النص المفهرس
صفحات 301-320
الثاني عشر: فيه أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء بخلاف
الصلاة .
الثالث عشر: فيه أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله
- تعالى - والثناء عليه، دون شيء آخر من الذكر والبسملة
وغيرهما. ومذهب الشافعي وأحمد أن [لفظة](١) الحمد لله متعينة،
فلو قال معناها لم تصح خطبته .
فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع،
والخصائص لا تثبت إلاَّ بدليل، وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل
المذكور وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين، بعد
الإتيان بما هو مطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة، وجميع ما ذكر
من سبب الكسوف وغيره من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي
بالنبي 1 فيذكر الإِمام ذلك في خطبة الكسوف، نعم نازع ابن قدامة في
المغني (٣٢٨/٣) في كون خطبة الكسوف كخطبتي العيدين والجمعة، إذ
ليس في الأحاديث. المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير
في حاشيته ورد على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحاً في
الأحاديث وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل
في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطاً ثم لا يلزم من
أنه لم يذكر لم يقع. اهـ. وقد أيده في الدراية في تخريج الهداية
(٢٢٥/١)، على قوله: وليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل)). انتهى،
هذا النفي مردود بما في الصحيحين عن أسماء ثم ساق لفظه، وفي المتفق
عليه عن ابن عباس، وعائشة، ومسلم عن جابر، ولأحمد والحاكم عن
سمرة، ولابن حبان عن عمرو بن العاص، وصرح أحمد والنسائي وابن
حبان في روايتهم ((بأنه صعد المنبر). اهـ.
(١) في ن ب (لفظ).
٣٠١
الرابع عشر: شرعية صلاتها لكسوف الشمس في جماعة، وقد
سلف ذلك في الحديث الذي قبله أيضاً مع ما فيه من الخلاف وجه
الدلالة أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((فإذا رأيتم ذلك فصلوا))
[من](١) بعد ذكرهما من غير تفصيل في جماعة أو فرادى، وقد فعلها
- عليه الصلاة والسلام - في جماعة في كسوف الشمس، فدل على
أن كسوف القمر كذلك، وقد روى الشافعي عن الحسن البصري
قال: خسف القمر وابن عباس أمير بالبصرة فصلى بنا ركعتين في کل
ركعة ركعتان. فلما فرغ ركب وخطبنا، وقال: صليت بكم كما رأيت
رسول الله بَّه صلى بنا (٢) وتقدم في أول الباب أنه - عليه الصلاة
والسلام - صلى له أيضاً.
الخامس عشر: فيه جواز فعلها وقت الكراهة وغيرها عند رؤية
الكسوف أي وقت كان، فإنه - عليه الصلاة والسلام - أمر بهما إذا
رأوا كسوفهما وهو عام في كل وقت، وهو مذهب الشافعي(٣)} ..
وغيره.
واختلف مذهب مالك(٤) في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها
لا تفعل إلاَّ بعد جواز النافلة إلى الزوال: كالعيدين والاستسقاء على
المشهور فيه عندهم.
وعن مالك أيضاً أنها تصلى للغروب.
(١) زيادة من ن ب.
(٢) المعرفة للبيهقي (١٥٥/٥)، والسنن الكبرى (٣٢٨/٣).
(٣) انظر: الاستذكار (١٠٦/٧).
(٤) انظر: الاستذكار (١٠٥/٧).
٣٠٢
وعنه رواية ثالثة أنها إلى صلاة العصر كالنافلة، ومنطوق
الحديث بعمومه يرد ذلك.
السادس عشر: فيه استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف،
وكذلك يستحب عند كل المخاوف [لاستدفاع البلاء والمحاذر.
السابع عشر: فيه استحباب الدعاء والتوجه إلى الله - تعالى -
واللجوء إليه عند المخاوف](١) والشدائد وقد أمر الله بالدعاء في
كتابه في غير ما موضع كما أمر بالصلاة وغيرها / من العبادات فقال [١/٩٦/ب]
- تعالى -: ﴿وَإِذَا سَأَلَّكَ عِبَادِى عَنَّى ... ﴾(٢) الآية، وقال
E
- تعالى -: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٣)، وقال - تعالى -: ﴿أَدْعُواْ
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤)، وغير ذلك من الآي، وقد تقدم بسط ذلك،
وما عارضه في الحديث الرابع من باب التشهد، ولا شك أن الدعاء
في الرجاء مطلوب لكونه سبباً لدفع البلاء والشدائد، فإنه ثبت في
الصحيح(٥) مرفوعاً ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) وفي
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) سورة البقرة: آية ١٨٦.
