النص المفهرس

صفحات 1-20

الأعْلامِيَةَوَائِدعَدَةُ الَشْكَامِ
للإمَام الحَافظ العَلَامَة
أَبِيْ حَفْص ◌ُعُمْن ◌َعَلِيّ بْن أَحْمَد الْأَنْصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ
المعروف بابن الملقن
( ٧٢٣ - ٨٠٤) هـ
تقديم
فضيلة الشيخ
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
وعضو الجَة الدائمة للإفتاء
فضيلة الشيخ
بكر بن عبد الله أبو زيد
عضو هيئة كبار العلماء
وَعُضو اللجنة الدائمة للإفَّاء
حقّقَهُ وضَطَ نصَّه وعزاآ بانه وخرّج أحاديثه وَوَنّى نقوله وعَلّى عَليه
عبد العزيز بن أحمد بن محمد الشيع
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
الجزّء السَّابع
كتاب البيوع
(٢٧١ - ٣١١) حَديث
دَارُ الخَاصَّة
لِلنَّشْرِ وَالتوزيع

3
..

كتاب البيوع
٥

٥٢ - باب البيوع (١)
هو جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، ويستعمل بمعنى معنى البيع
الشراء أيضاً، وشريت أيضاً يستعمل المعنيين، وكل واحد مبيع
وبائع، لأن الثمن والمثمن كل واحد منهما مبيع،
ويقال : بعته وابتعته فهو مبيع ومبيوع(٢)، والمحذوف من مبيع الواو
لزيادتها، إذعين الكلمة [فالأول](٣) للخليل(٤)، والثاني: للأخفش(٥).
(١) من هنا بداية سقط في هـ وينتهى في ص ٣٩.
(٢) في شرح مسلم (١٥٤/١٠) العبارة هكذا: قال الجوهري: كما تقول مخيط
ومخيوط. قال الخليل: المحذوف من مبيع واو مفعول لأنها زائدة فهي
أولى بالحذف. وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة.
(٣) في الأصل قولان ولعله خطأ من الناسخ وما أثبت حسب المراجع وسياق
الكلام .
(٤) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري، ولد سنة ١٠٠ هـ وتوفي سنة
سبعين ومائة على اختلاف. أخبار النحويين للسيرافي (٣٨)، وتاريخ العلماء
النحويين (١٢٤)، وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين (١١٤).
(٥) سعيد بن مسعدة الأخفش الأصغر، قيل إنه توفي سنة سبع ومائتين. على
اختلاف في ذلك. تاريخ العلماء النحويين (٨٥)، ومراتب النحويين
(١١١، ١١٢)، وأخبار النحويين للسيرافي (٦٦).
٧

قال المازني(١): كلاهما حسن، والثاني: أقيس،
وبيع الشيء: بالكسر والضمّ بالإِشمام وبوع لغة فيه، وكذا
القول في کیل(٢).
وحكى الزجاج عن أبي عبيدة: أباع بمعنى باع وهو غريب
شاذ،
البيع لغة وشرعاً
والبيع في اللغة: مقابلة شيء بشيء.
وفي الشرع: مقابلة مال بمال ونحوه مقابلة ملك بعوض وهو
والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام عالم الإِنسي لاحتياجه إلى الغذاء
والغشیان،
وذكر المصنف - رحمه الله - في الباب حديث ابن عمر،
وحديث حكيم بن حزام:
(١) هو بكر بن محمد المازني أبو عثمان، وتوفي سنة سبع وأربعين ومائتين.
تاريخ العلماء النحويين (٦٥)، وأخبار النحويين البصريين (٧٤، ٨٥).
تنبيه: في شرح مسلم (١٥٤/١٠) المازري، وهو تصحيف فليصحح.
(٢) انظر: لسان العرب (٥٥٦/١ ، ٥٥٧).
٨

