلك هذا المسلكَ
الطحاوي، فقال في احتجاجه للكوفيين في إباحة بيع الكلابِ، وأكلٍ
أثمانها: لما أمر النبيُّ ◌َله بقتل الكلابِ، ثم قال: «ما لي وللكلاب»، ثم
رخص في كلب الصيد، وكلبِ الغنم، وكان بيعُ الكلاب إذ ذاك والانتفاعُ
به حراماً، وكان قاتله مؤدياً للفرض عليه في قتله، ثم نُسِخَ ذلك، وأباخ
الاصطيادَ به، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه، قال: ومثلُ ذلك
نهيُهُ وَّه عن كسب الحجام، وقال: ((كسبُ الحجام خبيث)). ثم أعطى
الحجام، أجره، وكان ذلك ناسخاً لمنعه وتحريمه ونهیه. انتهى كلامه . .
وأَسهلُ ما في هذه الطريقة أنها دعوى مجردة لا دليلَ عليها، فلا تُقبل،
كيف وفي الحديث نفسه ما يُبطلها، فإنه وَله أمر بقتلِ الكلاب، ثم قال:
((ما بالُهم وبالُ الكلاب)) ثم رخَّض لهم في كلب الصيد.
١٢٨

--
=
وقال ابنُ عمر: أمرَ رسولُ اللَّهِ وَه بقتلِ الكِلابِ إلَّ كَلْبَ الصيدِ أو كلب
غَنمِ أو ماشِية.
وقال عبدُ الله بن مغفَّل: أمرنا رسولُ اللهِوَّه بقتل الكلابِ ثم قال ما بالُهم
وبَالُ الكِلاَب، ثم رخّصَ في كلب الصيد، وكلب الغنم. والحديثانِ في
((الصحيح)) فدلَّ على أن الرخصةَ في كلب الصيد وكلب الغنم وقعت بعد
الأمر بقتل الكلاب، فالكلبُ الذي أذن رسولُ الله ◌َ # في اقتنائه هو الذي
حرَّم ثمنه، وأخبر أنه خبيثٌ دونَ الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمورَ
بقتله غيرُ مستبقى حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر العادةُ
ببيعه وشرائه بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى
بيان حكم ثمنه أولى مِن حاجتهم إلى بيان ما لم تجرِ عادتُهم ببيعه، بل قد
أُمِرُوا بقتله.
ومما يُبين هذا أنه ◌َّ ذكر الأربعة التي تُبذل فيها الأموال عادة لحرص
النفوس عليها وهي ما تأخذُه الزانية والكاهِنُ والحجَّامُ وبائع الكلب فكيف
يُحمل هذا على كلب لم تَجْرِ العادةُ ببيعه، وتخرج منه الكلاب التي إنما
جرت العادة ببيعها هذا من الممتنع البينِ امتناعُه، وإذا تبين هذا، ظهر
فساد ما شبه به من نسخ خُبثٍ أجرة الحجام، بل دعوى النسخ فيها أبعد.
وأما إعطاءُ النبيِّ ◌َّر الحجام أجره، فلا يُعارض قوله: ((كسب الحجام
خبيث)) فإنه يقل: إن إعطاءه خبيث، بل إعطاؤه إما واجب، وإما
مستحب، وإما جائز، ولكن هو خبيثٌ بالنسبة إلى الآخذ، وخبتُه بالنسبة
إلى أكله، فهو خبيثُ الكسب، ولم يلزم من ذلك تحريمُه، فقد سمى
النبيُّ وَّة الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء
النبي ◌َّ﴿ الحجَّام أجرَه حِل أكلِه فضلاً عن كون أكله طيباً، فإنه قال:
(إِنِّي لُأُعْطِي الرَّجُلَ العَطِيَّةَ يَخْرُجُ بِهَا يَتَبَُّهَا نَارَا))، والنبِيُّ ◌َّ قد كان
يُعطي المؤلفةَ قلوبُهم مِن مال الزكاة والفيء مع غناهم، وعدم حاجتهم =
١٢٩

