النص المفهرس
صفحات 21-40
مر على هذه السادس(١): قوله ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) مقتضاه جواز إحرام من أنه إذا مر بهن من ليس هن ميقاته أن يحرم منهن ولا يجاوزهن غير المواقبت من غير محرم كالشامي يمر بميقات المدني فيلزمه الإِحرام منه ولا يتجاوزه أملين إلى الجحفة التي هي ميقاته وكذا الباقي وهذا لا خلاف فيه عند الشافعية . وأما المالكية: فإنهم نصوا على أن له مجاوزته إلى الجحفة وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور ومن أطلق من مصنفي الشافعية أنه لا خلاف فيه فمراده مذهبه حكى بعضهم أن ابن الرفعة حكاه وجهاً عن الفوراني فليحرر [نبه عليه الشيخ تقي الدين وكأنه أراد ببعض المصنفين النووي(٢) فإنه نقله غير واحد عنه](٣) ولا شك أن قوله: ((ولمن أتى عليهن)) عام فيمن أتى عليهن سواء كان ميقات بلده أو غيره كأهل الشام والجحفة إذا مروا بين يدي هذه المواقيت ومن لم یمر بین یدیھا. وقوله: ((ولأهل الشام الجحفة)) عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أيضاً فإن قلنا بالعموم الأول دخل تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة فيلزمه أن يحرم منها وإذا عملنا بالعموم الثاني وهو أن لأهل الشام الجحفة دخل تحته هذا المار أيضاً بذي الحليفة فيكون له التجاوز إليها فلكل واحد منها عموم من وجه فكما يحتمل (١) الاستذكار (٨٤/١١). (٢) انظر: شرح مسلم (٨٣/٩). (٣) الزيادة من ن هـ. ٢١ أن يقال: [لمن أتى عليهن من غير أهلهن مخصوص بمن ليس ميقاته. بين يديه](١) ولأهل الشام الجحفة مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت. فرع: يستثني الأجير يحرم من ميقات مستأجره لا ما مر به [٤٥/ هـ/أ] حكاه ابن الرفعة عن الفوراني بزيادة إنه يحرم أيضاً / مما [بإزائه](٢) الأبعد من مكة وأقره علیه .. السابع: قوله ((ممن أراد الحج والعمرة)» مقتضاه تخصيص هذا الحكم بالمريد لأحدهما أولهما وأنه إذا لم يرد واحد منهما لا يلزمه أو العمرة الإحرام وله التجاوز غير محرم فيستدل به على أنه لا يلزمه الإحرام ءِ جواز مجاوزة هذه المواقيت لغير مريد الحج لمجرد دخول مكة وهو الصحيح من قولي الشافعي فيمن قصد مكة لا لنسك لكن هذا الاستدلال أولاً يتعلق بأن المفهوم له عموم من حيث أن مفهومه أن لا يريد حجاً ولا عمرة ولا دخول مكة وأن لا يريدهما [وقد](٣) يريد الدخول وفي عموم المفهوم نظر(٤) في الأصول وعلى تقدير أن يكون له عموم فإذا دل الدليل على وجوب [٢٢٨/ ٢/أ] الإحرام لدخولها وكان ظاهر الدلالة لفظاً قدم على هذا المفهوم / لأن (١) الزيادة من ن هـ وإحكام الأحكام. (٢) في الأصل بياض، والإِضافة من ن هـ. (٣) في ن هـ ساقطة. (٤) قال الغزالي في المستصفى (٢/ ٧٠): المفهوم لا عموم له، لأن العموم لفظٌ تتشابه دلالته إلى مسمياته، ودلالة المفهوم ليست لفظية، فلا يكون لها عموم. اهـ. وقد ناقش الرازي كلامه في المحصول (٢/١/ ٦٥٤) ورجح أن للمفهوم عموم. ٢٢ المقصود بالكلام حكم الإِحرام بالنسبة إلى هذه الأماكن ولم يقصد به بيان حكم الداخل إلى مكة والعموم إذا لم يقصد فدلالته ليست بتلك القوية