النص المفهرس
صفحات 261-280
التشريق(١). (١) اختلف العلماء في ابتداء، التكبير وانتهائه على أقوال كثيرة كما ذكرها المصنف - رحمه الله -، فذهب جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى أن التكبير يبتدىء من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق هذا لغير المحرم، وهذا مروي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - حيث صح عن علي - رضي الله عنه -: ((أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر)). رواه ابن أبي شيبة (١٦٥/٢)، والبيهقي (٣١٤/٣)، والحاكم (٣٠٠/١)، عن علي وعمار مرفوعاً، والدارقطني عن جابر (١٨٢)، والخطيب في التاريخ (٢٣٨/١٠)، والبيهقي (٣١٥/٣)، ولفظه: كان النبي ◌َّليه يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، حين يسلم من المكتوبات، وفي لفظ: ((كان إذا صلَّى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه، فيقول. (مكانكم))، ((ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد»، فإن قيل: مداره على جابر بن زيد الجعفي وهو ضعيف؟ قيل: روى عنه شعبة والثوري ووثقاه، وناهيك بهما، وقال أحمد: لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه، على أنه ليس في المسألة حديث مرفوع أقوى إسناداً منه، ليترك من أجله، وقيل له: بأي حديث تذهب في ذلك؟ قال: بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، ولأن الله تعالى يقول: ﴿﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهُ فِيَّ أَيَاءٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وهي أيام التشريق، فيتعين الذكر في جميعها. وقال النووي: هو الراجح، وعليه العمل في الأمصار، وقال شيخ الإِسلام: أصح الأقوال في ((التكبير، الذي عليه جمهور السلف والفقهاء، من الصحابة والأئمة، أن يكبر من فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق، عقب كل صلاة، لما في السنن (يوم عرفة ويوم النحر، وأيام منى عيدنا = ٢٦١ فرع: مذهب مالك والشافعي وجماعة من أهل العلم استحباب هذا التكبير للمنفرد والجماعة والرجال والنساء والمقيم والمسافر. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: إنما يلزم جماعات الرجال(١). فرع: اختلفوا في التكبير عقب / النوافل فالأصح عند الشافعية. أنه یکبر. [وقال مالك: في المشهور عنه لا يكبر](٢)، وهو قول [الثوري](٣) وأحمد وإسحاق. فرع: اختلفوا في صفة التكبير - فمشهور مذهب مالك [أنه](٤) ثلاث، وله قول آخر أنه لا حد فيه وهو قول الكوفيين وفقهاء الحديث. فرع: اختلفوا في التكبير في تلك الأيام في غير أدبار الصلوات (أهل الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب، وذكر الله)) ولما رواه الدارقطني عن = جابر، ولأنه إجماع من أكابر الصحابة، وقال ابن كثير وغيره: هو أشهر الأقوال الذي عليه العمل. (١) اختلف العلماء في ذلك فبعضهم قال يكبر نظراً لإطلاق الآية والأحاديث، وبعضهم قال لا يكبر وهو المنقول عن ابن مسعود، وفعل عمر، ولا مخالف لهما في الصحابة، فكان إجماعاً لأنه ذکر مختص بوقت العید، فأشبه الخطبة، قيل لأحمد: تذهب إلى فعل ابن عمر أنه لا يكبر إذا صلَّى وحده؟ قال: نعم، وقال: هو أعلى شيء في الباب. (٢) في ن ب ساقطة. (٣) في ن ب (النووي). (٤) في ن ب (له). ٢٦٢ أم يختص بأدبارها، فالمروي عن جماعة السلف الأول. وذكر مالك أنه أدرك الناس يفعلون الوجهين، وأجاز كلّ لمن فعله، لكن الذي فعلُه من يقتدي به، واختار هو التكبير دبر الصلوات فقط، قال الفاكهي: واختار بعض شيوخنا الأول [للتشبيه](١) بأهل منى . الرابع عشر: فيه جواز بروز الأبكار للطاعات بالشرط السالف في / الوجه السادس. الخامس عشر: فيه أنه ينبغي لأولياء الجواري والصبيان تمرينهم على العبودية لله تعالى بالدعاء له وتكبيره، ويعرفوهم بركة ذلك اليوم وما يترتب عليه من الثواب والجزاء والغفران، ولذلك يجب عليهم تعليم ما يجب عليهم و[ما] (٢) يحرم، حتى قال الواحدي: يجب عليهم تعليم أسماء الأنبياء، ونقل الاتفاق عليه. السادس عشر: ينبغي مراعاة يومي العيد لبركتهما بمزيد الخيرات وتطهير السيئات، وعدم ارتكاب المخالفات وفضلهما في ذاتهما، وشرف زمنهما على غيره، فإن الشرف [(٣)] يكون بالعطاء ويكون بالمنع من البلاء، وهذان حاصلان فيهما مما جعله الله فيهما فينبغي مراقبتهما بما ذكرنا. (١) في ن ب (بالتشبيه). (٢) في ن ب د ساقطة. (٣) في ن ب زيادة (ما). ٢٦٣ ... ٢٩ - باب صلاة الكسوف نفتتحه / بمقدمات : [٩٠/أ/ ب] الأولى: ((الکسوف)) التغیر إلی سواد، یقال: کسفت حاله إذا تغيرت وكسف وجهه إذا تغير. والخسوف: النقصان. قاله الأصمعي. والخسف: أيضاً الذل [فالخسوف والكسوف](١) التغير ونقصان الضوء. والأشهر من ألسنة الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر. وادعى الجوهري(٢)، أنه أفصح ويشهد له [قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَقَّ اَلْصَرُّ ◌َ وَخَسَفَ اَلْقَمَرُ (﴾﴾ (٣). وقيل: عكسه وهو ضعيف. وقيل: هما فيهما ويشهد له] (٤) اختلاف الألفاظ في (١) في ن ب د تقديم وتأخير. (٢) انظر: مختار الصحاح (٨٠). (٣) سورة القيامة: آيتان ٧، ٨. (٤) زيادة من ن ب د. ٢٦٤ الأحاديث / الصحيحة فأطلق فيها الكسوف والخسوف معاً في محل واحد، وستقف على بعضها في الباب. وقيل: الكسوف أوله والخسوف آخره إذا اشتد وذهب الضوء. وقيل: الكسوف ذهاب النور بالكلية. والخسوف: تغير اللون(١). (١) قال ابن حجر في فتح الباري (٥٣٥/٢): قوله - أي البخاري، باب: هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ - قال الزين بن المنير: أتى بلفظ الاستفهام - إشعاراً منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء. قلت ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري، عن عروة قال: ((ولا تقولوا کسفت الشمس ولكن قولوا خسفت» وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر واختاره ثعلب، وذكر الجوهري: أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما وجاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف لتغيره. قوله: وقال الله عز وجل: ((وخسف القمر)) في إيراده لهذه الآية احتمالان : = ٢٦٥ الثانية: قال أرباب علم الهيئة(١): كسوف الشمس لا حقيقة له، فإنها لا تتغير في