النص المفهرس

صفحات 41-60

أبو داود رواه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب
[موقوفاً](١)، على ابن عمر، والجواب: عن هذا أن الرافع معه زيادة
علم فقدمت روايته. وقد أجاب هو في غيرما موضع بهذا، وإنما فعل
هذا هنا نصرة لمذهبه وصرح صاحب ((المنتقى))(٢) منهم بالنسخ،
فقال: لما روى حديث ابن عباس الآتي، وفي رواية، عن عمرو بن
دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه
سمع النبي ◌َ ل# يقول: ((من لم يجد أزاراً ووجد سراويل فليلبسهما،
ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما)) /، قلت: ولم يقل [١/٢٣١/ب]
ليقطعهما؟ قال: لا. رواه أحمد (٣)، وهذا بظاهره ناسخ لحديث ابن
(١) في الأصل مرفوعاً، وما أثبت في ن هـ، وسنن أبي داود (١٨٠٨) مع
عون المعبود.
(٢) (٢٤١/٢).
(٣) أحمد في المسند (٢١٥/١، ٢٢٨، ٢٨٥)، والبخاري (١٨٤١،
١٨٤٣)، ومسلم (١١٧٨)، أبو داود (١٨٢٩)، والترمذي (٨٣٤)،
والنسائي (١٣٢/٥، ١٣٣)، وفي الكبرى له (٣٦٥١، ٣٦٥٢)، ابن ماجه
(٢٩٣١)، والحميدي (٤٦٩)، والبغوي (١٩٧٧)، والدارمي (٣١/٢)،
والدار قطني (٢٢٨/٢)، والطحاوي (١٣٣/٢)، والبيهقي (٥٠/٥).
قال ابن حجر في الفتح (٥٧/٤) نقلاً عن القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث
أحمد، فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإِزار
على حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل، فلو لبس شيئاً
منهما على حاله لزمته الفدية، والدليل لهم قوله: «في حديث ابن عمر:
وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين)» فيحمل المطلق على المقيد،
ويلحق النظير بالنظير الاستوائهما في الحكم. اهـ.
=
٤١

عمر بقطع الخفين لأنه قال بعرفات في وقت الحاجة: وحديث ابن
عمر كان بالمدينة كما سبق هذا لفظه وجوابه ما سلف، ثم إنما يتم له
استدلاله أيضاً أنه لو كان السؤال بالمدينة قبل وقوفه - عليه الصلاة
والسلام - بعرفات من الجائز كون السؤال بعد ذلك.
وقال القرطبي(١): حديث ابن عمر رَاد، وقال القاضي:
الزيادة التي حفظها ابن عمر تحكم على حديث ابن عباس وجائز على
من قال: إنه إضاعة مال، قال: وهذا من هذا القائل حكم بالعموم
على الخصوص وهو عكس ما يجب إذ هو إعمال المرجوح وإسقاط
الراجح، وهو فاسد بالإجماع.
فرع: إذا وجد النعلين غاليين فله لبس الخفين المقطوعين
صرح به من المالكية ابن الجلاب(٢)، وهو ظاهر كما في نظيره من
التيمم .
فرع: إذ لبس الخف المقطوع لضرر بقدميه مع وجود النعل
افتدی کما قاله ابن القاسم المالكي معللاً بأن لباسه كالدواء.
الخلاف في
وجوب الفدية
لعدم التعلين
التاسع: لابس الخفين لعدم النعلين يجب عليه الفدية عند
في لبس الخفين أبي حنيفة وأصحابه كما إذا احتاج إلى الحلق يحلق ويفتدي ..
وقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه لأنه
وقال ابن قدامة في المغني (٣٠٢/٣): الأولى قطعهما عملاً بالحديث
2
الصحيح، وخروجاً من الخلاف. اهـ.
(١) المفهم (٢٥٧/٣).
(٢) التفريع (٣٢٣/١).
٤٢

