النص المفهرس
صفحات 181-200
السادس: في الحديث دلالة على وجوب الصوم والفطر على منفرد رأى الهلال في رمضان أو شوال، وهو مذهب الجمهور(١). وذهب عطاء وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، حكاه القرطبي عنهما. وهذا الحديث يرد عليهما، لكن قال العلماء: يفطر في الثاني سرّاً لئلا يساء الظن به(٢). ويجب عليه عند المالكية: رفع شهادته إلى الحاكم إن كان ممن تقبل شهادته رجاء أن ينضاف إليه غيره فيثبت الحكم. وقيل: يرفع وإن كان لا يرجى قبول شهادته لجواز حصول الاستفاضة . السابع: فيه أيضاً أن حكم الرؤية ببلد لا يتعدى إلى بلد آخر لأنه إذا فرض أنه رؤي الهلال ببلد في ليلة ولم ير في تلك الليلة بآخر (١) انظر: الاستذكار (٢٤/١٠). (٢) انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم (٣٦٣/٣، ٣٦٤). قال في الاستذكار (٢٥/١٠): اختلفوا في هلال شوال يراه الرجل وحده، فقال مالك وأبو حنيفة: لا يفطر. وهو قول أحمد بن حنبل وروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كره لمن رأى هلال شوال وحده أن يفطر وقال الشافعي: يفطر الذي رأى هلال شوال وحده إذا لم يشك فيه، فإن شك أو خاف أن يتهم لم يأكل وهذا رأي أبو ثور قال: ولا يسعه أن يصوم، فإن خاف التهمة اعتقد الفطر، وأمسك عن الأكل والشرب. وقال مالك: من رأى هلال رمضان وحده فأفطر عامداً كان عليه القضاء والكفارة. وقال أبو حنيفة: عليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة. وهذا قول أكثر الفقهاء. اهـ. ١٨١ فيكمل ثلاثين يوماً بالرؤية الأولى، ولم ير بالآخر فهل يفطرون أم لا؟ فمن قال: يتعدى / الحكم على أحد الوجهين في المسألة وهو مذهب مالك، ولم يجز لهم الإِفطار، وقد وقعت المسألة في زمن ابن عباس، وقال: لا نزال نصوم حتی نکمل ثلاثین أو یراه، وقال: هكذا أمرنا رسول اللّه وَل﴾(١)، ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام وهو قوله: ((أفطروا لرؤيته))(٢)، لا حديثاً خاصّاً بهذه المسألة أو لأنه شهادة واحد. وعند المالكية رواية: أنه إن ثبت بأمر شائع تعدى الحكم أو بالشهادة عند الحاكم لم يلزم من خرج عن ولايته، إلاّ أن يكون: أمير المؤمنين، فيلزم أيضاً جماعتهم. قال المازري (٣): والفرق بين الخليفة وغيره أن سائر البلدان لما کانت بحکمه فهي کبلد واحد. الثامن: فيه أيضاً أنه لا يجوز صوم الشك ولا صوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم وقد روى أبو داود بإسناد على شرط الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول الله بيّله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم (١) انظر: لفظه كاملاً في مسلم (١٠٨٧)، وأبو داود (٢٣٣٢) في الصيام، باب: إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة، والترمذي (٦٩٣)، والنسائي (١٣١/٤). انظر: الاستذكار (٢٨/١٠، ٢٩) .. (٢) انظر: تخريج حديث الباب. (٣) المعلم بفوائد مسلم (٤٥/٢). ١٨٢ يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام))، وقال الدار قطني: إسناده صحيح (١). وحكى القاضي عياض: صومه / عن عائشة(٢) وأسماء(٣) وابن [١/١٥٥/أ] عمر (٤) وطاوس. وقال الأوزاعي والكوفيون(٥): إن صامه وتبين أنه من رمضان أجزأه. وجمهورهم أنه لا یصومه ولا يجزئه إن صامه . (١) أبو داود (٢٣٢٥) في الصيام، باب: إذا أغمي الشهر، والدارقطني (١٥٦/٢، ١٥٧)، وصححه