[وقد](١) قيل إنما كره ذلك لأنه لم يشترط أجرة معلومة قبل العمل
وإنما يعمل غالباً بأجر مجهول، قال: وهذا لا تعلق فيه وقد أجاز
العلماء مثل هذا على ما استمرت به العادة في المكارمة وإن كان لابن
حبيب ما ظاهره المنع في كل إجارة حتى تسمى الأجر.
إليه، ليبذُلوا من الإِسلام والطاعة ما يَجِبُ عليهم بذلُه بدون العطاء، ولا يَحِلُّ
=
لهم توقُّف بذله على الأخذ، بل يجبُ عليهم المبادرةُ إلى بذله بلا عوض.
وهذا أصل معروفٍ مِن أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكونُ جائزاً،
أو مستحباً، أو واجباً من أحد الطرفين، مكروهاً أو محرماً من الطرف
الآخر، فيجب على البازِل أن يَبْذُلَ، ويحرم على الآخذ أن يأخذه ...
وبالجملة فخبثُ أجرٍ الحجَّام من جنس خُبث أكل الثوم والبصل، لكن
هذا خبيثُ الرائحة، وهذا خبيثٌ لكسبه.
فإن قيل: فما أطيبُ المكاسب وأحلُّها؟ قيل هذا فيه ثلاثةُ أقوال للفقهاء:
أحدها: أنه کسبُ التجارة.
والثاني : أنَّه عملُ اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها.
والثالث: أنه الزِّراعةُ، ولكل قولٍ مِن هذه وجه من الترجيح أثراً ونظراً،
والراجح أن أحلَّها الكسبُ الذي جعل منه رِزق رسولِ اللهِ پ﴾ وهو کسبُ
الغانمين وما أُبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسبُ قد جاء في القرآن.
مدحُه أكثرَ مِن غيره، وأثني على أهله ما لم يُثْنَ على غيرهم، ولهذا.
اختاره الله لخيرِ خُلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقولُ: ((يُعِثْتُ بِالسَّيْفِ
بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ
رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ والصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي))، وهو الرزقُ
المأخوذُ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله، وجعل أحب شيء إلى الله، فلا
يُقاومه كسب غيره، والله أعلم.
(١) زيادة من ن ه ..
١٣٠

خاتمة :
جاء في ((صحيح مسلم)(١) النهي عن ثمن السنور أيضاً فأخذ حرمة ثمن الهر
بظاهره أبو هريرة وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد فقالوا لا يجوز
بيعه وعامة العلماء على خلافه وحملوا النهي على ما لا ينتفع به
أو على أنه نهي تنزيه ليعتاد الناس هبته وإعارته كما هو الغالب(٢)
وتضعيف الخطابي(٣) وابن عبد البر(٤) النهي لا يقبل بل الجواب / [٤٢/ أ/ب]
(١) مسلم (١٥٦٩)، وابن ماجه (٢١٦١)، وأبو داود في البيوع (٣٤٧٩)
باب: في ثمن السنور، والترمذي (١٢٧٩)، والنسائي (٣٠٩/٧)،
وأحمد (٢٩٧/٣، ٣٣٩، ٣٤٩، ٣٨٦)، والدار قطني (٢٧١).
(٢) قال في حياة الحيوان للدميري (٥٧٧/١) بعدما ذكر، كما هو الغالب،
فإن كان مما ينفع وباعه صَحَّ البيع، وكان ثمنه حلالاً، هذا مذهبنا
ومذهب العلماء كافة إلاَّ ما حكى ابن المنذر عن أبي هريرة، وطاووس،
ومجاهد، وجابر بن زيد، أنه لا يجوز بيعه محتجين بهذا الحديث،
وأجاب الجمهور بأنه محمول على ما ذكرنا وهذا هو المعتمد.
(٣) انظر: معالم السنن (١٢٥/٥). قال بعد كلام سبق: وقد تكلم بعض
العلماء في إسناد هذا الحديث، وزعم أنه غير ثابت عن النبي ◌َّة.
(٤) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٢٥/٢٠): وقد
روى في ثمن الهر حديث لا يثبت رفعه في النهي عنه. اهـ. وقال أيضاً في
التمهيد (٤٠٢/٨): بعد سياق الحديث: ((نهى رسول الله وَّل عن ثمن
الكلب والسنور))، قال: وحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح لأنها
صحيفة. وقال أيضاً (٤٠٣/٨): وليس في السنور شيء صحيح وهو على
أصل الإباحة. وبالله التوفيق. اهـ.
أقول: وقد صحح النووي رحمنا الله وإياه الحديث في شرحه لمسلم
(٢٣٤/١٠)، قال متعقباً ابن عبد البر: وهذا غلط من ابن عبد البر لأن =
١٣١

