النص المفهرس
صفحات 81-100
الثاني: قوله: ((حتى يبدو صلاحها)) فسيأتي تفسيره في الحديث الخامس(١): ((حتى يحمر)) وفي رواية، «قيل: وما تزهوا؟ قال: تحمار أو تصفار)» وضبط بعض أصحابنا: بدو الصلاح: بظهور مبادىء النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره بأن يأخذ في الحمرة والسواد، وهو حد بدخوله كما بينته في كتب الفروع فإنه محله. الثالث: قوله: ((نهى البائع والمشتري)) هو تأكيد للمنع وإيذاناً معنى قوله النهي بأن المنع وإن كان احتياطاً لحق الإنسان فليس له تركه مع ارتكاب والمشتري؟ البــائع النهي فيقول: أسقطت حقي من الاحتياط لي فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار، وهي قبل بدو الصلاح معرضة للآفات والعاهات فإذا حصل عليها شيء منها أجحف به ولهذا ورد في الحديث الآتي: «أرأيت إذا منع الله الثمرة بِمَ يستحل أحدكم [مال](٢) أخيه؟))، فلذلك وقع المنع منه البائع والمشتري لأجل منع الشرع وكأنه لقطع النزاع والتخاصم. وعبارة النووي في شرحه(٣): ((أما البائع فلأنه يريد أكل المال بالباطل، وأما المشتري فلأنه يوافقه على حرام، ولأنه يضيع ماله وقد نهينا عن إضاعة المال)). الرابع: أكثر الأمة على أن النهي المذكور للتحريم وحمله حكم النهي عن أبو حنيفة على التنزيه، وبناه على أصله في رد / أخبار الاحاد بدو الصلاح شراء الثمرة قبل [١/٣٥/ ب] (١) ص ٨٥، ٨٦. (٢) في ن هـ (ملك). (٣) شرح مسلم (١٨٣/١٠). ٨١ بالقياس. وأخرج الفقهاء من عمومه بيعاً بشرط [القطع](١) اعتباراً للمعنى الذي لأجله نهى عن بيعها قبل بدو الصلاح، فإنها قبله معرضة للآفات والعاهات، فإذا بدأ صلاحها أَمنت العاهة فيها غالباً وقل غررها وكثر الانتفاع بها لأكل الناس إياها رطباً فلا يقصدون بشرائها الغرر، فإذا اشتريت على القطع لم يكن بذلك بأس لزوال الغرر بالقطع، وهذا إجماع إلاّ ما شِذ مما روي عن ابن أبي ليلى والثوري على ما حكاه القرطبي (٢) عنهما .. قال أصحابنا: ولو شرط [القطع](٣) أو [ثم] (٤) لم يقطع فالبيع صحيح ويلزمه البائع بالقطع فإن تراضيا على إبقائه جاز وإن باعها بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع، لأنه ربما تلفت قبل إدراكها كما أسلفناه فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل. واختلف العلماء في بيعها مطلقاً من غير شرط قطع ولا إبقاء، فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء: إلى المنع منه استدلالاً بعموم هذا الحديث وإطلاقه [فإنه](٥) إذا خرج [من] (٦) العموم بيعها بشرط القطع دخل باقي الصور التي من جملتها الإطلاق. (١). في ن هـ ساقطة. (٢) المفهم (٢٧١٠). (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) زيادة من ن هـ. (٥) في الأصل (فإذا)، وما أثبت من ن هـ. (٦) في ن هـ (عن). ٨٢ وقال ابن القاسم: إن جذها مكانه فالبيع جائز. وقال ابن القصار: البيع فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب والأبهري، قال اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن عند عدم العادة لأن محل البياعات على التقابض في الثمن والمثمن. قال ابن الجلاب: فإن شرط قطعها فبقّاها مشتريها ضمن مكيلتها [](١) إن كانت معلومة أو قيمتها إن كانت مجهولة. قال [الفاکھي](٢): وإنما قال ذلك لأنهما ینهیان أن یکونا دخل على التبقية، ومالك ينظر إلى فعلهما لا إلى قولهما، - وعندهم حكاية قولين: الجواز، وعدمه فيما إذا اشترطا وقف البيع حتى ينظر هل تسلم الثمرة فيمضي البيع أو لا؟