(٣) سورة غافر: آية ٦٠ .
(٤) سورة الأعراف: آية ٥٥.
(٥) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، وأحمد (٣٠٧/١)، وأبو يعلى (١٠٩٩،
٤٥٥٦). انظر: مجمع الزوائد (١٨٩/٧)، قال ابن رجب في جامع
العلوم والحكم (ح ١٩): وقد روي عن النبي رير أنه أوصى ابن عباس
بهذه الوصية من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري،
وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر، وفي أسانيده كلها ضعف، وذكر =
٣٠٣
الترمذي(١) من حديث أبي هريرة مرفوعاً ((من سره أن يستجيب الله
له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء» ..
الثامن عشر: فيه أنه ينبغي أن لا يفخم الإِنسان نفسه ولا
يعظمها بالوصف المتصف به، بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له، فإنه
- عليه الصلاة والسلام -، قال في الخطبة (يا أمة محمد)) وكرره من
غير أن يصفهم إلى نبوته ولارسالته كل ذلك تواضعاً وأدباً(٢).
[التاسع عشر](٣): قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ما من
أحدٍ أغير من الله)) ((من)) زائدة تقديره: ما أحد، وثبت في صحيح
مسلم(٤): ((إن من أحد)) وهي نافية بمعنى ((ما)) فعلى هذا يجوز في
((أغير)» النصب خبر إن النافية فإنها تعمل عمل (ما)) عند الحجازیین،.
وعلى اللغة التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد،
العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض، وبكل.
=
حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. انظر: كلام أحمد
شاكر على الحديث في مسند الإمام أحمد (٢٦٦٩، ٢٧٦٣، ٢٨٠٤)،
والطبراني في الكبير (١١٢٤٣)، ومسند الشهاب (٧٤٥).
(١) الترمذي (٣٣٨٢)، والحاكم (٥٤٤/١) ووافقه الذهبي، وأبو يعلى:
(٦٣٩٦، ٦٣٩٧)، والمؤلف - رحمنا الله وإياه - ذكره بلفظ: ((من أراد
الله أن يستجيب له دعاءه عند الكرب والشدائد فليكثر من الدعاء في
الرخاء»، وما أثبت من الترمذي، كما عزاه إليه.
(٢) وذلك في قوله {َّار: ((يا أمة محمد)).
(٣) في الأصل (الثالث عشر)، والتصحيح في ن ب ... إلخ الأوجه.
(٤) مسلم (٩٠١).
٣٠٤
قاله القرطبي(١) في ((شرحه))، والوجهان / جائزان في رواية الكتاب
في ((أغير)) فيقرأ بالنصب والرفع.
العشرون: ((الغيرة)) في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان
يلحق الغَيْرَان عندما يُنال شيء من حريمه أو محبوباته يحمل على
صيانتهم ومنعتهم، وهذا التغير على الله - تعالى - محال(٢) إذ هو
منزه عن كل تغير ونقص(٣) لكن لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم
ومنعهم وزجر القاصد إليهم أطلق ذلك على الله - تعالى - إذ قد
زجر وذم / ونصب الحدود وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء
(١) المفهم (١٥١٦/٣).
(٢) قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - في تعليقه على فتح
الباري (٥٣١/٢): المحال عليه - سبحانه وتعالى - وصفه بالغيرة
المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله - سبحانه وتعالى -
فلا يستحيل وصفه بها، كما دل عليه هذا الحديث وما جاء في معناه، فهو
- سبحانه - يوصف بالغيرة عند أهل السنَّة على وجه لا يماثل فيه صفة
المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلاّ هو - سبحانه -، كالقول في
الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته
- سبحانه -... والله أعلم. وانظر: الفتاوى لابن تيمية (١٤١/٣).
(٣) وذلك كما قال شيخ الإسلام - رحمنا الله وإياه - في رد شبهاتهم في
الفتاوى (١٢٠/٦) على قولهم: إن الغيرة انفعالات نفسانية، فيقال: كل
ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فکونها انفعالات فينا
لغيرنا نعجز عن دفعها: لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها عاجزاً عن
دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلاَّ
ما يشاء، ولا يشاء إلاّ ما يكون، له الملك وله الحمد. اهـ.