نفسها. وإنما القمر يحول بيننا وبينها، ونورها باق . وأما خسوف القمر فحقيقة، فإن ضوءه من ضوء الشمس، وكسوفه بحيلولة ظل الأرض بين الشمس وبينه بنقطة التقاطع فلا يبقى فيه ضوء البتة، ورد هذا عليهم ابن العربي (٢) في الأحوذي [وكذبهم](٣) من أوجه: منها: قد قلتم إن الشمس أضعاف القمر في الجرمية فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله. وحكمة كسوفهما أنهما لما كانا من الآيات الباهرة وعبدا من دون الله واعتقد بعضهم تأثيرهما في العالم أحدهما: أن يكون أراد أن يقال خسف القمر كما جاء في القرآن ولا يقال = كسف، وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف. والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سمي في القرآن بالخاء في القمر فليكن الذي للشمس كذلك. ثم ساق المؤلف حديث ابن شهاب عن عروة، عن عائشة بلفظ ((خسفت الشمس)) وهذا موافق لما قال عروة، لكن روايات غيره بلفظ «كسفت)» كثيرة جدّاً. اهـ. (١) قال أبو منصور بن الجبان - رحمنا الله وإياه ـ في شرحه لفصيح ثعلب (٣٢٤): ((كسفت الشمس)) تكسف كسوفاً: إذا حجز بيننا وبينها القمر وحجبها عنا. ((وخسف القمر)) يخسف خسوفاً: إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس فلم يصل منها إليه نور يضيء به. اهـ. (٢) انظر: العارضة (٣٧/٣). (٣) زيادة من ن ب د. ٢٦٦ أرسل الله عليهما النقص والتغير، وأزال نورهما الذي عظما به في النفوس. ونقل المحب الطبري في ((أحكامه)) عن بعضهم أن في الكسوف سبع فوائد : الأولى: ظهور التصرف في الشمس والقمر وهما خلقان عظيمان. الثانية: أن يتبين بتغيرهما / تغير شأن ما بعدهما. الثالثة: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها. الرابعة: ليرى الناس أنموذج ما سيجري في القيامة قال تعالى: ﴿وَخَسَفَ اَلْقَمَرُّ ◌ِْ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُّ ﴾﴾(١). الخامسة: أنهما موجودان في حال الكمال، ويكسَّفَان ثم يلطف بهما، ويعادان إلى ما كانا عليه، تنبيهاً على خوف المكر، ورجاء العفو. السادسة: إعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له ليحذر من له ذنب . السابعة: أن الناس قد أَنِسوا بالصلوات المفروضات فيأتونها من غير انزعاج ولا خوف فأتى بهذه الآية سبباً لهذه الصلاة ليفعلوها بانزعاج [وخوف](٢)/ ولعل تركه يصير عادة لهم في [١/١/٩١] المفروضات. (١) سورة القيامة: آيتان ٨، ٩. (٢) في ن د (وتخوف). ٢٦٧ والثالثة: ذكر ابن حبان في [أول](١) كتابه الثقات أن الشمس كسفت على عهد رسول الله و لفر في السنة السادسة من الهجرة فصلى صلاة الكسوف وقال: ((إن الشمس والقمر [لا ينكسفان] (٢) لموت أحد ولا لحياته / فإذا رأيتموهما فصلوا))(٣). ثم كسفت أيضاً في السنة العاشرة يوم مات إبراهيم - رضي الله عنه - ، وهل كان موته في ربيع الأول أو عاشر من رمضان قولان، وعلى الأول(٤) أقوال: أحدها: أن موته كان يوم الثلاثاء لعشر خلون منه (١) في ن ب (أوائل). (٢) في الأصل (لا ینخسفان)، وما أثبت من ن ب د. (٣) الثقات لابن حبان (٢٨٢/١). (٤) قال ابن حجر في الفتح (٥٢٩/٢): على قوله ((يوم مات إبراهيم)) يعني