الحاكم (٤٢٣/١)، ووافقه الذهبي، وابن حبان (٣٤٤٤)، وابن الجارود (٣٧٧)، وأحمد (١٤٩/٦)، والبيهقي (٢٠٦/٤)، وصححه ابن خزيمة (٢٠٣/٣)، وأشار إليه في فتح الباري (٤/ ١٢١). (٢) أخرجه سعيد بن منصور. قال الألباني في الإرواء (١١/٤): في سنده رجل لم يسم فلا يصح سنده، لكن قد جاء مسمى ((لعبد الله بن أبي موسى)) في مسند أحمد (١٢٥/٦، ١٢٦)، وسنده صحيح؛ فمن قال: العبرة برأي الراوي لا بروايته لزم الأخذ به كالحنفية. اهـ. انظر: البيهقي في السنن (٢١١/٤)، والهيثمي في مجمع الزوائد (١٤٨/٣)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. انظر: الفتح الرباني (٢٥٦/٩). (٣) البيهقي (٢١١/٤). انظر: المجموع (٤١٠/٦)، وزاد المعاد (٤٥/٢). (٤) أحمد (٥/٢)، وانظر: تخريجه لأحمد شاكر في المسند (٢٢٦/٦)، وعبد الرزاق (٧٣٢٣)، وأبو داود (٢٢٢) في الصيام، باب: الشهر يكون تسعاً وعشرين، والدارقطني (١٦١/٢)، والبيهقي (٢٠٤/٤)، وصححه الألباني في الإِرواء (٤ / ١٠). (٥) انظر: الاستذكار (٣٥/١٠). ١٨٣ وكان بعض الصحابة(١) يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. وکره محمد بن مسلمة تحري ذلك آخر يوم، كما يكره تحري صومه . وصح عن جماعة النهي عن صيام يوم الشك(٢). وفي الترمذي / (٣) عن عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم. التاسع: استدل به أيضاً لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: ((فاقدروا له)) من حيث إنه أمر بمقتضى التقدير، وتأوله الجمهور على إرادة إكمال العدد كما قدمناه. (١) أي ابن عباس وكان ينكر أن يصام يوم الشك، ويقول: قال رسول الله وَله: ((إذا لم تروا الهلال فأكملوا ثلاثين يوماً))، وعن عطاء قال: كنت عند ابن عباس قبل رمضان بيوم أو يومين فقرب غداؤه فقال: ((أفطروا أيها الصيّام، لا تواصلوا رمضان شيئاً، وافصلوا)). انظر: مصنف عبد الرزاق (١٥٨/٤)، والحديث الأول سبق تخريجه. (٢) منهم عمر بن الخطاب في مصنف ابن أبي شيبة (٧٣/٣)، والاستذكار (٢٣٣/١٠) .. وعلي بن أبي طالب عند ابن أبي شيبة (٧٣/٣)، والاستذكار (٢٣٣/١٠)، والمجموع (٤٢٦/٦)، والمحلى (٢٣/٧) .. وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس وقد سبق تخريجه، وأبو هريرة وسبق أيضاً تخريجه، وأنس بن مالك وغيرهم. (٣) الترمذي (٦٨٦)، والنسائي (١٥٣/٤)، والدار قطني (١٥٧/٢)، وصححه ابن خزيمة (١٩١٤)، وأبو داود فى الصيام (٢٢٣٤)، باب: كراهية صوم يوم الشك، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن حبان (٣٥٨٥)، وصححه الحاكم (٤٢٣/١) ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة (٧٢/٣)، والدارمي (١٢/٢). ١٨٤ - العاشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((صوموا لرؤيته)) ظاهره وجوب الصوم متى رأى قبل الزوال أو بعده، وهو المشهور من مذهب مالك. وقيل: إنه قبله الماضية ويفطرون ساعة رؤيته إن كان هلال شوال. وقال بعض أهل الظاهر: أما في الصوم فتجعل الماضية، وأما في الفطر: فيجعل لمستقبله وهو أخذ بالاحتياط منهم، ولكن الحديث حجة عليهم(١). (١) انظر: الاستذكار (١٩/١٠). ١٨٥ الحديث الثالث ٣٥/٣/١٨١ - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول الله / وَل﴾: (تَسَخَّرُوا، فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكة))(١). الكلام علیه من ثلاثة أوجه: الأول: ((السَّحور)): بفتح