النص المفهرس

صفحات 401-420

السقيا (١) وهو عين ماء على ميل من السقيا بالقاف وهو وادي العباديد
على ثلاث مراحل من المدينة [قائل](٢) اسم فاعل من القول [أو من
القائلة](٣) أيضاً والأول هو المراد هنا.
والسقيا: اسم مفعول بفعل مضمر كأنه قال اقصدوا السقيا كذا موقع السقياء
قال القرطبي(٤) وقال: إنه من القيلولة أي وفي عزمه أنه يقيل
بالسقيا، والسقيا: قرية جامعة بين مكة والمدينة بينها وبين الفرع(٥)
مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلاً. وفي الصحيح(٦) أيضاً: ((خرجنا
مع رسول الله رَّة حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم
إذا بصوت بأصحابي يتراؤن شيئاً فنظرت فإذا حمار وحشي))
الحدیث.
والقاحة (٧) بالقاف على الصواب ووهم من قالها بالفاء وهو واد موقع (القاحة)
على نحو ميل من/ السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة، وفي هذه [١٩/أ/ ب]
(١) السقيا بضم المهملة وإسكان القاف بعدها تحتانية مقصورة: قرية جامعة
بين مكة والمدينة. انظر: معجم البلدان (٢٢٨/٣)، والفتح (٢٥/٤).
(٢) في المخطوطة (قابل)، وما أثبت من فتح الباري (٢٥/٤).
(٣) في المخطوطة (من القائل)، وما أثبت من الفتح (٢٥/٤).
(٤) في المخطوطة هكذا وفي الفتح (٢٥/٤) وكأنه كان بتعهن وهو يقول
لأصحابه: اقصدوا السقيا. اهـ. وقد تعقب ابن حجر كلام القرطبي
بقوله: ((واغرب القرطبي)) ... إلخ.
(٥) انظر: مقدمة كتاب التيمم.
(٦) مسلم (١١٩٦) (٥٦).
: /
(٧) قال القاضي عياض - رحمنا الله وإياه - في المشارق (١٩٨/٢) الناس
بالقاف إلاَّ القابسي فضبطوه عنه بالفاء. اهـ.
٤٠١

الرواية بيان موضع الاصطياد. فاستفده. وفي «صحيح أبي حاتم ابن
حبان))(١) من حديث أبي سعيد الخدري. أنه - عليه الصلاة
والسلام - بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج
رسول الله وَّله وأصحابه محرمون حتى نزلوا بعسفان ثنية الغزال. فإذا
هم بحمر وحش ... الحديث.
(الخامس): في الحديث أحكام:
الأول: أن الإِمام وأصحابه إذا خرجوا في طاعة من حج
أو غيره وعرض لهم أمر يقتضي تفريقهم فرقهم طلباً للمصلحة فإن
السنة عدم تفرق الرفقة في السفر.
الثاني: جواز اصطياد الحلال الصيد المباح وهو إجماع.
الثالث: أن عقر الصيد ذکاته.
الرابع: عدم الإقدام على الشيء حتی یعرف حکمه.
الخامس: جواز الاجتهاد في زمنه وَلّ حيث أكلوا بعضه
باجتهاد وفي ((صحيح مسلم)) (٢): ((فأكل منه بعض أصحاب النبي وَلـ
وأبى بعضهم)) الحديث.
السادس: الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأدلة بالاشتباه
أو الاحتمال.
(١) سبق تخريجه، وقد قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح
(٢٤/٤): وقد وقع في حديث أبي سعيد المذكور أن ذلك وقع وهم
بعسفان. وفيه نظر. وتصحيح ما سيأتي وذكر القاحة ... إلخ.
(٢) مسلم (١١٩٦) (٥٧).
٤٠٢

