النص المفهرس

صفحات 121-140

الحديث الثاني
٤٤/٢/٢١٩ - عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
[قال](١): قال رسول / الله وَل ـ[يوم فتح مكة] (٢) -: ((لا هجرة [١/٢٤٦/ب]
[بعد الفتح](٣) ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا))، وقال يوم
فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو
حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي،
ولم تحل لي إلَّ ساعة من نهار(٤) فهو حرام بحرمة الله إلى يوم
القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلاَّ من
عرفها، ولا يختلا خلاه)). فقال العباس: يا رسول الله إلاّ الإِذخر،
فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: ((إلاَّ الإِذخر))(٥).
(١) زيادة من ن هـ ومتن العمدة.
(٢) زيادة من ن هـ ومتن العمدة.
(٣) زيادة من متن العمدة.
(٤) في متن العمدة زيادة (وهي ساعتي هذه).
(٥) البخاري أطرافه في الفتح (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣)، وأبو داود
(٢٤٨٠) في الجهاد، باب: في الهجرة هل انقطعت؟ والترمذي
(١٥٩٠)، والنسائي (١٤٦/٧)، وابن الجارود (١٠٣٠)، والبغوي =
١٢١

[القين: الحداد](١).
الكلام عليه من وجوه :
الأول: ((يوم الفتح)) هو فتح مكة وقد سلف في الحديث قبله
تاريخه .
الثاني: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإِسلام باقية إلى يوم
القيامة وفي تأويل هذا الحديث قولان : .
تأويل قوله ﴾
«لا هجرة بعد
الفتح؟
: أحدها: ((لا هجرة بعد الفتح)) من مكة لأنها صارت دار إسلام
وإنما تكون الهجرة من دار الحرب وهذا يتضمن معجزة
لرسول الله ﴿ بأنها تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة بخلاف ما
كانت أولاً وبهذا جزم الشيخ تقي الدين في ((شرحه))(٢) قال: وإن لم
يكن النفي من هذه الجهة فيكون حكماً ورد لرفع وجوب هجرة
أخرى بغير هذا السبب.
[الثاني](٣): معناه ((لا هجرة بعد الفتح)) فضلها كفضلها قبله
كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ﴾ (٤). وقد
أسلفنا في حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، وأقسام الهجرة فراجعها
منه وكذا اشتقاقها .
-
۔۔
(٢٠٠٣)، وعبد الرزاق (٩٧١٣)، وأحمد (٢٢٦/١، ٢٦٦، ٣١٥)،
والدارمي (٢٣٩/٢).
(١) زيادة من ن هـ ومتن العمدة وإحكام الأحكام.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٥٠٤/٣).
(٣) في ن هـ ساقطة .!
(٤) سورة الحديد: آية ١٠ .
١٢٢

الثالث: قوله: ((ولكن جهاد ونية)) فيه احتمالان ذكرهما الشيخ
تقي الدين:
أحدها: أن يريد أن معناه ولكن جهاد ونية خالصة أن جهاده احتمالات قوله
شَ دولكن جهاد
لتكون كلمة الله هي العليا لا لسمعة واكتساب حطام إذ العمل مع غير ونية،
النية الخالصة كالعدم.
ثانيهما: أن يريد ولكن جهاداً بالفعل أو نية الجهاد لمن لم
يفعل. كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((من مات ولم يغز ولم
يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)) (١).
وقال النووي في ((شرح مسلم))(٢): معناه ولكن لكم طريق إلى
تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة وذلك بالجهاد ونية الخير في
كل شيء.
الرابع: قوله: ((إذا استنفرتم فانفروا)) أي إذا طلبتم للجهاد معنى قوله (إذا
فأجيبوا ولا شك أنه قد تتعين الإجابة والمبادرة إلى الجهاد في بعض فانفروا)
استفرتم
الصور فأما إذا عَيّن الإِمام بعض الناس إلى فرض الكفاية فهل يتعين
عليه؟ اختلفوا فيه. كما حكاه الشيخ تقي الدين(٣)، قال: ولعله
يؤخذ من لفظ الحديث الوجوب في حق من عُين للجهاد، ويؤخذ
غيره بالقياس.
(١) أحمد (٣٧٤/٢)، ومسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي
(٣٠٩٧)، والحاكم (٧٩/٢).
(٢) (١٢٣/٩).
(٣) إحكام الأحكام (٥٠٥/٣).
١٢٢