لو وجبت فدية لبينها له. كذا فرض الخلاف النووي في ((شرح
مسلم))(١) ولم يتعرض للقطع، وحكاه القاضي في حالة القطع، وكذا
القرطبي(٢) قال: [وقول مالك، أولى ولو لزمته لبينها للسائل حين
سأله إذ ذلك محل البيان ووقته ولا يجوز تأخير البيان عند وقت
الحاجة بالإِجماع. قال: وأيضاً فحينئذ يكون الخف لا معنى له إذ
الفدية لازمة بلباسه غير مقطوع] (٣)، وجزم الفاكهي بوجوب الفدية
في حالة القطع، وفيه مخالفة لما حكاه القاضي والقرطبي عن
مالك.
العاشر: لو لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعال لزمته الخلاف في
الفدية بلبسهما، فإن الشارع إنما أباح له لبسهما مقطوعين بشرط عدم وجود النعلين في
لابس الخفين مع
لزوم الفدية
النعلين فلبسهما كذلك غير جائز، هذا قول مالك والليث:
واختلف فيه قول الشافعي كما حكاه عنه القاضي والقرطبي
والذي نعرفه أن الشافعي نص على التحريم ولأصحابه فيه وجه
بالجواز.
ونقل القاضي عن أبي حنيفة أنه لا فدية وهو غريب منه، حيث
يقول: بعدم الفدية في هذه الحالة وبوجوبها عند عدم النعلين .
وقال ابن حبيب: إنما رخص في قطع الخفين لقلة النعال وقد
کثرت فلا رخصة ومن فعل افتدى.
[٤٧/ هـ/ب]
(١) (٨/ ٧٥).
(٢) المفهم (٢٥٧/٣).
(٣) زيادة من ن هـ.
٤٣

وقال ابن الماجشون: الصواب أن لا فدية على من لم يجد
نعلین، وقول ابن حبيب، خلاف مالك.
المراد باللبس
هنا اللبس
الحادي عشر: اللبس هنا محمول عند الفقهاء على اللبس
المعتاد المعتاد في كل شيء مما ذكر فلو ارتدى بالقميص لم يمنع منه لأنه
غير المعتاد في القميص.
واختلف في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين.
فمذهب مالك: وجوب الفدية، والحالة هذه وإن لم یزره لأن
[٢٣٢/ أ/ أ] ذلك [من](١) المعتاد / فيه أحياناً.
. وقال بعضهم: لا فدية عليه، وحكى ابن القاسم عن مالك:
كراهة إدخال المحرم منكبيه في القباء إن لم يدخل يديه في كميه،
ونقل أبو عمر (٢) عن أبي حنيفة، وأبي ثور: أنه لا بأس بذلك.
والأصح عند الشافعية: وجوب الفدية إذا لبسه من غير إدخال
اليدين في الكمين، وسواء في ذلك جميع الأقبية [وقد] (٣) حكاه
الماوردي(٤) وغيره أنه إن كان من أقبية خراسان ضيق الأكمام قصير.
الذيل وجبت الفدية، وإن لم يدخل يده في كمه، وإن كان من أقبية
العراق واسع الكم طويل الذيل لم يجب حتى يدخل يديه [في](٥).
کمیه، وهذا الوجه غریب ضعيف.
(١). في ن هـ ساقطة ..
(٢) الاستذكار (٣٥/١١).
(٣) في ن هـ (ومنه وجه).
(٤) الحاوي (١٢٦/٥).
(٥) زيادة من ن هـ.
٤٤