٣٠٥
من محارمه، وهذا من التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما
يترتب عليه، [قاله] (١) كله القرطبي(٢) في ((شرحه)).
وقال النووي(٣) في ((شرحه)): قالوا معناه ليس أحداً أمنع من
المعاصي من الله ولا أشد كراهة لها منه - سبحانه وتعالى - .
وقال الشيخ تقي الدين(٤): المنزهون لله - تعالى - عن سمات
الحدث ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل،
وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء. فإن الغائر
[١/١/١٧] على الشيء مانع له وحام له. فالمنع والحماية / من لوازم الغيرة،
فأطلق لفظ الغيرة عليها من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه
الشائعة في لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب
عند من يسلم التنزيه، فإنه حكم شرعي. أعني الجواز وعدمه،
فيؤخذ كما يؤخذ سائر الأحكام، إلاَّ أن يدعي مدع أن هذا الحكم
ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع، أعني المنع من التأويل ثبوتاً قطعيًّا
فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض خصومه إلى
التكذيب القبيح.
الحادي والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف وهو
متكرر في الأحاديث، ولا كراهية أيضاً فيه، لأن الحاجة تدعو إليه
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) المفهم (١٥١٦/٣).
(٣) في شرح مسلم (٢٠١/٦).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١٩٤/٣)، وانظر كلام الصنعاني في الحاشية.
٣٠٦
للتأكيد وتعظيم الأمر. والقاعدة أن اليمين مكروهة إلاّ في هذا أو في
الطاعة، وفي اليمين الصادقة في الدعوى.
الثاني والعشرون: فيه الحث على اجتناب الزنا والمعاصي
وتفخيم العقوبة عليها، وقبحها عند الله، ولا شك أن الزنا من
الكبائر، لا يكفر بفعله كفراً يخرجه عن الإِسلام، إلاَّ أن يعتقد حله
فيكفر إجماعاً، وينبغي اجتناب المعاصي كلها كبيرها وصغيرها، فإنه
ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((لا يحقرن أحدكم صغير
الذنب فربما به دخل النار»، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من الخير
شيئاً، فإنه ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((لا تحقرن من
المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق))(١)، والجامع لذلك
كله قوله - تعالى -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ
الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾(٣) الآية.
الثالث / والعشرون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لو
تعلمون ما أعلم)) إلى آخره معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله
- تعالى - من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها
كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم
كثيراً ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه.
وقيل: معناه لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم لأن
علوم / الأنبياء متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها
(١) مسلم في البر والصلة (٢٦٢٦)، والسنَّة للبغوي (٨٤/١٣).
(٢) سورة الزلزلة: آية ٧.
(٣) سورة النساء: آية ٤٠.
٣٠٧
الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى
البطالة حتى تصدأ فلا يصقلها إلاَّ الذكر.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يكون المعنى أنكم لو علمتم من
رحمة الله - تعالى - وحلمه، وعفوه عن ذنوب خلقه ومعاني كرمه
[١/١٧/ب] ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً فبكاؤكم إذا لم تفهموا / من
ذلك ما فهمت ولمَ تعلموا منه ما علمت. وينشأ هذا عن مطالعة.
جمال الله - تعالى - ونعوت أفضاله ومشاهدة النعم الواسعة التي
لا تقصر عن شيء .
فائدة: قال ابن منده في مستخرجه قوله: ((لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) رواه مع عائشة عشرة من الصحابة.
الرابع والعشرون: في قوله ((لو تعلمون ما أعلم)) إلى آخره دلیل
على علة مقتضى الخوف وترجيح الخوف في الموعظة على الإِشاعة
بالرخص لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس لما جبلت عليه
من الإِخلاد إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر. والطبيب الحاذق
يقابل العلة بضدها لا بما يزيدها. فإن العلل المزمنة إن لم يبادر إليها
بقطع مادة الداء بالدواء النافع القاطع لها وإلاّ استحكمت العلة.
الخامس والعشرون: فيه الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء
والتحقيق بما الإنسان صائر إليه وما هو فيه، ولا شك أن كثرة.