(٣). [الرابع] (٤): مفهوم الحديث أنه إذا بدأ صلاحها صح بيعها جواز بيع الثمرة وهو كذلك فيجوز بيعها مطلقاً، وبشرط القطع وبشرط الإبقاء ثم إذا صلاها مطلقاً إذا بدأ بيعت بشرط الإِبقاء ومطلقاً لزم البائع تبقيتها إلى أوان الجذاذ لأن ذلك هو العادة فيها، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب شرط القطع، وشذ ابن حبيب فقال: هي على الجذ حتى يشترط البقاء. (١) في ن هـ زيادة (واو). (٢) في ن هـ (الرافعي). (٣) في الأصل زيادة (فلا). (٤) في ن هـ (الخامس). ٨٣ [٨٧/ هـ/ب] فرع: ذهب مالك / والكوفيون وأكثر العلماء إلى جواز بيع حكم بيع الحب المشتدوغير السنبل المشتد. المشتد وفصلت الشافعية فقالوا: إن كان السنبل شعيراً أو ذرة أو ما جواز بيع السنبل المشتد ونحوه في معناهما مما یری حباته [جاز بیعه،. [١/٣٦/ ١] وإن كان حنطة ونحوها: مما يستتر] (١)/ حباته بالقشور التي تزال في الدارس فقولان: أصحهما، وهو الجدید: لا یصح. وأما قبل الاشتداد: فلا يصح بيع الزرع إلّ بشرط القطع، وإذا باعه قبل اشتداده مع الأرض بلا شرط جاز تبعاً للأرض وكذا التمر قبل الصلاح إذا بيع مع الشجر بلا شرط تبعاً. [وكذا](٢) حكم البقول في الأرض: لا يجوز بيعها في الأرض، إلاَّ بشرط القطع، وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه: قبل بدو صلاحه. (١) في ن هـ ساقطة. (٢) في ن هـ (هكذا). ٨٤ الحديث الخامس ٥٣/٥/٢٧٧ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أن رسول الله ◌َيقول: ((نهى عن بيع الثمار حتى تُزهى))، قيل: وما تُزهى؟ قال(١): ((تحمر))، قال: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟))(٢). الكلام عليه من وجوه : الأول: هذا الحديث رواه البخاري بهذا اللفظ إلاّ أنه قال: ألفاظ الحديث ((يأخذ)) بدل ((يستحل)) وترجم عليه، ((باب: إذا باع الثمار قبل بدو ورواياته الصلاح ثم أصابته عاهة فهو من البائع))(٣)، وفي رواية له: ((نهى أن (١) في متن العمدة وإحكام الأحكام زيادة (حتى). (٢) البخاري أطرافه (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥)، والموطأ (٦١٨/٢)، والنسائي (٢٦٤/٧)، والبغوي (٢٠٨٠، ٢٠٨١)، والبيهقي (٣٠٠/٥)، وابن الجارود (٦٠٤)، وأحمد في المسند (١١٥/٣، ٢٢١، ٢٥٠)، والبيهقي في معرفة السنن (٧٣/٨، ٧٤)، والأم (٤٧/٣)، وأبو داود (٣٣٧١) في البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، والحاكم (١٩/٢)، والدار قطني (٤٧/٣)، وابن أبي شيبة (٥٠٨/٦). (٣) البخاري مع الفتح (٣٩٨/٤) ح (٢١٩٨). ٨٥ تباع ثمرة النخل حتى تزهو)) يعني حتى تحمر، وترجم عليها: ((بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها))(١)، وفي رواية له: ((نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها))، وفي رواية له: ((وعن النخل حتى يزهو قيل: وما تزهو؟ قال: يحمار أو يصفار»، وترجم عليها: ((بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها)»(٢)، وفي رواية له: ((نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو)). فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع [الله](٣) الثمرة بم تستحل مال أخيك؟))(٤) ذكرها في ((باب: بيع. المخاطرة))(٥). ورواه مسلم بألفاظ: أحدها: نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟(٦). ثانيها: نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهى، قالوا: وما تُزهى؟ قال: تحمر. فقال: إذا منع الله الثمرة بم تستحل مال [أخيك))؟