ولو ألقى على بدنه قباء أو فرجيه وهو مضطجع.
قال إمام الحرمين: إن صار على بدنه بحيث لو قام عد لابسه
لزمته الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلاَّ
بمزيد أمر فلا فدية، وروى عن مالك كراهة الارتداء بالسراويل،
ولعله لقبحه، قال أبو عمر: وكره ابن عمر أن يلقي عليه برنس
أو ثوب مخيط وهو مريض محرم وهو ورَع منه(١).
الثاني عشر: المنع من الزعفران والورس دليل على المنع من عموم تحريم
أنوع الطيب والحكمة في تحريمه أنه داعية إلى الجماع وأنه ينافي والحكمة في
أنواع الطيب
حال المحرم فإنه أشعث أغبر وسواء في تحريم ذلك الرجل والمرأة، تحريمه
وما اختلفوا في استعماله فاختلافهم بناء على أنه من الطيب أم لا فلو
تطيب ناسياً فلا فدية عليه عند [الثوري والشافعي](٢) وأحمد
وإسحاق، وخالف أبو حنيفة ومالك.
ولا يحرم على المحرم لبس المعصفر عند الشافعي ومالك.
وخالف الثوري وأبو حنيفة: وجعلاه طيباً كالمزعفر وأوجبا فيه
الفدية .
قلت: ويكره عندنا للمحرم لبس الثياب المصبوغة بغير طيب
ولا يحرم، وكره مالك(٣) المقدم منه أي المشبع بالحمرة كما قاله
الجوهري .
(١) انظر: أبو داود (١٧٥٢)، قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي
المسند منه بنحوه أتم منه. انظر: الاستذكار (٣٤/١١).
(٢) في ن هـ (مالك والشافعي).
(٣) انظر: التمهيد (١٨٥/٢).
٤٥

قال القاضي(١): واختلف عنه هل على لابسه فدية؟ واختلف
أصحابه فيه أيضاً، قال: وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذا،
وكرهها بعضهم لمن يقتدى به، فيظن به جواز لباس كل مصبوغ
وقال الباجي(٢): المعصفر على ضربين: مقدم ومورد.
فأما المقدم: ممنوع للرجال والنساء لأنه لا يتخذ غالباً إلاَّ
للتجمل، ولأنه يتعلق منه بالجسد ما يشبه ردع(٣) الزعفران.
وأما المورد: والمصبوغ بالمغرة.
قال ابن المواز: والأصفر بغير ورس ولا زعفران فليس بممنوع
لأنه لا يفعل غالباً إلاَّ إبقاء على الثوب، ويكره لمن يقتدى به، رواه :
محمد بن أشهب(٤)، وروى ابن حبيب: عن مالك لا بأس أن تلبس
المحرمة المعصفر المقدم ما لم ينتفض(٥) عليها شيء [منه](٦)
[٤٨/ هـ/أ] وروى / ابن عبدوس عن أشهب كراهة المعصفر لمن يقتدى به، وإن
كان لا ينتفض، فإن غسل المزعفر حتى ذهب ريحه فلا بأس به عند
(١) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٩٣/٣).
(٢) في المنتقى شرح موطأ مالك (١٩٧/٢) في الباجي (بالفاء).
(٣) الردع بالمهملة أي تلطخ يقال ردع إذا تلطخ، وهو أثر الطيب، ويروى
: بالغين المعجمة والردغ: بالمعجمة أثر الطين.
(٤) انظر: النص كاملاً مع ما فيه من الزيادة في المرجع.
(٥) في المنتقى زيادة (منه).
(٦) غير موجودة في المنتقى، ويكتفي بأحدهما لسياقه، مع الاطلاع على
النص كاملاً فيه.
٤٦

جميعهم وروى ابن القاسم عن مالك كراهته ما بقي من لونه شيء فإن
لم يجد غيره صبغه بالممشق وهو المدر.
.
الثالث عشر: قال الخطابي: المحرم منهى عن الطيب في بدنه الخلاف في
وفي لباسه، وفي معناه الطيب في طعامه، لأن بغية الناس في تطييب في الطعام
تحريم الطيب
الطعام، كبغيتهم في تطييب اللباس(١).
قلت: ولا يحرم عندنا إذا ظهر لونه وحده على الأظهر،
ويحرم إذا ظهرت الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر.
وعند المالكية: أنه لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعفر.
وقيل: إن صبغ الفم ففيه الفدية وما خلط بالطيب من غير
طبخ، ففي إيجاب الفدية به روايتان لهم، قالوا: ولو بطلت رائحة
الطيب(٢) لم يبح استعماله.
الرابع عشر: في الحديث دلالة على تحريم لباس السراويل الخلاف في
على المحرم مطلقاً، وبه قال مالك: وجوّزه الشافعي وأحمد السراويل مطلقاً
تحريم ليس
والجمهور إذا لم يجد إزاراً من غير قطعه لحديثي ابن عباس، وجابر
في إباحته عند عدم الأزار، وكونه لم يذكر في حديث ابن عمر هذا،
لأنه ذكر حالة وجود الأزار، فلا منافاة بين الحديثين حينئذ، وهذا
أولى من فعل ابن الجوزي في ((تحقيقه)) حيث أعمل حديث ابن عمر
بالوقف كما سلف.
(١) اهـ. من معالم السنن (٣٤٤/٢).
(٢) في ن هـ زيادة «من غير طبخ ففي إيجاب الفدية روايتان لهم)).
٤٧