الحدیث الأول
٥٢/١/٢٧١ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
/ عن رسول الله وَر أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما [١/٢٣/أ]
بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً. أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا
على ذلك، فقد وجب البيع))(١).
الکلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري (٢) بهذا اللفظ بزيادة روايات الحديث
بعد: ((فقد وجب البيع))، ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد
منهما البيع، فقد وجب البيع)). وقد ذكره بهذه الزيادة المصنف في
«عمدته الكبرى))، وترجم عليه البخاري (٣)، ((باب: إذا خير أحدهما
(١) البخاري أطرافه (٢١٠٧)، ومسلم (١٥٣١)، والترمذي (١٢٤٥)،
وأبو داود في البيوع (٣٤٥٥) باب: خيار المتبايعين، والنسائي (٢٤٨/٧،
٢٤٩، ٢٥٠)، والبيهقي (٢٦٩/٥)، والحميدي (٦٥٤)، والبغوي
(٢٠٤٨)، وابن أبي شيبة (١٧٦/٧)، وعبد الرزاق (١٤٢٦٢،
١٤٢٦٣)، وأحمد (٤/٢، ٧٣).
(٢) البخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤).
(٣) الفتح (٣٣٣/٤) مع رقم الحديث المذكور في التعليق.
٩

صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع)). وفي رواية له (١): ((البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال:
((أو يكون بيع خيار))، وترجم عليها (باب: إذا لم يوقت في الخيار
هل يجوز البيع أم لا)). وذكره بألفاظ أخر وترجم عليه أبواباً.
ورواه مسلم: بألفاظ منها لفظ المصنف بزيادة بعد قوله (٢):
((أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر)) إلى آخره بالزيادة
التي ذكرها من عند البخاري أيضاً ومنها(٣):
«إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما
لم يتفرقا، أو قال: يكون بيعهما عن خيار. فإذا كان بيعهما عن
خيار، فقد وجب البيع)).
الثاني: معنى قوله: ((أو يخير أحدهما الآخر)) أن يقول له اختر
إمضاء البيع، فإذا اختار إمضاءه وجب البيع - أي لزم، وانبرم - فإن
خَير أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار الساكت وفي انقطاع خيار
القائل وجهان لأصحابنا .
أصحهما: الانقطاع لظاهر الحديث.
الثالث: الحديث دال على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من
المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما،
وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من
مذاهب العلماء
في الأخذ بهذا
الحديث
(١). الفتح (٣٣٢/٤) ورقم الحديث (٢١١٣).
(٢) مسلم (١٥٣١) (٤٤).
(٣) مسلم (١٥٣١) (٤٥).
١٠

الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وهو قول البخاري(١) والشافعي وأحمد
وابن حبيب من المالكية .
ونفاه مالك(٢) وأبو حنيفة(٣)
(١) البخاري، باب: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) (٣٢٨/٤) ح (٢١١٠)).
(٢) فالمالكية: يقولون يلزم العقد بالإِيجاب والقبول، لا يثبت فيه خيار
المجلس، لأن الله أمر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾
والخيار منافٍ لذلك، فإن الراجع عن العقد لم يف به ولأن العقد يتم
بمجرد التراضي بدليل قوله تعالى: ﴿ إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾
والتراضي يحصل بمجرد حضور الإِيجاب والقبول فيتحقق الالتزام من غير
انتظار لآخر المجلس . اهـ.
(٣) فتأول الحنفية حديث خيار المجلس: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) بأنه
وارد في مرحلة ما قبل تمام العقد ومعناه: المتناومان قبل العقد، إن شاءا
عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه.
والمراد بالتفرق: هو التفرق بالأقوال لا بالأبدان. وللموجب أن يرجع عن
إيجابه قبل قبول الآخر، وللآخر الخيار إن شاء قبل في المجلس، وإن
شاء رد، وهذا هو خيار القبول أو الرجوع. اهـ.
وقد تعقب ابن عبد البر مذهبهما في التمهيد (١١/١٤، ١٤) قائلاً:
قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في
رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره تشعيب، لا يحصل منه على شيء
لازم لا مدفع له؛ ومن جملة ذلك، أنهم نزعوا بالظواهر، وليس ذلك من
أصل، مذهبهم؛ فاحتجوا بعموم قول الله عز وجل: ﴿أَوْقُواْ بِالْمُقُودٍ﴾
قالوا: وهذان قد تعاقدا، وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقد؛ وبعموم
قول رسول الله وَل: ((من ابتاع طعاماً لا يبعه حتى يستوفيه)). قالوا فقد
أطلق بيعه إذا استوفاه قبل التفريق وبعده. وبأحاديث كثيرة مثل هذا، فيها =
١١

