النص المفهرس

صفحات 201-220

الحديث الثاني
٢٨/٢/١٤٤ - عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما -
قال: خطبنا النبي * يوم الأضحى بعد / الصلاة، فقال: ((من صلى
صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة
فلا نسك له))، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء بن عازب: يا
رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل
وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت
شاتي، وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: ((شاتك شاة لحم))، قال:
يا رسول الله فإن عندنا عناقاً (١) هي أحب إليّ من شاتين، أفتجزىء
عني؟ قال: ((نعم ولن تجزي عن أحد بعدك))(٢).
الكلام عليه من وجوه:
(١) في فتح الباري زيادة (لنا جذعة).
(٢) البخاري (٩٥٥، ٩٦٥، ٩٨٣)، ومسلم (١٩٦١)، وأبو داود (٢٨٠٠)،
والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي (١٨٢/٣) (٢٢٢/٧، ٢٢٣)، والدارمي
(٨٠/٢)، وابن ماجه (٣١٥٤)، والطيالسي (٧٤٣)، والبيهقي (٣١١/٣)
(٢٦٩/٩، ٢٧٦)، ومالك (٤٨٣/١).
٢٠١

أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب الإِمامة،
[١/٨٠/ ب] ورواه / عنه جماعة من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس،
وأبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو بضرة الغفاري، ومن
التابعين الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما.
ورواه عن النبي ◌َل# ابن عمر وجابر بن عبد الله وغيرهما، كما
أفاد کل ذلك ابن منده في مستخرجه.
ثانيها: خاله أبو بردة اسمه هانىء، وبه جزم المصنف في حد
الخمر، وقيل: الحارث، وقيل: مالك.
وروى ابن طاهر في ((إيضاح الإشكال)) (١) عن الشعبي عن
البراء قال: ((كان اسم خالي / قليلاً فسماه النبيِ ﴾ [كثيراً](٢)،
وقال [يا كثير](٣) إنما نسكنا بعد صلاتنا)»(٤). ثم ذكر هذا الحديث
بطوله، ثم قال في باب الخال قد تقدم في باب العم خال البراء بن
عازب واسمه سويد بن (حجير) عن خاله، كذا رأيته فيه فتأمله(٥).
(١) إيضاح الإشكال (٧٢).
(٢) في ن ب (كبيراً).
(٣) في ن ب (كبيراً).
(٤) أخرجه ابن منده من طريق جابر الجعفي كما في الإصابة (٥٧٤/٥)، وقال.
الحافظ في الإصابة: والمحفوظ أن خال البراء هو أبو بردة بن دینار،
قال: لقيت خالي ومعه الراية، الإصابة أيضاً في ترجمة هانىء
(٦/ ٥٢٣). اهـ، من إيضاح الإشكال (٧٢).
(٥) العبارة في إيضاح الإشكال (٨٣)، باب الخال:
=
٩٧ - قد تقدم في باب العم خال البراء بن عازب: اسمہ کثیر. اهـ.
٢٠٢

وأما والد أبي بردة: فالمشهور أنه نيار - [بكسر النون -.
والنير: يطلق على ما وضح من الطريق وعلى لحمة الثوب
المقابلة للسدا](١).
وقيل: عمرو، وقيل هبيرة وهو عقبي بدري شهد العقبة الثانية
مع السبعين في قول جماعة من أهل السير.
وأمه: أم سعد بنت ساعدة بن جشم [بن](٢) حارثة. روى
أحاديث واتفقا منها على واحد، ومات ولا عقب له بعد الأربعين.
ثالثها: ((الأضحى)) يذكّر ويؤنّث سمي بذلك لوقوع الأضحية
فيه .
رابعها: فيه دلالة على الخطبة لعيد الأضحى ولا خلاف فيه.
خامسها: فيه دلالة أيضاً على تقديم الصلاة عليها، وقد قدمنا
الكلام علی ذلك في الحدیث قبله.
سادسها: أصل ((النسك)) في اللغة من النسيكة وهي البقرة
المذابة المصفاة من كل خلط(٣).
ولعل ما ذكر خطأ من الناسخ أو المؤلف - رحمهما الله تعالى - .
=
ثم ذکر سوید وأعطاه رقم خاص:
٩٨ - سويد بن حجير عن خاله، خالفُه صخر بن القعقاع ... إلخ.
(١) زيادة من ن ب د، انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٤٧، ٣٤٨).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) سئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة وهو سبيكة
الفضة المصفاة كأنه خلَّص نفسه وصفاها لله عز وجل. اهـ، من لسان
العرب (١٢٨/١٤)، هكذا هو في المخطوط البقرة.
٢٠٣