الضحك وقلة البكاء مذمومان شرعاً، فإنهما يدلان على قسوة القلب
وكثرة البطر. ومن الضحك ما هو محمود وهو ما إذا اقترن به مقصود.
شرعي من تعجب بنعم الله - تعالى - أو فرح للمسلمين أو تجلد
٣٠٨
على الكافرين والمنافقين ونحو ذلك. ومن البكاء ما هو مذموم
كالبكاء لإظهار الجزع أو للرياء أو لإضعاف المؤمنين أو تحزناً على
المنافقين أو ما شاكل ذلك. فأما ما كان منه من خشية الله - تعالى -
وخوفاً فهو شعار عباده العارفين، وهو جلاء القلوب، وتطهير
للذنوب، وتقريب من علام الغيوب. وقد يغلب على الفاجر البكاء،
كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعاً وموقوفاً: ((إذا كمل فجور
الرجل ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى))، وقد يقع البكاء على
أمر / نفساني فيوهم أنه من خشية الله - تعالى - فليتفطن لذلك
ليقطع ويجتنب.
السادس والعشرون: قولها «فاستكمل أربع ركعات وأربع
سجدات)) أطلقت الركعات على عدد الركوع. وتقدم في الحديث
الأول في ركعتين وهو متمسك بعض المالكية في أنه لا يقرأ الفاتحة
في / الركوع الثاني من حيث إنه أطلق على الصلاة ركعتين، وقد
سلف ذلك في الوجه السادس.
السابع والعشرون: وكان ينبغي تقديم قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((لا يخسفان)) قال ابن الصلاح(١) في مشكل الوسيط هو
بفتح الياء، وقال: وقد منعوا من أن يقال بالضم.
(١) قال ابن حجر في الفتح (٥٢٨/٢): على قوله ((لا يخسفان)) بفتح أوله
ويجوز الضم، وحكى ابن الصلاح منعه، وروى ابن خزيمة والبزار من
طريق نافع عن ابن عمر قال: ((خسفت الشمس يوم مات إبراهيم ... ))
الحديث، وفيه: ((فافزعوا إلى الصلاة وإلى ذكر الله وادعوا وتصدقوا)).
٣٠٩
الحديث [الرابع] (١)
٢٩/٤/١٥١ - عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -
[٩٨/ أ/أ] قال: خسفت الشمس في زَمَانِ رسول اللهِوَل، فقام / فزعاً
[يخشى] (٢) أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام فصلى بأطول
قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: ((إن هذه
الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله
- عز وجل - يرسلها يُخوِّف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا
إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره))(٣).
الكلام عليه من أحد عشر وجهاً.
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك.
الثاني: فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس،
وقد سلف ذلك في الحديث الذي قبله أيضاً.
(١) في الأصل (الخامس)، والتصحيح من ن ب.
(٢) في ابن حبان (٧٨/٧) (خشينا).
(٣) البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (١٥٣/٣، ١٥٤)، وابن
حبان (٢٨٣٦)، وابن خزيمة (١٣٧١).
٣١٠
الثالث: قوله: ((فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة)).
أما ((فزع)) فهو من أبنية المبالغة كحذر.
((والساعةُ)) بضم التاء على تمام كان أي يخشى أن تحضر
الساعة الآن، ويجوز أن تكون كان ناقصة.
والساعة اسمها، والخبر محذوف، أي تكون الساعة قد
حضرت، ويجوز فتحها على أن تكون كان ناقصة، ويكون اسمها
مضمراً فيها والساعة خبرها، والتقدير أن تكون هذه الآية الساعة أي
علامتها وحضورها .
واعلم أن قوله ((يخشى أن تكون الساعة)) مما يستشكل من
حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها ولم تقع كطلوع
الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدجال، وقتال الترك
وأشياء كثيرة لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق
ومصر وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وقتال
الخوارج، وغير ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث، وجوابه من
أوجه .
أحدها: لعل هذا الكسوف قبل إعلام النبي ◌َّلا بهذه
الأمور(١).
(١) قال ابن حجر في الفتح (٥٤٦/٢)، في رده على هذه الاستشكالات: قال
عن هذا: الأول فيه نظر لأن قصة الكسوف متأخرة جدًّا، فقد تقدم أن
موت إبراهيم كان في السنة العاشرة كما اتفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر
النبي # بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك.