وعند المالكية وغيرهم / حكاية قولين: في أن الجهاد هل
[٢٤٧ / ١/ ١]
[٥٦/ هـ/ب] يسقط / فرضه على الجملة إلاَّ أن تقدح قادحة أو يطرق عدواً قوماً
وهو باق؟
والأصح عند الشافعية: أنه كان في عهده - عليه الصلاة
والسلام - فرض كفاية وأما بعده فقد يكون فرض عين وقد يكون
كفاية ومحل بسط ذلك كتب الفروع.
قال القرطبي(١): الحديث دال على بقاء فرض الجهاد وتأبيده
خلافاً لمن أنكر فرضيته.
الخامس: قوله: ((إن هذا البلد حرمه [الله] (٢)) قد قدمت
الكلام علیه مع ما قد يعارضه فراجعه.
المراد بقوله {ێ﴾
احرمه الله)
ومعنى: ((حرمه الله)) أي حرم على المحرم وغيره الاصطياد فيه
وعلى غير المحرم دخوله إلاَّ أن يحرم ويجري هذا مجرى قوله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكْهَتُكُمْ﴾(٣) أي وطئهن، و﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾ (٤) أي أكلها فعرف [الاستعمال](٥) دال على تعيين
المحذوف وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره - عليه السلام -
عن دخول مكة غير محرم معللاً أنه لم تحل له إلاّ ساعة من نهار
(١) المفهم (٤٦٨/٣).
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) سورة النساء: آية ٢٣ .
(٤) سورة المائدة: آية ٣.
(٥) في ن هـ (الاستدلال).
١٢٤

4
الحديث، وبهذا أخذ مالك والشافعي في [أحد](١) قوليهما.
وكثير من أصحابهما، قالوا: لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلاَّ هل يجب
الإحرام لدخول
محرماً إلاَّ أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد وقد أجاز دخولها بغير مكة على كل
إحرام ابن شهاب والحسن والقاسم، وروى عن مالك والشافعي
داخل أم لا؟
[والليث](٢) وقال بذلك أبو حنيفة: إلاَّ لمن منزله وراء المواقيت ولا
يدخلها إلاَّ بإحرام.
واتفق الكل على أن من أراد الحج والعمرة أنه لا يدخلها إلاَّ
محرماً.
ثم اختلف أهل القول الأول في من دخلها غير محرم.
فقال مالك والشافعي وأبو ثور: أنه لا دم عليه.
وقال الثوري وعطاء والحسن بن حي: يلزمه حج أو عمرة
ونحوه.
قال أبو حنيفة: فيمن منزله وراء الميقات.
قال القاضي عياض: ولم يختلف في دخوله - عليه السلام -
أنه كان حلالاً لدخوله والمغفر على رأسه ولأنه دخلها محارباً حاملاً
للسلاح هو وأصحابه ولم يختلفوا في تخصيصه به.
وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو بغى أنه لا يحل
له أن يدخلها حلالاً .
(١) في ن هـ ساقطة.
-
(٢) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
١٢٥