ابن النبي ◌َّه وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل في ربيع الأول، وقيل في رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل في رابعه، وقيل في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة لأن النبي وَلّ كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل أنه مات سنة تسع فإن ثبت يصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية ورجع منها في آخر الشهر ... إلخ. وقال أيضاً في موضع آخر من الفتح (١٧٤/٣): فائدة: في وقت وفاة إبراهيم - عليه السلام - ، جزم الواقدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي ◌َپڼ بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان. ٢٦٨ قاله[(١)] الزبير بن بكار والواقدي(٢). ثانيها: الأربع خلون منه قاله أبو نعيم. ثالثها: لثلاث عشرة . رابعها: لأربع عشرة واستشكل كل ذلك، فإن إبراهيم ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وعاش سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً كما ثبت في صحيح البخاري(٣) أو ستة عشر شهراً كما ذكره ابن حبان (٤) أو ولد سنة ثمان وعاش سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام كما قاله القضاعي، وعلى كل من الأقوال لا يصح موته في ربيع الأول ولا عاشره إلَّ على قول من قال: إنه ولد في رمضان مع قول من قال: إنه عاش ثمانية عشر شهراً فتأمله، ولا يصح أيضاً في اصطلاح أرباب تسيير الكواكب إنه مات يوم العاشر، فإنهم يقولون إن الكسوف لا يكون إلاّ في الثامن والعشرين إن كان الشهر ناقصاً أو التاسع والعشرين إن كان تامّاً (٥) - نعم روى (١) في الأصل زيادة (ابن)، والتصحيح من ن ب د. (٢) قال الذهبي - رحمنا الله وإياه ـ في تهذيب السنن الكبرى للبيهقي (٣٠٦/٣) بعد سياق الإسناد، قال: أفسدت إذا أسندت، فلو كان الواقدي رواه لرد، كيف ولم يسند. وقال على رواية الزبير بن بكار، وكذلك ذكر الزبير بن بكار ((فإن كان محفوظاً فوفاة رسول الله حصر* بعده بسنة)) . (٣) انظر: الفتح (١٨٤/٣). (٤) الثقات لابن حبان (٨٢/٢). (٥) حاشية الروض (٥٣٧/٢). ٢٦٩ البيهقي(١) إن الشمس كسفت يوم قتل الحسين بن علي وكان قُتِل يوم عاشوراء. ففيه رد عليهم، ووقع في شرح هذا الكتاب لابن العطار أن إبراهيم توفي يوم عاشوراء، والظاهر أنه التبس عليه بالحسين(٢). الرابع: كسف القمر في السنة الخامسة من الهجرة في جمادى الآخرة كما ذكره ابن حبان(٣) أيضاً قال: فجعلت اليهود يرمونه (١) البيهقي (٣٣٦/٣). قال الذهبي - رحمنا الله وإياه - في تهذيب السنن الكبرى للبيهقي (٣٠٧/٣)، قلت: ابن لهيعة ضعيف، وبتقدير صحته لم يقل إن الكسوف کان یوم مصرعه - رضي الله عنه- بل یکون قبل ذلك بأيام أو بعده، وقال متعقباً على تبويب البيهقي في السنن: ((ما يدل على جواز الاجتماع للعيد وللخسوف لجواز وقوع الخسوف في العاشرة، قال: لم يقع ذلك ولن يقع، والله قادر على كل شيء لكن امتناع وقوع ذلك كامتناع رؤية الهلال ليلة ثامن وعشرين الشهر. (٢) نعم ذكرها البيهقي في السنن (٣٣٦/٣) وانظر آخر التعليق (٧)، وذكر أن إبراهيم ابن نبي الله ◌َّ مات