والمراد بها هنا: الذبيحة أضحية وقد استعمل فيها كثيراً
واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدماء المراقة في الحج،
وقد يستعمل فيما هو أعم من ذلك من نوع العبادات، ومنه يقال:
فلان ناسك أي متعبد، ومعناه: مخلص / عبادته لله تعالى.
وقال ابن يونس: في أول الحج من ((شرح التنبيه)): النسك:
بضَم السين [اسم](١) للذبيح والمَنْسِك [بِه](٢) موضع الذبح أي
- بفتح السين وكسرها - كما قرىء بهما (٣)، وقد يراد به موضع
العبادة، وهو بإسكان السين اسم لكل عبادة.
سابعها: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((من صلى صلاتنا))
أي مثل صلاتنا.
وقوله: ((ونسك)» ... (٤) نُسكّنا» أي مثل نسكنا.
وقوله: ((فقد أصاب النسك)) أي فقد أصاب مشروعية النسك
أو ما قارب ذلك.
ثامنها: قوله: ((ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)) معناها
لا يقع مجزياً في الأضحية وظاهر اللفظ [أن](٥) المراد منه قبل فعل
الصلاة .
(١) في ن ب (أي).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَسَكًا﴾ ومُنْسِكاً. انظر: لسان
العرب (١٤/ ١٢٧).
(٤) العبارة: أو صحة المنسك، وفي ن د (المنسك)، وليس لها معنى هنا.
(٥) في ن ب ساقطة.
٢٠٤

ولم يتعرض لذكر الخطبتين / وهما معتبران عند الشافعي [١/١/٨١]
لكونهما مقصودتين مع الصلاة، فإن وقت الأضحية لا يدخل إلاَّ
بمقدار الصلاة [والخطبتين عنده، ومذهب غيره اعتبار فعل ذلك،
وهو ظاهر اللفظ، فإن إطلاق لفظ الصلاة](١) وإرادة وقتها خلاف
الظاهر.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الأضحية لا تجوز قبل طلوع
الفجر، واختلفوا فيما بعد ذلك(٢):
فقال الشافعي وداود: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى
قدر صلاة العيد وخطبتين، أي خفيفات، فإذا ذبح بعد هذا الوقت
أجزأه، سواء صلى الإِمام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا،
وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي
أو المسافرين، وسواء ذبح / الإِمام أضحيته أم لا ووافقهما ابن
المنذر.
وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى
والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، ولا تدخل في حق أهل الأمصار
حتى يصلي الإِمام، ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم تجزئه.
وقال مالك: لا يجوز إلاّ بعد صلاة الإِمام وخطبته وذبحه.
وقال أحمد: لا تجوز قبل صلاة الإِمام وتجوز بعدها قبل ذبح
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) انظر: الاستذكار (١٤٧/١٥، ١٥٥)، ومعجم فقه السلف (١٤٥/٤،
١٤٦)، والمجموع (٣٨٩/٨)، والمغني (٦٣٦/٨، ٦٤٠).
٢٠٥