فرع: إذا لبس السراويل عند عدم الأزار ثم وجد الأزار وجب
نزعه عند من جوز لبسه فإن (أصرعصى)(١)، ووجبت الفدية.
حرفة لبس
التفازين على
الخامس عشر: فيه دلالة أيضاً على تحريم لبس القفازين [على
المحرمة المحرمة وهو الصحيح] (٢) من قولي الشافعي كما سبق، والخلاف.
ثابت، والمعروف عندهم التحريم ووجوب الفدية لأن إحرام المرأة
في وجهها وكفيها كما هو مفهوم من هذا الحديث، ولا خلاف
عندنا، وعندهم في تحريمه على الرجل. نعم، لو اتخذ الرجل.
لساعده، أو لعضو آخر شيئاً مخيطاً فهو ملحق بالقفازين على الأصح
عند الشافعية، ويحرم عليها أيضاً النقاب. قال الفاكهي: وكذا اللثام
فإن فعلت من ذلك شيئاً افتدت.
السادس عشر: فيه رجوع الناس إلى علمائهم عند الحوادث،
وقد سئل وسير في الحج أسئلة كثيرة متفرقة في الأحاديث.
(١) في الأصل بياض، والإضافة من ن هـ.
(٢) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
٤٨

الحديث الثاني
٤٢/٢/٢١٤ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -
قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يخطب بعرفات: ((من لم يجد نعلين
فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل(١) للمحرم)).
الكلام علیه من وجوه :
أحدها: ((عرفات))(٢): هو / موضع الوقوف، ولماذا سميت [٢٣٣/أ/ أ]
بذلك؟ فيه أقوال:
أحدها: لأن آدم عليه [السلام](٣) عرف حواء هناك لأن آدم سبب تسمية
((عرفات)
أهبط بالهند، وحواء بجدة فتعارفا في الموقف.
ثانيها: لأن جبريل عرّف إبراهيم [عليهما السلام](٤) المناسك
هناك .
(١) سبق تخريجه ص ٤١.
(٢) انظر: لسان العرب (١٥٣/٩، ١٥٨).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) في ن هـ ساقطة.
٤٩

ثالثها: للجبال التي فيها والجبال هي الأعراف وكل عال نات
فهو عرف ومنه عرف الديك.
رابعها : لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها فتغفر،
والمشهور ترك صرف عرفات، قال الجوهري (١): وعرفات موضع بمنى
.كذا قال: ومراده بقرب مني، قال: وهو اسم في لفظ الجمع فلا يجمع،
:
وهو منون، وإن كان فيه العلمية والتأنيث لأن التنوين فيه تنوين مقابلة يجمع
المذكر السالم لا تنوين حرف العلتين المذكورتين قال الفراء: ولا واحد له
بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمولَّد فليس بعربي [ ... ](٢) وهو
معرفة، وإن كان جمعاً لأن الأماكن لا تزول فصار كالشيء الواحد،
فخالف الزيديين، ومثله أذرعات(٣) وعامات (٤) وعريتنات(٥)
[ثانيها](٦): ((الإِزار)): معروف يذكر ويؤنث، ويقال: أيضاً إزاره
كوساد ووساده وجمع القلة: أُزْره، والكثرة: أُزر كحمار، وأحمرة،
وحمر .
وقد يعبر عن المرأة بالإِزار والمئزر والإِزار وهو كقولهم:
لحاف، وملحف، وقدام، ومقدم.
والإِزره: بالكسر هيئة الاتزار كالجلسة والركبة.
(١) مختار الصحاح (١٨٢).
(٢) في اللسان زيادة (محض)، وانظر: كلامه هناك.
(٣) معجم البلدان (١٣٠/١).
(٤) معجم البلدان (٤/ ٧١، ٧٢).
(٥) معجم البلدان (١١٣/٤)، ولسان العرب (١٥٧/٩).
(٦) في الأصل (ثامنها)، والتصحيح من ن هـ ... إلخ المسائل.
٥٠