أيضاً في هذا اليوم وأيضاً ذكر هذا في المعرفة (١٥٩/٥) عن الواقدي، وقد ضعف كما ترى في كلا الحالتين. (٣) الثقات لابن حبان (١/ ٢٦٠). أقول: قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في زاد المعاد (٤٥٦/١) صلى النبي ◌َّل# الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم. اهـ. وما ذكره المصنف عن ابن حبان يثبت أنه وَط# صلاها في جماعة وقد ذكر أنها أول صلاة كسوف في الإِسلام. ولعل ابن القيم لم يبلغه هذا أو لم يصحح الرواية. ٢٧٠ بالشهب ويضربون [بالطساس] (١) ويقولون: سحر القمر، فصلى رسول الله ◌َ صلاة [الخسوف] (٢) انتهى. فيستفاد من هذا أن الضرب على الطساس ونحوها عند [خسوف](٣) القمر من فعل اليهود فينبغي اجتنابه لعموم نهيه - عليه الصلاة والسلام - عن التشبه بالكفار. إذا عرفت هذه المقدمات المهمة فلنرجع إلى المقصود فنقول : ذكر المصنف - رحمه الله - في الباب أربعة أحاديث، وأفاد ابن العربي(٤) أن الكسوف رواه عن النبي وَلقر سبعة عشر رجلاً، وتبعه المنذري: (١) هكذا هو في المخطوطات، أما في ابن حبان (بالطاس). (٢) في الثقات لابن حبان (٢٦٠/١) (الكسوف). (٣) في ن د (كسوف). (٤) عارضة الأحوذي (٣٧/٣). ٢٧١ [٩١/أ/ ب] الحدیث الأول / ٢٩/١/١٤٨ - عن عائشة - رضي الله عنها / -، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله وَظهر، فبعث منادي ينادي: ((الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وتقدَّم فكبّر، وصلَّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات))(١). الكلام عليه من [اثني عشر](٢) وجهاً: والتعريف براويه [تقدم](٣) في الطهارة. الأول: قولها: ((خسفت)) هو بفتح أوله وثانيه ــ ويقال ــ بضم الخاء - على ما لم يسم فاعله، حكاه الشيخ تقي الدين (٤). (١) البخاري (١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٨، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ٣٢٠٣)، ومسلم (٩٠١)، والنسائي (١٢٧/٣، ١٣٢)، وأبو داود (١١٩٠)، والترمذي (٥٦١)، وابن ماجه (١٢٦٣)، والبغوي (١١٤٣، ١١٤٦)، وأحمد (٧٦/٦، ١٦٨)، وابن حبان (٢٨٤٣)، وابن خزيمة (١٣٨٧، ١٣٩٨). (٢) زيادة من ن ب د. (٣) في ن ب د (سلف). (٤) إحكام الأحكام (١٨٠/٣). ٢٧٢ وقال النووي(١): في ((شرح مسلم)) يقال: كسفت الشمس والقمر وكسفا وانكسفا وخسفا وخُسفا وانخفا، سِت لغات. الثانية: ((الصلاة جامعة)» هما منصوبان الأول على الإغراء والثاني على الحال، ويجوز رفعهما أيضاً، أي الصلاة جامعة فاحضروها، قاله النووي في دقائق الروضة(٢). الثالث: يؤخذ من الحديث أنه لا يُؤَذَّنُ لها ولا يقامِ، وهو اتفاق، [وأنه](٣) ينادي لها ((الصلاة جامعة)) وهو حجة لمن استحبه . الرابع: يؤخذ منه أيضاً المبادرة إلى الصلاة عند كسوف الشمس، والسعي في أسبابها بالنداء لها، والاجتماع واهتمام الإِمام بها، والتحريض عليها، والمبادرة إلى الاجتماع من غير تأخير. الخامس: صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة بالاتفاق، ودليله فعل الرسول لها، وجمعه الناس مظهراً لذلك، وهذه أمارات التأكد والاعتناء، كذا استنبطه الشيخ تقي الدين، ولك أن