إطلاق البيع دون ذكر التفرق، وهذه ظواهر وعموم، لا يعترض بمثلها.
=
على الخصوص والنصوص، وبالله التوفيق.
واحتجوا أيضاً بلفظة رواها عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن
النبي ◌ُّ* أنه قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ولا يحل له أن يفارق:
صاحبه خشية أن يستقيله))، قالوا: فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما
قبل الافتراق؛ لأن الإقالة لا تصح إلاَّ فيما قد تم من البيوع.
وقالوا: قد يكون التفرق بالكلام، كعقد النكاح وشبهه، وكوقوع الطلاق:
الذي قد سماه الله فراقاً؛ والتفرق بالكلام في لسان العرب معروف أيضاً،
كما هو بالأبدان؛ واعتلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّ
مِّن سَعَتِهِ،﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ﴾ وبقول
رسول الله ◌َ: ((تفترق أمتي)) لم يرد بأبدانهم قالوا ولما كان الاجتماع
بالأبدان لا يؤثر في البيع، كذلك الافتراق لا يؤثر في البيع؛ وقالوا إنما
أراد بقوله : ((المتبايعان بالخيار)) - المتساومين. قال: ولا يقال لهما
متبايعان، إلَّ ما داما في حال فعل التبايع، فإذا وجب البيع لم يسميا:
متبايعين، وإنما يقال كانا متبايعين، مثل ذلك المصلي، والآكل،
والشارب، والصائم؛ فإذا انقضى فعله ذلك، قيل كان صائماً، وكان
آكلا، ومصلياً، وشارباً؛ ولم يقل إنه صائم، أو مصل، أو آكل،
أو شارب إلاَّ مجازاً، أو تقريباً واتساعاً، وهذا لا وجه له في الأحكام؛
قالوا فهذا يدل على أنه أراد بقوله البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، والمتبايعان.
بالخيار ما لم يتفرقا - المتساومين. وعن أبي يوسف القاضي نصاً أنه
قال: هما المتساومان، قال: فإذا قال بعتك بعشرة، فللمشتري الخيار في:
القبول في المجلس قبل الافتراق، وللبائع خيار الرجوع في قوله قبل قبول.
المشتري؛ وعن عيسى بن أبان نحوه أيضاً. وقال محمد بن الحسن: معنى
قوله في الحديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا .. أن البائع إذا قال قد =
١٢

وربيعة(١). وحكى عن النخعي (٢) وهو رواية عن الثوري(٣)
والأحاديث الصحيحة ترد عليهم وليس لهم عنها جواب
صحیح،
فمن اعتذاراتهم: أنه حديث خالفه راويه فإن مالكاً رواه ولم
يقل به. وروى البيهقي(٤) عن ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث
ابن عمر هذا فحدثوا به أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ليس هذا بشيء،
بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت؛ وهو قول أبي حنيفة،
=
وقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يرد هذا الخبر باعتباره إياه على أصوله
كسائر فعله في أخبار الآحاد، كان يعرضها على الأصول المجتمع عليها
عنده، ويجتهد في قبولها أو ردها؛ فهذا أصله في أخبار الآحاد، وروي
عنه أنه كان يقول في رد هذا الحديث: أرأيت إن كانا في سفينة، أرأيت
إن كانا في سجن، أو قيد، كيف يفترقان؟ إذن فلا يصح بين هؤلاء بيع
أبداً. وهذا مما عيب به أبو حنيفة - وهو أکبر عيوبه، وأشد ذنوبه - عند
أهل الحديث الناقلين لمثالبه، باعتراضه الآثار الصحاح، ورده لها برأيه؛
وأما الإِرجاء المنسوب إليه فقد كان غيره فيه أدخل، وبه أقول؛ لم يشتغل.
أهل الحديث من نقل مثالبه، ورواية سقطاته، مثل ما اشتغلوا به من
مثالب أبي حنيفة؛ والعلة في ذلك ما ذكرت لك لا غير؛ وذلك ما وجدوا
له من ترك السنن، وردها برأيه؛ أعني السنن المنقولة بأخبار العدول
الآحاد الثقات، والله المستعان. اهـ.
(١) انظر: الاستذكار (٢٢٧/٢٠).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٨/ ٥٢).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٨/ ٥٣).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٢٧٢/٥).
١٣