(٧)](٨). (١) البخاري مع الفتح (٣٩٣/٤) ح (٢١٩٥). (٢) البخاري مع الفتح (٤/ ٣٩٧) ح (٢١٩٧). (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) ح (٢٢٠٨). (٥) البخاري مع الفتح (٤ / ٤٠٤). (٦) (١٥٥٥) (١٥). (٧) في ن هـ (أخيه) . : (٨) مسلم (١٥٥٥) (١٥). ٨٦ ثالثها: ((إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه))(١). الثاني: قوله: ((أرأيت)) إلى آخره قال عبد الحق في ((جمعه بين الاختلاف في وصل لفظة ((أرأيت)) الصحيحين)) ليس بموصول عنه في كل طريق. قلت: هذا أمر اختلف فيه قديماً، فالصواب: كما قاله الدارقطني وغيره أنه من قول أنس كما ذكره عبد الحق، قال أبو زرعة: الداروردي، ومالك بن أنس [يرويانه] (٢) مرفوعاً والناس يروونه موقوفاً من كلام أنس. ووقع في كلام الشيخ تقي الدين الجزم برفعه وتبعه ابن العطار وليس بجيد (٣). (١) (١٥٥٥) (١٦). (٢) في ن هـ (برواياته). (٣) قال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٩٠)، وأما قوله: «أرأيت إن منع الله الثمرة ففیم يأخذ أحدكم مال أخيه)) فيزعم قوم أنه من قول أنس بن مالك، وهذا باطل بما رواه مالك وغيره من الحفاظ في هذا الحديث إذ جعلوه مرفوعاً من قول النبي صل#. وقد روى أبو الزبير عن جابر عن النبي ◌َلقه مثله . أهـ. قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - تأييداً لهذا الكلام في الفتح (٣٩٨/٤): على قوله: ((أرأيت إن منع الله الثمرة)) الحديث. هكذا صرح مالك برفع هذه الجملة، وتابعه محمد بن عباد عن الداروردي عن حميد مقتصراً على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدارقطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم أبن أبي حاتم في العلل (٣٧٩/١) عن أبيه وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز من محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الداروردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها، ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه : = ٨٧ ٠ ١ الثالث: قوله: ((حتى تُزهى))، قال ابن الأعرابي(١): يقال زها ضبط لفظة اتزهى؟ النخل يزهوا إذا ظهرت ثمرته، وأزها يزهى إذا احمر أو اصفر، وقال [٣٦/ أ/ ب] الأصمعي (٢): / لا يقال في النخل أزهى، إنما يقال يزهى. وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخليل: أزهى النخل بدأ صلاحه. · وقال الخطابي(٣): يروى ((حتى تزهو))، والصواب: في العربية حتى ((تزهى)) بضم التاء لا غير أي لأن الأصل حتى تزهو لأنه .(قال أفرأيت)) الخ، قال: فلا أدري أنس، قال: ((بم يستحل)) أو حدث به عن النبي 9َّ، أخرجه الخطيب في ((المدرج)) ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله ((تزهى)) وظاهره الوقف، وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر كلاهما عن حميد بلفظ: ((قال أنس أرأيت إن منع الله الثمرة)» الحديث، ورواه ابن المبارك وهشيم كما تقدم آنفاً عن حميد فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك. قلت: وليس في جميع ما تقدم أن يكون التفسير مرفوعاً، لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع في حديث أنس، ولفظه ((قال رسول الله صل﴾ لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق))؟. اهـ. (١) تهذيب اللغة (٣٧١/٦). (٢) تهذيب اللغة (٣٧١/٦). (٣) معالم السنن (٤١/٥). ٨٨ ... من الزهو فكان لقلب الواو ياء موجبان: وقوعها رابعة وكسر ما قبلها، فهو كبدعي ويعزى وأشباهها إذا عديت بهمزة النقل، فلما قلبت الواو ياء صار تزهی. قلت: وما صوَّبه الخطابي فهو مروي أيضاً في الحديث، وعليه