الإِمام وسواء عنده أهل القرى والأمصار، ونحوه عن الحسن
والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.
وقال الثوري: تجوز بعد صلاة الإِمام وقبل خطبته وفي
أثنائها .
وقال ربيعة: فيمن [لا إمام له](١) إن ذبح قبل طلوع الشمس
لا تجزئه، وبعد طلوعھا یجزئه.
وقال أهل الرأي: يجزيهم بعد الفجر، وهو قول ابن المبارك
لإضافة الفجر إلى اليوم.
فهذه سبعة مذاهب، وظاهر هذا حجة على من خالفه بالنسبة
إلى الصلاة ولما كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة اعتبرهما
الشافعي ومن وافقه.
فرع: قد عرفت المذاهب في ابتداء وقت النحر وأما انتهاؤه
ففيه أوجه(٢):
أحدها: إلى غروب آخر التشريق، وهو قول الحسن وعطاء
والشافعي / والأوزاعي.
ثانيها: إلى غروب ثاني التشريق، وهو مذهب مالك
وأبي حنيفة والشوري وأحمد، وروي عن أبي هريرة وأنس
وغيرهما.
ثالثها: لا يجوز إلاّ في يوم النحر خاصة، قاله ابن سيرين.
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) انظر لهذه الأقوال معجم فقه السلف (٤/ ١٣٧، ١٣٨).
٢٠٦٠

رابعها: يجوز لأهل الأمصار يوم النحر خاصة، ولأهل القرى
يوم النحر وأيام التشريق.
[خامسها](١): يجوز في جميع ذي الحجة حكاه القاضي
عیاض(٢).
[٨١/أ/ ب]
سادسها: يوم النحر / وستة أيام بعده. قاله قتادة.
واختلفوا: في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح.
فقال الشافعي: يجوز مع الكراهة وبه قال أبو حنيفة وأحمد
وإسحاق وأبو ثور والجمهور.
وقال مالك في المشهور عنه وعامة أصحابه ورواية عن أحمد:
لا يجزئه في الليل بل تكون شاة لحم، وحُكِيَ عن أصحاب الرأي أيضاً.
وقال أشهب: يجوز الهدي دون الأضحية.
تاسعها: قوله - عليه الصلاة والسلام - : ((شاتك شاة لحم)
أي ليست أُضْحية، ولا ثواب فيها، بل هو لحم ينتفع به، كما جاء
في رواية أخرى ((إنما هو لحم قدمته لأهلك)) فيستنبط من هذا أن من
ذبح قبل الصلاة لم [يكن] (٣) ناسكاً، وأن المأمورات إذا وقعت على
خلاف مقتضى الأمر لم يكن الجهل عذراً فيها، وهو:
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) بناء على حديث مرسل أخرجه ابن حزم في المحلى (٤٣/٨، ٤٩) بلغنا
أن رسول الله قال: الأضحى إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني
بذلك. قال: وهذا من أحسن المراسيل وأصحها، وهو ملزم لمن يحتج
بالمراسيل.
(٣) في ن ب ساقطة.
٢٠٧

الوجه العاشر: وقد فُرق بين المأمورات والمنهيات في ذلك
فيعذر في المنهيات بالنسيان والجهل / كما في حديث معاوية ابن
الحكم حين تكلم في الصلاة، ولا يعذر في المأمورات لأن المقصود
فيها إقامة مصالحها، ولا يحصل ذلك إلاَّ بفعلها، بخلاف المنهيات
فإنها مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحاناً للمكلف بالانكفاف عنها،
وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد
المكلف ارتكاب النهي، فعذر بالجهل فيه(١).
تنبيه: الإضافة قسمان: معنوية، ولفظية :
الأولى: ثلاثة أقسام:
مقدرة بمن: کخاتم حدید، أو باللام کغلام زید.
أو بفي كضرب اليوم أي ضرب في اليوم، ولا يصح شيء من
ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ((شاة لحم)).
وأما اللفظية: فحقيقتها أن تكون صفة مضافة إلى معمولها
كضارب زيد، وحسن الوجه، و ((شاة لحم)) ليست كذلك أيضاً.
قال الفاكهي: والذي يظهر لي في ذلك أنه لما اعتقد أبو بردة
أن شاته نسك أوقع - عليه الصلاة والسلام - قوله: ((شاة لحم))
موقع قوله: شاة غير نسك أو شاة غير أضحية. فهو كلام محمول
على المعنى.
الحادي عشر: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ولن تَجزي
(١) انظر: حاشية العمدة (١٦١/٣).
٢٠٨

