النص المفهرس
صفحات 161-180
قلت: حمله على الساعات التي هي اثني عشر أولى [لظهورها](١) ويؤيده الحديث السالف. ثالثها: أن الساعة السادسة لم تذكر في هذا الحديث. والجواب: أن في النسائي(٢) ((بعد الكبش، بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة)). وفي رواية(٣) / له بعد الكبش: ((دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة)). وإسنادهما صحيح، فزال الإشكال، ودل [على أنه لا شيء] (١) في ن ب (لظهوره هنا). (٢) النسائي (٩٨/٣). (٣) النسائي (٩٩/٣). قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - (٣٦٨/٢): وقد وقع في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة وهي العصفور وتابعه صفوان بن عيسى عن ابن عجلان أخرجه محمد بن عبد السلام الخشني، وله شاهد من حديث أبي سعيد أخرجه حميد بن زنجويه في الترغيب له بلفظ («فكمهدي البدنة إلى البقرة إلى الشاة إلى علية الطير إلى العصفور)) الحديث، ونحوه في مرسل طاوس عند سعيد بن منصور، ووقع عند النسائي أيضاً من حديث الزهري من رواية عبد الأعلى عن معمر زيادة البطة بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق وهو أثبت منه في معمر فلم يذكرها. اهـ. وقال أيضاً في التلخيص الحبير (٦٩/٢): قال النووي: وهاتان الروايتان شاذتان وإن كان إسنادهما صحيحاً. اهـ. قال في الفتح الرباني (٥٩/٦): رواية العصفور ليست شاذة بل لها شاهد من رواية أبي سعيد الخدري، رجاله ثقات وأورده الهيثمي في المجمع، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات وحسنه المنذري ... إلخ. ١٦١ من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال وأن ذكر الساعات إنما كان الحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظار الصلاة وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال، لأن النداء [يكون](١) حينئذٍ، ويحرم التخلف بعده. رابعها: أن الرواح إنما يكون بعد الزوال فحافظوا على حقيقة (راح)) وتجوزوا في لفظ ((الساعة)) وقد سلف ما قيل في الرواح والساعة . خامسها: الحديث يقتضي أن يتساوى مراتب الناس: في كل ساعة، فكل من أتى في الأولى كان كالمقرب بدنة، وكل من أتى في الثانية كان كالمقرب بقرة، مع أن الدليل يقتضي أن السابق لا يساويه اللاحق، وقد جاء في الحديث ثم الذي يليه. قال الشيخ تقي الدين(٢): ويمكن أن يقال في هذا: إنَّ التفاوت يرجع إلى الصفات. قلت: وهو کما قال کما سلف، لکن روی أبو قرة في حديث أبي هريرة(٣) هذا ((في كل ساعة من هذه الساعات الخمس وأول الساعة وآخرها سواء» والظاهر أنه يُؤَوَّلُ على ذلك. فائدة: يستثنى الإِمام من التبكير اتباعاً لرسول الله وَله وقد نبه (١) زيادة من ن ب د. (٢) انظر: إحكام الأحكام (١٤٣/٣). (٣) ذكرها ابن حجر في الفتح وسكت عنها (٢/ ٣٧٠). ١٦٢ على ذلك الماوردي من أصحابنا(١). الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه بيان لمراتب الناس في الفضائل في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم وذلك يعرف أيضاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾(٢). الخامس: معنى ((قرّب)) تصدق و((البدنة)) عند جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء كما نقله النووي عنهم في ((شرح مسلم)) يقع على الواحد من الإِبل والبقر