النص المفهرس
صفحات 1-20
76 الإِعْلَامِ بَقَوَائِدُعَدَّةُ الَّحْكَامِ ريزي مـ للإمَامِ الحَافظ العَلَامَة أَبِيْ حَفْص عُمْن ◌َعَلِيّ بْن أَحْمَد الأَنْصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ المعروف بابن الملقن ( ٧٢٣ - ٨٠٤) هـ تقديم فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجَة الدائمة للإفتاء فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العُلَمَاء وَعُضو اللجنة الدائمة للافَّاء حقّقَهُ وضَبَ نصَّه وعزاآياته وخرّج أحاديثه وَونى نقوله وعَلّى عَليه عبدالعزيز بن أحمد بن محمد الشيقع غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين الجزء الخامِسِ مِنْ أوّل كتاب الزكاة إلى نهاية كتاب الصَّوْم (١٧١ - ٢١٠) حَديث دَارُ الخَاصَة لِلنّشْرِ وَالتوزيع حُقوقُ الطّبْعِ مَحَفُوَظَة الطّبَعَة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م دَارُ القَاهِيمَة المَمْلڪَة العَربيّة السّعوديَّة الرياض-صب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١ هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨ - فاكس ٤٩١٥١٥٤ كتاب الزكاة ٥ ٣٣ - باب الزكاة هي في اللغة: النماء والتطهير. فمن الأول: قولهم: زكى الزرع، أي نما. فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يرى. وإن كان في الظاهر يحس بالنقصان. وقد صح أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «ما نقص مال من صدقة))(١) وقد وقع ذلك لبعض الصالحين، فوجد وزن ما عنده كما كان قبل الصدقة . تعريف الزكاة لغة وسبب تسميتها بذلك وقيل: يزكو عند الله أجرها كما صح أن الله - تعالى - يربي الصدقة حتى تكون كالجبل. وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء فسميت بالنماء لتعلقها به . ومن الثاني: قوله - تعالى -: ﴿ وَتُزَكِّهِم بِهَا﴾(٢)، وقوله: (١) مسلم (٢٥٨٨)، ومالك في الموطأ (١٠٠٠/٢)، وابن خزيمة (٢٤٣٨)، والترمذي (٢٠٢٩)، والبغوي (١٦٣٣)، وابن حبان (٣٢٤٨)، والدارمي (٣٩٦/١)، والبيهقي (١٨٧/٤)، وأحمد (٢٣٥/٢، ٣٨٦، ٤٣٨). انظر زيادة في معناه: الاستذكار (٤٢٦/٢٧). (٢) سورة التوبة: آية ١٠٣ . ٧ (@)(١)، أي طهرها من دنس المعاصي [﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّگِّنْهَا والمخالفات دليله](٢)، قوله - تعالى -: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّتِهَا ◌ِ﴾﴾(٣) أي أخملها بالمعاصي. فالزكاة تطهر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أدى زكاة ماله لم يسم بخيلاً. وتطهر أيضاً من الذنوب، وتطهر المال أيضاً من الخبث. وقيل: سميت زكاة، لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: ((والصدقة برهان)) (٤). / وقد قيل: في قوله - تعالى -: ﴿لَا يُؤْثُونَ الزَّكَزَةَ﴾(٥) لا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله . وتسمى أيضاً: صدقة؛ كما نص عليه القرآن والسنَّة، لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه ظاهراً وباطناً. وتسمى أيضاً: حقّاً: قال - تعالى -: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهٌِ﴾(٦). (١) سورة الشمس: آية ٩. (٢) زيادة من ن ب د. (٣) سورة الشمس: آية ١٠. (٤) مسلم في كتاب الطهارة، باب: فضل الوضوء (٢٢٣)، والترمذي (٥٣٥/٥) في الدعوات، وأحمد (٣٤٢/٥)، وأبو عبيد في الطهور (٣٥)، وأول الحديث: ((الطهور شطر الإيمان ... )) الحديث. (٥) سورة فصلت: آية ٧. (٦) سورة الأنعام: آية ١٤١ . ٨ ونفقة: قال - تعالى -: ﴿ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾(١) . وعفواً: قال - تعالى -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾(٢)، فهذه خمسة أسماء . وقوله - تعالى -: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ﴾(٣)، وقوله: ﴿غُلَمًا زَكِيَّالنَ﴾(٤) أي طاهراً. (جَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿اَلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ وقوله: ﴿قَدّ أَفَْحَ مَنْ تَزََّى يَتَزََّى لَهَ﴾(٦)، أي يتقرب. وقيل: يعمل صالحاً. وجاء في القرآن بمعنى الإِسلام: قال - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَيْكَ اَلَّبَزََّ لَّهَ﴾(٧). وبمعنى الحلال: قال - تعالى -: ﴿أَزَكَى طَعَامًا﴾(٨). (١) سورة التوبة: آية ٣٤. (٢) سورة الأعراف: آية ١٩٩. (٣) سورة الكهف: آية ٧٤. (٤) سورة مريم: آية ١٩. وقال الفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز (١٣٤/٣) على هذه الآية: الحسن واللطافة أي ذات جمال. (٥) سورة الأعلى: آية ١٤ . سورة الليل: آية ١٨ . (٦) (٧) سورة عبس: آية ٧. (٨) سورة الكهف: آية ١٩. وذكر المصنف - رحمنا الله وإياه - للزكاة تسعة معانٍ: وإكمالاً للفائدة نضيف ما ورد في كتاب بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي (١٣٤/٣)، فإنه: الصلاح والصيانة (أن يبدلهما ربهما خيراً = ٩ ومن العجب العجاب إنكار داود الظاهري: وجود الزكاة لغة وقال: إنما عرفت بالشرع. [١/١٣١/ ١] وهي في / الشرع: اسم لما يخرج من المال طهارة له. تعريفهــا شرعاً، وحكمتها وشرعت لمصلحة الدافع طهرةً له وتضعيفاً لأجره، ولمصلحة الآخذ سدّاً لخلته .. الأموال الزكوية وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة، وأنها لا تكون إلاّ في مال له بال وهو النصاب. ثم جعلها في الأموال النامية وهي العين والزرع والماشية. وأجمعوا على[(١)](٢) وجوب الزكاة في هذه الأنواع. واختلفوا فيما سواها كالعروض. والجمهور: على الوجوب فيها خلافاً لداود مستدلاً بالحديث الآتي: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة))(٣). وجوب الزكاة في العروض خلافاً لداود منه زكاة)، أي صلاحاً، وبمعنى النبوة والرسالة: (لأهب لكِ غلاماً زكيّاً) = أي رسولاً نبيّاً وبمعنى الدعوة والعبادة: (وأوصاني بالصلاة والزكاة)، وبمعنى الاحتراز عن الفواحش: ((ما زكى منكم من أحد أبداً» وبمعنى الإِقبال على الخدمة ((ومن تزكّى فإنما يتزكّى لنفسه)) وبمعنى الثناء والمدح: ((فلا تزكّوا أنفسكم)) وبمعنى النقاء والطهارة: ((قد أفلح من زكّاها)» وبمعنى التوبة من دعوى الربوبية: ((هل لك إلى أن تزكّ)) وبمعنى أداء الزكاة الشرعية: ((آتوا الزكاة)) ((ويؤتوا الزكاة)) ولها نظائر كثيرة. اهـ. (١) في ن ب ساقطة . (٢) في ن ب زيادة (ذلك). (٣) البخاري (١٤٦٣، ١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥) في الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والترمذي (٦٢٨) في الزكاة، باب: ما جاء = ١٠ وحمله الجمهور على ما كان للقنية كما ستعلمه في الباب وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة. فنصاب الفضة / خمس أواق: وهي مائتا درهم بنص الحديث مقدار النصاب والإجماع . وأما الذهب: فعشرون مثقالاً بنص الحديث والإِجماع أيضاً، وإن کان فيه خلاف شاذ. وأما الزرع والثمار والماشية: فنصبها معلومة. ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعباً الركاز وفيه الخُمُسُ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر فإن سقي بماء السماء ونحوه ففيه العشر وإلَّ فنصفه، لأن في الأول التعب من طرفين والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضة والتجارة ففيها ربع العشر، لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية فإنه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنواع السابقة فالمأخوذ إذن: الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه. وهذا من حسن ترتيب الشريعة وهو التدريج في المأخوذ: إذا عرفت هذه المقدمة فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول ذكر المصنف - رحمه الله - في الباب ستة أحاديث: ليس في الخيل والرقيق صدقة، والنسائي (٣٥/٥)، وابن ماجه (١٨١٢)، = والشافعي (٢٢٦/١)، وابن خزيمة (٢٢٨٥، ٢٢٨٨، ٢٢٨٩)، وأحمد (٢٤٢/٢، ٢٥٤، ٤٧٠، ٤٧٧)، والدارمي (٣٨٤/١)، وابن حبان (٣٢٧١)، ومالك في الموطأ (٢٧٧/١)، وعبد الرزاق (٦٨٧٨). ١١ الحدیث الأول ٣٣/١/١٧١ - عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صل﴿ لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قوماً أهلَ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلّ الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أن الله قد فرض