عن أحد بعدك)) هو بفتح التاء المثناة فوق غير مهموز ومعناه لن
تقضي يقال: جزى عني كذا أي قضى. أي أن الذي فعله من الذبح
قبل الصلاة لم يقع نسكاً فالذي يقع بعده لا يكون قضاء [عنه](١)
وهذا الذي ضبطناه / [في](٢) تجزي - بفتح التاء - هو في جميع
الطرق والروايات.
وذكر الجوهري(٣): أن فيه لغة أخرى أجزأت [عنك] (٤) وعلى
هذا يجوز الضم، وقال الشيخ تقي الدين(٥) في - الفتح - : إنه
الذي اختير فيه، وكذا قال البغوي(٦)؛ إنه بغير همز مع - فتح أوله -
قال تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾(٧)، / أي لا يقضي عنها، فإن كان [١/١/٨٢]
بمعنى الكفاية؟
قلت: جزاء عني، وإجزاء بالهمز.
وقال ابن بري: الفقهاء [(٨)] يقولون لا تجزىء عنك أي
لا تُقضي، بضم التاء مع ترك الهمزة.
والصواب : - فتح التاء - مع ترك الهمزة أيضاً ويجوز
(١) زيادة من ن ب.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) مختار الصحاح (٥١).
(٤) زيادة من ن ب د، وفي مختار الصحاح (عنه).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١٢٦/٣).
(٦) (٣٢٨/٤).
(٧) سورة البقرة: آية ١٢٣ .
(٨) في ن ب زيادة (لا).
٢٠٩

- الضم - مع الهمزة لأنه يقال أجزأت عنك شاة تجزىء لغة في
قولهم جزت عنك تجزي.
الثاني عشر: ((العناق)) بفتح العين: الأنثى من أولاد المعز ما لم
يتم له سنة [فإذا](١) قوي ورعى وأتى عليه حول قيل للذكر منه:
عتود.
وقال بعضهم؛ هي الصغير من أولاد المعز ما دامت ترضع
ولهذا قال في بعض روايات الحديث في مسلم عندي ((عَنَاق لبن)) أي:
صَغيرة قريبة مما ترضع .
وجمع العناق: أعنق وعنوق.
وعبارة القاضي عياض(٢) العناق: جذع المعز.
وقوله: ((هي أحب إلي من شاتين))، وفي مسلم: ((عندي عَنَاق
لبن / هي خير من شاتيّ لحم)). ومعناه أطيب لحماً وأنفع لسمنها
ونفاستها، وفي رواية لمسلم: ((ليس عندي إلاَّ جذعة وهي خير من
مسنة))، وفي رواية(٣): ((أن عندي داجناً جذعة من المعز))، وفي ذلك
إشارة إلى أن المقصود في الضحايا طيب اللحم لا كثرته، وهذا
بخلاف العتق فإن كثرة العدد فيه أفضل.
الثالث عشر: صرح في الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها
في هذا الحکم عما سبق ذبحه فامتنع قیاس غيره علیه لکن قد وقع
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في المشارق (٩٢/٢) العناق: قال الخليل: هي الأنثى من المعز، قال.
الداودي: هي الجذعة التي قاربت أن تحمل ولم تحمل.
(٣) مسلم (١٩٦١) والتي قبلها.
٢١٠