إذا ظهر من السياق المقصود من اللفظ . الثامن: قوله: ((ممن أراد الحج والعمرة)) استنبط منه بعضهم أن الحج على التراخي لقوله: ((ممن أراد» لأن من مر بهذه المواقيت لا يريد حجاً ولا عمرة يدخل تحته من لم يحج فيقتضي اللفظ أنه لا يلزمه الإحرام من حيث المفهوم ولو وجب على الفور للزمه أراد الحج أو لم يرده وفيه من الكلام ما سلف في الوجه السابع، وقد قدمنا الخلاف في وجوبه على الفور أو التراخي أول الباب. ومن قال بالفورية قال: معنى الإِرادة هنا النية لا التخيير وأنها [قد تأتي](١) للوجوب. واستدل من قال بالتراخي: بأن فريضة الحج كانت سنة خمس أو ست أو ثمان من الهجرة على أقوال في ذلك ولم يحج ◌َله إلَّ في سنة عشر فلو كان واجباً على الفور لم يؤخره وأبعد من قال إنه فرض سنة عشر حكاه القرطبي وحكى قولاً آخر: أنه فرض سنة سبع ونقل أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾(٢) نزلت سنة ثلاث عام أحُد وقوله تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾(٣) مكية. التاسع: قوله: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)» مقتضاه (١) في الأصل ساقطة، والإضافة من ن هـ. (٢) سورة آل عمران: آية ٩٧. (٣) سورة الحج: آية ٢٧ . ٢٣ ميقات من كان أن من منزله بين مكة والميقات إذا أنشأ السفر للحج أو العمرة منزله بين مكة والميقات فميقاته منزله ولا يلزمه المسير إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت . ونقل القاضي [عياض] (١) عن مجاهد أن ميقاته مكة قال والجمهور: على أن ميقاته موضعه فإن لم يحرم منه كتارك ميقاته. ميقات أهل مكة العاشر: قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) مقتضاه أن أهل مكة يحرمون منها وهو مخصوص بالإحرام بالحج وميقاته نفس مكة على الصحيح عند الشافعية . وقيل: كل الحرم وظاهر الحديث يخالفه والأفضل أن يحرم من باب داره. وقيل: من المسجد تحت الميزاب. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: في تعيين المسجد الحرام قولان . قال بعض شيوخ المالكية: ممن [أدركناه](٢) وأظن هذا على الأولوية لا على الوجوب إذ لا دليل عليه. أما الإحرام بالعمرة فإنه من أدنى الحل كما فعل - عليه الصلاة والسلام - بعائشة - رضي الله عنها - ليلة النفر فإنه بعثها مع أخيها (١) الزيادة من ن هـ. انظر: الاستذكار (٨٧/١١)، وذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٩٨/٣)، وشرح مسلم (٩/ ٨٣). (٢) في الأصل ون ب (أدركته)، وما أثبت من ن هـ. : ٢٤ ٠, عبد الرحمن ليحرما من التنعيم ويدخل في أهل مكة من بمكة ممن ليس من أهلها. الحادي عشر: في الحديث دلالة على فضيلة مكة والحرم والحج والعمرة من حيث شرعت هذه المواقيت والإِحرام: لمن أراد دخولها تشريفاً وتعظيماً أو تلبس بهما أو بأحدهما. الثاني عشر: لم يذكر في هذا الحديث ميقات أهل المشرق بقات أمل وميقاتهم ذات عرق كما رواه النسائي(١) من حديث عائشة، ورواه المشرق مسلم(٢) من حديث أبي الزبير عن جابر لكنه لم يجزم برفعه وتضعيف الدار قطني(٣) له بأن العراق لم تكن فتحت في زمنه - عليه الصلاة والسلام - عجيب منتقض بتوقيته - عليه الصلاة والسلام - لأهل الشام الجحفة ولم تكن فتحت بل حكى ابن بزيزة إجماع النقلة على أنها كانت دار كفر وكذا مصر لم تكن فتحت كما أسلفنا / وأن [٤٥/هـ/ب] هذا من أعلام نبوته - عليه أفضل الصلاة والسلام - وأخبر له بفتحها . نعم اختلف العلماء هل هذا الميقات بنص منه 3 4 ** أو باجتهاد ذات عرق هل هي بنص أم عمر (٤) كما بينه البخاري في صحيحه(٥) كذا نقله عن تصحيح باجتهاد عمر؟ (١) النسائي (١٢٣/٥). (٢) مسلم (١١٨٣)، وانظر: كلام ابن حجر في الفتح (٣٨٩/٤، ٣٩٠). (٣) الإلزامات والتتبع (٤٧٧، ٥٥٥)، والفتح (٣٩٠/٤). (٤) في ن هـ زيادة: (وهو وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما وهو المنصوص في الأم أنه باجتهاد عمر). (٥) الفتح (٣٨٩/٤)، والاستذكار (٧٦/١١، ٧٩). ٢٥ أصحابنا وعن نص الشافعي في ((الأم))(١) والنووي في ((شرح مسلم)(٢) وخالف في ((الروضة)) تبعاً للرافعي أن ميل الأكثرين إلى أنه منصوص عليه كالمواقيت الأربعة. وقال الرافعي في ((الشرح الصغير)) إنه الأرجح نعم خالف في («شرح المسند» فقال: إن مذهب الشافعي أنه باجتهاد عمر ولم يحك فيه خلافاً .. فرع: الأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق بالقرب منها وقد ورد في حديث أنه ميقاتهم في حديث فيه مقال(٣) ولو صح لوجب فالجمع بينهما للاحتياط أولى لأن من أحرم منه كان محرماً منها ولا عکس وروى هل الأفضل لأهل المشرق الإجرام من العقيق أم من ذات عرق (١) (١٣٨/٢). (٢) (٨٦/٩). (٣) الحديث أخرجه أبو داود (١٦٦٥) في المناسك، باب: في المواقيت، والترمذي (٨٣٢) من حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّ «وقت لأهل المشرق العقيق))، فقد تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق، ومنها: أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث أنس عند الطبراني وإسناده ضعيف، ومنها: أن ذات عرق كانت أولاً في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد. ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به أحد، وإنما قالوا يستحب احتياطاً. اهـ. من الفتح (٣٩٠/٤). انظر: كلام الخطابي وابن القيم - رحمنا الله وإياهم ـ على الحديث، في معالم السنن (٢٨٣/٢) .. ٢٦ عن بعض السلف أنهم يهلوا من الربذة [حكاه القرطبي](١). الثالث عشر: في الحديث دلالة أيضاً على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة وإن كان أصله في الأزمنة ولهذا قال الفقهاء: للحج والعمرة ميقاتان زماني ومكاني وبينوا كل واحد منهما. الرابع عشر: نقل القاضي عن [بعض](٢) علمائهم أن في المواقيت حجة لنا أن أقل ما يقصر فيه الصلاة ويسمى سفراً مسافة يوم وليلة لأنه أقل مقادير المواقيت الأهل الآفاق المسافرين حتى يمر لهم سفر وهم محرمون لأن قرن أقرب المواقيت](٣) من مكة وهو على يوم وليلة منها. الخامس عشر: قال أيضاً في الحديث رِفق النبي ◌َ سير بأمته لأنه جعل المواقيت لأهل الآفاق بالقرب ولأهل المدينة أبعد منهم لما كانوا أقرب من أهل الآفاق إلى مكة. فلا تلحقهم من مشقة [طول](٤) السفر ما يلحق غيرهم فلهذا بعدها وقرب تلك. وقال