علیھم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))(١). الكلام عليه من ثلاثين وجهاً: وهو حديث عظيم جامع لمعظم دعائم الإِسلام، وليس فيه ذکر عدم ذكر الصوم والحج في حديثمعاذ (١) البخاري أطرافه في الفتح (١٣٩٥)، ومسلم (١٩)، وابن ماجه (١٧٨٣)، والترمذي (٦٢٥، ٢٠١٤)، والنسائي (٢/٥)، والكبرى له (٤/٢٠)، والدارمي (٣٧٩/١، ٣٨٤)، وشرح السنَّة (١٥٥٧)، والدار قطني (١٣٦/٢)، والبيهقي (١٠١/٤)، وابن أبي شيبة (١١٤/٣)، وأحمد (٢٣٣/١)، وأبو داود (١٥٨٤) في الزكاة، باب: في زكاة السائمة. ١٢ الصوم والحج وهو [تقصير](١) من الراوي، كما قال ابن الصلاح: لأن بعثه - عليه الصلاة والسلام - معاذاً كان قبل وفاته بقليل، ويبعد حينئذٍ القول: بأن ذلك كان قبل فرض الحج والصوم؛ لأن الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، والحج / فرض في السنة السادسة [١/١٣١/ب] على المشهور. وبدأ المصنف بهذا الحديث لأنه دال على فرضية الزكاة، وهو أمر مقطوع به، ومن جحده کفر. الوجه الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. ومعاذ - رضي الله عنه - قد أحلنا على ترجمته في الحديث الخامس من باب جامع(٢). (١) في الأصل (تقتضيه)، والتصحيح من ن ب د. (٢) قال ابن حجر في الفتح (٣٦٠/٣): تكميل: لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح: بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان. وأجاب الكرماني: بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُررا في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام. والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم؛ فإنه قد يسقط عنه بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المغضوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن شرع. اهـ. وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس)) فإذا كان في الدعاء إلى الإِسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله = ١٣ ((واليمن)): إقليم معروف. [الثاني](١): قوله عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله : ((لمعاذ)) هذا يقتضي أن يكون الحديث من مسند ابن عباس وكذا رواية مسلم عن ابن عباس أنه - عليه الصلاة والسلام - بعث معاذاً. نعم في رواية له عن ابن عباس / عن معاذ، وفي أخرى: أن معاذ بعثه. ويجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرة من معاذ فرواه متصلاً وأرسله تارة، ومُرسَلُه حجة على المشهور، كيف وقد عرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ وحضر القصة فرواه تارة بلا واسطة وتارة بها: إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. الثالث: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إنك ستأتي قوماً فائدة قوله : ((وستأتي قوماً أهل الكتاب» - تعالى -: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ﴾ في موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعاً، وحديث ابن عمر أيضاً: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض والحج بدني مالي، وأيضاً فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار والصلوات شاقة لتكررها والزكاة شاقة كما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها، والله أعلم. اهـ. (١) في الأصل ون ب (الثاني، الثالث) وهكذا، أما في ن د (ثانيها، ثالثها) ... إلخ الأوجه. ١٤ أهل كتاب)) هو كالتوطئة والتمهيد بالوصية، لاستجماع همته على الدعاء لهم. إلى ما ذكر في الحديث، لأن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها . البدء في الـدعـوة بالتوحيد الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإذا جئتهم فادعهم» إلى آخره، وقعت البدأة بدعائهم إلى الشهادتين ومطالبتهم بهما، لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلَّ بهما، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق: كالنصارى فالمطالبة متوجهة / إليه بكل واحدة من الشهادتين عيناً. ومن كان موحداً: كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإِقرار بالرسالة. وإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا في اليمن عندهم ما يقتضي الإِشراك ولو باللزوم تكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقد ذكر الفقهاء: أن من كان كافراً بشيء وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإِسلام إلَّ بالإِيمان بما كفر به. كذا نقله الشيخ تقي الدين عنهم، وليس على إطلاقه . بل قال أصحابنا العراقيون: لا يدخل في الإسلام إلاَّ بالتلفظ بالشهادتين، وهو الصحيح. وقال الخراسانيون منهم القاضي حسين: كل من أقر بما هو ما يكون به مسلماً معروف من دين الإِسلام أنه حق صار به مسلماً، وإن لم يتلفظ بالشهادتين، لأنه لو جحد ذلك كان كافراً، فإذا اعترف به يكون مؤمناً. ١٥ الخامس: يؤخذ من هذا الحديث أنه لا يكفي الاقتصار في لا يكفي التلفظ بشهادة أن لا إله إلاّ الله الإِسلام على شهادة أن لا إله إلَّ الله، وهو مذهب الجمهور، ولقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا [١٣٢ / ١/١] لا إله إلاَّ الله / وأن محمداً رسولُ الله))(١). ومن أصحابنا من قال: يصير مسلماً، ويطالب بالشهادة الأخرى. فإن أبى حكم بارتداده. واحتج بقوله - عليه الصلاة والسلام - في بعض الروايات: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله)) وجاء في رواية لمسلم في حديث ابن عباس [هذا](٢): («فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاّ الله، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم». والجواب: أنه - عليه الصلاة والسلام - رمز بقوله: ((لا إله إلاّ الله)) إلى الإتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لازمها / . سادسها: يؤخذ أيضاً أنه لا يشترط التبرىء من كل دين يخالف دين الإِسلام، وهو الصحيح عندنا، وهو ظاهر حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس)) أيضاً. (١) البخاري (١٣٩٩، ١٤٥٦، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤، ٧٢٨٥)، ومسلم (٢٠)، وأبو داود (١٥٥٦) في الزكاة، والترمذي (٢٦٠٧) في الإيمان، باب: ما. جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّ الله، والنسائي (١٤/٥) (٧٧/٧)، وابن حبان (٢١٦، ٢١٧)، وأحمد (٤٢٣/٢، ٥٢٨) والإِيمان. لابن منده (٢١٥، ٢١٦)، والسنن للبيهقي (١٠٤/٤)، وعبد الرزاق (١٨٧١٨). (٢) زيادة من ن ب د .. ١٦ سابعها: قوله: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك)) أي تلفظوا بالشهادتين ولا بد، هذا معنى طاعتهم فلا يكفي غير التلفظ من إشارة أو قرينة ما دالة على الأعيان، بل لا بد من النطق بهما جميعاً كما أسلفنا. واعلم أن ظاهر الرواية التي أوردناها عن مسلم: ((فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم)) أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وهو مذهب حذّاق المتكلمين فيهم، وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل عندهم لا يمنع أن يعرف الله من کذب رسوله. قال القاضي عياض ما عرف الله - تعالى - من شبهه وجسمه اليهود ليسوا من اليهود، وأجاز عليه اليد(١) أو أضاف إليه الولد(٢) منهم أو أضاف عارفين بالله (١) أقول: إثباتاً يليق بجلاله من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه کما وصف الله نفسه ووصفه رسوله ﴾﴾. (٢) قال الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - في تعليقه على الفتح (٣٥٩/٣): لا شك أن من شبه الله بخلقه أو أضاف إليه الولد جاهل به - سبحانه - ولم يقدره حق قدره، لأنه - سبحانه - لا شبيه له ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأما إضافة اليد له - سبحانه - فمحل تفصيل - قلت: اليد من صفات الله الذاتية، ولعل إضافتهم لها على سبيل التنقص كقولهم: ((يد الله مغلولة)) - فمن أضافها إليه - سبحانه - على أنها من جنس أيدي المخلوقين فهو مشبه ضال، وأما من أضافها إليه على الوجه الذي يليق بجلاله من غير أن يشابه خلقه في ذلك فهذا حق، وإثباتها لله على هذا الوجه واجب، كما نطق به القرآن، وصحت به السنَّة، وهو مذهب أهل السنَّة، فتنبه، والله الموفق. ١٧ إليه الصاحبة والولد وأجاز [الحلول] (١) عليه والانتقال والامتزاج / من النصارى أو وصفه بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به، إذ ليس موصوفاً بصفات الإِله الواجبة، فإذاً. ما عرفوا الله - سبحانه - فتحقق هذه النكتة واعتمد عليها. قال: وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا وبها قطع الكلام أبو عمران [الفاسي](٢) بين. عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة(٣). (١) في ن ب (الحول). (٢) زيادة من ن ب د هـ. وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٥٤٥/١٧). (٣) قال القاضي عياض - رحمنا الله تعالى وإياه - في ترتيب المدارك (٧٠٥/٤). قال: حدث في القيروان مسألة في الكفار، هل يعرفون الله: تعالى أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في السنة العامة، وكثر . المراءُ، واقتتلوا في الأسواق إلى أن ذهبوا إلى أبي عمران الفاسي،. فقال: إن أنصتم، علمتكم. قالوا: نعم. قال: لا يكلمني إلاَّ رجل، ويسمع الباقون. فنصبوا واحداً، فقال له: أرأيت لو لقيت رجلاً، فقلت له: أتعرف أبا عمران الفاسي؟ قال: نعم. فقلت له: صفه لي. قال: هو يقال في سوق كذا، ويسكن سبته، أكان يعرفني؟ فقال: لا. فقال: لو لقيت آخر فسألته كما سألت الأول، فقال: أعرفه، يدرس العلم، ويفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم. قال: فكذلك الكافر، قال: لربه صاحبة وولد، وأنه جسم، فلم يعرف الله ولا وصفه بصفته بخلاف المؤمن، فقالوا: شفيتنا. ودعوا له، ولم يخوضوا أبعد في المسألة. اهـ. نقلها الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥٤٦/١٧) وعلق عليها تعليق نفیس فراجعه . ١٨ ثامنها: قد يتعلق بالحديث من يقول: إن الكفار غير مخاطبين هل الكفار بفروع الشريعة، حيث دعوا أولاً إلى الإِيمان فقط، ودعوا إلى الفروع مخاطـون بفروع الشريعة؟ بعد إجابتهم إلى الإِيمان. وضُعف هذا: بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه [ولا بُدءَ](١) الترتيب في الوجوب، بدليل أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قُدمت في الذكر، وأخرت الزكاة مع تساويهما في خطاب الوجوب في الدنيا، ولا تتعلق المطالبة به في الدنيا إلاّ بعد الإِسلام، وليس المراد أن لا يزاد عذابهم / بسببهما في الآخرة، (١/١٣٢/ب] كيف وهو ما رتب ذلك في الدعاء إلى الإِسلام، وبدأ بالأهم فالأهم. وقد اختلف العلماء في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة: المأمور بها والمنهي عنها على ثلاثة أقوال: أصحها: نعم. فيهما. وثانيها: لا . فيهما. وثالثها: أنهم مخاطبون بالمنهي دون المأمور (٢). تاسعها: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)) قد قدمنا أن طاعتهم بالإِيمان بالنطق بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة فتحتمل أمرين. (١) هذه الكلمة ساقطة من إحكام الأحكام (٣٧٣/٣) مع اختلاف يسير بنقل المؤلف عنه. (٢) انظر: حاشية الصنعاني (٢٧٣/٣) في كلامه على هذه المسألة. ١٩ أحدهما: إقرارهم بوجوبها واعتقاد فرضيتها / والتزامهم بها . والثاني: طاعتهم بالفعل وأدائها، ويحتمل أن المراد مجموع ذلك وهو الظاهر، لكن رجح الأول بأمر معاذ بإخبارهم بالفرضية، فتعود الإِشارة إليها . ورجح الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل كفى، ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب. وكذلك في الزكاة: لو بادروا بأدائها من غير تلفظ بالإِقرار كفى. فالشرط عدم الإنكار للوجوب، لا التلفظ بالإِقرار (١). وإنما كان ذلك لأن المبادرة إلى الفعل تتضمن الامتثال فهو أبلغ في ذلك جميعه، لا أنه المطلوب فقط ظاهراً بل مطلوب الشرع وجود الامتثال للأمر بسوابقه ولواحقه، لكن هل يستفاد ذلك من صيغة الأمر بالمطلوب أم من كلام خارج فيه كلام أصولي / . حكم الوتر عاشرها: فيه دلالة على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإنَّ بعث معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي وَّ بقليل بعد الأمر. بالوتر وركعتي الفجر. وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة: دون صاحبيه. وبوجوب ركعتي الفجر [الحسن البصري](٢) كما سلف ذلك في باب صلاة الجماعة، وباب الوتر. (١) ساقه بمعناه في إحكام الأحكام (٢٧٥/٣). (٢) في ن ب ساقطة .: ٢٠