ذلك أيضاً لعقبة بن عامر. وزيد بن خالد رضي الله عنهما ففي
الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام أعطى عقبة بن عامر عتوداً
وقال: ((ضح به أنت))، وفي البيهقي بإسناده الصحيح عن عقبة:
((أعطاني رسول الله و ﴿ غنماً أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود
منها فقال ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك))(١).
قال البيهقي: وإذا كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة
له كما رخص لأبي بردة.
وعلى هذا يحمل ما روي عن زيد بن خالد أنه عليه الصلاة
والسلام: ((أعطاه عتوداً جذعاً فقال ضح به فقلت إنه جذع من المعز
أضحي به قال: نعم ضح به فضحیت به))، ورواه أحمد وابن حبان(٢)
كذلك. ورواه أبو داود أيضاً وليس في روايته ((من المعز)) لكنَّه مَعْلوم
من قوله ((عتود)) فإن العتود من أولاد المعز خاصة وهو ما رعى
و قوي.
قال الجوهري وغيره: هو ما بلغ سنه وجمعه اعتده
[وعِدَّان](٣) بإدغام التاء في الدال.
(١) البخاري (٢٣٠٠)، ومسلم (١٩٦٥)، والترمذي (١٥٠٠)، والنسائي
(٢١٨/٧)، وابن ماجه (٣١٣٨)، والبغوي (١١١٦)، والطيالسي
(١٠٠٢)، وأحمد (١٤٤/٤، ١٤٥، ١٥٦)، والدارمي (٧٧/٢، ٧٨)،
وابن خزيمة (٢٩١٦).
(٢) أحمد (١٩٤/٥)، وأبو داود (٢٧٩٨)، والطبراني (٥٢١٧، ٥٢١٨)،
والبيهقي (٩/ ٢٧٠).
(٣) في معالم السنن (١٠٤/٤) عِتْدان وعُتُد ... إلخ.
٢١١

[١/٨٢/ ب]
ومعلوم أنه لا يجزىء / في الأضحية وإنما / يجزىء الجذع
من الضأن(١).
وأجاب بعضهم: بنسخ حديث عقبة بحديث أبي بردة لقوله:
(ولن تجزىء عن أحد بعدك)) وفيه نظر، كما قال الشيخ
زكي الدين(٢) فإن في حديثه أيضاً: (ولا رخصة لأحد فيها بعدك))
وأيضاً فإنه لا يعرف المتقدم منهما من المتأخر وقد أشار البيهقي(٣)
إلى أن الرخصة أيضاً لعقبة وزيد بن خالد كما كانت لأبي بردة.
فائدة: قال الفاكهي: انظر الحكمة في اختصاص أبي بردة
بهذا الحكم واطلب السر فيه.
قلت: قد أفاده الماوردي(٤) حيث قال في اختصاص الأجزاء
بأبي بردة وجهان:
أحدهما: لأنه كان قبل استقرار الشرع فاستثناء.
والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه.
قال: واختلفوا هل كان ذلك بوحي أو اجتهاد على قولين.
تنبيه: أبعد الأوزاعي حيث جوز الأضحية بجذع المعز
وحُكي / عن عطاء(٥)، وبه قال بعض الشافعية أيضاً: وهو مصادم.
للنص.
(١) انظر: معالم السنن (٤/ ١٠٤).
(٢) مختصر سنن أبي داود (٤/ ١٠٤).
(٣) سبق تخريج ما أشار إليه.
(٤) الحاوي (١٩/ ٩١، ٩٢).
(٥) معجم فقه السلف: (٤/ ١٤١).
٢١٢

الرابع عشر: يؤخذ من الحديث إن الله تعالى أن يخص ببعض
الأحكام التي منع الناس منها من شاء على لسان نبيه ◌َّلر بعذر وغيره
ويؤخذ منه أيضاً وهو الوجه.
الخامس عشر: أن المرجع في الأحكام إليه مقر دون غيره.
ومن رجعت إليه من أمته فإنما هو بإذنه وأقلامه .
السادس عشر: يؤخذ منه أيضاً أن يوم الأضحى يوم أكل
وشرب يحرم الصَّوم فيه حيث وصفه بالأكل والشرب.
٢١٣