السابع: أنه إذا كان للمحرم سبب في اصطياد الصيد بإشارة
أو إعانة يمنع من أكله وإلاّ فلا.
الثامن: جواز هدية الحلال للمحرم من لحم الصيد.
التاسع: تحريم لحم الصيد على المحرم إذا صاده هو أو كان تحريم لحم
الصيد على
له في اصطياده أثر من دلالة عليه أو إعانة، وأجمع العلماء على المحرم إذا صيد
من أجله
تحریم الاصطياد عليه.
قال الشافعي وآخرون: ويحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة حرمة نملك
وغيرهما وفي إرثه إياه بالإِرث خلاف والأصح عند الشافعية أنه
المحرم للصيد
يملك ويلزمه إرساله وفي ((الحاوي الصغير)) أنه يزول ملكه عقبه
والصحيح في ((شرح المهذب))(١) للنووي أنه لا يزول ملكه بل يلزمه
إرساله حتی لو لم يفعل وباع صح بيعه.
وأما اصطياد الحلال لنفسه من غير إعانة المحرم ولم يقصد الخلاف في أكل
المحرم صيد
الحـلال
المحرم.
فجمهور العلماء: على حل أكله للمحرم بالهدية وهو قول
الشافعي ومالك وأحمد وداود فإن قصده فحرام سواء صاده بإذنه
أو بغير إذنه.
وقال أبو حنيفة(٢): لا يحرم عليه لحم ما صيد له بغير إعانة
منه .
(١) المجموع (٣٠٩/٧، ٣١٠).
(٢) الاستذكار (١١/ ٢٧٣).
٤٠٣

وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلاً بل هو حرام عليه
مطلقاً وهو محكي عن [عمر] (١) وعلي وابن عباس وجماعة من
السلف منهم الثوري وإسحاق وذكر نحوه عن مالك أيضاً والليث
لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾(٢) قالوا: والمراد
[٢٠/ أ/أ] بالصيد المصيد ولرده - عليه الصلاة والسلام - / لحم الصيد في
حديث الصعب بن جثّامة الآتي عليه، وعلله بأنه محرم دون شيء
آخر من قصده بَ ليل به ولا غيره وحديث أبي قتادة هذا يرد هذا القول
فإنه أكله وأمر بأكله وفي رواية لمسلم(٣): ((إنما هي طعمة
أطعمكموها الله)، وفي ((سنن أبي داود))(٤) و((الترمذي))(٥)
و ((النسائي))(٦) وصحيحي ابن حبان(٧) والحاكم(٨) عن جابر مرفوعاً:
(١) الذي في الاستذكار (٢٧٥/١١) ابن عمر لأن عمر يرى أكل كل ما صاده
الحلال من الصيد الذي يحل للحلال أكله)). اهـ.
(٢) سورة المائدة: آية ٩٦.
(٣) مسلم (١١٩٦) (٥٧)، والبخاري (٢٩١٤)، وأبو داود (١٨٥٢) في
المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي (٨٤٧)، والنسائي
(١٨٢/٥)، والبغوي (١٩٨٨)، والحميدي (٤٢٤).
(٤) أبو داود (١٨٥١) في المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم.
(٥) الترمذي (٨٤٦). قال أبو عيسى: حديث جابر حديث مفسر، والمطلب
لا نعرف له سماعاً عن جابر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم،
لا يرون بالصيد للمحرم بأساً، إذا لم يصطده أو لم يصطد من أجله. اهـ.
(٦) النسائي (١٨٧/٥) ..
(٧)
ابن حبان (٣٩٧١).
(٨) الأم (٢٠٨/٢). قال الشافعي - رحمنا الله وإياه - : هذا أحسن حديث =
٤٠٤

((صيد البر لكم حلالاً ما لم تصيدوه أو يصاد لكم)). قال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين، وقال الشافعي: هو أحسن شيء روى
في الباب وأقیس.
قلت: فيجب إذن الجمع بين الأحاديث وحديث جابر هذا
صريح في الفرق وهو ظاهر في الدلالة للجمهور وراد للمذهبين
الأخرين ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده
وحديث صعب الآتي على قصدهم به.
وتحمل الآية الكريمة: على الاصطياد وعلى لحم ما صيد
للمحرم للأحاديث المبينة للمراد من الآية.
وأما قولهم في حديث الصعب: علل بأنه محرم فلا يمنع كونه
صيد له لأنه إنما يحرم الصيد على الإِنسان إذا صيد بشرط أنه محرم
فبين في حديث الصعب الشرط الذي يحرم به.
فرع(١): لو خالف المحرم فأكل ما حرم عليه فهل يلزمه الجزاء الخلاف في
المحرم إذا
أكل ما حرم
روي في هذا الباب وأقيس والعمل على هذا. اهـ. والحاكم (٤٥٢/١)، عليه تلزمه
=
وعلى شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً البيهقي (١٩٠/٥). الفدية أم لا؟
قال ابن التركماني: فظهر بهذا أن الحديث له أربع علل، إحداها: الكلام
في المطلب. ثانيتها: أنه لو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث
مرسل. ثالثتها: الكلام في عمرو. رابعتها: أنه ولو كان ثقة فقد اختلف
عليه كما مر. وقد أخرجه الطحاوي (١٧١/٢) من وجه آخر عن المطلب
عن أبي موسى. وقال ابن حزم في المحلى: هو خبر ساقط، وانظر:
التمهيد (١٥٣/٢١)، والاستذكار (٢٧٧/١١)، والمجموع (٣٠١/٧).
(١) انظر: إلى أقوال أهل العلم في الاستذكار (٣٠٨/١١، ٣١٢).
٤٠٥