قلت: لا. ففيه قول للشافعي أن الخائف من القتال لا يجب:
عليه الإِحرام وهو الأصح عند أصحابه أيضاً.
المراد بقوله {﴾
(فهو حرام
بحرمة الله
. السادس: قوله: ((فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم
يحل القتال فيه لأحد بعدي)» يشتمل على تحريم القتال وعلى أنه
ثابت لا ينسخ وقد تقدم ما في تحريم القتال وإباحته في الحديث
الذي قبله. وفي رواية لمسلم ((القتل)) بدل(١) ((القتال))، والضمير في
((أنه)) ضمير الأمر: الشأن.
النهي عن قطع
شجر الحرم
السابع: قوله: ((لا يعضد شوكه)) قد تقدم ما فيه في الحديث
قبله(٢). وكأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا منع من
قطع الشوك المؤذى فأحرى أن يمنع من قطع ما ينتفع به وهو يقارب
قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ﴾(٣).
الثامن: قوله: ((ولا ينفر صيده)) أي لا يزعج عن مكانه ولا
یعرض له.
النهي عن تنفير
صيده
قال عكرمة: هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه رواه البخاري
عنه(٤).
قال العلماء: ونبه بالنهي عن الإِزعاج من مكانه وتنحيته عنه.
على الإِتلاف وسائر أنواع الأذى، تنبيهاً بالأدنى على الأعلى فإنه إذا
حرم الإِزعاج والتنحية فغيره أولى إذ المراد بالصيد هنا المصيد.
(١) في الأصل زيادة (على)، وهي ساقطة من ن هـ.
(٢) انظر ص ١١٢ - ١١٤.
(٣) سورة الإِسراء: آية ٢٣.
الفتح (٤ / ٤٦).
(٤)
٠١٢٦

وانفرد داود فقال: إن صيد الحلال في الحرم لا يوجب
الجزاء.
واختلفوا: في الحلال إذا صاد صيداً في الحل ثم أتى به الحرم
وأراد ذبحه به فأجاز ذلك مالك لأن ما كان تحت اليد والقهر
لا يسمى مصيداً فلم يكن داخلاً في قوله: ((ولا ينفر صيده)).
ومنعه أبو حنيفة، [وقال: يرسله] (١) ووافقه أحمد.
وقال المازري(٢): واختلفوا فيمن صاد في الحرم هل يدخل
في جزائه الصيام؟ فأثبته مالك ونفاه أبو حنيفة، ولمالك عموم
الآية(٣)، وفيها الصيام.
قال القاضي(٤): ولا خلاف أنه إذا نفره فسلم أنه لا جزاء عليه
إلاَّ أن يهلك لكن عليه الإثم لمخالفة نهيه - عليه الصلاة
والسلام -، إلاّ شيء، روى عن عطاء أنه يطعم.
التاسع: ((ولا تلتقط لقطته إلاَّ من عرفها)) اللقطة: الشي ضبط (اللقطة)
الملقوط وهو بفتح القاف على [المسموع](٥) من العرب وعليه أجمع
أهل اللغة، ويقال: بإسكانها نقله الأزهري (٦) عن الخليل، وقاله
الأصمعي والفراء وابن الأعرابي.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) المعلم بفوائد مسلم (١١٥/٢).
(٣) سورة المائدة: آية ٩٥.
(٤) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣/ ٤٥٠).
(٥) في ن هـ (المشهور).
(٦) في الزاهر (١٧٣).
١٢٧

وحكى ابن مالك(١) أيضاً: لُقاطةٌ [بضم اللام](٢) ولُقْطةٌ
[بفتحها وفتح القاف بلا هاء](٣) ونضمها في بيت فقال:
لُقاطةٌ ولُقْطٌ [ولُقِطَة] (٤).
ولَقَطٌّ ما لاقِطُ قدِ لَقَطِه
حرمة لقطة
المحرم
ومعنى الحديث: لا تحل لقطة حرم مكة إلاَّ لمن يريد أن
يعرفها أبداً من غير توقيت سنة ثم يتملكها كغيرها من البلاد، وقد
ثبت في صحيح مسلم وغيره ((لا تحل لقطتها إلاَّ لمنشد)) وهو
المعرّف مطلقاً، وكذا ذكره المصنف في باب القصاص(٥) ((ولا تلتقط
ساقطتها إلاّ لمنشد)).
وأما ناشدها فهو طالبها وأصل النشيد والإنشاد: رفع الصوت.
وذهب مالك وبعض الشافعية(٦) /: إلى أنها كغيرها في
التعريف والتملك.
[٥٧ / هـ/ أ]
وحمل المازري (٧) الحديث على المبالغة في التعريف لأن
:
(١) في كتابه (ما فيه لغات ثلاث فأكثر)) لوحة (٢/ب). قال ابن عبد الهادي
- رحمنا الله وإياه - في كتابه ((الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي)):
فالثلاث الأول يضم اللام والرابعة بفتح اللام والقاف. اهـ.
تنبيه: في فتح الباري (٧٨/٥) خطأ، حيث كرر ((لقطة)) ثلاث مرات.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) زيادة من المرجع السابق.
(٥) في الحديث السادس من كتاب القصاص . ..
(٦) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣/ ٤٥٠).
(٧) المعلم بفوائد مسلم (١١٥/٢) المازري.
١٢٨

الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلاّ بعد أعوام فتدعوا الضرورة
لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
وذهب إلى الأول الشافعي وابن مهدي وأبو عبيد والداودي
والباجي(١) وابن العربي.
قال القرطبي: / في ((مفهمه))(٢) وهو أظهر.
[ ٢٤٨ / ١/ أ]
وقال النووي(٣): من خالف الحديث أوله بتأويلات ضعيفة.
العاشر: ((الخَلى)) (٤) بالقصر وفتح الخاء الرطب من الكلأ، ضبط(الخلى)
الواحدة خلاوة. واختلاؤه قطعه. قال أهل اللغة: الكلى والعشب
اسم للرطب منه، والحشيش والهشيم: اسم لليابس منه، والكلأ:
مهموز مقصور يقع على الرطب واليابس.
وقال ابن مكي(٥) وغيره: من أهل اللغة ما يلحن العوام فيه
إطلاقهم الحشيش على الرطب وهو مختص باليابس.
قلت: قد حكى البطليوسي في ((شرح أدب الكاتب))(٦) عن
(١) المنتقى (١٣٨/٦).
(٢) المفهم (٤٧٢/٣).
(٣) شرح مسلم (١٢٧/٩).
(٤) في المخطوط (الخلا)، والتصحيح من لسان العرب (٢٠٩/٤).
(٥) انظر: تثقيف اللسان (١٦٠)، ولفظه: يقولون للكلأ الأخضر حشيش
وليس كذلك إنما الحشيش اليابس فأما الأخضر فيسمى الرُّطْب
والخلي. اهـ.
(٦) الكتاب مطبوع في إحدى المجلات العلمية السورية كما ذكره محقق كتابه
المثلث.
١٢٩

أبي حاتم أنه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون للرطب
واليابس.
وحكى الأزهري(١). أيضاً عن بعضهم: إطلاقه على الرطب
أيضاً فإذا تقرر ذلك فالرَّطْبُ يحرم قطعه وقلعه واليابس لا يحرم إلّ.
قلعه [خاصة](٢).
الحادي عشر: (العباس)): هو عم النبي ◌َّله وقد ذكرت نبذة
من أخباره في الحديث الخامس من كتاب الزكاة ..
الثاني عشر: ((الإِذخر»: بكسر الهمزة والذال والخاء
المعجمتين نبت معروف طيب الرائحة يشبه الحلفاء.
ضبط (الإذخر)
((والقين)) الحداد كما ذكره المصنف وإنما ذكر القين لأنه
يحتاج إليه في عمل النار، وفي معناه الصائغ وورد أيضاً كذلك في
رواية للبخاري (٣) ((فإنه لصائغينا وقبورنا)).
ومعنى كونه ((لقبورهم)) أن يسد به فرج اللحد المتخللة بين
اللبنات .
ومعنى كونه ((لبيوتهم)) لأجل تسقيفها من فوق الخشب، ولو
قطع للحاجة التي يقطع الإِذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف
في قطعه للدواء، وصححوا فيه الجواز، لا جرم جوز ((الحاوي
الصغير)) القطع للحاجة مطلقاً ولم يخصه بالدواء [فيدخل فيه قطع
(١) مختار الصحاح (٨٥).
(٢) زيادة من ن هـ.
(٣) البخاري مع الفتح (١٨٣٣).
١٣٠