[ثالثها](١): السراويل تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.
[رابعها]: قد أسلفنا الكلام في الحديث قبله أن حديث ابن
عباس هذا استدل به من لم يشترط قطع الخف عند فقد النعل وجمعنا الجمع بين
بينه وبين حديث ابن عمر السالف، والقاعدة: أن مهما أمكن إعمال عباس في عدم
حديث ابن
الحديثين ولو من وجوه كان أولى من إلغاء أحدهما أو نسخه عند قطع الخف
وحديث ابن عمر
يجد نعلين
عدم تحقق النسخ وهذا الحديث مطلق بالنسبة إلى القطع وعدمه في قطعها إذا لم
وحديث ابن عمر السالف مقيد فحمل المطلق على المقيد أولى كيف
وحديث ابن عمر فيه صيغة الأمر وهو أمر زائد على الصيغة المطلقة
فإن لم يعمل بها وأخرنا مطلق الخفين تركنا ما دل عليه الأمر بالقطع
وهو غير سائغ وهذا بخلاف ما لو كان المطلق والمقيد في جانب
الإِباحة فإن إباحة المطلق حينئذٍ تقتضي بزيادة ما دل عليه إباحة
المقيد فإذا أُخذ بالزائد كان أولى إذ لا تعارض بين إباحة المقيد
وإباحة ما زاد عليه قال الشيخ تقي الدين: وكذا نقول في جانب النهي
لا يحمل المطلق فيه على المقيد لما ذكرنا من أن المطلق دال على
النهي فيما زاد على صورة المقيد من غير تعارض فيه وهذا يتوجه إذا
كان الحديثان [مثلاً](٢) مختلفين باختلاف مخرجهما، أما إذا كان
المخرج/ للحديث واحداً ووقع اختلاف على أن من انتهت إليه [٢٣٣/ أ/ب]
الروايات فههنا نقول أن الآتي [بالمقيد](٣) حفظ ما لم يحفظ المطلق
من ذلك الشيخ /، فكأن الشيخ لم ينطق به إلاَّ مقيداً، فيتقيد من هذا [٤٨/ هـ/ب]
(١) في الأصل (ثامنها)، والتصحيح من ن هـ ... إلخ المسائل.
(٢) في ن هـ ساقطة.
(٣) في إحكام الأحكام (٣/ ٤٨٠) (بالقيد).
٥١

الوجه، قال: وهذا الذي ذكرناه في الإِطلاق والتقييد مبني على ما
يقوله بعض المتأخرين، من أن العام في الذوات مطلق في الأحوال
لا يقتضي العموم، وأما على ما يختاره في مثل هذا من العموم في
الأحوال، تبعاً لعموم الذوات فهو من باب العام والخاص.
خامسها: لبس السراويل إذا لم يجد إزار يدل هذا الحديث
الخلاف في لس
السراويل إذا
لم يجد إزار على جوازه من غير قطع وهو مذهب الجمهور كما أسلفناه في
الحديث قبله قال الشيخ تقي الدين: وهو قوي ههنا، أي دون ما قاله
أحمد في الخفين إذ لم يرد بقطعه ما ورد في الخفين.
قال المازوي(١): وإنما لم يأخذ مالك بهذا لسقوطه من رواية
ابن عمر واعترض عليه القاضي (٢) بأن مسلماً ذكره من رواية جابر
أيضاً.
وقال مالك: في ((الموطأ))(٣) لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبسن
المحرم السراويل واحتج بأنه - عليه الصلاة السلام - منع لبسه ولم
يستثن فيه كما استثنى في الخفين، وظاهر هذا الكلام يدل على أن
هذه الزيادة لم تبلغ مالكاً أو لم يبلغه لبسها على حالها، وكذلك
قوله: ((ولا أرى أن يلبسهما المحرم إلاّ على الوجه المعتاد)» كما قال
الشافعي وأحمد: أو لا يلبسهما دون فدية، فأما مالك وأبو حنيفة
فيريان في لبسهما الفدية قال: أما لو فتقت السراويل وجعل منها شبه
(١) المعلم بفوائد مسلم (٦٨/٢).
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٩٣/٣).
(٣) الموطأ (٣٢٥/١).
٠٥٢٠