وهو القيمة بقدر ما أكل فيه قولان للشافعي الجديد منهما عدم
اللزوم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه جزاء آخر في صيد الإِحرام ووافقنا في
صيد الحرم.
وروى عن ابن القاسم: أنه إن كان عالماً أنه صيد من أجله
أو من أجل محرم سواه فالجزاء عليه وإن لم يعلم فلا شيء عليه.
وروى عن مالك في ((المختصر)) و((كتاب ابن المواز))
و ((العتبية)» أنه لا جزاء على من لم يصد من أجله من المحرمين.
وقال أصبغ: لا جزاء عليه وإن صيد من أجله وإن علم كمن
أكل ميتة محرمة وغير هذا خطأً(١).
العاشر: تبسط الإِنسان إلى صاحبه بطلب ما يؤكل.
الحادي عشر: تطييب قلوب الاتباع بأكل ما شكوا في حله
(١) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٨١/١١): وهم
مختلفون فيما صاده الحلال هل يحل للمحرم أكله، على أقوال:
أحدها: أن أكل الصيد حرام على المحرم بكل حالٍ، على ظاهر قول الله
عز وجل: ﴿وَمُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] لم يخصّ
أكْلاً مِنْ قَتْلٍ.
والثاني: أن ما صاده الحلال جاز لمن كان حلالاً في حين اصطياده محرماً
دون من كان محرماً من ذلك الوقت وقت اصطياده.
والثالث: أن ما صيد لمحرم بعينه جاز لغيره من المحرمين أكله ولم يجز
ذلك له وحده .
والرابع: أن ما صيد لمحرم لم يجز له ولا لغيره من المحرمين أكله. اهـ.
٤٠٦

أو كان عندهم وفيه إذا كان عنده علم من جوازه وحله وموافقتهم في
الأكل وقد تقدم مثل هذا في قوله - عليه الصلاة والسلام - :
((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت)) (١) إشارة إلى
موافقتهم في الحلق وتطييب قلوبهم.
الثاني عشر: المبالغة في بيان الأحكام حيث قال: ((هل معكم
منه شيء؟ وأكل منه))، واستدل بعض المالكية على أن المدني يجوز
له تأخير الإِحرام إلى الجحفة إذا كان مريداً للحج أو العمرة.
وحكى ابن عبد البر(٢) خلافاً عن أصحاب مالك في وجوب
الدم لمجاوزته.
واستدل/ به بعضهم أيضاً: على أن الآمر بقتل الصيد كالقاتل [٢٠/أ/ ب]
نفسه وأن الدال على الخير والشر كفاعله.
قال بعض المالكية: وانظر لو دل أحد على مال رجل أو على الخلاف إذا دل
المحرم حلالاً أو
قتله فأخذ أو قتل بجرم الدال يقاد منه كما قال أشهب في المحرم محرماًآخر في
لزوم القدية
الدال على قتل الصيد.
قلت: وهذه المسألة اختلف الناس فيها.
فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء على المحرم الدال
للحلال.
وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة
والتابعين: عليه الجزاء.
(١) سبق تخريجه.
(٢) الاستذكار (٨٣/١١).
٤٠٧

وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دل محرماً آخر.
فذهب الكوفيون وأشهب إلى أن على كل واحد منهم جزاء.
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل.
وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح أو بالسوط وبأي مؤنة
كانت.
قال القرطبي وقال بعض شيوخنا: ولو أشار إليه ليصيد لكان
دالاً ويجري فيه الخلاف المذكور.
فائدة: روى الدار قطني(١) والبيهقي (٢) بإسناد صحيح في هذا
الحديث أن أبا قتادة ذكر شأنه لرسول الله وَ ليل وأنه إنما اصطاده له
قال: ((فأمر النبي ◌َ ل﴿ل أصحابه فأكلوا، ولم يأكل [منه](٣) حين
أخبرته أني اصطدته [له](٤))). قال الدارقطني: قال أبو بكر
النيسابوري(٥): قوله: ((إنما اصطدته لك))، وقولهم: ((لم يأكل منه))
لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر قال البيهقي: وهذه
الرواية غريبة والذي في الصحيحين أنه - عليه الصلاة والسلام -
أکل منه، قال: وإن كان سندها صحيح.
(١) الدارقطني (٢٩١/٢).
(٢)
البيهقي (١٩٠/٥)، ومعرفة السنن (٤٣١/٧).
(٣) زيادة من الدارقطني.
(٤) في المخطوط (لهم)، وما أثبت من الدارقطني، ولعله (لك)، كما هي في
السطر الذي يليه.
(٥) انظر: البيهقي (١٩١/٥)، ومعرفة السنن (٤٣١/٧).
٤٠٨

قال النووي في ((شرح المهذب))(١): ويحتمل أنه جرى لأبي
قتادة في تلك السفرة قضيتان للجمع بين الروايتين.
خاتمة: ترجم البخاري على هذا الحديث جزاء الصيد من تراجم
ونحوه(٢) وإذا رأى المحرمون صيداً فضحكوا ففطن الحلال(٣) وساق البخاري
الحديث عند
الحديث وفيه: ((فبصر أصحابي بحمار وحشي، فجعل بعضهم
يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه)) الحديث، وترجم
عليه أيضاً لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد(٤)، ولا يشير
المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال(٥).
(١) المجموع (٣٢٦/٧).
(٢) لم يدخله في هذه الترجمة وإنما للتي بعده، باب: إذا صاد الحلال فأهدى
للمحرم الصيد أكله.
(٣) البخاري في الفتح (٢٦/٤)، ح (١٨٢٢).
(٤) البخاري في الفتح (٢٦/٤)، ح (١٨٢٣).
(٥) البخاري في الفتح (٢٨/٤)، ح (١٨٢٤).
٤٠٩

الحديث الثاني
٥١/٢/٢٧٠ - عن الصعب بن جثّامة الليثي أنه أهدى إلى
النبي ◌َ# حماراً وحشياً، وهو بالأبواء - أو بودان _(١) فلما رأى ما
في وجهه، قال: ((إنا لم نرده عليك إلاّ أنا حرم)) (٢).
وفي لفظ لمسلم: رجْل حمار(٣).
:
وفي لفظ: شق حمار (٤).
وفي لفظ: عجز حمار(٥).
قال المصنف؛ وجه هذا الحديث أنه ظن أنه صيد لأجله،
والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله.
(١) في متن العمدة زيادة (فرده عليه).
(٢) البخاري في أطرافه (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣)، والترمذي في الحج
(٨٤٩)، باب: ما جاء في كراهية لحم الصيد، والنسائي (١٨٣/٥،
١٨٤)، وابن ماجه (٣٠٩٠)، وابن الجارود (٤٣٦)، ومالك (٣٢٥/١)،
وأحمد (٣٨/٤، ٧٢)، والبيهقي (١٩١/٥)، والبغوي (١٩٨٧)،
والدارمي (٣٩/٢)، والحميدي (٧٨٣).
(٣) مسلم (١١٩٣) (٥٤).
المرجع السابق.
(٤)
(٥) المرجع السابق.
٤١٠