٣١١
ثانيها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض مقدماتها(١) وقد جاء
على ما نقله القاضي: ((أن القيامة تقوم ومعها / كسوفان)).
ثالثها: أن قيامه - عليه الصلاة والسلام - فزعاً خاشياً أن
تكون الساعة إنما هو ظن من الراوي(٢) لما رآه خرج إلى الصلاة
مستعجلاً مبادراً إليها، لا أنه - عليه الصلاة والسلام - خشي ذلك
حقيقة. ولعله - عليه الصلاة والسلام - خاف أن يكون الكسوف نوع
عقوبة كخوفه عند / هبوب الريح أن يكون عذاباً. فظن الراوي
خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وذلك دليل على دوام مراقبته - عليه
الصلاة والسلام - لفعل الله - تعالى - وتجريد الأسباب العادية عن
إيجادها لمسبباتها .
الرابع: فيه أن السنَّة فعلها في المسجد وهو المشهور من
مذاهب العلماء.
۔۔
[٩٨/أ/ ب]
قال أصحابنا: وإنما لم يخرج / إلى المصلى خوفاً من فواتها
بالانجلاء فإن السنَّة المبادرة إليها، وخيّر بعض أصحاب مالك بين
المسجد والصحراء، وهو خلاف الصواب، والمشهور. إنتهاء فعل
(١) قال ابن حجر في الفتح (٥٤٦/٢): وأقر بها الثاني فلعله خشي أن يكون
الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل
أن يتخلل بين الكسوف والطلوع أشياء مما ذكر وتقع متتالية بعضها أثر
بعض مع استحضار قوله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلََّ كَتْجِ اَلْبَصَرِ أَوْ
هُوَ أَقْرَبُّ﴾.
(٢) قال ابن حجر في الفتح (٥٤٦/٢): أما الثالث فتحسين الظن بالصحابي
يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلاَّ بتوقيف.
٣١٢
الصلاة بالانجلاء وهو مقتضى لأن يعتني بمعرفته [ومراقبته] (١) حال
الشمس، [فلولا أن المسجد أرجح لكانت الصحراء أولى، لأنها
أَقْرَبُ إلى إدراك حال الشمس](٢) في الانجلاء وعدمه وأيضاً فإنه
يخاف من(٣) اجتماع الناس في المصلى فوات إقامتها، كما ذكره
أصحابنا .
الخامس: فيه جواز الإخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال
وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، فإن إخباره أَنَّه قام فزعاً خاشياً أن
تكون الساعة محتمل له ولغيره كما سلف.
السادس: فيه الدوام على مراقبة الله - تعالى - وطاعته،
والخوف منه بحیث لا يخرجه الخوف إلى اليأس من رحمته.
قال الفاكهي: وفيه دلالة على المحافظة على طهارة الوضوء.
قلت: قد يتوقف في أخذه منه فتأمله(٤).
(١) في ن ب (ويراقب)، ون د (وتراقب).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) فإنه يخاف من تأخيرها فوات أوقاتها فتشرع في الانجلاء قبل اجتماع
الناس في المصلى فوات إقامتها كما ذكره أصحابنا. هذه عبارة زائدة
من ن ب د.
(٤) قال ابن حجر في الفتح (٥٣٠/٢): على قوله ((خسفت الشمس في عهد
رسول الله (18 فصلى)) استدل به على أنه لو كان يحافظ على الوضوء
فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظر لأن في السياق
حذفاً سيأتي في رواية ابن شهاب ((خسفت الشمس فخرج إلى المسجد
فصف الناس وراءه» وفي رواية عمر «فخسفت فرجع ضحی فمر بين يدي =
٣١٣
السابع: فيه تطويل الركوع والسجود وقد تقدم الكلام عليه في
الحدیث قبله .
الثامن: فيه شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل
واحد. فإنه وإن كان الخطاب للذكور لقوله: ((فافزعوا إلى ذكر الله
ودعائه واستغفاره)). وفي الحديث الثاني ((فصلوا وادعوا)) فالنساء
مُدْرَجَاتٌ فيه، كما في قوله - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَأَغْسِلُواْ﴾(١) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(٢) وغير ذلك من خطاب التعبد
العام، فإنهن داخلات فيها باتفاق، وكونها مشروعة للنساء وغيرهن
هو مذهب الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن مالك أيضاً
[أن](٣) المخاطب بها من يخاطب بالجمعة، فيخرج النساء
والمسافرون ونحوهم.