الأشجار النابتة في الحوائط لما فيه من إصلاح الثمار بذلك وبه صرح
بعض الفقهاء، وقال: يجوز أيضاً قطع ثمر المقل ما لم يدرك وهو
النهس وقطع الشجر للبناء](١).
الثالث عشر: إجابته - عليه الصلاة والسلام - للعباس بذلك
على الفور يحتمل أنه باجتهاد منه أو بتفويض الحكم إليه من الله
- تعالى - وهو قول بعض الأصوليين ومن منع ذلك منهم، قال: يجوز
أن يكون موحي إليه في زمن يسير فإن الوحي القاء في خفية [بواسطة
الملك وهو خاص بالأنبياء والذي بالألهام يقع للأولياء ومنه الحديث «إن
من متى ملهمين وإنك منهم يا عمر)) (٢) ](٣) وقد يظهر وقد لا يظهر وقد
يورد على هذا أن يقال إذا كانت مكة مما حرمها الله تعالى ولم يحرمها
الناس فكيف لأحد أن يحكم بحلية شيء منها وقد حرمها الله.
والجواب: كما قال القرطبي(٤) أن الذي حرمه الله هو ما عدا
المستثنى [منه](٥)، لأنه لما جعل لنبيَّه التخصيص مع عِلْمه بأنه
يخصِّص كذا، فالمحكومُ به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصّص.
الرابع عشر: في الحديث أحكام:
أحدها: رفع وجوب الهجرة الغير الصحابة وغيرهم من مكة
إلى المدينة بعد الفتح كما سلف.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) أخرجه البخاري بمعناه برقم (٣٤٦٩).
. (٣) زيادة من ن هـ.
(٤) المفهم (٣/ ٤٧٣).
(٥) في ن هـ (جملة) وأيضاً في المفهم.
١٣١

ثانيها](١): أن حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام
باقٍ إلى يوم القيامة وجوباً أو ندباً.
[١/٢٤٨/ ب]
/ ثالثها: أن الجهاد بقصد الإخلاص لله - تعالى - والطاعة له
مطلوبان إلى يوم القيامة .
رابعها: وجوب [النفر](٢) مع كل إمام براً أو فاجراً.
خامسها: تحريم مكة وحرمها بتحريم الله تعالى إلى يوم
القيامة.
سادسها: تحريم القتال فيه ..
سابعها: [أن التحريم والتحليل لا يعلمان إلاَّ بالشرع](٣)
[ثامنها: تحريم قطع شجر الحرم](٤).
[ثامنها](٥): تحریم تنفیر صیده وتنحیته من موضعه.
[ناسعها]: تحريم لقطته إلاَّ بقصد التعريف دائماً على ما
سلف.
[عاشرها]: تحريم قطع الرطب من الخَلَى وقلعه.
· [الحادي عشر]: الإذخر من الخلی.
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
(٣) زيادة من ن هـ.
(٤). هذه المسألة في الأصل السابعة، ويكون فيه زيادة مسألة.
(٥) في ن هـ (تاسعها) ... إلخ المسائل، يراعى زيادة مسألة عن ما في
الأصل.
١٣٢

[الثاني عشر]: جواز تخصيص العام.
[الثالث عشر]: جواز تعليل الحكم من السائل ليقع الجواب
على تقدير الحكم والعلة .
[الرابع عشر]: الجواب على الفور إذا كان عالماً به من غير
تأن. خصوصاً إذا اقتضته المصلحة.
[الخامس عشر]: مراعاة المصالح العامة والتنبيه عليها من
الأئمة والكبار.
[السادس عشر]: المبادرة إليها خصوصاً في المجامع
والمشاهد وابتداء الأمر.
[السابع عشر]: أن تحريم الله تعالى وتحليله يطلقان بما في
اللوح المحفوظ وبمعنى الظهور وأن الإِطلاق جائز لمن علمه على ما
سبق في الكلام على تحريم مكة في الحديث الذي قبله.
١٣٣

٤٥ - باب ما يجوز قتله
٤٥/١/٢٢٠ - عن عائشة - رضي الله عنها ـ : أن
رسول الله وَ الر قال: ((خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في
الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور))(١).
ولمسلم: ((يقتل خمس فواسق في الحل والحرم)) (٢).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: اللفظ الأول(٣) الذي أورده هو لفظ البخاري ولفظ
مسلم کذلك إلاّ أنه قال: ((فواسق)) بدل (فاسق)).
لفظ الحديث في
الصحيحين
(١) البخاري (١٨٢٩، ٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨)، والترمذي (٨٣٧)،
وأحمد (٨٧/٣٦/٦، ٢٥٩)، والبيهقي (٢٠٩/٥) (٣١٦/٩)، والنسائي
(٢٠٨/٥)، والدارقطني (٢٣١/٢)، والموطأ (٣٥٧/١)، والطيالسي
(١٥٢١)، وابن خزيمة (٢٦٦٩)، وابن ماجه (٣٠٨٧)، والبغوي
(١٩٩١)، والطحاوي (١٦٦/٢).
(٢). مسلم (١١٩٨) (٦٧).
(٣) ذكر هذا التفصيل بمعناه الزركشي في تصحيح العمدة (١٠٦)، مجلة
الجامعة الإسلامية.
١٣٤

واللفظ الثاني: الذي / عزاه إلى مسلم ليس هو فيه وإنما
لفظه: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم)).
وفي رواية ((في الحرم)) نعم، في رواية له عنها قالت: ((أمر
رسول الله وَله بقتل خمس فواسق في الحل والحرم)). وحينئذ فاللفظ
المذكور ليس لفظه وَ ق بل لفظ [كلام](١) الراوي، فعلى المصنف في
[إيراده](٢) من هذا الوجه مؤاخذة فتأملها.
ثم اعلم بعد ذلك أن مسلماً زاد في بعض(٣) رواياته ((الحية)) زيادة لفظ في
حديث الباب
وأسقط ((العقرب)) وفي رواية له تقييد ((الغراب بالأبقع)) وهو الذي في
ظهره [وبطنه](٤) بیاض.
والصحيح عند الشافعية: تحريم أكل الغراب الأسود وحل / [٢٤٩ / ١/١]
غراب الزرع وفي الغراب الصغير وجهان ظاهر ما في الرافعي حله الباب وألفاظ في
جمع بين حديث
وصریح أصل ((الروضة)»(٥) تحريمه.
غير الصحيحين
قال القاضي(٦): وذكر في غير مسلم ((الأفعى)) فجاءت سبعة.
قلت: لا. فإن ((الحية)) تناولت ((الأفعى)) وغيرها من
جنسها وإنما هو خلاف لفظي وقد نبه على ذلك
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في الأصل (إيراد)، والتصحيح من ن هـ.
(٣) في الأصل زيادة (في).
(٤) زيادة من ن هـ. وذكره في إكمال إكمال المعلم.
(٥) روضة الطالبين (٢٧٣/٣).
(٦) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣١٣/٣).
١٣٥

القرطبي(١)
(١) المفهم (٢٨٤/٣).
قال ابن حجر في الفتح (٢٦/٤): فالتقييد بالخمس وإن كان مفهومه
اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس حجة عند الأكثر،
وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله وَلّى أولاً ثم بين بعد ذلك أن غير
الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ
((أربع)) وفي بعض طرقها بلفظ ((ست)» فأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة
في ((المستخرج)) من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها فأثبتها وزاد
(«الحية»، ويشهد لها طريق شيبان التي تقدمت من عند مسلم وإن كانت
خالية عن العدد، واغرب عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر
((الأفعى)) فصارت سبعاً، وتعقب بأن الأفعى داخلة في مسمى ((الحية))
والحديث الذي ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة في ((المستخرج)) من طريق ابن
عون عن نافع في آخر حديث الباب قال: قلت لنافع فالأفعى؟ قال: ومن
يشك في الأفعى؟ اهـ. وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو
رواية شيبان وزاد («السبع العادي)) فصارت سبعاً. وفي حديث أبي هريرة
عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر ((الذئب والنمر)» على الخمس
المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعاً، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن
ذكر ((الذئب والنمر)) من تفسير الراوي للكلب العقور، ووقع ذكر الذئب
في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود من
طريق سعيد بن المسيب عن النبي ◌َله ((يقتل المحرم الحية والذئب))
ورجاله ثقات وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطأة عن وبرة عن ابن
عمرٍ قال: ((أمر رسول الله وَل بقتل الذئب للمحرم)) وحجاج ضعيف،
وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفاً أخرجه ابن أبي شيبة، فهذا جميع ما
وقفت عليه من الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة. ولا
يخلو شيء من ذلك من مقال، والله أعلم. اهـ.
١٣٦