تقول قد يستدل بذلك على أنها فرض كفاية كما هو وجه عندنا، حكاه الماوردي(٤) في باب صلاة التطوع، لكن غيره حكى الإجماع على أنها سنة. (١) انظر: شرح مسلم (١٩٨/٦). (٢) الروضة (٨٥/٢) بدون زيادة (فاحضروها). (٣) في ن ب (وهو). (٤) الحاوي الكبير (٣٦٠/٢، ٣٦١)، وانظر: المجموع (٥٩/٥، ٦٠)، حيث قال عن الشافعي: ولا يجوز تركها لمسافر ولا مقيم ولا لواحد. ٢٧٣ وأما كسوف القمر فالجمهور ألحقوه بها . وتردد مالك في الصلاة له، ولم يلحقها / بكسوف الشمس في قول، وسيأتي بيان ذلك في الحديث الثاني أيضاً. [السادس](١): فيه أن السنة أن تصلى جماعة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور. وقال العراقيون: فرادى. وهذا الحديث وغيره حجة عليهم. وعندنا وجه: أن الجماعة فيها شرط كالجمعة، حكاه الإِمام. عن الصيدلاني. قال الرافعي: ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خرّج أصحابنا وجهين في أنها هل تصلى في كل مسجد، أو لا تكون إلاّ في جماعة واحدة، كالقولين في العيد. السابع: السنة في كيفيتها أن تصلى ركعتين في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان وهو مذهب الشافعي (٢) ومالك(٣) والليث /. وأحمد(٤) وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز. وقال الكوفيون(٥): هما ركعتان كسائر النوافل، وهذا الحديث (١) في ن ب (الخامس مكرر). (٢) انظر: المهذب (١٢٢/١)، وروضة الطالبين (٨٠/٢). (٣) انظر: الاستذكار (٤/ ٩٣). (٤) المغني (٤٢٢/٢)، وكشاف القناع (٦٩/٢). (٥) انظر: الاستذكار (٩٦/٧). ٢٧٤ مع / حديث جابر(١) وابن عباس(٢) وابن عمرو بن العاص(٣) حجة [١/٩٢/ أ] عليهم، مع أنه قد صح غيره وهو ثلاث ركعات(٤). وأربع ركعات(٥) (١) مسلم (٩٠٤)، وأبو عوانة (٣٧٢/٢، ٣٧٣)، وأبو داود (١١٧٩)، والنسائي (٢١٧/١)، والطيالسي (١٧٥٤)، والبيهقي (٣٢٤/٣)، وأحمد (٣٧٤/٣، ٣٨٢). (٢) البخاري (٢٩، ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧)، ومسلم (٩٠٧)، والنسائي (١٤٦/٣، ١٤٨)، والموطأ (١٨٦/١، ١٨٧)، وأحمد (٢٩٨/١، ٣٥٨، ٣٥٩)، والدارمي (٣٦٠/١)، وأبو داود (١١٨٩)، وابن حبان (٢٨٣٢، ٢٨٥٣). (٣) ابن خزيمة (١٣٨٩، ١٣٩٢، ١٣٩٣)، والنسائي (١٣٧/٣، ١٣٩)، وأبو داود (١١٩٤)، والحاكم (٣٢٩/١)، وابن حبان (٢٨٢٩، ٢٨٣٨). (٤) مسلم (٩٠٤)، وأحمد (٢١٧/٣، ٢١٨، ٣٧٤، ٣٨٢)، وابن خزيمة (١٣٨٠، ١٣٨١، ١٣٨٦)، وأبو عوانة (٣٧٢/٢، ٣٧٣)، وابن حبان (٢٨٤٣، ٢٨٤٤)، وأبو داود (١١٧٩)، والطيالسي (١٧٥٤)، والبيهقي (٣٢٤/٣)، والنسائي (١٣٦/٣)، وورد عن عائشة - رضي الله عنها - ، عن النبي ◌َّ قال: (صلاة الآيات ست ركعات، وأربع سجدات)). أخرجه مسلم (٩٠٢)، والنسائي (١٣٠/٣)، وابن خزيمة (١٣٨٢، ١٣٨٣)، وابن حبان (١٨٣٠). (٥) مسلم (٩٠٨، ٩٠٩)، والنسائي (١٢٨/٣، ١٢٩)، وأحمد (٢٢٥/١، ٣٤٦)، وأبو داود (١١٨٣)، والبغوي (١١٤٤)، والطبراني (١١٠١٩)، والدارمي (٣٥٩/١). قال ابن حبان في صحيحه (٩٨/٧): خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاووس، عن ابن عباس أن النبي ◌َّ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات ليس بصحيح لأن حبيباً لم يسمع