عنه ما ذكرناه .
مسلماً قد رواه كما ترى في صحيحه من رواية معقل بن عبيد الله عن
أبي الزبير فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير وهو ثقة أيضاً والله أعلم،
قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في زاد المعاد (٧٧٣/٥).
الحكم الثاني: تحرِيمُ بيع السِّنور، كما دل عليه الحديثُ الصحيح الصريح
الذي رواه جابر، وأفتی بموجبه، کما رواه قاسم بن أصبغ، حدثنا.
محمد بن وضَّاح، حدثنا محمد بن آدم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا
حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه كره ثمن
: الكلب والسنور. قال أبو محمد: فهذه فتيا جابر بن عبد الله، أنه كره بما:
رواه، ولا يُعرف له مخالف مِن الصحابة، وکذلك أنتی أبو هريرة - رضي
الله عنه - ، وهو مذهبُ طاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وجميع أهل
.. الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيارُ أبي بكر عبد العزيز،
وهو الصواب لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يُعارضه، فوجب القولُ به.
قال البيهقي: ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان:
محكوماً بنجاستها، فلما قال النبيُّ ◌َّهِ: ((الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجَسِ)). أخرجهِ.
مالك (٢٣/١) أحمد (٣٠٣/٥). صار ذلك منسوخاً في البيع. ومنه من
حمله على السنور إذا توخَّش، ومتابعة ظاهر السنَّة أولى. ولو سمع
الشافعي رحمه الله الخبر الواقع فيه، لقال به إن شاء الله، وإنما لا يقول به
مَنْ توقّف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن جابر.
على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس، وحفص بن غياث عن
الأعمش، عن أبي سفيان. انتھی کلامه.
ومنهم من حمله على الهرِّ الذي ليس بمملوك، ولا يخفى ما في هذه
· المحامل من الوهن.
١٣٢

٥٤ _ باب (١) العرايا وغير ذلك
أي من بيع النخل المزين، والعبد بما معه، والقبض في البيع،
وحكم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، وذكر في الباب
ستة أحادیث:
الحدیث الأول
٥٤/١/٢٨٣ _ عن زيدبن ثابت - رضي الله عنه -، ((أن
رسول الله وَلو رخص لصاحب العربة أن يبيعها بخرصها)) (٢).
ولمسلم: ((بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً».
(١) في ن هـ زيادة (بيع)، وأيضاً في إحكام الأحكام (٧١/٤)، وهي غير
موجودة في متن العمدة.
(٢) البخاري أطرافه (٢١٧٣)، ومسلم (١٥٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٦٧،
٢٦٨)، ومالك (٦١٩/١)، وابن ماجه (٢٢٦٩)، ومعاني الآثار (٢٨/٤،
٢٩)، والحميدي (٣٩٩)، والترمذي (١٣٠٢)، والبيهقي في الكبرى
(٣٠٩/٥، ٣١١)، ومعرفة السنن والآثار له (٩٨/٨، ٩٩)، وعبد الرزاق
(١٤٤٨٦)، وأحمد (١٨٢/٥، ١٨٨، ١٩٠)، والشافعي في المسند
(١٥٠/٢)، والرسالة له (٩٠٨).
١٣٣