ثانيها: ((الدواب)): جمع دابة وأصلها داببة كقائمة فأدغمت
الباء الأولى في الثانية، وكل ماشٍ على الأرض فهو دابة.
ثالثها: أصل الفسق في كلام العرب الخروج من قولهم فَسَقَت معنى (الفق)
وأصل التسمية
الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وفَسَقَ عن أمر ربه أي خرج عنه .
يفسِق ويفسُق بالكسر والضم فسقاً وفسوقاً.
قال ابن الأعرابي: ولم يُسمع في كلام الجاهلية ولا في
شعرهم فاسق [قال](١) وهذا عجب، والفِسِّيقُ: الدائم الفِسْقِ.
ووصفت هذه الدواب بالفسق لخروجها بالإِيذاء والإِفساد عن سبب تسمية
طريق معظم الدواب، قاله النووي(٢)، قال: وقيل لخروجها عن بالفواسق
بعض الدواب
حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم، والإِحرام، والصلاة. وجزم
بهذا القرطبي (٣)، ثم قال: ويحتمل أن يقال: سميت بذلك
لخروجهن من جحرهن لا ضرار بني آدم.
وقال القاضي(٤): في القول الثاني [هو](٥) أولى من قول
الفراء، سميت الفأرة بذلك لخروجها عن جحرها واغتيالها الناس في
أموالهم.
(١) زيادة من مختار الصحاح.
(٢) شرح مسلم (١١٤/٨).
(٣) المفهم (٢٨٤/٣).
(٤) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣١٣/٣).
(٥) في الأصل أنه حكاه، وما أثبت من ن هـ. انظر: إكمال إكمال المعلم
(٣١٣/٣).
١٣٧

وقول ابن قتيبة: سمي الغراب بذلك لتخلفه عن نوح - عليه
الصلاة والسلام - إذ لا يسمى كل متخلف وكل خارج فاسقاً عرفاً.
وكذلك قول من قال سميت بذلك من التحريم لقوله تعالى بعد ذكر
المحرمات ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾(١)، ولقوله: ﴿أَوْ نِسْقًا [أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهٍ﴾(٢)](٣)، إذ ليس المراد هنا بالفسق مجرد الأكل بل الأفعال
المنهي عنها.
قلت: وأكد فسقهن بقوله: ((کلهن فاسق)) .
المراد بالحرم
خامسها: المراد بالحرم: ما أطاف بمكة شرفها الله تعالى
وأحاط بها من جوانبها جعل الله عز وجل له حكمها في الحرمة
تشريفاً له وهو محدود معروف عليه علامات من جوانبه كلها
ومنصوب عليه أنصاب ...
وذكر الأزرقي في ((تاريخ مكة)) بأسانيده وغيره أن إبراهيم
الخليل عملها وجبريل يريه مواضعها ثم أمر النبي وَ ر بتحديدها ثم
عمر ثم عثمان ثم معاوية - رضي الله عنهم - وهي إلى الآن سنة ولله
الحمد .
المراد بالحل
والمراد بالحل: ما عدا ذلك وقد ثبت في إباحة قتلهن في
[٢٤٩/ ١/ ب] الإحرام أيضاً حديث ابن عمر في صحيح مسلم (٤) / ولفظه (خمس
لا جناح على من قتلهن في الحرم والإِحرام» فذكرهن.
(١) سورة المائدة: آية ٣.
(٢) سورة الأنعام: آية ١٤٥ .
(٣) ساقطة من ن هـ.
(٤) مسلم (١١٩٩)
١٣٨