أرأيت إن كانا في سفينة. قال ابن المديني: إن الله سائله عما
قال(١).
ومنها: أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى.
ومنها: أنه يخالف القياس الجلي والأصول القياسية المقطوع
بها .
ومنها: أنه معارض / لإِجماع أهل المدينة وعملهم.
٠ [٢٣/ أ/ ب] .
ومنها: أنه حديث منسوخ.
ومنها: أنه محمول على خيار الشرط أو صار إلحاق الزيادة
بالثمن والمثمن.
(١) قال ابن التركماني: قلت: هذه حكاية منكرة لا تليق بأبي حنيفة مع ما
سارت به الركبان وشحنت به كتب أصحابه ومخالفيه من ورعه المشهور
ولقد حكى الخطيب في تاريخه أن الخليفة في زمنه أرسل إليه يستفتيه في
مسألة فأرسل إليه بجوابها فحدثه بعض من كان جالساً في حلقته بحديث
يخالف فتياه فرجع عن الفتيا وأرسل الجواب إلى الخليفة على مقتضى
الحديث ويحتمل أن تكون الآفة من بعض رواة الحكاية ولم يعين ابن
عيينة من حدثه بذلك بل قال حدثونا وعلى تقدير صحة الحكاية لم يرد
بقوله: ليس هذا بشيء الحديث. وإنما أراد ليس هذا الاحتجاج بشيء
يعني تأويله بالتفرق بالأبدان فلم يرد الحديث بل تأوله بأن التفرق المذكور
فيه هو التفرق بالأقوال لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنْ
سَعَتِهِ ﴾، ولهذا قال أرأيت لو كانا في سفينة أو تأول المتبايعان .
بالمتساومين على ما هو معروف من مذهب الحنفية ومذهبه هو قول طائفة:
من أهل المدينة وإليه ذهب مالك وربيعة والنخعي وأهل الكوفة ورواه
عبد الرزاق عن الثوري. اهـ. من السنن الكبرى للبيهقي (٢٧٢/٥).
١٤

ومنها: حمل المتبايعين على المتساومين وكل هذه اعتذارات
عجيبة، وقد قررها الشيخ تقي(١) الدين في ((شرحه))، وذكر الجواب عنها.
وقد أغلظ ابن أبي ذئب على مالك لما بلغه مخالفة الحديث
بعبارات مشهورة حتى قال: يستتاب مالك(٢) من ذلك فأين إجماع
أهل المدينة؟ وقد قال به أيضاً من أهل المدينة سعيد بن المسيب
والزهري. وهذا عبد الله بن عمر رأس المفتين في وقته بالمدينة كان
يرى به أيضاً، ((وكان إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه)) ورواية
البيهقي(٣) من حديث عبد الله بن عمر، كما رواه عنه نافع آخر
(١) إحكام الأحكام (٥/٤، ٢٦) واكتفى بعزوه إليه عن نقل ما يحتاج نقله في
هذا الموضع اكتفاء بوجوده فيه .
(٢) المنقول عن الإِمام مالك - رحمنا الله وإياه - أنه قال: العمل عندي على
غيره، لأن أهل بلدنا رأيتهم يقولون: فرقة الكلام. فقال ابن أبي ذئب:
يجب أن يستتاب في هذا مالك !! فإنه يروى، ولا يعمل به. قوله: ((فرقة
الكلام)) أي حمل قوله: ((حتى يتفرقا)) على التلفظ بالإيجاب، والقبول.
وليس المراد التفرق بالأبدان، وعند أكثر أهل العلم أن المراد بالتفرق هو
التفرق بالأبدان، وأنهما ((أي البائع والمشتري)» بالخيار بين فسخ البيع
وإمضائه ما لم يتفرقا بالأبدان - كما سيأتي أنه مروي عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - .
وقد تعرض لهذه المسألة كثير من الأئمة بالتفصيل وتوضيح مقصد الإمام
مالك - رحمنا الله وإياه - فمنهم القاضي عياض في كتابه ((ترتيب
المدارك)) (٥٣/١)، وابن العربي في ((القبس)) (٨٤٤/٢، ٨٤٥)، ونقل
ذلك مفصلاً ابن حجر في فتح الباري (٤ /٣٣٠).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٢٦٩/٥).
١٥