السين ما يتسحر به: كالبرود وهو ما : يتبرد به، والسنون وهو ما يستن به، والرقو وهو [ما يرقأ] (٢) به الدم والسُّحور: بضم السين الفعل ورووه هنا بالوجهين؛ قاله النووي(٣). وقال الشيخ تقي الدين(٤): هو بالفتح ما يتسحر به، وبالضم الفعل، هذا هو الأشهر. (١) البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، وابن ماجه (١٩٦/٢)، وابن خزيمة (١٩٣٧)، وابن الجارود (٣٨٣)، والبغوي (١٧٢٧، ١٧٢٨)، والدارمي (٦/٢)، وابن حبان (٣٤٦٦)، وأحمد (٩٩/٣، ٢٢٩، ٢٥٨، ٢٨١)، والبيهقى (٢٣٦/٤). (٢) في ن ب (ما يراد). (٣) انظر: شرح مسلم: (٢٠٥/٧، ٢٠٦). (٤) انظر: إحكام الأحكام (٣٣١/٣). ١٨٦ قلت: واختار بعضهم أن يكون اسم الفعل بالوجهين، وكأن السحور سمي باسم زمنه، لأنه يفعل في السحر قبيل الفجر، ويدخل وقته بنصف الليل، ذكره النووي في ((شرح المهذب)» هنا، والرافعي في أواخر کتاب الإِيمان. الثاني: ((البركة)): النماء والزيادة، وهذه البركة المعلل بها السحور، يجوز أن تكون أُخروية، لأن فيه متابعة السنَّة، وهي موجبة للثواب وزيادته وثمرته، وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء وصلاة واستغفار في وقت شريف، تنزل فيه الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد الأجور. ويجوز أن تكون دنيوية كقوة البدن على الصيام، والنشاط له، ويحصل له بسببه الرغبة في الازدياد من الصوم لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن تضاف إلى كل واحد من الفعل، والمتسحر / به [١/١٥٥/ب] معاً، وعلى هذا الأكثر فتح السين من السَّحور، كما قاله الشيخ (١)تقي الدين. ويجوز أن تكون البركة بمجموع الأمرين: وحاصل البركة في السحور يتنوع أنواعاً: أولها: اتباع السنَّة والاقتداء. ثانيها: مخالفة أهل الكتاب في الزيادة في الأكل على الإفطار کما ستعلمه بعد . (١) انظر: إحكام الأحكام (٣٣١/٣). (٢) انظر: فتح الباري (١٤٠/٤)، والاستذكار (٣٤/١٠). ١٨٧ ثالثها: التقوي به والنشاط للصوم سيما الصبيان. رابعها: التسبب للصدقة على من يسأل إذ ذاك. خامسها: / التسبب لذكر الله والدعاء وللرحمة فإنه وقت الإجابة . سادسها: التسبب في حسن الخلق، فإنه إذا جاع ربما ساء خلقه . سابعها: تجديد نية الصوم فيخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام ثم تنبه (١). الثالث: أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس. بواجب، وإنما الأمر به أمر إرشاد، وهو من خصائص هذه الأمة. قال - عليه الصلاة والسلام -: ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور))(٢) رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص وكان [الأمر](٣) في أول الإِسلام إذا وقع النوم بعد الإفطار لم يحل معاودة الطعام والشراب، ثم رخص في ذلك إلى الفجر. فائدة: هذا الحديث رواه عن النبي ◌َّلف مع أنس أبو (١) مسلم (١٠٩٦)، والترمذي (٧٠٨)، وأبو داود (٢٣٤٣) في الصوم، باب: في توكيد السحور، والنسائي (١٤٦/٤)، وابن خزيمة (١٩٤٠)، والبغوي (١٧٢٩)، وابن حبان (٣٤٧٧)، وأحمد (٢٠٢/٤)، والدارمي (٦/٢). (٢) زيادة من ن ب د. (٣) في المسند (٣٧٧/٢، ٤٧٧). ١٨٨ هريرة (١)، وأبو سعيد الخدري(٢)، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعائشة (٣) وعمرو بن العاص، وحذيفة، والعرباض بن سارية (٤) وأبو ليلى، وطلق والد قيس بن طلق، كما أفاد ذلك ابن