الكلام عليه من وجوه :
[١/١/٢١]
الأول: التعريف/ براويه هو الصعب بفتح الصاد وسكون العين التعريف
المهملتين ثم باء موحدة بن جثّامة بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة ثم بالصعب بن
ألف ثم ميم مخففة مفتوحة، ثم هاء تأنيث ابن قيس بن ربيعة بن
جــامـة
عبد الله بن يعمر وهو الشدَّاخ(١) لأنه شدخ الدماء بين بني أسد
وخزاعة أي أهدرها ابن عود بن كعب بن عامر بن الليث ابن بكر
الحجازي المدني الليثي أخو محلم بن جثّامة.
هاجر إلى النبي 18 وعداده في أهل الطائف روى عن
النبي وَل ستة عشر حديثاً اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد
وهو هذا، روى عنه ابن عباس وغيره وكان ينزل بودان من أرض
الحجاز مات بالكوفة في خلافة الصديق(٢)، وقال ابن حبان في
(«ثقاته))(٣): مات في آخر خلافة عمر والمشهور الأول.
واسم أمه: فاختة.
الثاني: في نسبه ((الليثي)) - بفتح اللام المشددة والياء المثناة نسبة الليئي
(١) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في نزهة الألباب في الألقاب
(٣٩٧/٢)، الشداخ الليثي أحد حكام العرب اسمه: يعمر بن قيس
الليثي، ويقال: ابن عوف، ويقال: اسمه حمصة، ويقال :- بلعاء بن
عاصم. قال المرزباني: قيل له: الشداخ لأنه كان من حكام العرب لقوله:
شدخت دماء بني كنانة تحت قدمي.
(٢) في تهذيب التهذيب، وقد أخطأ من قال مات في خلافة أبي بكر خطأ
بینا.
(٣) الثقات (١٩٥/٣).
٤١١

تحت ثم الثاء المثلثة ثم ياء النسب - نسبة إلى ليث جد من أجداده
كما أسلفناه والليثي أيضاً نسبة إلى ليث بن كنانة كذا ذكره
السمعاني(١)، واعترض عليه ابن الأثير(٢)، فقال: هو يرجع إلى
الأول فإن ليث كنانة هو ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن
خزيمة بن مدركة بن إلیاس بن مضر.
مشتبه النسبة
بـالليبي
قلت: واللَّيْنِي يشتبه باللِّيني - بكسر اللام وسكون الياء ثم نون
ثم ياء النسب - نسبة إلى قرية الليِّن منها محمد بن نصر بن
الحسين بن عثمان المروزي العابد الصالح روى عن وكيع وغيره مات
سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، قال السمعاني(٣): كذا ذكره ابن ماكولا
ولا أعرفه، قال: وظني أنها قرية اللين بالألف الممدودة.
قلت: ويشتبه أيضاً بأربعة أشياء أُخر ذكرتهم في مشتبه
النسبة (٤).
الثالث: في ضبط. ما وقع فيه من الأمكنة:
ضبط (الأبواء)
أما الأبواء: فهو بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد قرية
جامعة من عمل الفرع بضم الفاء وإسكان الراء المهملة من المدينة
بينها وبن الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً سميت بذلك
(١) اللباب في تهذيب الأنساب (١٣٧/٣).
(٢) ما ذكره ليس موجود في النسخة التي بين يديّ ..
(٣) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (١٣٩/٣).
(٤) انظر: توضيح مشتبه النسبة لابن ناصر (٣٧٢/٧)، اللَُّني، اللُّبني،
اللَّنْي، اللُّيني.
٤١٢

لتبوء السيول بها، وقيل غيره، وبها توفيت آمنة أم رسول الله اله
ودفنت(١).
وأما ودان: فهو بفتح أوله ثم دال مهملة مشددة ثم ألف ثم ضبط هودان.،
نون غير منونة قرية جامعة من عمل الفرع بينها وبين هَرْشَي نحو من
ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال قريبة من
الجحفة، وهي والأبواء بين مكة والمدينة(٢)، وروى البيهقي(٣) عن
عمرو بن أمية الضمري أن الصعب أهدى للنبي وقر عجز حمار وهو
بالجحفة فأكل منه وأكل القوم وإسنادها صحيح(٤) كما سيأتي مع
(١) انظر: معجم البلدان (٧١/١)، وانظر الحديث الأول من باب غسل
المحرم.
(٢) انظر: معجم البلدان (٣٦٥/٥).
(٣) البيهقي (١٩٣/٥).
(٤) قال ابن التركماني - رحمنا الله وإياه - (١٩٣/٥) على قوله: («إسناد
صحيح)). قلت: هذا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب
أخبرني يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري، ويحيى بن سليمان ذكر
الذهبي في الميزان والكاشف عن النسائي أنه ليس بثقة، وقال ابن حبان:
ربما أغرب والغافقي، قال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم:
لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيِّىء الحفظ يخطىء خطاءاً كثيراً وكذبه
مالك في حديثين فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده
ولمخالفته للحديث الصحيح، وقول البيهقي: ((وقبل اللحم)) يرده ما في
الصحيح أنه - عليه الصلاة والسلام - رده. اهـ.
أما كلام ابن حجر على هذا في الفتح (٣٣/٤)، فقد نقل جمع البيهقي بأن
الرد للحي وأنه قبل اللحم. وتعقبه بقوله: في هذا الجمع نظر. ثم نقل
كلام القرطبي ولم يتعقبه بشيء.
٤١٣