الحديث(١)، وتفسير الراوي مقدم على تفسیر غيره، ویعضده لاحتى
يتفرقا من مكانهما))(٢)، وهي صريحة في أن المراد بالتفرق هو
التفرق من المكان لا التفرق بالأقوال، وهو لفظ البيع وفي ((سنن
أبي داود)»(٣)، و((جامع الترمذي))(٤)، من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه، عن جده أن رسول الله وسلم قال: ((البيعان بالخيار ما لم
يتفرقا، إلاَّ أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية
أن یستقیله»، قال الترمذي: حديث حسن.
قال المصنف: في (عمدته الكبرى)) فلو كانت الفرقة بالكلام
ولم يكن خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال: ((ولا
يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله))، وكذا جعل الترمذي في
«جامعه»(٥) هذا الحديث دليلاً لإثبات خيار المجلس، واحتج به علی
المخالف لأن معناه أن يختار الفسخ فعبر بالإقالة عن الفسخ. لأنها
فسخ وما سلف عن أبي حنيفة من قوله: ((أرأيت إن كانا في سفينة))
(١) البخاري (٢١٠٧)، ومسلم (١٥٣١) (٤٥)، والبيهقي (٢٦٩/٥).
هي رواية ابن عمر عند البيهقي.
(٢)
(٣) أبو داود في البيوع (٣٤٥٦) باب: خيار المتبايعين.
(٤) الترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٢٥١/٧، ٢٥٢)، وأحمد (١٨٣/٢)،
وابن الجارود (٦٢٠)، والدارقطني (٦/٣)، والبيهقي (٢٧١/٥)، وسنده:
حسن كما قال الترمذي. وانظر: تلخيص الحبير (٢٠/٣)، وأبو داود في
البيوع (٣٤٥٦) باب: في خيار المتبايعين، السنن الصغرى للبيهقي
(٢٤٢/٢).
(٥) الترمذي (٥٣٨/٣) باب: ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا.
١٦٠

عجبت منه، فنحن نقول به فإن خيارهما باق ما داما مجتمعين فيها
ولو بقيا سنة وأكثر.
ومن جملة اعتذاراتهم عن الحديث: استحالة العمل بظاهره،
لأنه أثبت الخيار لكل واحد من المتبايعين على صاحبه فلا يخلوا،
إما أن يتفقا على الاختيار أو يختلفا، فإن اتفقا لم يثبت لواحد منهما
على صاحبه خيار، وإن اختلفا فإن اختار أحدهما الفسخ والآخر
الإِمضاء فقد استحال أن يثبت لكل واحد منهما على صاحبه الخيار،
أو الجمع بين الفسخ والإِمضاء مستحيل فيلزم تأويل الحديث ولا
يحتاج إليه ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر.
وأجيب: عن هذا بأنه عليه الصلاة والسلام لم يثبت مطلق
الخيار، بل أثبت الخيار، وسكت عما فيه الخيار، فنحن نحمله
على خيار الفسخ، فيثبت لكل واحد منهما خيار الفسخ، / على [٢٤ /١/١]
صاحبه .
۔۔
الرابع: الحديث دال أيضاً على أن خيار المجلس ينقطع فوائد الحديث
بالتخاير منهما أو من أحدهما.
الخامس: الحديث دال أيضاً على أنهما إذا تبايعا بشرط الخيار
ووقع التبايع عليه أن البيع لازم من غير خيار المجلس، هذا ظاهر
لفظ الحديث حيث علق التخيير بالتبايع وجعله أمراً موجباً للبيع، ولا
معنى لوجوبه إلاَّ عدم ثبوت خيار المجلس، لكن الفقهاء قد فسروا
انقطاع خيار المجلس بالتخاير، إما لإِمضاء البيع أو فسخه، ولم
يذكروا أنه إذا شرطه أنه يكون مسقطاً لخيار المجلس، بل قالوا:
١٧