منده في مستخرجه(٥). (١) في المسند (١٢/٣، ٣٢، ٤٤). (٢) انظر: مجمع الزوائد (١٥٤/٣). (٣) النسائي (١٤٥/٤)، وأبو داود (٢٣٤٤) في الصيام، باب: من سمى السحور الغداء، وابن خزيمة (١٩٣٨)، والبيهقي (٢٣٦/٤)، والبزار (٩٧٧)، وابن حبان (٣٤٦٥)، وابن أبي شيبة (٩/٣). (٤) ذكر صاحب مجمع الزوائد غالب هذه الروايات وذكر غيرهم عمر بن الخطاب، وعتبة بن عبد، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي (١٥٤/٣). ١٨٩ الحديث الرابع ٣٥/٤/١٨٢ - ((عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما، قال: ((تَسَخَّرْنا مع رسول الله وِّرَه ثم قامَ إلى الصَّلاةِ، قالَ أَنَسٌ: قلت لزيدٍ: كم [كانَ](١) بَيْنَ الآذانِ وَالسَّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً))(٢). الكلام عليه من وجوه : أحدها: في التعريف براويه. أما أنس: فتقدم في باب الاستطابة . وأما زيد بن ثابت: فهو أبو خارجة أو أبو سعيد المدني الفرضي، وكاتب الوحي، وأحد نجباء الأنصار، وهو أخو يزيد بن ثابت لأبويه. وأمه: النوار بنت مالك. روی عنه أنس وخلق. (١) ساقطة من النسخ وموجودة في إحكام الأحكام. (٢) البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧)، والترمذي (٧٠٣)، وابن ماجه (١٦٩٤)، والنسائي (١٤٣/٤)، والنسائي في الكبرى (٧٧/٢، ٧٨)، والدارمي (٦/٢). ١٩٠ قُتِلَ أبوه في الجاهلية يوم بعاث، ولزيد عدة أولاد، قُتِلَ منهم يوم الحرة سبعة . قدم النبي وَل# [المدينة](١)، ولزيد إحدى عشرة سنة، فأُتي به إليه فقيل: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل عليك: سبع عشرة سورة، فقرأها عليه فأعجبه، وقال: ((يا زيد تعلم في كتاب يهود فإني / ما آمنهم على كتابي)). قال: فتعلمته فما مضي نصف [١/١/١٥٦] شهر حتى حذقته . شهد أحداً وما بعدها من المشاهد. وفي الحديث من طريق أنس ((أفرضكم زيد)»، وفي رواية: ((أفرض أمتي)). وكان من أصحاب الفتوى، وأخذ القرآن عرضاً من النبي وََّ، وعرض عليه ابن عباس وغيره. وندبه الصديق لجمع القرآن فجمعه، ثم لما جمع عثمان الناس على هذا المصحف كان أحد من قام بأعباء ذلك أيضاً. وكان عمر إذا حج يستخلفه على المدينة. استخلفه على [المدينة] (٢) ثلاث مرات: مرتين في حجتين، ومرة في خروجه إلى الشام. وكان كاتبه أيضاً. وكان عثمان يستخلفه أيضاً. (١) زيادة من ن ب د. (٢) في ن ب ساقطة. ١٩١ وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك / . واستعمله عمر على قضاء المدينة، وفرض له رزقاً. روي له عن النبي ◌َ ل﴿ اثنان وتسعون حديثاً اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربع، ومسلم بحديث. مات بالمدينة سنة إحدى وخمسين على أحد الأقوال الثمانية فیه، ابن ست وخمسین. وقيل: ابن أربع. وصلَّى عليه مروان، وله بالمدينة عقب. قال أبو هريرة: لما مات مات خير الأمة /، لعل الله أن يجعل في ابن عباس فيه خلفاً، وترجمته مبسوطة فيما أفردته في ((كتاب العدة في معرفة رجال العمدة)، وذکرت هناك: أن ابن عباس أخذ برکابه. فقال له: تنح یا ابن عم رسول الله، قال: إنا هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وکبرائنا. ثانيها: في الحديث دليل على استحباب السحور وتأخيره إلى قبل طلوع الفجر الثاني. فإن الظاهر أن المراد بالأذان هنا الآذان الثاني، إذ لو فرض الأول لما كان بينهما زمن طويل، كما تقدم في باب