الجواب عنها .
الرابع: فيما يتعلق به/ من لغة وإعراب.
[١/٢١/ ب]
الأصل في أهدى
تعديها بإلى
الأصل أن ((أهدي)) تتعدى بإلى كما في رواية المصنف، وفي
رواية لمسلم تعديه بـ ((اللام)) فتكون بمعنى ((إلى)) ويحتمل على
ضعف أن تكون بمعنى أجل. وحقيقة الهدية: ما نقل إلى مكان
الموهوب له على سبيل الإكرام.
ضبط الدال في .. وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إنا لم نرده عليك إلاَّ أنا))
التــرده
همزة الأولى مكسورة لكونها ابتدائية، وهمزة ((أن)) الثانية مفتوحة
لكونها تعليلية وحذفت لام التعليل منها والتقدير: لأنَّا حرمٌ أو لأجل
أنَّا حرم، و ((الدال)) في قوله: ((نردَه عليك)) مفتوحة (١) عند الأكثرين،
وهو المشهور عند المحدثين، وهو مخالف لمذهب المحققين من
النحاة كسيبويه وغيره، فإن عندهم أنها مضمومة وذلك في كل
مضاعف مجزوم، اتصل به هاء ضمير المذكر نحو ((رده)) ولم ((يرده))
أو ((صبه)) و ((لم يَصُبَّه))، وأشباه ذلك وهو متصل عندهم بأن الهاء
حرف خفي، فكأن الواو التي كان حقها أن تَثْبُت خطاً بعد الهاء،
أُثبتت الألف بعد الهاء في ((ردها))، وليت الدال وما قبل هذا بالواو
لا يكون إلاَّ مضموماً.
وعبر بعضهم: أن الضم لاتباع ضم ما قبله وهذا إنما هو فيما
إذا لم يتصل به ضمير المذكر.
(١) والفعل هنا ((نردَه)) بالنصب لأنه وقع مجزوماً وهو مضعف ثلاثي لم تظهر
عليه علامة الجزم نظراً للتضعيف فيكون بالنصب.
٤١٤

ووجه المشهور عند المحدثين مقابلة التثقيل بعذوبة الفتحة.
وفيه لغة ثالثة: كسر الدال على أصل التقاء الساكنين وأُشهد،
وأعلِمْهَا:
قال أبو ليلى لحُبْلَى مده:
إن أبا ليلي نسيجَ وحدِه
حتى إذا مَدَدْتِه فَشُدِّهِ
وأنشدوا على الفتح:
إذا أنت لم تنفع فضرُ فإنما
يراد الفتى كيما يضرَ وينفعُ
كذا رواه يونس بضم الراء في قوله ((فضرُ)) حكاه محمد بن
سلّم عنه وحكى ثعلب(١) في ((فصيحه)) زر القميص وزره الحركات
الثلاث، قال النووي(٢): والأصح وجوب الضم في ((ردهُ)) ونحوه
للمذكر (٣) والكسر ضعيف وأضعفها [](٤)، وغلطوا صاحب
((الفصيح)) فيه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه.
(١) شرح الفصيح لأبي منصور ابن الجبان (١١٩، ١٢٠)، قال والأمر منه:
زُّه، وزُرَّه، وزُرِّهِ بفتح آخر، وضَمِّه وكسره في لغة قوم، وأَزْرُرْ في لغة
آخرين، وهم أهل الحجاز، فمن ضم للاتباع، ومن كسر فللساكنين، ومن
فتح فلأن الفتح أخف. وانظر: التلويح شرح الفصيح لأبي سهل الهروي.
(٢) شرح مسلم (١٠٤/٨).
(٣) العبارة هكذا في شرح مسلم للنووي (١٠٤/٨)، ففيه ثلاثة أوجه أفصحها
وجوب الضم كما ذكره القاضي والثاني الكسر وهو ضعيف، والثالث
الفتح، وهو أضعف منه وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه لكونه
أوهم فصاحته، ولم ینبه على ضعفه. اهـ.
(٤) فيه سقط يتضح من الكلام السابق وهو (الفتح).
٤١٥