ابن حزم: إنما جعل ذلك لتعظيم أجره - عليه الصلاة والسلام - . (١) في ن هـ ساقطة. قال في الفتح (٣٩٠/٤): وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يحرم من الربذة وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجزري . اهـ. (٢) الزيادة من ن هـ. انظر: إكمال إكمال المعلم (٣/ ٣٠٠). (٣) الزيادة من ن هـ. (٤) الزيادة من ن هـ. ٢٧ الحديث الثاني ٤١/٢/٢١٢ - عن عبد الله بن عمر [رضي الله عنهما](١)، [٢٢٩ / ١/١] أن رسول الله الر قال: ((يهل أهل المدينة من ذي / الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن»(٢). قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله وَ لل قال: ((ويهل أهل اليمن من يلملم)». قد قدمنا الكلام على هذا الحديث في الحديث الذي قبله وأن قوله: ((يهل)) إلى آخره صيغة خبر يراد بها الأمر وهو أبلغ إذ الخبر من حيث موضوعه لا يتصور فيه الخلف بخلاف الأمر [فذكره له بصيغة الخبر توكيد](٣). (١) في ن هـ: ساقطة. (٢) مالك في الموطأ (٣٣٠/١، ٣٣١)، البخاري أطرافه في الفتح (١٣٣)، مسلم (١١٨٢)، أبو داود (١٧٣٧)، في المناسك: باب في المواقيت، الترمذي (٨٣١)، النسائي (٢٢/٥)، النسائي في الكبرى (٣٢٠١/٢)، ابن ماجه (١٩١٤)، أحمد (٣/٢، ٤٧، ٤٨)، الدارمي (٢٩/٢، ٣٠)، الطحاوي (١١٨/٢)، البيهقي (٢٦/٥)، البغوي (١٨٥٨). (٣) في الأصل: فذكر الأمر بصيغة الأمر توكيد. وما أثبت من ن هـ. ٢٨ وقدم المصنف حديث ابن عباس [عليه](١) لأن فيه التصريح بميقات أهل اليمن عن رسول اللهو ل# خلاف حديث ابن عمر فإنه لم يحفظه بل بلغه بلاغاً وإن كان ابن عمر أحفظ وأضبط الأحاديث المواقيت والمناسك فإنه حج مع النبي لل وضبط أماكن نزوله وصلاته [فيها] (٢) وتتبعها بعده وصلَّى فيها اقتداء وتبر كاً(٣). ووقع في ((شرح الشيخ تقي الدين))(٤) أن ابن عباس ذكر سماعه لميقات اليمن من النبي ◌َّر، وتبعه الفاكهي وغيره، وليس في الحديث دلالة على ذلك فتأمله، بل أحاديثه التي صرح فيها بالسماع قليلة كما ذكرت عدها في باب الاستطابة (٥). فروع: قال بعض المتأخرين من المالكية: اختلف العلماء في حكم من جاوز الرجل يجاوز ميقاته إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة. الميقات إلى ميقات آخر قريباً من مكة فالمنصوص عن مالك وجوب الدم(٦). (١) في ن هـ: ساقطة، (٢) في ن هـ: ساقطة. (٣) هذا الفعل وهو التبرك بآثار ومواضع مرور النبي وَلخير غير مشروع، ولم يأتِ عن النبي 18 الأمر بذلك ولم يفعله الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ولذلك لما سمع عمر رضي الله عنه أن أناساً يرتادون شجرة بيعة الرضوان قطعها خشية الافتتان بها والتبرك بها . (٤) إحكام الأحكام (٤٦٨/٣). (٥) (٥٠٨/١) من هذا الكتاب المبارك. (٦) الاستذكار (٨٣/١١)، وبداية المجتهد (٣١٤/١). ٢٩ ولأصحابه: قولان: وبالوجوب قال الشافعي(١): وبالسقوط قال أبو حنيفة (٢): والصحيح عندهم في المريض يكون من أهل المدينة أنه يجوز لأن يؤخر إحرامه إلى الجحفة لأنها أقرب إلى مكة وقد قدمنا عنهم أن الشامي إذا مر بالمدينة أن يترك الإِحرام من ذي الحليفة إلى الجحفة وعلله القرطبي في ((مفهمه)»(٣) بأن الجحفة ميقات منصوب نصباً عاماً لا يتبدل. واختلف العلماء فيمن أفسد حجه من أين يقضيه؟ فعند الحسن بن حي والثوري: من الميقات. وعند أبي حنيفة وأصحابه: أنه مخير. وعند الشافعية تفصيل ذكرته في كتب الفروع(٤). خاتمه: لا يشترط أعيان هذه المواقيت بل ما يحاذيها / في معناها والأفضل في كل ميقات أن يحرم في طرفه الأبعد من مكة، ولو أحرم من طرفه الآخر جاز. [٤٦ /هـ/ أ] فائدة: ما الحكمة في كون المواقيت المذكورة بعضها أقرب من بعض . (١) مغني المحتاج (٤٧٥/١). (٢) بدائع الصنائع (١٦٤/٢)، واللباب (١٧٨/١). (٣) (٢٦٤/٣). (٤) الاستذكار (٨٦/١١). ٣٠ فالجواب ما ذكره القرافي أنه يروي أن الحجر الأسود كان له نور يصل آخره إلى هذه [المواقيت] (١) فمنع الشرع من مجاوزتها لمن أراد النسك تعظيماً لتلك)» [الآيات] (٢) لكن الذي ذكره أصحابنا أن نور الحجر حيث انتهى كان حداً للحرم لا للميقات، فإنه / لما أُهبط [١/٢٢٩/ب] إلى الأرض أضاء نوره شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً، فكان حد الحرم حیث انتھی نوره. وسبب تقارب الحرم من البيت وبعده أن آدم - عليه الصلاة والسلام - لما أُهبط إلى الأرض خاف الشيطان فأنزل الله تعالى ملائکة تحرسه، فحیث وقفت من کل جانب کان ذلك حده منه. وقيل: أنزلت خيمة من الجنة فضربها ووقفت الملائكة من ورائها تحرسه فالحرم موقف الملائكة(٣). (١) في الأصل الميقات، والتصحيح من ن هـ. (٢) في ن هـ: آثار (٣) انظر: أخبار مكة للأزرقي (١٢٧/٢، ١٢٨). ٣١ ٤٢ - باب ما يلبس [المجرم](١) من الثياب أي وصفة التلبية، ومنع سفر المرأة إلاَّ بزوج أو منحرم كما ذكره في آخره، ومجموع ما ذكره فيه أربعة أحاديث: [الحدیث](٢)الأول ٤٢/١/٢١٣ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن رجلاً قال: ((يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلاَّ أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس(٣). (١) في الأصل (المحرومون)، والتصحيح من ن هـ. (٢) في ن هـ ساقطة. (٣) البخاري أطرافه الفتح (١٣٤)، ومسلم (١١٧٧)، وأبو داود (١٨٢٤) في المناسك، باب: ما يلبس المحرم، والنسائي (١٣١/٥، ١٣٤)، وابن ماجه (٢٩٢٩، ٢٩٣٢)، والحميدي (٦٢٧)، والطيالسي (١٨٠٦، ١٨٣٩)، وابن خزيمة (٢٥٩٩، ٢٦٠١)، وابن الجارود (٤٦١)، والترمذي (٨٣٣)، والدارقطني (٢٣٠/٢)، وأحمد (٢٩/٢، ٣٢، ٧٧، = ٣٢ وللبخاري ((ولا تنتقب [المرأة]، ولا تلبس القفازين))(١). الكلام علیه من وجوه: الأول: هذا [السائل](٢) لم أقف على اسمه بعد البحث عنه وفي رواية لأحمد (٣) ((أنه سمع النبي ◌َّليه يقول على هذا المنبر))، وذكر معناه. وفي رواية للدارقطني(٤): ((أن رجلاً نادى في المسجد ما يترك المحرم من الثياب)). الثاني: في ألفاظه: الأول: ((الثياب))، وقد قدمنا في باب جامع(٥) أن الثوب لغة غير المخيط كالرداء والإِزار وأنه يطلق على المخيط كالقميص وغيره. [الثاني] (٦): ((القمص)»: جمع قميص وهو معروف، يقال: تقمصت القميص إذا لبسته وتقمصت الأمر استعارة إذا دخلت فيه. ١١٩)، والبيهقي (٤٩/٥، ٥٠)، والطحاوي (١٣٥/٢)، ومالك = (٦٧٧) . (١) البخاري (١٨٣٨). في الفتح (المحرمة)، بدل: (المرأة). (٢) في الأصل التأويل، والتصحيح من ن هـ. (٣) المسند (٣٢/٢). (٤) الدارقطني (٢٣٠:٢)، ومثله عند أحمد (٢٩/٢)، ولكن دون (في المسجد). (٥) (٣٩٦/٣). (٦) الزيادة من ن هـ. ٣٣ [الثالث](١): ((العمائم)»: جمع عمامة وهو ما يلف به الرأس، سميت: بذلك لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية. الرابع: ((السراويلات)): جميع سراويل وهي مؤنثة عند الجمهور، وقيل: مذكر والجمهور على أنها أعجمية معربة(٢) .. وقيل: عربية والجمهور على أنها مفردة وجمعها سراويلات. لغات "السراويل» وقيل: سراويل جمع سروالة. ويقال: [فيها] (٣) سراوين بالنون وبعض الأعراب تقول شروال بالشين المعجمة، ويقال: سرولته مسترول أي ألبسته السراويل والأكثرون على أنه لا ينصرف إذا كان نکرة، وقيل: ینصرف. الخامس: ((البرانس)»: جمع برنس بضم الباء والنون وهو كل ثوب رأسه ملتصق به دراعة أو جبة أو غيرهما. ضبط (البرانس)) ونوعه وقال [ابن زيد](٤)، البرنس: بضم الباء نوع من الطيالسة يلبسه [٢٣٠/ أ/ أ] العباد وأهل الخير حكاه صاحب ((المطالع)) /، وقال الجوهري(٥) .. هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من [البرنس](٦) بضم الباء وهو القطن والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. (١) الزيادة من ن هـ. (٢) انظر: المغرب تح أحمد شاكر (١٩٦)، والجمهرة لابن دريد (٤٨٧/٣). (٣) في ن هـ (فيه). (٤) في ن هـ (ابن دريد). (٥) في التهذيب (١٥٥/٩٣)، وانظر: لسان العرب (٣٩٣/١). (٦) في ن هـ (برانس). ٣٤ السادس: ((الخفاف)) جمع: خف وتجمع على أخفاف أيضاً ذكره صاحب ((المطالع)» وهو معروف. السابع: ((الزعفران)): نبت يكون باليمن وورد في الحديث ذكره كثير . الثامن: ((الورس)): نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف، وفي المرادبالورس الحديث ((ثياب ورسية))، و ((ملحفة ورسية))(١) أي مصبوغة به. وقال ابن العربي: الورس نبات يزرع في اليمن زرعاً ولا يكون بغيره ولا يكون قوياً نباته مثل السمسم [فإذا جف](٢) تفتقت خرائطه [فينفض](٣) فينتفض منه الورس أحمر يزرع سنة فيقيم بالأرض عشر سنين ينبت وينمو وأجوده حديثه يقال: أورس فهو وارس وتورس لغة ضعيفة . وقال أبو حنيفة الدينوري: لا ينبت الورس إلاَّ باليمن، وكذا نقله السهيلي عنه . وقال ابن البيطار: في «جامعه)»(٤) يؤتى بالورس من الصين، واليمن، والهند وليس هو بنبات يزرع كما زعم من زعم / قال: وهو [٤٦/ هـ/أ] يشبه زهر العصفر ومنه شيء يشبه نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الکرکم عروقه. (١) لسان العرب (٢٧٠/١٥). (٢) في الأصل بياض، والإضافة من ن هـ. (٣) الزيادة من لسان العرب (٢٧٠/١٥). (٤) (٤٩٣/٢، ٤٩٤). ٣٥ ووقع في ((الجيلي)) أن الورس هو العُصفر وهو غلط فإنه غيره .. وعبارة البغوي والرافعي: هو شجر يُخرج شيئاً كالزعفران. ضبط ((القفاز)) التاسع: ((القفاز»: بضم القاف وتشديد الفاء تلبسه نساء العرب في أيديهن تغطي الأصابع والكف والساعد من البرد محشي بقطن ويكون له أزرار تزرُّ على الساعدين، وهما قفازان. وقيل: هو