اقتصر المصنف وعلى أن بعضهم أنكر ما صوبه. قال ابن الأثير: منهم من أنكر يزهى كما أن منهم من أنكر (١) تزهو (١). ٦ والصواب: تخريج الروايتين على اللغتين، زهت تزهو، وأزهت تزهي، فمن نقل حجة على من لم ينقل إذا كان ثقة . قال الخطابي(٢): والإِزهاء في [الثمر](٣) أن يحمر أو يصفر، علامة(الازهاء) وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة. وقال الجوهري(٤): ((الزَّهْوُ)) - بفتح الزاي وأهل الحجاز يقولون بضمها - وهو البسر الملون. يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل فقد ظهر فيه («الزُّهْوُ))، وقد ((زَهَا)) النخل (الزهوا))، وأزْهَى لغة. وقال الشيخ تقي الدين(٥): ((الإِزهاء)) تغير لون الثمرة [إلى](٦) حالة الطيب، ولم يذكر في هذه اللفظة غير ذلك. (١) إلى هنا نهاية كلام ابن الأثير في النهاية (٣٢٣/٢). (٢) معالم السنن للخطابي (٤١/٥). (٣) في ن هـ (الثمرات)، وما أثبت يوافق المعالم. (٤) انظر: مختار الصحاح مادة (زهـ ا). (٥) إحكام الأحكام (٤/ ٦٣). (٦) في إحكام الأحكام (في). ٨٩ الرابع: قوله (حتى تحمر))(١) كذا اقتصر [عليه] (٢) المصنف معنى قوله احتى تحمر؟ وقد أسلفت لك في رواية أخرى ((وتصفر»، وفي أخرى: «تحمار أو تصفار))، ونقل القاضي عن الخطابي(٣): أنه لم يرد بقوله: [٨٨/ هـ/أ] ((يحمار ويصفار)) اللون الخالص / [وإنما أراد لون خالص](٤) في كمودة، ولذلك قال: ((تحمار وتصفار)»، ولو أراد اللون الخالص لقال: ((تحمر وتصفر)). قلت: قد قاله في الرواية الأخرى. حذف الألف من دماء الاستفهامية الخامس: قوله: ((بم)) تكتب هكذا بغير ألف فإن ((ما)) الاستفهامية إذا كانت مخصوصة بالإضافة كقولهم: ((تجيء وجيت)) ومثل: ((هأنت)» أو بحرف الجر كقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ﴾(٥)، و﴿عَّ يَتَسَ لُونَ﴾(٦). حذفت ألفها وهذا بخلاف ((ما)) الخبرية (٧) كقولك: ((رغبت فيما رغبت: فیه))، و «جئت لما جئت إليه)) [ ](٨). فإنها لا تحذف. والفرق: أن ما كثر استعماله التمس تخفيفه، و((ما)) الاستفهامية أكثر من الخبرية. الفرق بين «ماء الاستفهامية والخيرية (١) كلمة (حتى) ساقطة من متن الحديث في سياقه. (٢) في الأصل (على)، وما أثبت من ن هـ. (٣) معالم السنن للخطابي (٤٢/٥). (٤) في ن هـ ساقطة . (٥) سورة الحجر: آية ٥٤. (٦) سورة النبأ: آية ١ ١٠ (٧) انظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (١٩٤)، ط. محي الدين عبد الحميد. (٨) كتب علامة صح في الأصل. ٩٠ وأيضاً: ((فما)) الاستفهامية اسم تام [غير](١) مفتقر إلى صلة ولا صفة. و ((ما)» الخبرية موصولة، والموصول والصلة كالشيء الواحد، فلو حذفت ألف الخبرية لوقع الجر فيه حشو الكلمة، ومحل الحذف إنما هو الظرف وليس / كذلك الّامة إذ لا صلة لها فوقع الحذف فيها [١/١/٢٧] طرفاً لا حشواً. السادس: في هذه الرواية إشارة إلى ما تقدم من كون الثمار قبل بدو صلاحها عرضة للآفات والعاهات وهي قوله: (( [أرأيت](٢) إن منع الله [الثمرة](٣))) إلى آخره. ووقع في شرح الشيخ تقي الدين(٤): عند ذكر حديث أنس هذا سبق قلم من الكاتب فإن فيه: ((مثل هذا في المعنى حديث أنس الذي بعده))، وصوابه: ((مثل هذا في المعنی حديث ابن عمر الذي قبله، فتنبه له)). السابع: فيه أيضاً دلالة على منع بيع الثمرة قبل الإِزهاء وقد تقدم الكلام عليه واضحاً في الحديث قبله(٥). الثامن: فيه أيضاً دلالة على أنه يكتفي بمسمى الإِزهاء (١) في ن هـ ساقطة. (٢) زيادة من ن هـ. (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) إحكام