الحديث الثالث
:
٢٨/٣/١٤٥ - عن جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله
عنه - قال: صلى بنا رسول الله وَظله يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح،
وقال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح
فليذبح [باسم الله]))(١).
الكلام علیه من وجوه :
الأول: ((جُنْدُب)) بضم أوله وثالثه بينهما نون ساكنة. ويقال:
بفتح ثالثه. وعن المنذري الحافظ، كسر أوله، وفتح ثالثه. وكأنه
قاله لغة من واحد الجنادب الذي هو طائر، لا وضعاً في هذا الاسم
المعين .
(١) البخاري (٩٨٥، ٥٥٠٠، ٥٥٦٢، ٦٦٧٤، ٧٤٠٠)، ومسلم في
الأضاحي (١٩٦٠)، والنسائي (٢٢٤/٧)، وأبو يعلى (١٠١/٣)،
والطيالسي (٢٣٠/١)، وأحمد (٣١٣/٤)، وابن ماجه (٣١٥٢)،.
والحميدي (٧٧٥)، وابن حبان (٥٩١٣)، والطبراني (١٧١٣ حتى
١٧١٨)، والبيهقي (٢٦٢/٩، ٢٧٧). وفي بعض الألفاظ: ((على اسم.
الله)) .
٢١٤

قال الجوهري(١): الجُنْدُبُ، والجُنْدَبُ ضرب من الجراد،
واسم رجل. قال سيبويه: نونها زائدة. وقال أبو زيد: يقال: وقع
القوم في [أم](٢) جندب، إذا أظلموا، فإنها اسم من أسماء الإِساءة -
والظلم والداهية.
وهو جندب بن عبد الله بن سفيان. ويقال: فيه ابن سفيان
وكأنه نسبة إلى(٣) جده أبي عبد الله البجلي - بفتح الجيم - كما
سيأتي العَلِقي - بفتح أوله وثانيه وكسر ثالثه ـ. وعلقة(٤): حي مِنْ
بجيلة .
له صحبة. ويقال له جندب الخير(٥) نزل الكوفة ثم / تحول [١/١/٨٣]
إلى البصرة فحديثه / عند البصريين جميعاً، روى عنه الحسن
وجماعة. روي له عن النبي وَله ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري
ومسلم منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة، مات سنة أربع
وستین .
فائدة: في الرواة جندب بن عبد الله أربعة ذكرتهم فيما أفردته
(١) مختار الصحاح (٤٧).
(٢) في الأصل (أمر)، وما أثبت من ن ب د.
(٣) في ن ب زيادة (أبي).
(٤) العين المهملة، واللام وفي آخرها قاف. من علقة بن عبقر بن أنمار.
(٥) قال الصنعاني - رحمه الله - في الحاشية (١٦٤/٣): وقال ابن منده وأبو
نعيم: يقال له جندب الخير، ولكن الذي ذكره الكلبي أن جندب الخير
هو جندب بن عبد الله بن الأخرم الأزدي العامري التابعي. قلت: ولا مانع
أن يقال ذلك لهما. انظر أيضاً: تهذيب التهذيب (١١٨/٢).
٢١٥

في الكلام(١) على رجال هذا الكتاب فاستفدها منه.
الثاني: ((البجلي)) بفتح الباء الموحدة والجيم، ثم ياء النسب
نسبة إلى قبيلة بجيلة، وهو ابن أَنْمَار بن إراش(٢)، ويشتبه ((بالبجْلي»
بإسكان الجيم وهم جماعة، منهم عمرو بن عبسة السّلمي الصحابي
و((بالنحلي)»، و((بالبجكي)»، و((بالبخْلي)»(٣)، وقد ذكرتهم في
((إيضاح مشتبه الأسماء والأنساب)) / فليراجع منه.
الثالث: معنى هذا الحديث معنى الذي قبله من حيث إن
الأضحية لا يدخل وقتها إلاَّ بعد الصلاة والخطبة، وهو الأظهر في
اعتبار فعل الصلاة من الذي قبله، فإن الأول اقتضى تعليق الحكم
بلفظ الصلاة وهذا لم يعلق فيه الحكم بلفظ فيه الألف واللام، إلاّ أنه
إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنه لا تجزىء الأضحية في حق من لم
يصل صلاة العيد أصلاً .
قال الشيخ تقي الدين(٤): فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس
(١) انظر: تهذيب التهذيب (١١٧/٢)، فقد ذكر ثلاثة منهم، وأما من اسمه
«جندب)) فقد ذكر أربعة.
(٢) جمهرة أنساب العرب لابن حزم (١٠، ٣٧٨، ٣٨٨، ٤٧٤، ٤٨٤).
(٣) ضبط مشتبه النسبة هنا: ((النَّحْلِي)) ((النِّخلِي)) نسبة إلى نِحْلِين، وهي من.
قرى حلب. وبالفتح نسبة إلى نحل العسل. و ((البَجَلي)) رهط جرير بن
عبد الله وبالسكون بنو بَجْلَة رهط من سليم. وبخاء معجمة ((النَّخْلِي)).
عمران بن سعيد النَّخْلِي من تابعي الكوفة. اهـ، من مشتبه النسبة للذهبي
(٥١، ٥٢).
(٤) إحكام الأحكام (١٦٥/٣).
٢١٦