ضرب من الحلى تتخذه المرأة ليديها. العاشر: معنى: ((لا تنتقب المرأة)) أي لا تستر وجهها لأجل إحرامها . معنى (الثقاب) والنقاب: شد الخمار على الأنف. وقيل: على المحجر. الوجه الثالث: في أحكامه وفوائده: بيان أن الأصل في الجواب الأول: الأصل في الجواب المطابقة والزيادة المقيدة عليها المطابقة حسنة ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى الَّ قَالَ هِىَ ١٨ عَصَاىَ أَتَوَ كَُّأْ عَلَيْهَا وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى فهذا هو الجواب المطلق، ثم زاد: ﴿وَهُثُّ بِهَا عَلَى غَنَسِى) الآية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ لَ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَنَهُمَاْ إِن كُم ◌ُوقِنِينَ (٦)﴾(٢). فقوله: ﴿إِن كُمْ ◌ُوقِنِينَ الْهَا﴾ جاء بعد المطابقة أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا (١) سورة طه: آية ١٧ . (٢) سورة الشعراء: آية ٢٤. ٣٦ أولى ما توقنون به لظهوره وإثارة دليله وهذا السائل سأل عما يلبس فأجابه - عليه الصلاة والسلام - بما لا يلبس وهو من بديع الكلام وجزله فإن المسؤول عنه غير منحصر إذ الأصل الإباحة، / فأجاب [٢٣٠/أ/ب] بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به على أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله الجاد ما يترك المحرم من الثياب، فقال: الحديث كما رواه الإمام أحمد(١) في مسنده (وأبو داود والدارقطني في سننه] فجاء على الأصل. الثاني: الألف واللام في ((المحرم)) للجنس، ولذلك جمع - عليه الصلاة والسلام - القمص وما بعدها، ولو أريد المحرم الواحد لقيل: ولا يلبس قميصاً ولا عمامة، ونحو ذلك بالإِفراد وإن كان في بعض الروايات إفراد القميص. الثالث: الإِجماع قائم على أن ما ذكر لا يلبسه المحرم وعداه القياسيون إلى ما وراه في معناه وأنه - عليه الصلاة والسلام - [نبه](٢) بكل واحد من المذكورات على ما في معناه، فنبه بالقميص والسراويل على كل مخيط أو مخيطة معمول على قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما، ونبه بالعمائم والبرانس على كل ساتر الرأس مخيطاً [كان](٣) أو غيره حتى العصابة فإنها حرام، فإن (١) أحمد (٤/٢، ٨)، وأبو داود (١٧٤٩) في المناسك، باب: ما يلبس المحرم، والدارقطني (٢٣٢/٢)؛ ما بين القوسين زيادة من ن هـ. (٢) في ن هـ ساقطة. (٣) في ن هـ ساقطة . ٣٧ احتاج إليها لصداع أو شجة ونحوها شدها ولزمته الفدية، ونبه بالخفاف على كل ساتر من مداس وجورب وغيرهما وتبه بالزعفران والورس على كل طيب فيحرم على كل محرم رجلاً كان أو امرأة جميع أنواع الطيب الذي يقصد له [أما](١) ما لا يقصد له كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالقيصوم ونحوه فليس بحرام لأنه لا يقصد للطيب . أما المرأة: فإنه يباح لها ستر جميع البدن بكل ساتر إلاَّ وجهها وكفيها بغير القفازين وكذا بها في أظهر القولين عن الشافعي لرواية البخاري المذكورة . وعن أبي حنيفة: جوازه بهما لأن سعد بن أبي وقاضٍ كان يأمر بناته بلبسهما في الإِحرام. الحكمة من ترك المحرم اللباس المعتاد