الأذان من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))(١)، وثبت [في](٢) (١) البخاري (٦١٧، ٦٢٢، ١٩١٨، ٢٦٥٦)، ومسلم (١٠٩٢)، والبيهقي (٣٨٠/١، ٣٨٢) (٢١٨/٤)، وأحمد (٥٧/٢)، والدارمي (٢٦٩/١، ٢٧٠)، وابن خزيمة (٤٠١). (٢) في ن د ساقطة. ١٩٢ الصحيح(١) أنه لم يكن بين أذانيهما في الصوم إلاّ أن ينزل هذا ويصعد هذا، ومعلوم أن الصعود والنزول زمنه يسير. ثالثها: إنما أخر السحور لأنه أقرب إلى حصول المقصود من التقوى، وأبلغ في مخالفة أهل الكتاب. وادعى بعض الصوفية: أن معنى الصوم وحكمه: إنما هو كسر شهوة البطن والفرج، فمن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله لا يحصل له بالسحور المقصود من الصوم، وهو كسر الشهوتين فلا يفعل، وهذا غلط ظاهر. والصواب: اختلاف ذلك باختلاف أحوال الناس ومقاصدهم، ومقدار ما يستعملوه من السحور، فما زاد في المقدار على مقصود الشرع وحكمته / كعادة [المترفهين] (٢) في المآكل فلا يستحب، بل [١/١٥٦/ب] ربما يؤدي إلى تخمة وجشاً منتن وكسل، وما لا يزيد فيه عليهما فهو مستحب . رابعها: فيه حسن الأدب في العبادة، وذلك قوله مع رسول الله آية فإنه يعطي التبعية، والكون معه بخلاف لو قال: تسحرنا نحن ورسول الله ونحوه. خامسها: فيه أيضاً الحرص على طلب العلم، وتحرير المسائل وتتبع السنن، ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها، لقول أنس: ((كم (١) انظر: مسلم بشرح النووي (٢٠٣/٧). (٢) في ن ب د (المترفين). ١٩٣ كان بين السحور والأذان)»؟ وقول زيد: ((قدر خمسين آية))، أي قدر قراءتها(١). سادسها: فيه أيضاً استحباب الاجتماع على السحور، فإن فعله - عليه الصلاة والسلام - سنن عامة كأقواله، وقد تختلف باختلاف الحال / . : - (١) أقول فيه فائدة: جواز ضبط الوقت بمقدار محدد من العبادة كقراءة القرآن. أو ذكر الله ونحو ذلك فإن زيداً لما سأله أنس - رضي الله عنهما - بقوله: (كم كان بين السحور والإِقامة)) قال: ((قدر خمسين آية)) ولهذا السلف رضي الله عنهما كانوا يحددون المسافات بين البلدان والأماكن بمقدار معين من العبادات. وهذا فيه استغلال الإنسان للوقت فيما يعود عليه نفعه في الدنيا والآخرة وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ١٩٤ / الحديث الخامس والسادس ١٨٢، ٥/١٨٣، ٣٥/٦ - عن عائشة، وأم سلمة - رضي الله عنهما -، ((أن رسول الله وَ لَه كانَ يُدْرِكَهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌّ مِنْ أهْلِهِ ثمَّ يَغْتَسِل / وَيَصومُ))(١). الكلام عليه من وجوه : الأول: في التعريف براويه: أما التعريف بعائشة: فسلف في الطهارة . وأما التعريف بأم سلمة: فسلف في باب الجنابة . [الوجه](٢) الثاني: أجمع العلماء على صحة صوم من أصبح الإجماع على صحة صوم من أصبح جنباً جنباً من احتلام، كما نقله الماوردي(٣). (١) البخاري (١٩٢٥، ١٩٣٠، ١٩٣١ - ١٩٢٦، ١٩٣٢)، ومسلم (١١٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٨٣/٢، ١٨٤)، ومالك في الموطأ (٢٩٠/١)، وعبد الرزاق (٧٣٩٨)، والبيهقي (٢١٤/٤)، ومعرفة السنن (٨٦٣٤/٦)، وأحمد (٢٨٩/٦)، والترمذي (٧٧٩)، وابن حبان (٣٤٨٦، ٣٤٨٧)، وابن أبي شيبة (٨١/٣)، النسائي (١٤٣/٤). (٢) زيادة من ن ب د. (٣) (٢٦٤/٣). ١٩٥ لكن في النسائي(١) من حديث الزهري قال: أخبرني [عبد الله بن](٢) عبد الله بن عمر ((أنه احتلم ليلاً