بظاهر هذا الحديث، وإلاّ فالواجب الخروج عن الظاهر في هذه
الصورة، ويبقى ما عداها بعد الخروج عن الظاهر في محل
البحث.
قلت: هذا إذا قرىء قوله: ((قبل أن يصلي)) بالياء وهو
محفوظنا، فإن قرىء ((بالنون)) زال هذا الإشكال، وفي رواية أخرى
لمسلم: ((قبل أن يصلي، أو نصلي)).
قال النووي(١) في شرحه الأول بالياء والثاني بالنون، والظاهر
أنه شك من الراوي، وفي وجه ضعيف عندنا أنه يعتبر مضي زمن
الصلاة فقط بغير خطبة، وضعفه إمام الحرمين.
الرابع: قد يستدل بصيغة الأمر في قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((فليذبح أخرى)) إحدى طائفتين إما أن يرى أن الأضحية
واجبة، وأما من يرى أنها تتعين بالشراء بنية الأضحية، أو بغير ذلك،
من غير اعتبار لفظ في التعيين، نبه عليه الشيخ تقي الدين(٢): قال:
وإنما قلت ذلك لأن اللفظ المعين للأضحية من صيغة النذر أو غيرها
قليل نادر، وصيغة ((من)) في قوله: ((من ذبح)) صيغة عموم واستغراق
في حق كل من ذبح قبل أن يصلي، وقد ذكرت لتأسيس قاعدة
وتمهيد أصل، / وتنزيل صيغ العُمُوم التي ترد لتأسيس القواعد على [١/٨٣/ب]
الصورة النادرة أمر مستكره، على ما قرر في قواعد التأويل في فن
الأصول.
(١) انظر: شرح مسلم (١١٠/١٣).
(٢) إحكام الأحكام (١٦٦/٣).
٢١٧

[فإذا](١) تقرر هذا - وهو استبعاد حمله على الأضحية المعينة
بالنذر، أو غيره من الألفاظ - فيبقى التردد في أن الأولى حمله على
من / سبق له أضحية معينة بغير اللفظ، أو حمله على ابتداء الأضحية
من غیر سبق تعیین.
قلت: والقائل بوجوب الأضحية هو أبو حنيفة والأوزاعي
واللیث وآخرون.
والمشهور من مذهب مالك: أنها سنة على كل مسلم قادر
عليها من أهل الأمصار والقرى والمسافرين، إلَّ الحاج بمنى / فإنه
لا أضحية عليهم.
وقال الشافعي وأحمد: هي مستحبة إلاّ أن أحمد قال:
لا يستحب تركها مع القدرة عليها(٢).
والقائل بأن الأضحية تتعين بنفس الشراء بنية الأضحية هو
المعروف من مذهب مالك كالتقليد والإِشعار في الهدي، فهي تتعين
عندهم بثلاثة أمور:
بالتزام اللسان.
.. ..-
أو بنية الشراء .
أو بالذبح.
الخامس: قد يَسْتَدِلُّ بهذا الحديث من اعتبر ذبح الإِمام بعد
صلاته وخطبته، لأن فعله - عليه الصلاة والسلام - مورد لبيان
(١) في ن د (وإذا).
(٢) انظر: الاستذكار (١٥٥/١٥، ١٦٤)، والمحلى (٣/٨، ٩)، والمغني
(٦١٧/٨، ٦١٨)، والمجموع (٨/ ٣٨٥).
٢١٨