خيار المجلس ثابت بأصل البيوع لا يسقطه شيء، وحكوا خلافاً فيما
إذا تبايعا وشرطا عدم الخيار مطلقاً،
والأصح عند الشافعية: عدم صحة البيع،
وقيل: يصح، وفي ثبوت الشرط على هذا وجهان.
١٨

الحديث الثاني
٥٢/٢/٢٧٢ - عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - ،
قال: قال رسول الله الى: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا - أو قال:
حتى يتفرقا - فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما
وكذبا، محقت بركة بيعهما)»(١).
الكلام علیه من وجوه :
الوجه الأول: هذا الحديث باللفظ المذكور هو للبخاري (٢) ألفاظ الحديث
في، (باب: إذا بيَّن البيعان ولم يكتما ونصحاً)).
رواه مسلم(٣) في صحيحه بدون قوله: ((أو قال حتى يتفرقا))
وقال: ((وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما))، ثم قال مسلم: وُلد
حكيم بن حزام في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرون سنة. وفي
(١) البخاري أطرافه (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢)، وأبو داود في البيوع
(٣٤٥٩) باب: خيار المتبايعين، والنسائي (٢٤٤/٧، ٢٤٥)، والدارمي
(٢٥٠/٢)، والطيالسي (١٣١٦)، والترمذي (١٢٤٦)، والبيهقي
(٢٦٩/٥)، والبغوي (٢٠٥١)، وأحمد (٤٠٢/٣، ٤٠٣، ٤٣٤).
(٢) البخاري (٣٠٩/٤) ح (٢٠٧٩).
(٣) مسلم (١٥٣٢).
١٩

رواية للبخاري(١): ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))، قال: همام - أحد
رواته _ وجدت في كتابي: ((يختار ثلاث مراراً - فإن صدقا وبينا
بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحاً ويمحقا
بركة بيعهما)). وقال أبو داود: في ((سننه))(٢): أما همام فقال: ((حتى
يتفرقا أو يختارا ثلاث مرار)).
ترجمة حكيم
الوجه الثاني: في التعريف براويه هو حكيم - بفتح الحاء
المهملة وكسر الكاف - بن حِزام - بكسر الحاء المهملة ثم زاي
مفتوحة - بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب،
أبو خالد الأسدي المكي، ابن أخي خديجة - رضي الله عنهما -
أسلم عام الفتح هو وبنوه: عبد الله، وخالد، ويحيى، وهشام،
وشهد بدراً مشركاً، وكان إذا اجتهد في يمينه يقول: والذي نجاني أن
أكون قتيلاً يوم بدر. وروي عنه أنه قال: ولدت قبل قدوم أصحاب
الفيل بثلاث عشرة سنة، وأعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه
عبد الله حين وقع فدى قبل أن يولد النبي صل# بخمس سنين، وولد
حكيم في جوف الكعبة كما سلف، ولا نعرف من ولد بها غيره وأما
[٢٤/ أ/ ب] ما روي أن علياً / ولد في جوفها فلا يصح. وعاش مائة وعشرين
سنة؛ ستين في الجاهلية وستين في الإِسلام، قاله إبراهيم بن المنذر،
واستشكله فإنه من مسلمة الفتح، وأوَّل على أن المراد بالإِسلام من
حين ظهوره لا من حين إسلامه، فإنه مات بالمدينة سنة أربع
وخمسين في قول جماعة، وقال البخاري: سنة ستين، وقيل: سنة
(١) البخاري (٢١١٤).
(٢) أبو داود (٣٤٥٩).
٢٠