الكلام علیه من وجوه :
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في كتاب الصيام في
الحديث الرابع منه .
معنى (العربة؟
الثاني: ((العربيّة)» مشددة الياء مشتقة من التعري وهو التجرد
[وهي النخلة] (١) يعريها صاحبها غيره ليجعل له ثمرتها عامة فيعروها
أي يأتيها ويتردد إليها فهي عريّة بمعنى مفعولة كما قاله الهروي
والجوهري(٢) وغيرهما.
أو بمعنى فاعلة كما قاله الأزهري(٣) والجمهور لأنها عريت
من حكم ما في البستان فخلى مالكها عنها من بين نخله.
· قال الجوهري(٤): إنما دخلت فيها الهاء لأنها أفردت وصارت
في عداد الأسماء مثل النطيحة، والأكيلة ولو جئت بها مع النخلة
[٩١/ هـ/ب] لقلت نخلة / عري.
وقيل: سميت عريّة لأنها عريت من جملة التحريم وعلة
المزابنة .
[الثالث:](٥) [اختلف](٦) العلماء في تفسير العرايا على أقوال:
(١) في ن هـ ساقطة
(٢) في غريب الحديث (٢٣١/١، ٢٩٣) (٢٢١/٣) (١٥٤/٤، ٤١٣) مع
اختلاف في سياق الكلام. مختار الصحاح (١٨٣).
(٣) تهذيب اللغة (١٥٦/٣).
(٤) مختار الصحاح (١٨٣).
(٥) في ن هـ بياض بمقدار كلمة.
(٦) في ن هـ (اختلفوا).
١٣٤

أحدها: أنها بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر أوجه بيع المرايا
خرصاً فيما دون خمسة أوسق قاله الشافعي وأحمد وآخرون فيخرص
الخارص ما على النخلة أو النخلات من الرطب إذا يبس فيقول هذا
الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه أربعة أوسق من التمر مثلاً
فيبيعه صاحبه بمثلها تمراً ويتقابضان في المجلس.
الثاني: هي أن يعرى الرجل أي يهب ثمرة نخلة أو نخلات ثم
يتضرر بمداخلة الموهوب له فيشتريها منه بخرصها تمراً ولا يجوز
ذلك لغير رب البستان قاله مالك.
قال القرطبي(١): وحاصل مذهبه أنها عطية ثمرة نخلة،
أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أعطيها أن يبيعها إذا بدأ صلاحها
من كل أحدٍ بالعين والعروض ومن يعطيها خاصة بخرصها تمراً
وذلك بشروط.
أحدها: أن يكون أقل من خمسة أوسق وفي الخمسة خلاف. شروط العرابا
ثانيها: أن يكون بخرصها من نوعها وما فيها نخلاً وعنباً وفي
غيرهما مما يوسق ويدخر للقوت [خلاف](٢).
ثالثها: أن يقوم بالخرص عند الجذاذ.
رابعها: أن يكون المشتري جملتها لا بعضها.
خامسها: / أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المعرى [٤٣/أ/أ]
قبل ذلك على شرط القطع لم يُجز، لتعدى محل الرخصة، ووافقه
(١) المفهم (٢٧١٥/٥).
(٢) في ن هـ ساقطة.
١٣٥

أحمد في تفسير العريّة كما نقله القاضي عنه قال: إلاّ أنه خالفه في
جواز بيعها من ربها وغيره وهو قول الأوزاعي لظاهر إطلاق الحديث
وعموم بيعها.
ثالثها: هي أن يهب رجل ثمر نخلة أو نخلات ولم يقبضها.
الموهوب له فيريد الواهب أن يعطي الموهوب له تمراً ويتمسك
بالثمرة قاله أبو حنيفة وأبو يوسف وإنما جاز له ذلك لأنه ليس من
باب البيع بل من باب الرجوع في الهبة التي لم تجب بناء على أن
الهبة لا تجب إلَّ بالقبض وظواهر الأحاديث ترد هذا التفسير.
قال القرطبي(١): وهذا المذهب فيه إبطال لحديث العربيّة [من
أصله فيجب إطراحه. وذلك: أن حديث العربيّة](٢) تضمن بأنه بيع
مرخص فيه في مقدار مخصوص. وأبو حنيفة: يلغي هذه القيود
الشرعية. وادعى هو قبل ذلك أن الحاصل من نقل أهل اللغة أنها.
عطية لا بيع وقوى بذلك مذهبه وقواه الشيخ تقي الدين الشهرة
تفسيرها بذلك من أهل المدينة وتداوله عندهم وبأن قوله في الحديث
((رخص لصاحب [العربيّة] (٣)) يشعر باختصاصه بصفة يتميز بها عن
غيره وهي الهبة الواقعة وانشدوا في تفسير العرايا قول الشاعر وهو
سويد بن [الصامت] (٤) كما ذكره القرطبي :
(١) المفهم (٤/ ٣٩٤).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤) في الأصل ون هـ (الصلت)، وما أثبت من غريب الحديث أبي عبيد
(٢٣١/١).
-
٠١٣٦.