الأحكام وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((من ذبح قبل أن يصلي
فليذبح أخرى)) مكانها إنما كان بعد ذبحه، فكأنه قال: من ذبح قَبْلَ
فعلي هذا من الصلاة والخطبة والذبح. فليذبح أخرى مكانها، أي
فلا يعتد بما ذبحه أولاً أضحية، وهذا الاستدلال غير مستقيم
لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب بالفاء من غير مهلة،
والخطبةُ إنما اعتبرناها في وقت عدم جواز الأضحية تبعاً للصلاة،
وأما الذبح فلا يصلح اعتباره لمنع دخول وقتها، بل هو دليل لنا على
جواز الذبح لما قررناه من أن فعله - عليه الصلاة والسلام - حجة
للأمة ما لم يرد دليل لتخصيصه به .
السادس: قوله - عليه الصلاة والسلام - ((فليذبح باسم الله))
قال الكتّاب من أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف،
وإنما تحذف الألف، إذا كتبت: بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها(١).
ومعناه: فليذبح قائلاً باسم الله، أو مسمياً، أو متبركاً،
فالمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في ((يذبح))، هذا هو
الصحيح في معناه.
(١) قال ابن قتيبة في أدب الكاتب (١٨٤)، تكتب ((بسم الله)) - إذا افتتحت بها
كتاباً أو ابتدأت بها كلاماً - بغير ألف، لأنها كثرت في هذه الحال على
الألسنة، في كل كتاب يكتب، وعند الفزع والجزع، وعند الخبر يرد.
والطعام يؤكل فحذفت الألف استخفافاً فإذا توسطت كلاماً أثبت فيها ألفاً
نحو ((أبدأ باسم الله)) و ((أختم باسم الله))، وقال الله عز وجل: ((اقرأ باسم
ربك)) و ((فسبح باسم ربك العظيم)) وكذلك كتبنا في الحالين في
المصاحف مبتدأه ومتوسطه. اهـ.
٢١٩

[٨٤ /١/١]
وقال القاضي يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: [أن يكون معناه فليذبح الله، والباء بمعنى / اللام،
والاسم هو المسمى(١).
وثانيها: معناه](٢) فليذبح بسنة الله، وحذف اختصاراً.
وثالثها: بتسمية الله تعالى على ذبيحته إظهاراً للإِسلام ومخالفة
لمن ذبح لغيره، وقمعاً للشيطان.
ورابعها: تبركاً باسمه وتيمناً بذكره، كما تقول: سر على بركة
الله، وكره بعض العلماء أن يقال افعل كذا على اسم الله، قال: لأن
اسمه تعالى على كل شيء. وهذا ليس بشيء، وهذا الحديث يرد
عليه (٣).
السابع: التسمية على الذبيحة سنة عند الشافعي، وهو رواية
عند مالك وأحمد / [وجمهور العلماء] (٤). وواجبة عند بعضهم.
(١) انظر هذا المبحث في الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك ص (٩٣).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) قال النووي - رحمه الله - تعالى في كتابه ((الأذكار)) (٣٣٠): ومن ذلك
قول بعضهم: يكره أن يقول: افعل كذا على اسم الله، لأن اسمه سبحانه
على كل شيء. قال القاضي عياض وغيره: هذا القول غلط، فقد ثبتت
الأحاديث الصحيحة ((أن النبي و لو قال لأصحابه في الأضحية: ((اذبحوا
على اسم الله))، أي قائلين: باسم الله. وانظر: شرح مسلم (١١٢/١٣).
انظر أيضاً: فتح الباري (٢١/١٠)، فإنه قال: وإما كراهة بعضهم افعل
كذا على اسم الله لأن اسمه على كل شيء فضعيف. اهـ.
(٤) زيادة من ن ب د.
٢٢٠