الأحكام (٦١/٤) والسياق في النسخ التي بين يدي: ومثل هذا في المعنى حديث أنس الذي بعده. وليس فيه ملابسة ولكن لعله اطلع على نسخة أخرى غير الموجودة الآن، وتم تصحيحها من المحقق. (٥) ص ٨١. ٩١ وابتدائه، من غير اشتراط [تكماله](١)، لأنه جعل مسمى الإِزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى، ويحتمل أن يستدل به على العكس، لأن الثمرة المبيعة قبل الإِزهاء - أعني ما لم يُزْه من الحائط - إذا دخل تحت اسم الثمرة، فيمتنع بيعه قبل الإِزهاء. ذكره الشيخ تقي الدين(٢) وقال: إن قال بهذا قائل فله أن يستدل بذلك. انتهى، وإنما يقول بذلك إن قاله ظاهري محض لا يُراعى المعنى الذي سنذكره على الأثر .. دلالة الحديث بالاكتفاء يزهو بعض الثمرة في ذلك التاسع: فيه أيضاً دلالة على أن زهو [بعض] (٣) الثمرة كافٍ في جواز البيع من حيث ينطلق عليها أنها أزهت بإزهاء بعضها مع حصول وخلاف العلماء المعنى، من الأمن من العاهة غالباً، ولولا وجود المعنی كان تسميتها ((مزهية)) بإزهاء بعضها قد لا يكتفي به لكونه مجازاً (٤)، وأيضاً لو قيل. بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره، والله تعالى أمتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة إطالة لزمن التفكه. وعند المالكية(٥) أنه لو كان الذي أزهى باكورة لم يجز بيع متأخره معه، بل تباع الباكورة وحدها، قالوا: وإنما منع أن تباع معه لاستقبال المتأخر بعدم الإِزهاء فهو داخل تحت النهي، قال: الأبهري منهم، ولأنه لا يؤمن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، (١) في ن هـ بكامله .. (٢) إحكام الأحكام (٤/ ٦٣). (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) انظر: إحكام الأحكام (٤/ ٦٤). (٥) انظر: المبحث كاملاً في الاستذكار (٨١/١٩، ١٠٩). ٩٢٠ فيكون بيعه غرراً وقد نهى عنه، وكذا لو كان في الحائط نوعان من النخل صيفي وشتوي، لم يبع أحدها بطيب الآخر كما لا يجوز بيع ثمرة السنة الثانية مع الأولى. واختلفوا فيما إذا لم يزه الحائط ويزهى ما حوله من الحوائط، فقال مالك: يجوز بيعه. وقال ابن القاسم: أحب إليّ أن لا یبیعه حتی یزهى. قال ابن يونس: والأول أقيس لأنه لو ملك ما حوله من الحوائط جاز بيع بعضها بإزهاء بعض. قال القاضي عبد الوهاب: ولأن الزمان الذي تؤمن / فيه [١/٢٧/ب] العامة غالباً قد حصل. والأصح عند الشافعية: أنه إذا اختلف الحائط لا يتبع أحدهما الآخر. العاشر: فيه دلالة أيضاً كما قال القاضي: على أن المعتبر يدو لا يشترط بدر صلاحها في صلاحها سواء كان في الوقت الذي جرت العادة بطيبها فيه. أم لا ونها وأنه لا يعتبر الوقت الذي جرت العادة بطيبها فيه، قال: وذهب بعض العلماء إلى اعتبار الوقت فلو بكرت لم تعتبر الباكورة، قال: وإنما يعتبر الوقت في غير الباكورة أما هي فيجوز بيعها وإن بكرت عن الوقت، وهذا قد قدمناه عن المالكية. الحادي عشر: يؤخذ من قوله: ((أرأيت)) إلى آخره أن مال الغير حرمة مال الغير لا يحل ولا يستحل إلَّ بالوجوه الشرعية لا بالحيل ولا ببعض شروط الحل دون بعض. ٩٣ الثاني عشر: قد يؤخذ منه أيضاً وضع الجوائح، وفيه حديث خلاف العلماء. في وضع الجوائح في (صحيح مسلم))(١) من حديث جابر أنه عليه الصلاة والسلام: (أمر بوضع الجوائح)) وهو مذهب الإِمام أحمد .. ومقدارها ومذهب الشافعي / وأبي حنيفة والليث وآخرين المنع، [٨٨/ هـ/ب] وقال مالك(٢): إن كانت دون الثلث، لم يجب وضعها وإن كانت الثلث، فأكثر وجب والمسألة مبسوطة في الفروع والخلافيات. الثالث عشر: فيه أيضاً السؤال عن معنى اللفظ الغريب والجواب عنه وبیان حكمته. (١) مسلم كتاب المساقاة (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٤)، والنسائي (٢٦٥/٧)، وأحمد (٣٠٩/٣)، والتمهيد (١٩٥/٢). (٢) انظر: الاستذكار (١١٠/١٩، ١١٥). ٩٤ الحديث السادس ٥٣/٦/٢٧٨ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، قال: (نهى رسول الله (ێ( أن تتلقی الر كبان، وأن یبیع حاضر لبادٍ»، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله ((حاضر لباد؟