الإِزار جاز كما جاز لبس الخف إذا قطع أي من غير فدية والأصح
عند الشافعية: أنه لا يكلف في ذلك لإطلاق الخبر.
فرعان: لو تأتي الائتزار بالسراويل على هيئته فلا يجوز له لبسه
قاله النووي في ((شرح المهذب))(١)، ولو قدر على بيع السراويل
وشراء الإِزار قال القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو
عورته وجب وإلاّ فلا، وأطلق الدارمي في الوجوب، قال في ((شرح
المهذب»(٢) والصواب الأول.
(١) (٢٦٦/٧).
(٢) (٦٧٠/٧).
٥٣

الحديث الثالث
٤٢/٣/٢١٥ - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما](١) أن
تلبية رسول الله صلى: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له(٢). وكان عبد الله بن عمر
يزيد فيها: لبيك لبيك، وسعديك، قال: وكان عبد الله بن عمر یزید
فيها: لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك
والعمل(٣).
(١) في ن هـ ساقطة.
(٢) البخاري أطرافه في الفتح (١٥٤٠)، ومسلم (١١٨٤)، والنسائي
(١٥٩/٥)، وأبو داود (١٨١٢) في المناسك، باب: كيفية التلبية،
والترمذي (٨٢٥)، وابن ماجه (٢٩١٨)، وابن خزيمة (١٦٦١، ٢٢٦٢)،
والدار قطني (٢٢٥/٢)، وأحمد (٣/٢، ٣٤، ٤٣، ٧٩، ١٢٠)،
والبيهقي (٤٤/٥)، والبغوي (١٨٦٥)، والطحاوي (١٢٤/٢، ١٢٥)،
والدارمي (٣٤/٢).
(٣) قال الزركشي في تصحيح العمدة: ((هذه الزيادة ليست في البخاري، بل
أخرجها مسلم خاصة كما نبه عليه عبد الحق في جمعه)) . اهـ. مجلة
الجامعة. انظر: فتح الباري (٤٠٨/٣)، ومسلم (٨٤١/٢)، وقال
الصنعاني في الحاشية (٤٨١/٣): ولكن الذي في مسلم أنه کان یزید ذلك =
٥٤
--

الكلام علیه من وجوه :
الأول: قوله: ((وكان عبد الله)) إلى آخره هذه الزيادة لم أرها لفظ الحديث
في البخاري [بل في مسلم] (١) خاصة وأسقط المصنف منها لبيك بعد ومسلم
عند البخاري
قوله: ((والخير بيديك)) / كذا هو في مسلم من طريقين في إحدى [١/٢٣٤/أ]
روايتيه قالوا يعني سالماً وحمزة [ابني](٢) عبد الله بن عمر، ونافعاً
مولى ابن عمر ((كان عبد الله يزيد مع هذا ((لبيك لبيك وسعديك)» إلى
آخره.
وقوله: في رواية المصنف قال: ((وكان عبد الله)) هذا القائل هو
نافع مولى ابن عمر وفي رواية له ((وكان عبد الله بن عمر يقول كان
عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله والقر من هؤلاء الكلمات
[ويقول](٣) لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك،
لبيك والرغباء إليك والعمل)) فتلخص [أن لفظة لبيك](٤) بعد
[قوله](٥) والخير في يديك)) في ((صحيح مسلم)) من ثلاث طرق
مرتين من طريق عبد الله بن عمر ومرة ثالثة من طريق والده وقد نص
على أن هذه الزيادة أعني قوله: ((وكان عبد الله يزيد فيها إلى آخره
عمر، وفي رواية مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها ذلك، قال
=
ابن حجر: فعرف أن ابن عمر اقتدى بأبيه.
(١) في ن هـ (ولا في مسلم).
(٢) في الأصل (بن)، والتصحيح من ن هـ.
(٣) في الأصل بياض، والإضافة من ن هـ ومسلم.
(٤) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
(٥) في ن هـ ساقطة.
٥٥