ولكن عرايا في السنين الجوائح
ليست بسنهاء ولا رجبية
ونقل النووي في ((شرحه))(١): عن أحمد أن مذهبه في العرايا
كمذهب الشافعي وهو مخالف لما أسلفناه عن حكاية القاضي عنه،
قال: وظواهر الأحاديث ترد تأويل مالك وأبي حنيفة.
ونقل القرطبي(٢): عن أحمد مثل ما نقله القاضي عياض عنه
ولم يذكر عنه مخالفته في جواز بيعها من ربها وغيره ونقل عن
إسحاق أيضاً بموافقتها كالأوزاعي ثم قال: وأما الشافعي: فلم يعرج
في تفسيرها على اللغة المعروفة فيها .
قلت: قوله حجة في اللغة، قال: وكأنه اعتمد في مذهبه على
تفسير يحيى بن سعيد - راوي الحديث - فإنه فسرها بما ذكره.
قال: وهذا لا ينبغي أن يعول عليه، لأن يحيى بن سعيد ليس
صحابياً، فيقال: فهمه عن الشارع، ولا رفعه إليه، ولا ثبت به عرف
غالباً شرعي حتى يرجحه على اللغة. وغايته أن يكون رأياً ليحيى،
لا رواية له .
قلت: [يبعد](٣) رجوع هذا إلى الرأي وقد وافق الشافعي(٤)
(١) شرح مسلم للنووي (١٨٩/١٠).
(٢) المفهم (٤ / ٣٩٤).
(٣) في الأصل (ينظر)، وما أثبت من ن هـ.
(٤) انظر: تفسير الشافعي - رحمنا الله وإياه - للعرايا في الأم (٥٥/٣)، وفي
المعرفة والآثار للبيهقي (١٠٣/٨)، وفي تهذيب اللغة للأزهري
(١٥٥/٣) فإنه قد قسمها إلى ثلاثة أصناف.
١٣٧

[٤٣ / أ/ب] الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيدة وحكاه البغوي في ((شرح /
السنَّة)) (١) عن أكثر الفقهاء.
قال القرطبي: ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق(٢)، فإنه فسرها
بأن يهب الرجل الرجل النخلات، فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها
بمثل خرصها، قال: ثم هو عين المزابنة المنهى عنها [ووضع رخصة.
في موضع](٣) لا ترهق إليها حاجة أكيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن
المشترى لها بالتمر متمكن من بيع ثمره بعین [أو عروض، ویشتري
بذلك رطباً] (٤).
قلت /: قد يفسر ذلك وهذه رخصة من المزابنة فينبغي الأخذ
[٩٢/ هـ/ أ]
بها: «فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)»(٥).
(١) (٨/ ٨٧).
(٢) المفهم (٣٩٤/٤)، البخاري مع الفتح (٤/ ٣٩٠)، والترمذي (١٣٠٠)،
وأبو داود البيوع (٣٣٦٦) باب: تفسير العرايا، والبيهقي (٣١٠/٥).
(٣) في الفتح (٣٩٣/٤) في قصة.
(٤) في الفتح (٤/ ٣٩٣)، وشرائه بالعين ما يريد من الرطب.
(٥) البزار (٩٩٠)، والطبراني في الكبير (١١٨٨٠)، وأبو نعيم في الحلية.
(٢٧٦/٨)، وعبد الرزاق (٢٠٥٦٩)، وذكره في مجمع الزوائد
(١٦٢/٣)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب، وقد جاء من رواية:
ابن عمر ولفظه: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى:
معصيته)). أحمد (١٠٨/٢) البزار (٩٨٨، ٩٨٩)، ومسند الشهاب
(١٠٧٨)، وابن الإِعرابي في معجمه (١/٢٢٣)، وصححه الألباني في
الإرواء (٩/٣).
=
وعن عائشة - رضي الله عنها - في الثقات لابن حبان (١٨٥/٧)،
١٣٨