وذهب الكوفيون: إلى أنهن يصلين أفراداً لا جماعة، وقد صح
حضورهن لها معه ◌َل﴾، وذلك يدل على أنهن مخاطبات بها في
جماعة(٤).
الحجر ثم قام يصلي)) وإذا ثبتت هذه الأفعال جاز أن يكون الحذف أيضاً
=
فتوضأ ثم قام يصلي فلا يكون نصًّا في أنه كان على وضوء. اهـ.
(١) سورة المائدة: آية ٦.
(٢) سورة البقرة: آية ١٨٣.
(٣) في ن ب (في).
(٤) قال البخاري - رجمنا الله وإياه ـ في صحيحه الفتح (٥٤٣/٢): باب:
صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. قال ابن حجر: أشار بهذه الترجمة
إلى رد قول من منع ذلك وقال: يصلين فرادى وهو منقول عن الثوري =
٣١٤
التاسع: فيه شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند /
الكسوف، ولا شك أن كل واحد من المذكورات عبادة مستقلة
مطلوبة في جميع الحالات، سواء كان مخوفاً أم لا، لكنه آكد في
المخوف.
العاشر: في قوله: ((فافزعوا)) إشارةٌ إلى المبادرة إلى ما أمر
به، / وتنبيه [على](١) الالتجاء إلى الله - تعالى - عند المخاوف
بالدعاء والاستغفار، وإشارةٌ إلى أن الذنوب سبب البلايا والعقوبات
العاجلة أيضاً، وأن التوبة والاستغفار سببان للمحو / يرجى. بهما [١/١/٩٩]
زوال المخاوف.
الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تكون
لموت أحد ولا لحياته)) قد تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني، وأنه
رد على من اعتقد ذلك.
خاتمة: يسن الجهر في كسوف القمر، وفي كسوف الشمس
مذاهب .
أحدها: كذلك وهو مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن
وأحمد وإسحاق. وقال ابن بزيزة: ورواه ابن معين وغيره عن
مالك.
وبعض الكوفيين، وفي المدونة: تصلي المرأة في بيتها وتخرج المنجالة،
=
وعن الشافعي يخرج الجميع إلاَّ من كانت بارعة الجمال. وقال القرطبي:
روى عن مالك أن الكسوف إنما يخاطب به من يخاطب بالجمعة.
(١) في ن ب د (عليه من).
٣١٥
--
وثانيها: الإسرار وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث
وأصحاب الرأي، وهو المشهور عن مالك، وقول جمهور العلماء.
ثالثها: أنه [يخير](١) بينهما، قاله الطبري وغيره من فحول
العلماء جمعاً بين الأحاديث، ومنهم من أوّل أحاديث الجهر على
کسوف القمر.
٠٠
(١) في ن ب د (مخير). وانظر: المفهم (١٥١٨/٣).
٣١٦
٣٠ - باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاء: طلب [السقيا](١) كالاستصحاء طلب الصحو.
وهو ((استفعال)) من [أسقيت](٢) يقال: سقاه وأسقاه بمعنى.
وقيل: سقاه ناوله ليشرب. وأسقاه: جعل له سقيا.
وقيل: سقيته من سقى [السقه](٣) وأسقيته: دللته على الماء.
حکاہ صاحب «المحكم)).
واعلم: أن الاستسقاء أنواع:
الأول: الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة.
وأوسطها: الدعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة.
والاستسقاء: بركعتين وخطبتين.
والثاني: أفضل من الأول.
والثالث: أكمل الكل. وخالف [فيه](٤) أبو حنيفة كما سيأتي.
وقد ذكر المصنف في الباب النوع الثالث والثاني الذي في
خطبة الجمعة، وذکر في الباب حدیثین:
(١) في ن ب د (السقي).
(٢) في ن ب د (سقيت).
(٣) في ن ب د (الشفه).
(٤) زيادة من ن ب د.
٣١٧
الحدیث الأول
٣٠/١/١٥٢ - عن عبد الله بن زيدبن عاصم المازني
- رضي الله عنه - قال: ((خرج النبي ◌َّ يستسقي(١) [فتوجه](٢) إلى
القبلة (٣) وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة)).
((وفي لفظ: إلى المصلى)) (٤).
الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهاً:
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في كتاب الطهارة.
(١) في ن ب زيادة (فخرج).
(٢) في ن ب (فخرج).
(٣) في ن ب (يدعو).
(٤) البخاري (١٠٠٥، ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦،
١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣)، ومسلم (٨٩٤)، وأبو داود (١١٦١، ١١٦٢،
١١٦٣) في الصلاة، باب: جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها،
والترمذي (٥٥٦)، والنسائي (١٥٧/٣، ١٥٨، ١٦٣، ١٦٤)، وابن ماجه
(١٢٦٧)، وابن حبان (٢٨٦٤، ٢٨٦٥، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧)، وأحمد
(٣٨/٤، ٣٩، ٤٠، ٤١)، وابن خزيمة (١٤٠٦، ١٤٠٧، ١٤١٠،
١٤١٥)، والطحاوي (٣٢٣/١، ٣٢٤)، والدارقطني (٦٧/٢)، والدارمي
(٣٦٠/١، ٣٦١)، ومالك (١٩٠/١).
٣١٨
٠٠
الثاني: قوله: ((خرج النبي (88* يستسقي)) أي يطلب السقي
بتضرعه ودعائه، فيستنبط منه أن الخروج إلى المصلى لصلاة
الاستسقاء سنة .
وقال أصحابنا: يخرجون / إلى الصحراء لأنه أبلغ في الافتقار
والتواضع، ولأنها أوسع للناس لأنه يحضرها الناس كلهم فلا يسعهم
المصلى ولا المسجد الجامع.
ورأيت في كتاب ((الخصال)) للخفاف من قدماء أصحابنا:
استثناء مكة / من ذلك، ولم أر من تعرض له سواه. وسيأتي في
الحديث الثاني استسقاؤه في المسجد بالدعاء.
الثالث: خروجه ◌َليل ((إلى المصلى للاستسقاء)» المذكور كان
في أول شهر رمضان سنة ست من الهجرة لما / جدب الناس جدباً [١/٩٩/ ب]
شديداً، قاله ابن حبان(١).
الرابع: استقباله القبلة هنا لأنها حالة دعاء وتضرع لطلب
السقيا، فناسب استقبالها بخلاف الخطبة والموعظة فإنها حالة
إنذار وتذكير فيناسب استقبال الناس، واستدبار القبلة، وهي
السنة، بخلاف سائر العبادات، كالطهارة، والقراءة، والأذكار،
والأذان، وأما حديث ((خير المجالس ما استقبل به القبلة))(٢)
(١) الثقات لابن حبان (٢٨٦/١)، ونقله في فتح الباري (٤٩٩/٢).
(٢) ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر، إتحاف السادة المتقين (٣٧١/٤،
١٠٧/١٠)، وتخريج الإحياء (٣٩٠/٤)، وكشف الخفاء (٤٧٤/١)،
والدرر المنتثرة (٨١)، والمقاصد الحسنة (٧٦)، وقد ذكر البخاري في =
٣١٩
فهو خارج عن هذا حيث [لا تعلق لأحد به] (١) من موعظة أو تعلم
أو مخاطبة .
الخامس: تحويله الرداء هو من باب التفاؤل وانقلاب الحال
من الشدة إلى السعة .
قال أصحابنا: ويكون التحويل في نحو ثلث الخطبة الثانية
حين يستقبل القبلة فيّها، وجمهور العلماء على أَنَّ تحويله
سنة .
وأنكره أبو حنيفة وصعصعة بن سلام: من قدماء العلماء
بالأندلس، كما حكاه القرطبي (٢) عنه. وهذا الحديث وغيره حجة
عليهم.
قال أصحابنا: ويفعل الناس مثل الإِمام. وبه قال مالك
وغيره(٣).
وخالف فيه جماعة من العلماء ونقله القرطبي(٤) عن
الجمهور.
ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا فمنهم من قال: إنه يرد ما
=
الأدب المفرد (٣٨٨) عن ابن عمر قال: كان أكثر جلوس عبد الله بن عمر
وهو مستقبل القبلة.
(١) في ن ب (لا يتعلق بأحد به).
(٢)
المفهم (١٥٠٢/٣).
(٣) انظر: الموطأ (١٥٢/١)، والمدونة (١٦٦/١).
(٤) المفهم (١٥٠٢/٣).
٣٢٠