في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح، فلقى أبا هريرة فاستفتاه في ذلك، فقال: أفطر. فإن رسول الله وَال كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً. قال عبد الله بن عبد الله بن عمر: فجئت عبد الله بن عمر فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسم بالله! لإِن أفطرت لأوجعن متنيك، صم، فإن بدا لك أن تصوم يوماً آخر فافعل)). من خالف ذلك واختلفوا فيمن أصبح جنباً من جماع: فالجمهور من الصحابة والتابعين: على صحة صومه. لهذا الحديث الذي ذكره المصنف، ولقوله - تعالى -: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً اَلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾(٣)، فإنه يقتضي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطأ إلى آخر جزء منه أن يصبح جنباً(٤). وفيه قول ثان: أنه لا يصح صومه، وإليه ذهب أبو هريرة، (١) النسائي في الكبرى (١٧٦/٢، ١٧٧). انظر: التمهيد (٤٢٢/١٧)، والاستذكار (٤٥/١٠)، والمحلى (٢١٨/٦). قال ابن عبد في الاستذكار: واختلف في اسم ابن عبد الله بن عمر هذا؛ فقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله. وكان ما يروى كلاهما ثقة ثبت. اهـ. (٢) زيادة من ن ب د. (٣) سورة البقرة: آية ٨٧. (٤) ينقل المناظرة التي في السنن والمعرفة (٢٥٣/٦). ١٩٦ ورواه عن الفضل ابن عباس، وأسامة بن زيد مرفوعاً: ((من أدركه الفجر جنباً فلا يصم))، والأول أخرجه مسلم(١)، والثاني النسائي(٢)، وفي رواية مالك(٣) ((أفطر))، وفي النسائي(٤) عن أبي هريرة أنه قال: ((لا ورب هذا البيت! ما أنا قلت: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم، محمد ورب / الكعبة! قاله)»، لكن لما بلغه حديث عائشة [١/١/١٥٧] وأم سلمة رجع إليه، وترك حديث الفضل وأسامة(٥)، ورآه منسوخاً، لأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرماً في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرماً، كما جاء في البخاري(٦) من حديث البراء بن عازب، في قصة قيس بن صرمة، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه. وكذلك ما يقال جواباً عمن قال به بعده: أنه بلغهم ورجعوا، الجواب عن دليل من قال بعدم صحة منٍ أصبح جنباً وهو صائم (١) انظر: حديث الباب والسنن الكبرى للنسائي (١٨٠/٢). (٢) السنن الكبرى للنسائي (١٧٩/٢). (٣) الموطأ (٢٩٠/١)، ولفظه: ((من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم)). (٤) النسائي في الكبرى (١٧٦/٢)، والاستذكار (٤٥/١٠). (٥) مسلم (١١٠٩)، والبيهقي (٢١٥/٤)، وفتح الباري (١٤٦/٤، ١٤٧). (٦) البخاري (١٩١٥)، والترمذي (٢٩٦٨)، والنسائي (١٤٧/٤، ١٤٨)، وأبو داود (٢٣١٤) في الصيام، باب: مبدأ فرض الصيام، وأحمد (٢٩٥/٤)، وابن حبان (٣٤٦٠)، والطبري (٢٩٣٩)، والبيهقي (٢٠١/٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٨٠/٢)، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن المنذر إلى النسخ كما نقله البيهقي في المعرفة (٢٥٤/٦). ١٩٧ وأبعد من قال بعدم رجوع أبي هريرة عن ذلك، ففي صحيح مسلم(١) رجوعه عنه صريحاً / . وعنه جواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر وهو مجامع / فاستدام، وفيه بعد من حيث تسمية المجامع حال جماعه عرفاً جنباً. وجواب ثالث: أنه إرشاد إلى الأفضل، وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه - عليه الصلاة والسلام - هذا الأفضل في حديث عائشة وأم سلمة لبيان الجواز، مع أن فعله - عليه الصلاة والسلام - [الشيء](٢) بياناً لجوازه أفضل في حقه من حيث إنه مأمور، كما توضأ مرة مرة، وطاف على البعير مع أن الوضوء ثلاثاً والطواف ماشياً أفضل، لأنه المتكرر من فعله، ونظائر ذلك كثيرة. وهذا الكلام يرجع إلى مسألة أصولية [وهو](٣) أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الاستحباب؟ والصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجباً، فلما نسخ بقي استحبابه . وفي المسألة قول ثالث: أنه إن علم بجنابته لم يصح، وإلاّ فيصح(٤). قاله طاوس وعروة والنخعي، وحُكِيَ عن أبي هريرة أيضاً. (١) مسلم (١١٠٩). (٢) زيادة من ن ب د. (٣) في ن ب د (وهي). (٤) انظر: الاستذكار (٤٧/١٠)، وطرح التثريب (١٢٣/٤). ١٩٨ وقول رابع: أنه يحرم في صوم التطوع دون الفرض، قاله الحسن البصري، وحكي عن النخعي أيضاً(١). وقول خامس: أنه يصومه ويقضيه(٢) حُكِيَ عن سالم بن عبد الله، والحسن البصري، وحكي عن الحسن البصري كقول أبي هريرة، ثم ارتفع الخلاف، ووقع الإجماع بعد هؤلاء على صحة صومه . وفي صحة الإِجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول، وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف. وصح أيضاً أنه - عليه الصلاة والسلام - أخبر بذلك عن نفسه(٣) . ووقع في شرح الفاكهي حكاية عن عروة والحسن وطاوس (١) انظر: تفسير القرطبي (٣٢٦/٢)، والاعتبار للحازمي (٣٤٤)، والاستذكار (٤٧/١٠)، والمغني (١٣٨/٣). (٢) انظر: الاستذكار (٤٧/١٠). (٣) ولفظه: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء رجل إلى النبي وَلقوله فقال: يا رسول الله! يدركني الصبح وأنا جنب، فأصوم يومي ذلك؟ فسمعت النبي ◌َّ يقول: ((ربما أدركني الصبح وأنا جنب، فأقوم وأغتسل وأصلي الصبح، وأصوم يومي ذلك)). انظر: مسلم (١١١٠)، والنسائي في الكبرى (١٩٥/٢)، وابن خزيمة (٢٠١٤)، وأبو داود (٢٣٨٩) في الصيام، باب: فيمن أصبح جنباً في شهر رمضان، ومالك في الموطأ (٢٨٩/١)، والبيهقي (٢١٣/٤)، وأحمد (٦٧/٦، ١٥٦، ٢٤٥)، والطحاوي (١٠٦/٢). ١٩٩ وعطاء وسالم: أن صوم الجنب باطل، وأنه إذا علم بجنابته ثم لم يغتسل حتى أصبح وجب عليه صوم ذلك اليوم، وقضاء يوم مكانه، ثم حكي عن النخعي صحة صوم التطوع من غير قضاء، ويتم الفرض ويقضيه إلاّ إذا كان غير متعمد فلا قضاء عليه، وفيه مخالفة لما أسلفناه عنهم، والذي قدمنا حكايته هو ما ذكره النووي في شرحه [٨/١٥٧ب] لمسلم (١) /. فرع: [في معنى هذه المسألة] (٢) الحائض يدركها الفجر قبل الغسل ثم تتركه حتى تصبح. والجمهور على أنه لا قضاء عليها، سواء تركته عمداً أو سهواً(٣). إذا طهرت الحائض ثم طلع عليها الفجر قبل الغسل وشذ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها، وعليها الكفارة والقضاء، وهذا في المفرطة والمتوانية، فأما التي رأت الطهر فبادرت وطلع الفجر قبل تمامه، فقد قال مالك: هي كمن / طلع عليها وهي حائض، يومها يوم فطر. وقاله عبد الملك. قال القرطبي في ((مفهمه)): وقد ذكر بعضهم قول عبد الملك / هذا في المتوانية وهو [أبعد] (٤) من قول ابن مسلمة. قلت: وعليه اقتصر الفاكهي في حكايته عنه. (١) انظر: شرح مسلم (٢٢٢/٧). (٢) زيادة من ن ب د. (٣) انظر: الاستذكار (٤٨/١٠). (٤) زيادة من ن ب د. ٢٠٠