واختلف في ضبط الحرم في هذه الرواية، فضبطه جماعة من ضبط(الحرم:
المحققين بفتح الحاء والراء أي الحرم المشهور وهو حرم مكة.
وقيل : - بضم الحاء والراء - ولم يذكر القاضي عياض في
((مشارقه)) وشرحه غيره، قال: وهو جمع حرم كما قال تعالى:
﴿وَأَنتُمْ حُمٌ﴾(١). قال: المراد من المواضع المحرمة.
قال النووي(٢): والفتح أظهر ووهم الصعبي في ((شرحه)) فنقل
هذا الخلاف في رواية المصنف وكذا بعض من علق على هذا
الكتاب، والمحكي فيه الخلاف إنما هو في رواية ابن عمر لا في
رواية عائشة التي في الکتاب کما صرح به النووي في ((شرحه)).
ثم إن الصعبي وقع لَهُ وهم آخر في هذا الوهم فقال: ضبطه
جماعة من المحققين. بفتح الحاء والراء ولم يذكر القاضي في
((مشارقه)»(٣) غيره هذا لفظه ومن خطه نقلته وسقط منه. وقيل: بضم
الحاء والراء فإنه الذي لم يذكر القاضي غيره، وكأنه انتقال نظري من
الراء إلى الراء أو سقط من نسخته فتنبه له.
خامسها: ((الغراب)) معروف وجمعه في القلة: أغربة، وفي ضبط الغراب
الكثرة: غربان. وقد نظم ابن مالك جموعه [في بيت](٤) فقال:
وأَغْرُبُ وغَرَابِينُ وغِرْبَانٌ / [٥٨/هـ/١]
بالغُرْب اجمع غُرَاباً ثم أَغْرِبَةٌ
(١) سورة المائدة: آية ٩٥ .
(٢) شرح مسلم (١١٥/٨).
(٣) مشارق الأنوار (١٨٨/١).
(٤) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
١٣٩

ضبط (الحدأة)
سادسها: «الحِدَأَةُ»: بكسر الحاء المهملة وفتح الدال كما
ضبطه المصنف في بعض النسخ مقصورة وبالهاء وجمعها حِدَاً كذلك
بغیر ((هاء)) کعنبة وعنب قاله ثعلب(١).
قال القاضي عياض: وقد يكون مفرداً يراد به الذكر.
قال صاحب العين: وهي طائر يأكل الجرذان.
وقال ابن قتيبة: جمعها حِدَاءٌ وحِدان.
قال ابن سيده(٢): والحِدَأَ: أيضاً بالكسر وبالمد جمع: الحدأة
وهو نادر.
قال ابن درستويه: من العرب من يقول الحِدَوْ.
وقال الأزهري(٣): كأنها لغة فيها.
قال ابن عدیس: وهو الحدي. أيضاً مثل القرى.
وأهل الحجاز: يقولون حُدَيه، والجمع: حدادي.
وقال أبو حاتم: أهل الحجاز يخطئون فيقولون الحُدَيا.
وحكى ابن الأعرابي حداية وحَّدًا.
وحكى ابن الأنباري في ((مقصوره)) الحِدَأُ جمع حِدَأَةً وربما
فتحوا الحاء فقالوا حَدَأَةٌ وحَداً والكسر أفصح.
وجاء في رواية لمسلم (٤) ((الحُديا)) بضم الحاء مقصور ومشدد
الياء .
(١) شرح الفصيح لابن الجبان (٢١٩)، ومجالس ثعلب (١١٩/١).
(٢) المخصص (١٦١/٨).
(٣) تهذيب اللغة (١٨٨/٥).
(٤). وأيضاً البخاري في الفتح (٣٣١٤).
١٤٠