واحترزنا بضمير المذكر عن ضمير المؤنث، فإنه يتعين الفتح
ليس إلَّ نحو ((ردها ولم يردها)) لما تقدم من أن الهاء حرف خفي
فكأن الألف أيضاً، وليت الدال والألف لا يكون قبلها غير مفتوح.
ضبط (حرم)
وقوله: ((حُرُمٌ)) هو - بضم الحاء والراء - أي محرمون وهو
جمع حرام، وقيل: إنه ((كرضى)) يقع على الواحد والجمع والحرام
الذي يدخل الإِحرام أو الحرم، ويقال: أيضاً للمذكر والمؤنث.
وقوله: قبل هذا ((فلما رأى ما في وجهه)) أي من الكراهة لرد
هديته. وصرح بذلك في بعض الروايات «فلما رأى ما في وجهي من
الكراهة».
الخامس: في فقه الحديث/ وقد تقدم الكلام عليه في الحديث
الذي قبله وجمعنا بينهما.
[ ٢٢ / ١ / ١]
وما ذكره المصنف من قوله: ((وجه هذا الحديث)) إلى آخره،
هو ما نقله الترمذي عن الشافعي كما عزاه، هو إليه في ((عمدته
الكبرى)» واختصره هنا، والشافعي قاله احتمالاً كما ستعلمه.
السادس: قوله: ((حماراً وحشياً)) ظاهره أنه أهداه بجملته حياً
وعليه بوب البخاري باب إذا أهدى المحرم حماراً وحشياً حياً
لم يقبل. وكذا البيهقي(١): حيث قال: باب لا يقبل المحرم ما يهدى
له من الصيد حياً. وقيل: إنه تأويل مالك - رحمه الله - ، وهو ما
فهمه أصحابنا فإنهم احتجوا به في هدية الصيد الحي، وجعلوه حماراً
حياً، وعلى مقتضاه: يستدل به على منع وضع المحرم يده على
(١) السنن الكبرى (١٩١/٥).
٤١٦

الضيد بطريق التملك بالهدية، ويقاس عليها ما في معناها من البيع
والهبة، وهذا ترده الروايات المذكورة في الكتاب عن مسلم من
قوله: ((عجز)) أو (شق))، أو ((رجْل حمار)) فإنها مصرحة بالبعض دون
الجملة وبكونه مذبوحاً لاسيما رواية مسلم ((عجز حمار وحش يقطر
دماً))، وليت المصنف ذكرها على هذا الوجه، فإنها كذلك فيه
وروايته الأخرى ((من لحم حمار وحش))، فيحمل قوله ((حماراً
وحشياً)) على المجاز من باب تسمية البعض باسم الكل، أو على
حذف مضاف، ولا تبقى فيه دلالة على منع تملك الصيد بالهبة بل فيه
دلالة على منعه من وجه آخر لأنه إذا منع ملك بعض الصيد بالهبة،
فلأن یحرم ملك کله من باب أولى.
ويحتمل أن الصعب ظن أنه إنما رد الحمار عليه لمعنى يخصه
بجملته، فذكاه ثم جاء بجزء منه فأعلمه بامتناعه بأنه ((حرم))، وأن
حكم الجزء حكم الكل .
الصعب في
وأعلم أن البيهقي طرق حديث الصعب، وأوضحها، قال: طرق حديث
وابن عيينة خالف أصحاب الزهري حيث قال ((لحم حمار)) وهم السنن الكبرى
قالوا: ((حمار وحش))، قال الحميدي: وكان سفيان فيما خلا ربما
قال: هذا ثم صار إلى ((لحم)) حتى مات، قال البيهقي(١): وانفرد
الحكم بذكر اللحم وما في معناه، ثم نقل عن الشافعي أنه قال: إن
کان الصعب أهداه حیاً فلیس لمحرم ذبح حمار وحش حي، وإن كان
أهدى الحمار فيحتمل أنه علم أنه صيد له فرده عليه [وأيضاً
(١) السنن الكبرى (١٩٢/٥).
٤١٧