من طاووس هذا الخبر. = ٢٧٥ في ((صحيح مسلم)). وروى أحمد وأبو داود والحاكم خمسة(١). لكن قال ابن عبد البر(٢): أحاديث قول الجمهور أصح ما في الباب وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة، وحديث جابر بن سمرة(٣) وأبي. قال ابن حجر في الفتح (٥٣٢/٢) بعد ذكره أنواع صلاة الكسوف الواردة في الأحاديث غير الركعتين في كل ركعة ولا يخلو إسناد منها من علة. انظر كلام ابن حجر عليه في تلخيص الحبير (٩٠/٢)، وكلام الألباني في الإِرواء (١٢٩/٣). قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٧، ١٨/١٨): ما روى مسلم أن النبي قلڑ صلی الکسوف ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات ضعفه حذاق أهل العلم، وكان أحمد يجوّز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث)). اهـ. وهذا يدخل تحته ما زاد على الركعتين. انظر زاد المعاد (١/ ٤٥٦). (١) أبو داود (١١٣٩). قال المنذري: في إسناده أبو جعفر الرازي، وفيه مقال، واختلف فيه قول ابن معين وابن المديني واسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان. انظر: عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه : (١٣٤/٥)، والحاكم (٣٣٣/١). قال الذهبي: ((خبر منكر وعبد الله بن أبي جعفر ليس بشيء، وأبوه لين)). البيهقي (٣٢٩/٣)، وضعفه بقوله: ((وهذا إسناد لم يحتج بمثله صاحبا الصحيح)). (٢) انظر: الاستذكار (٩٣/٧)، والتمهيد (٣٠٢/٣، ٣١٣). (٣) ولفظه: ((صلاها ركعتين كل ركعة بركوع)). انظر: النسائي (١٤٠/٣، ١٤١)، وأبو داود (١١٨٤)، والطبراني (٦٧٩٨) (٦٧٩٩)، وابن خزيمة = ٢٧٦ بكرة(١) أنه - عليه الصلاة والسلام - صلى في الكسوف ركعتين الذي احتج به الكوفيون مطلق والروايات الصحيحة تبين المراد به، وبتقدير صحته فالروايات الكثيرة أصح، ورواتها أحفظ وأضبط (٢). (١٣٩٧)، وأحمد (١٦/٥)، والحاكم (٣٢٩/١). وقال الذهبي: صحيح. انظر: البيهقي (٣٣٩/٣). أقول: وقوله: ((جابر بن سمرة)) فلعله وهم منه - رحمنا الله وإياه - والموجود في الكتب السابقة ((سمرة بن جندب)). انظر: تحفة الأشراف (٦٠/٤)، وانظر: مجموع حديث جابر بن سمرة أيضاً في تحفة الأشراف (١٤٦/٢). (١) البخاري (١٠٤٠)، والنسائي (١٢٤/٣، ١٤٦، ١٥٢)، والدار قطني (٦٤/٢)، وأحمد (٣٧/٥)، وانظر كلام ابن حجر في الفتح (٥٢٧/٢) على الحدیث حیث بین أنه معناه ركعتان في كل ركعة ركوعان واستدل بما یقویه. (٢) أيضاً روي عن عبد الله بن عمرو عن البخاري (١٠٤٢)، ومسلم (٩١٤)، وأخرجه أبو داود (١١٩٤) في الصلاة، باب: من قال يركع ركعتين، والنسائي (١٤٩/٣)، والترمذي في الشمائل (٣١٧)، وأحمد (١٩٨/٢)، والطحاوي (١٩٤/١)، وقبيصة الهلالي، وعبد الرحمن بن سمرة، وعن النعمان بن بشير، وأبو داود (١١٩٣)، والنسائي (١٤١/٣)، وابن ماجه (٤٠١/١)، وأحمد (٢٧١/٤، ٢٧٧). نقل ابن القيم في ((زاد المعاد)» (١٢٣/١ - ١٢٧) عن الشافعي والبخاري أنهما كانا يعدان الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم - عليه السلام - ، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن = ٢٧٧ ومن العلماء من اعتذر عنه فإنه - عليه الصلاة والسلام - كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا، فإذا لم يرها انجلت ركع(١) وفي هذا التأويل ضعف، كما قال الشيخ تقي الدين(٢): إذا قلنا إن سنتها ركعتان كسائر النوافل. وقال بعض العلماء: اختلاف الروايات بحسب [حال اختلاف](٣) الكسوف ففي بعض الأوقات تأخر الانجلاء فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر، وفي بعضها توسط بينهما فتوسط في [عدده] (٤). واعترض الأولون: على هذا بإن [تأخر](٥) الانجلاء لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن الكسوف وقع مراراً، فيكون كل من هذه الأوجه جائزاً، وإلى ذلك نحا = إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات، وقال ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وإليه ذهب ابن حبان (٩٨/٧) في صحيحه، وقوى ذلك النووي في شرح مسلم. (١) قال ابن عبد البر في الاستذكار - رحمنا الله وإياه - (١٠٠/٧): فليس هذا بشيء لأن رسول الله # لم يصل صلاة الكسوف في صحراء قط فيما علمت وإنما صلاها في المسجد وذلك معلوم منصوص عليه في الآثار الصحاح. اهـ. (٢) انظر: إحكام الأحكام (١٨٣/٣). (٣) بين النسخ تقديم وتأخير. (٤) في ن ب عدد. (٥) في ن ب (تأخير). ٢٧٨ عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال، وكأن العلماء الذين جعلوا اختلاف الروايات بحسب الانجلاء جعلوا ذلك سنة صلاة الكسوف، لا أن تكون سنتها، أن تكون هيئتها منوية من أولها فيكون الفعل / مبيناً لسنة هذه الصلاة . وعلى مذهب من جعلها ركعتين كأنهم أرادوا أن [يُخرجوا](١) فعل الرسول وَل# في العبادة عن المشروعية مع مخالفتهم (٢) للقياس في زيادة ما ليس من الأفعال المشروعة في الصلاة (٣). وقال ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وغيرهم من العلماء: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميعها، فيجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، (٤) وهو قوي(٤). واعلم أن النووي / في ((شرح المهذب))(٥): نقل عن مقتضى كلام أصحابنا أنه لو صلى الكسوف ركعتين كسائر النوافل صحت، وكان تاركاً للأفضل. قلت: وبه صرح الجرجاني في ((تحريره))، لكن حكى صاحب (١) في ن ب (يجعلوا). (٢) في ن ب زيادة (على). (٣) انظر: كلام الصنعاني على هذا في الحاشية (١٨٤/٣). (٤) انظر إلى هذه الاحتمالات وتوجيهها في فتح الباري (٥٣٢/٢). (٥) المجموع شرح المهذب (٦٣/٥). ٢٧٩ ((الذخائر)) (١) عن القاضي حسين عدم الصحة، [وأفهمه](٢) كلام البندنيجي. الثامن: أطلق في الحديث لفظ الركعات على الركوع. التاسع: فيه تقدم الإِمام على المأمومين. العاشر: أن [إحرام] (٣) الإِمام وتكبيره يكون عقب كونه في مصلاه . [٩٢ / أ/ ب] الحادي عشر: فيه استحباب / بعث الإِمام من ينادي بصلاة الكسوف، وكذلك ينبغي أن يفعل في كل صلاة شرعت لها الجماعة . الثاني عشر: فيه نقل فعله - عليه الصلاة والسلام - عند تغير الأحوال والأزمنة إلى أمته للاقتداء والعمل. (١) لمجلى بن جميع. انظر: طبقات ابن الصلاح (٤٧٥، ٦٧٠)، وطبقات ابن شهبة (٢٨٣/١، ٣٢٢). (٢) في ن ب (وأفهم). (٣) في الأصل (محراب)، والتصحيح من ن ب د. ٢٨٠