من أفراد)) [مسلم] (١) قاله عبد الحق في ((جمعه بين الصحيحين))
فقال: هذه الزيادة لم يذكرها البخاري وأما النووي في ((شرح
[المهذب])»(٢) [فادعى أنه رواها](٣) ثم ذكرها وعزاها إليه.
سبب تثنية التلبية
الثاني: التلبية مصدر ((لبى)) ثُنِي للتكثير والمبالغة [ومعناها](4)
إجابة بعد إجابة ولزوماً لطاعتك لأنه يقال ألب بالمكان ولب كما
سيأتي إذا لزمه وأقام به فثنى تأكيداً لا حقيقة كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانٍ﴾(٥) أي نعمتاه على تأويل اليد هنا بالنعمة ونعم الله تعالى
لا تحصى.
واختلف أهل اللغة في أن لفظة التلبية مثنى أو مفرد فقال
يونس بن حبيب البصري: إنها مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها
بالضمير على حد لدى وعلى ..
وقال سيبويه: مثنى بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر قال
الشاعر:
(١) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
(٢) في الأصل (مسلم)، وما أثبت من ن هـ، المجموع شرح المهذب
(٢٤١/٧).
(٣) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ.
(٤) زيادة من ن هـ.
(٥) سبق التعليق على مثله وأنه على خلاف مذهب أهل السنة والجماعة الذين
يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسول الله لب# فيجب إثبات
اليد لله حقيقة من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل.
٥٦

فلبى فلبي يَدَيْ مِسْوَرِ (١)
دعوت لما نابني، مسوراً
وعلى هذا القول أكثر الناس.
قال ابن الأنباري: بنوا ((لبيك)) كما بنوا حنانيك أي تحننا بعد
تحنن واصل: لبيك، لبِّ بك [لَبَّبَ بك](٢)، فاستثقلوا الجمع بين
ثلاث باءَات، فابدلوا من [الثالثة] (٣) ياء، كما قالوا: [تظنيت، من
الظن](٤) / [ومن القص قصيت المغازي](٥) والأصل [تَظْنَّيْت](٦) [٤٩/هـ/أ]
و [قصيت](٧).
ثم اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها.
(١) ضبط هذا البيت من لسان العرب (٢١٧/١٢، ٢٣٢) وفي الأصل مثله،
أما في ن هـ:
دعت لما نابني مسوراً
فلبى يدي مسـور
وفي حاشية الصنعاني (٤٨٢/٣):
قلبى يلبي يد ميسور
دعوت فلم يأتني مسعد
(٢) زيادة من لسان العرب (٢١٦/١٢) مع ضبط هذا النص، أما الزاهر
(١٠٠/١) غير موجودة وضبطت الأولى (الَّيْك).
(٣) في الزاهر (الأخيرة).
(٤) في المخطوط: كما قالوا: (من الظن تظنيت)، وما أثبت من لسان العرب
(٢١٧/١٢)، وانظر: ما بعدها للاطلاع على المعاني فيه، وفي الزاهر «قد
تَظَنَّيْتَ، وأصله: قد تَظَتَّنْتَ، فأبدلوا من الأخيرة ياء.
(٥) غير موجودة في المرجع السابق.
(٦) في المرجع السابق كما في تعليق (٣).
(٧) غير موجودة في المرجع السابق.
٥٧