الرابع: قوله: ((بخرصها)) أي بحرزها، قال الجوهري(١): معنى (الخرص)
(الخرص)» حرز ما على النخل من الرطب والاسم الخرص بالكسر،
تقول كم خرص أرضك؟ وقال النووي(٢): روى بخرصها بكسر
الخاء وفتحها والفتح أشهر ومعناه: بقدر ما فيها إذا صار تمراً فمن
فتح قال هو مصدر أي اسم [للفعل](٣) ومن كسر قال [هو](٤) اسم
[للشيء](٥) المخروص(٦)، وقال القرطبي (٧): الرواية هنا بالكسر.
وقوله: ((تمراً) هو منصوب على التمييز.
وقوله: ((رطباً)) هو منصوب على الحال.
والكامل لابن عدي (١٧١٨/٥)، ولفظه: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه
=
كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)). قلت: وما عزائمه؟ قال: فرائضه. وضعفه
الهيثمي في المجمع (١٦٣/٣).
وعن أبي هريرة عند أبي نعيم في أخبار أصفهان (٢٨٦/١): وضعفه
الألباني في الإِرواء (١٢/٣). وعن ابن مسعود بلفظ: ((إن الله عز وجل
يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))، عند أبي نعيم في الحلية
(١٠١/٢)، والطبراني في الكبير (١٠٠٣٠)، وقد جاء من رواية أنس
وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وابن الأسقع. انطر الإِرواء (٣/ ١٠).
(١) مختار الصحاح (٧٩).
(٢) شرح مسلم (١٨٤/١٠).
(٣) في الأصل ون هـ (الفعل)، وما أثبت من شرح مسلم.
(٤) في الأصل ون هـ (إنه)، وما أثبت من شرح مسلم.
(٥) في الأصل ون هـ (الشيء)، وما أثبت من شرح مسلم.
(٦) انتهى كلام النووي - رحمنا الله وإياہ - .
(٧) المفهم (٢٧١٩/٥).
١٣٩

۔۔
الخامس: قد أسلفنا في الباب(١) قبله تحريم بيع المزابنة
وتفسيرها وأن العرايا مستثناة منها ومن غيرها رخصة للحاجة إليها
ولما كان التمر والزبيب مضبوطتين بالكيل والرطب والعنب بالخرص"
قريبتين إلى الضبط وعدم الخطأ في مقداره غالباً رخص فيه لضرورة
الناس إليه وألحق الماوردي (٢) البسر بالرطب وقياسه إلحاق الحصرم
بالعنب.
السادس: يؤخذ من الحديث الرخصة في الرطب وإلحاق
العنب به قياساً، وقال المحاملي(٣) وابن الصباغ(٤): نصا وقد أسلفنا
آنفاً عن الماوردي البسر أيضاً، [وهل يتعدى إلى غيرهما من الثمار
فيه قولان للشافعي: أصحهما: المنع، والثاني: نعم للحاجة كما
جوز في العنب القياس] (٥)
السابع: يؤخذ منه أيضاً أن الرخصة عامة بجميع الناس الأغنياء
والفقراء حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد وهو أصح قولي
الخلاف في
عموم رخصة بيع
المرايا
(١). ص ٩٧.
(٢) الحاوي الكبير (٢١٨/٥).
(٣) أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن المحاملي البغدادي، ولد سنة ثمان
وستين وثلاثمائة وتوفي في ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة.
طبقات الشافعية لأبن قاضي شهبة (١٧٤/١)، وفيات الأعيان (٥٧/١).
(٤) عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، ولد سنة أربعمائة وتوفي
في جمادى الأولى، وقيل: في شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
وفيات الأعيان (٣٨٥/٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة
(٢٥١/١).
(٥) في ن هـ ساقطة.
١٤٠