جاء](١) في حديث جابر بن عبد الله يعني ((صيد البر لكم حلال ما لم
تصيدوه أو يصاد لكم)). قال الشافعي: وحديث مالك ((إن الصعب
أهدى حماراً) أثبت من حديث من حدث أنه أهدى له ((من لحم
حمار))، قال البيهقي: وقد روى في حديث الصعب أنه أكل منه،
قال: وإسناده صحيح، قال: وإن كان محفوظاً، وكأنه رد الحمار
وقبل اللحم.
السابع(٢): تعليله - عليه الصلاة والسلام - بقوله: ((إنا حرم)"
مع أكل المحرم
الصيد مطلقاً
[٢٢/ أ/ ب] يقتضي منع / أكل المحرم الصيد مطلقاً. حيث علل به محرماً، والذين
أباحوا أكله لا يكون مجرد الإحرام علة عندهم بل العلة عندهم كونه
صيد لأجله جمعاً بينه، وبين حديث أبي قتادة كما أسلفناه، ويقوى
هذا أنه - عليه الصلاة والسلام - قبل حمار البهزي(٣) وقسمه بين
الرفاق، قال الأصيلي: وإنما قبله لأنه كان مكتسباً بالصيد فحمله على
عادته ورد بإجابة الصعب لظنه أنه صاده من أجله.
ولمسألة أكل المحرم تعلق بقوله تعالى: ﴿ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبِرِ
مَا دُمْتُمْ حُرُمًاً﴾(٤)، وهل المراد بالصيد نفس الاصطياد، أو المصيد؟
(١) في السنن الكبرى (١٩٣/٥) (وإيضاحه في).
(٢) هذه المسألة من إحكام الأحكام (٦٠٥/٣).
(٣) مالك في الموطأ (٣٥١/١)، والنسائي (١٨٢/٥، ١٨٣)، وأحمد في
والمسند (٤٥٢/٣)، والبيهقي في المعرفة (٤٣٢/٧)، والمغازي للواقدي
(١٠٩٢/٣، ١٠٩٣).
وانظر: الاستذكار (٢٨٢/١١)، والتمهيد (٣٤٢/٢٣).
(٤) سورة المائدة: آية ٩٦.
٤١٨

فيه ما أسلفناه في الحديث قبله، ولكن تعليله - عليه الصلاة
والسلام - بأنه حرم قد يكون إشارة إليه(١).
الثامن: يؤخذ من الحديث أحكام.
الأول: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها،
والهدية مباحة له آلية بخلاف الصدقة.
الثاني: منع وضع اليد على الصيد المحرم بطريق التملك كما
أسلفناه.
الثالث: الاعتذار إلى المهدي إذا لم تقبل هديته فيطيب قلبه
بتعيين العذر، قال أبو علي(٢) النيسابوري: هذا أصح حديث في
الاعتذار.
الرابع: جواز الاصطياد لغير المحرم.
(١) وقال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (٢٧٢/١١): معناه
الاصطياد. وقيل: الصيد وأكله لمن صاده وأما من لم يصده فليس ممن
عني بالآية.
ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ اَلْضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُّمٌ﴾ لأن هذه
الآية إنما نهى فيها عن قتل الصيد واصطياده لا غير. اهـ.
قال الصنعاني - رحمنا الله وإياه - في الحاشية (٦٠٦/٣): أي إلى أن
المراد تحريم الأكل لا الاصطياد. اهـ.
(٢) هو الحسين بن علي بن يزيد شيخ أبي عبد الله الحاكم، ولد سنة سبع
وسبعين ومائتين، وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
ترجمته تاريخ بغداد (٧١/٨)، والتهذيب لابن عساكر (٣٤٧/٤)،
والنجوم الزاهرة (٣٢٤/٣).
٤١٩

الخامس: حل أكل حمار الوحش لغير المحرم وحله للمحرم
إذا صاده الحلال، ولم يكن للمحرم في صيده إعانة ولا سبب.
السادس: مراعاة جانب الشرع، وتقديمه على جانب الخلق
وحظوظ النفس.
السابع: تعيين الأحكام الشرعية، وإيضاحها ..
الثامن: تحريم أجزاء الصيد على المحرم: رجله، وشقه،
وجانبه، وعجزه، وغيرهما والحمد ◌َ ل رب العالمين.
انتهى الجزء السادس ويليه الجزء السابع
كتاب البيوع
٤٢٠