، قال: لا يكون له سمساراً)(١). الكلام عليه من وجوه : الأول: ((السمسار)» الدلال وأصله القيم بالأمر الحافظ له ثم معنى استعمل في متولى البيوع، والشراء لغيره وكأنها لفظة أعجمية(٢)، السمارة (١) البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١)، وأبو داود في الإجارة (٣٤٣٩) باب: في النهي أن يبيع حاضر لباد، وابن ماجه (٢١٧٧)، والنسائي (٢٥٧/٧). (٢) انظر: المعرب للجواليقي (٢٠١)، قال: عربت، قال أحمد شاكر في تعليقه عليه. قلد المؤلف في هذا الليث. ولا دليل على تعريبها. اهـ. انظر قصد السبيل (١٥٢/٢) قال في اللسان: السمسار الذي يبيع البر للناس، السمسار: القيم بالأمر الحافظ له (واستشهد بقول الأعشي: فأصبحت ... ) وهو في البيع اسم الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطاً لإِمضاء البيع ... السمسرة البيع والشراء. اهـ. ٩٥ ويقال لجماعة السمسار: السماسرة وسماهم عليه الصلاة والسلام تجاراً(١). [و](٢) السمسرة: [البيع] (٣) والشراء. الثاني: تقدم الكلام على فقه الحديث في الحديث الثاني من الباب واضحاً فليراجع منه . حرمة تعاطي الأسباب المنھی منهـا الثالث: فيه أيضاً دلالة على تحريم تعاطي أسباب الشيء المنهى عنه لأن الدلال لما كان سبباً لتعاطي هذا البيع المحرم حرم عليه الكلام والدخول فيه وكما حرم عليه السمسرة فيه كذلك يحرم عليه أن يكون وكيلاً في بيعه تبعاً. الرابع: فيه السؤال عما يجهله الإنسان والجواب عنه بمقتضى ما يعلمه المجيب. (١) وقد ورد بذلك حديث عن قيس بن أبي غرزة: ((كنا نسمى السماسرة قسمانا النبي ﴿ بأحسن منه، فقال: يا معشر التجار)). رواه أحمد (٦/٤، ٢٨٠)، وصححه الحاكم في المستدرك (٥/٢، ٦)، والترمذي (١٢٠٨)، وأبو داود (٣٣٢٦)، والنسائي (٣٧٩٧، ٣٧٩٨)، وابن ماجه ( /)، والإصابة (٥/ ٢٦٢). (٢) في هـ (أو). (٣) زيادة من ن هـ. ٩٦ الحديث السابع ٥٣/٧/٢٧٩ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((نهى رسول / الله ◌ُ * عن المزابنة: [(١)] أن يبيع ثمر حائطه إن [٢٨/ أ/ أ] كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً: أن يبيعه بزبيب كيلاً، أو كان زرعاً: أن يبيعه بکیل طعام. نهى عن ذلك كله))(٢). الکلام علیه من وجوه : أحدها: ((المزابنة)) مأخوذة من الزبن وهو الدفع، ومنه الزبانية، معنى (المزابنة) لأن الغبن فيها يكثر غالباً لبنائها على التخمين فيزيد المغبون رفعه والغابن إمضائه فيتدافعان. الثاني: ذكر في الحديث أمثلة لها وحاصلها يرجع إلى بيع وجه النهي عن معلوم بمجهول من جنسه، ووجه النهي فيها أنه بيع مال الربا بجنسه بيع المزابنة (١) في ن هـ (والمزابنة). (٢) البخاري أطرافه (٢١٧١)، ومسلم (١٥٤٢)، والنسائي (٢٦٦/٧)، والموطأ (٦٢٤/٢)، والمسند للشافعي (١٥٣/٢)، والبيهقي في السنن (٣٠٧/٥)، والأم (٦٢/٣)، والرسالة (٩٠٦)، وعبد الرزاق (١٤٤٨٩)، والبيهقي في معرفة السنن (٩٣/٨). ٩٧ من غير تحقق المساواة في المعيار الشرعي - وهو الكيل - فنهى عنه لما يقع فيه من الغبن