الرابع: السر في تحريم هذه المذكورات على المحرم ما فيها · من الترفه والتزين ليتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت والأكفان والبعث حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. الخامس: لفظ: ((المحرم)» يتناول من أحرم بالحج والعمرة معاً. أو بأحدهما، والإِحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما، قال الشيخ تقي [الدين](٢): وقد كان شيخنا العلامة المراد بالمحرم الدخول فى أحد النسكين (١) الزيادة من ن هـ. (٢) في ن هـ ساقطة. ٣٨ أبو محمد بن عبد السلام - رحمه الله - يستشكل معرفة حقيقة الإِحرام(١) جداً ويبحث فيه كثيراً، وإذا قيل له أنه النية اعترض عليه بأن النية شرط الحج الذي الإِحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض عليه أنه التلبية بأنها / ليست بركن والإِحرام ركن هذا أو قريب منه، [١/١/٢٢١] وكأنه [يحرم](٢) على [تعيين](٣) فعل تتعلق به النية في الابتداء. السادس: في الحديث تنبيه على عظم عبادة الحج والعمرة باعتبار مشروعية ما فيهما من الشرائط والأركان والواجبات والسنن والآداب والخروج عن العادة المألوفة. السابع: فيه أيضاً جميع ما يلبس فيهما لمقاصد الآخرة، والأعراض عن مقاصد الدنيا وملاذها وترفهها. الثامن: فيه أيضاً اعتقاد ما منع الشرع من إتلافه بسببهما وهو قطع الخف أسفل من الكعبين إذا لم يجد نعلين مع نهيه - عليه [٤٧/ هـ/أ] الصلاة والسلام - عن إضاعة المال. وجوزت الحنابلة جواز لبسه له من غير قطعه لأن حديث ابن الخلاف في قطع عباس الآتي لم يذكر فيه قطعه [وكذا حديث جابر في مسلم كأنهم أسفل الخف يزعمون نسخ حديث ابن عمر هذا وأن قطعه إضاعة مال وخالفهم الإِئمة الثلاثة في ذلك. (١) قال ابن حجر في الفتح يعني على مذهب الشافعية، ثم قال: والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو ذلك. اهـ. (٢) في ن هـ (يحوم)، وأيضاً في عون المعبود نقلاً عن الفتح (٢٦٩:٥). (٣) في هـ ساقطة. ٣٩ وجمهور العلماء قالوا: لا يجوز لبسه إلاّ بعد قطعه أسفل من الكعبين](١)، والنسخ لا يصار إليه إلاَّ بتعيين تاريخ متأخر، كيف وحديث ابن عباس وجابر مطلق وحديث ابن عمر مقيد، والمطلق يحمل على المقيد والزيادة من الثقة مقبولة. وقولهم: إنه إضاعة مال لا يقبل فإن الإضاعة إنما تكون فيما نهى عنه لا فيما أذن فيه، بل هو حق يجب الإِذعان إليه . قال الخطابي(٢): والعجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلَّت سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر إلاّ أن الزيادات مقبولة، قال: وقول عطاء أن قطعها فساد يشتبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة، فأما [ما أذن فيه الرسول لل# فليس بفساد](٣). وأعل ابن الجوزي في ((تحقيقه))(٤) حديث ابن عمر بالوقف فقال: احتجوا بهذا الحديث، والجواب: أن رواته اختلفوا، قال: (١) زيادة من ن هـ. (٢) معالم السنن (٢/ ٣٤٤). (٣) العبارة في الأصل ((ما أذنت فيه بفساد»، وفي ن هـ ((فأما ما أذنت فيه فليس بفساد))، وما أثبت في معالم السنن (٣٤٥/٢). (٤) التحقيق في أحاديث الخلاف (١٣٣/٢). ٤