:
كما اختلفوا في صيغتها.
فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من
معنى «لبيك:
قولهم: داري تلُبُّ دارك، أي: تواجهها.
وقيل: معناها: محبتي لك [من قولهم امرأة لبة: أي محبة
لولدها، عاطفة عليه .
وقيل: معناها إخلاصي لك](١) من قولهم: [خشب](٢).
[لباب](٣) إذا كان خالصاً محضاً ومنه: لب الطعام ولبابه.
وقيل: [من قولهم: لب العقل] (٤) من قولهم: رجل لبيب(٥)
أي [أنا](٦) منصرف إليك، وقلبي مقبل عليك، حكاه الماوردي.
وقيل: معناه، أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من
قولهم: [ ... ](٧) لَبَّ الرجل بالمكان، وأَلَبَّ: إذا أقام فيه. ولزمه.
قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل
والأحمر ..
(١) زيادة من ن هـ.
(٢) في الأصل ولسان العرب (٢١٣/١٢) (حسب)، بالسين المهملة. وفي
المهذب (٢٤٤/٧)، وشرح مسلم (٨٧/٩) (حب)، وما أثبت يوافق
المراجع السابقة .
(٣) في لسان العرب (٢١٧/١٢) وفي ن هـ (لبان).
(٤) زيادة من ن هـ والماوردي.
(٥) في الماوردي زيادة (ويكون معناها).
(٦) غير موجودة في الماوردي ((الحاوي الكبير)) (١١٥/٥).
(٧) في الزاهر زيادة (قد).
٥٨

وقال الحربي في معنى: لبيك أي قربا منك وطاعة،
والألباب: القرب.
وقيل: معناه أنا ملب بين يديك أي مخضع، وهذه الإِجابة
لقوله تعالى لإِبراهيم وَليّة: / ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ (١) حكاه [١/٢٣٤/ب]
القاضي عياض(٢) ونقله أبو عمر (٣) عن جماعة من العلماء.
قال ابن عباس: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له أذن في سبب التلبية
الناس قال [رب] (٤) وما يبلغ الصوت قال: أُذُنْ وعليّ البلاغ. فنادى
إبراهيم: أيها الناس: كُتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال:
فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيئون من أقطار
الأرض يلبون(٥).
وقال مجاهد: قام إبراهيم على مقامه فقال: أيها الناس:
أجيبوا ربكم، فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فمن حج اليوم فهو ممن
أجاب إبراهيم يومئذ(٦)، ويروي أنه كان النداء على أبي قبيس.
وقال القرطبي: في ((مفهمه)» (٧) على عرفه.
(١) سورة الحج: آية ٢٧.
(٢) إكمال إكمال المعلم (٣٠١/٣).
(٣) الاستذكار (٩٢/١١).
(٤) في ن هـ ساقطة.
(٥) انظر: الاستذكار (٩٣/١١، والدر المنثور (٣٢/٦).
(٦) انظر: المراجع السابقة.
(٧) (٢٦٦/٣).
٥٩

قال ابن عطية(١): واختلفت الروايات في ألفاظه - عليه الصلاة
والسلام - واللازم أن یکون فيها ذکر البیت والحج، وروی أنه يوم
نادى اسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه
كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره ((لبيك اللهم لبيك)) فجرت
التلبية على ذلك، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وحكى ابن
الخطيب في ((تفسيره)) عن الحسن أن المأمور بالنداء في قوله تعالى:
وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ (٢) النبي ◌َّ لأنه المخاطب بالقرآن قال:
والمعنى أمره أن يعلمهم الحج.
[وقال](٣) الجُبائي: هو أن يحج فيحجوا معه قال:
وقيل: هو ابتداء فرض الحج.
وقال عطاء وعكرمة وطاوس: وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ
فَضَ فِيهِنَ الْمَّ﴾ (٤). الفرض: التلبية.
وقال ابن عباس: الفرض الإِهلال، والإِهلال: التلبية.
وقال [ابن](٥) مسعود وابن الزبير: الفرض الإِحرام.
(١) المحرر الوجيز (١٩٣/١١).
(٢) سورة الحج: آية ٢٧، رد هذا القول أبو السعود في تفسيره (١٠٣/٦)،
والشنقيطي في أضواء البيان (٦٦/٥).
(٣) في ن هـ ساقطة.
(٤) سورة البقرة: آية ١٩٧.
(٥) زيادة من ن هـ.
٦٠