والجهالة. الثالث: قوله ((ثمر حائطه)) هو بالثاء المثلثة. وقوله: ((بتمر كيلاً)» هو بالمثناة فوق لأنه اليابس، والأول الرطب، وإن كان حكم الرطب في الأرض والتمر على رؤوس النخل بعكسه، ولو باع الرطب على رؤوس النخل والبسر على الأرض فهو كبيعه بالرطب، ولو باعه بالطلع ففيه ثلاثة أوجه في الماوردي. ثالثها: يجوز بطلع الذكر دون طلع الإِناث. والحائط : البستان. [الرابع](١): في الحديث دلالة على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا على ما سيأتي في الباب(٢) بعده. واتفقوا: على أنه ربا. وأجمعوا: على تحريم بيع العنب بزبيب إلاّ في العرايا. وأجمعوا أيضاً: على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية وهي المحاقلة مأخوذة من الحقل وهو الحرث ومواضع الزرع وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعاً . وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعاً جاز بيعه بمثله من اليابس لكنه داخل تحت نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الرطب بالتمر. (١) في ن هـ (رابعها). (٢) ض ١٤٠. ٩٨ الخامس: صح النهي (١) عن تسمية العنب كرماً فإن الكرم كرامة تسمية العنب كرماً الرجل المسلم، قيل: سمى كرماً من الكرم - بفتح الراء - لأن الخمرة المتخذة منه تحمل عليه(٢)، فكره أن یسمی به وجعل المؤمن أحق ما يستحق من الكرم، ويقال: لرجل كرْم - بإسكان الراء وفتحها - أي كريم، وقال الزمخشري: أراد أن يقرر ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ج أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلِكُمْ﴾ (٣) بطريقة أنيقة ومسلك لطيف(٤)، وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرماً، ولكن الإِشارة إلى أن المسلم التقي جدير بأن لا يشارك فيما [سماه](٥) الله [(٦)] به. وقوله: ((إنما الكرم الرجل المسلم)) أي المستحق للاسم المشتق من الكرم: الرجل المسلم، وهذا [الذي] (٧) قاله حسن (١) لحديث علقمة بن وائل عن أبيه، عن النبي وَلي، قال: ((لا تقولوا: الكَرْمُ، ولكن قولوا: الحبلة أو العنب)). البخاري في الأدب المفرد (٧٩٥)، ومسلم (٢٢٤٨)، والدارمي (١١٨/٢). حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقولوا: العنب الكرم، إنما: الكرم الرجل المسلم)». البخاري (٦١٨٢، ٦١٨٣)، ومسلم (٢٢٤٧)، والبغوي (٣٣٨٥)، وأبو داود (٤٩٧٤) في الأدب، باب: في الكرم وحفظ المنطق، وأحمد (٣١٦/٢، ٢٧٢). (٢) أي تحث على الكرم ومكارم الأخلاق. انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٦٧). (٣) سورة الحجرات: آية ١٣ . (٤) الفائق للزمخشري (٢٥٧/٣)، وفيه بقية كلام بعده لم يذكره المؤلف. (٥) في الأصل (سواه)، وما أثبت من ن هـ والفائق. (٦) في ن هـ زيادة (تعالى)، وهي غير موجودة في الفائق. (٧) زيادة من ن هـ. ٩٩ ۔۔ : [لكنه](١) يمتنع أن يراد المعنيان؛ النهي بدلالة النص والمعنى الآخر بإشارته، إذا تقرر ذلك. فقوله هنا ((وإن كان كرماً)) إن كان من كلامه ◌َّ فتحتاج إلى الجمع بين قوله ونهيه، فتأمله ولا تخفى على الفطن (٢). : (١) في الأصل (لكيلا)، وما أثبت من هـ. (٢) قال ابن حجر في الفتح (٣٨٦/٤) بعد كلام سبق: وقد ورد النهي عنه كما سيأتي الكلام عليه في الأدب (٥٦٤/١٠، ٥٦٦)، ويجمع بينهما بحمل النهي على التنزيه ويكون ذكره هنا لبيان الجواز، وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة من كلام النبي وَ ه، وعلى تقدير كونه موقوفاً. فلا حجة على الجواز فيحمل النهي على حقيقته. اهـ، محل المقصود منه !. ١٠٠