والغنم. سميت بذلك: لعظم بدنها / لكن الفيل يشترك معها في ذلك [١/٧٤/ب] ولا يسمى بدنة. وخصها جماعة: بالإِبل وهو المراد بالحديث اتفاقاً، لأنها (٣) قوبلت فيه بالبقر والكبش، وحيث أطلقت البدنة [في الحديث](٤) المراد بها ما يجزىء في الأضحية . وقال الماوردي: في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَاُلْبُدْنَ﴾(٥). (١) استنبطها الماوردي من قوله وله: ((فإذا خرج الإمام)) وتعقبه. قال ابن حجر في الفتح (٣٦٦/٢): وما قاله غير ظاهر لإمكان أن يجمع بين الأمرين بأن يبكر ولا يخرج من المكان المعد له في الجماع إلاّ إذا حضر الوقت، أو عمل على من ليس له مكان. (٢) سورة الحجرات: آية ١٣ . (٣) في ن ب زيادة (لو قبلت). (٤) زيادة من ن ب. (٥) سورة الحج: آية ٣٦. انظر: تفسير الماوردي (٢٦/٤). ١٦٣ قال الجمهور: [هي] (١) الإِبل. وقيل: الإِبل والبقر. وقيل: هما والغنم وهو شاذ، [ووقع](٢) في ((التحرير)) للنووي - رحمه الله - عن الأزهري أنه قال: البدنة: ((تكون من الإِبل [والبقر] (٣) والغنم))، وعزاه في ((تهذيبه)) (٤) إلى شرح / ((المختصر)) له، والذي فيه ما نصه ((والبدنة لا تكون إلاّ من الإِبل، وأما الهدي: فيكون من الإبل والبقر والغنم)»، انتهى. فسقط من قوله ((لا تكون» إلى قوله ((يكون)) إما لغلط في النسخة أو لانتقال نظره من أحد الموضعين إلى الآخر فتنبه لذلك، وقد وقع في هذا الوهم الحافظ محب الدين الطبري في ((أحكامه)) في كتاب الحج / والظاهر أنه تبع فيه النووي. وادعى بعض الشافعية: أن استعمال [البدنة](٥) في الإِبل أغلب وبنى على ذلك أنه [لو](٦) قال: لله عليّ أن أضحي ببدنة [و](٧) لم يقيد بالإِبل لفظاً ولا نية. والإِبل موجودة هل يتعين فيه وجهان (١) في الأصل (وهي). (٢) في الأصل بياض. (٣) في الأصل بياض. تهذيب الأسماء واللغات (٢١/١). (٤) في ن ب ساقطة. (٥) (٦) زيادة من ن ب. (٧) في ن ب (أو). ١٦٤ أحدهما نعم لما قلناه(١). والثاني: أنه يقوم مقامها بقرة أو سبع من الغنم حملاً على ما علم من الشرع من إقامتها مقامها، والأول أقرب، كما قال الشيخ تقي الدين(٢)، قال: فإن لم توجد الإِبل فوجهان: أحدهما: يصبر إلى أن توجد. والثاني: تقوم مقامها البقرة (٣). (١) انظر ما بعده. (٢) إحكام الأحكام (١٤٦/٣). (٣) قال ابن حجر في الفتح (٣٦٧/٢): قال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: البدنة لا تكون إلاّ من الإبل وصح ذلك عن عطاء، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه، وحكى النووي عنه أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم. وكأنه خطأ نشأ عن سقط، انظر تعديل السقط قبل هذا بأسطر من الشرح، وفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، انتهى. والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستدل به على أن البدنة تختص بالإبل لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، وقال إمام الحرمين: البدنة من الإِبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة وسبعاً من الغنم. وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما إذا قال: لله عليَّ بدنة، وفيه خلاف، الأصح تعين الإِبل إن وجدت، وإلاَّ فالبقرة أو سبع من الغنم، وقيل: تتعين الإِبل مطلقاً، وقيل يتخير مطلقاً. اهـ. وقال المطرزي في المغرب (٦٢/١): البدنة: في اللغة من الإِبل خاصةً، ويقع على الذكر والأنثى. قال أبو هلال العسكري - رحمنا الله وإياه ـ- في كتابه الفروق (ص ٢٥٠) الفرق: بين البدنة والهدي أن البدن ما تبدن من الإبل أي تسمن يقال : = ١٦٥ واعلم: أن ((البدنة)) تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق والهاء فيها للواحدة كقمحة وشعيرة من نحوهما من أفراد الجنس وفي (شرح البخاري لابن التين))، تعجب مالك ممن قال لا تكون البدنة من الإناث. : وجمع البدنة: بُدْنٌ بإسكان الدال وضمها لغتان حكاهما الجوهري(١)، بالإِسكان. جاء القرآن، وقرأ بالضم ابن [أبي)](٢). إسحاق . السادس: ((البقرة)» تطلق على الذكر والأنثى والهاء فيها للواحدة أيضاً. سميت بذلك: لأنها تبقر الأرض، أي تشقها بالحراثة . بدنت الناقة إذا سمنتها وبدن الرجل سمن ثم كثر ذلك حتى سميت الإبل بدناً مهزولة كانت أو سمينة فالبدنة اسم يختص به البعير إلاَّ أن البقرة لما صارت في الشريعة في حكم البدنة قامت مقامها وذلك أن النبي وَالذي قال: ((البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)) فصارت البقر في حكم البدن ولذلك كان يقلد البقرة كتقليد البدنة في حال وقوع الإِحرام بها لسايقها ولا يقلد غيرها. والهدي يكون من الإبل والبقر والغنم ولا تكون البدنة من الغنم والبدنة لا يقتضي أهداؤها إلى موضع والهدي يقتضي إهداؤه إلى موضع لقوله تعالى: ﴿هَذِّيًَّ بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾، فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي فمن قال عليّ بدنة جاز له نحرها بغير مكة وهو كقوله عليّ جزور ومن قال عليّ هدي لم يجز أن يذبحه إلاَّ بمكة ... إلخ. (١) مختار الصحاح (٢٦). (٢) في ن ب ساقطة . ١٦٦ والْبَقْرُ: الشق. ومنه قولهم: بقر بطنه أي شقه. ومنه سمي محمد الباقر: لأنه بقر العلم ودخل فيه مدخلاً بليغاً، ووصل منه غاية مرضية، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة، وفي الحديث(١) ((في ثلاثين باقورة بقرة))، وفي ذكر البقرة بعد البدنة دلالة لمن يقول إنَّ البدنة لا تكون إلاَّ من الإِبل، لكنا أسلفنا أن المراد هنا بالبدنة الإِبل. السابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((كبشاً أقرن)) وصفه بالأقرن لكماله به /. وحُسْن صورته، ولأنه ينتفع به، فهو أفضل من [١/١/٧٥] الأجم، وفي ((صحيح ابن خزيمة))(٢) ((شاة)) بدل ((الكبش الأقرن))، و ((طائر)) بدل ((الدجاجة)). الثامن: ((الدجاجة)) بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان. قال أبو المعاني في ((المنتهى)): والفتح أفصح. وحكى الليث عن ابن طلحة: الضم أيضاً (٣)، وهذا لفظه (١) قال ابن الأثير - رحمه الله - في النهاية (١٤٥/١): وفي كتاب الصدقة لأهل اليمن ((وفي ثلاثين باقورة بقرة))؛ الباقورة بلغة اليمن: البقر، هكذا قال الجوهري - رحمه الله -، فيكون قد جعل المميِّز جمعاً. (٢) ابن خزيمة (١٣٣/٣، ١٣٤). انظر: مسند أحمد (٤٥٧/٢) إسناده صحیح. (٣) قال ابن حجر في الفتح (٣٦٧/٢): وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح الحيوان؛ وبالكسر من الناس. اهـ. ١٦٧ يقال: دَجاجة ودِجاجة ودُجاجة باللغات الثلاث، وكذلك في الجمع الدجاج الدجاج الدجاج، ولم يذكر النووي في كتبه الضم فاستفده. سميت بذلك: لإِقبالها وإدبارها يقع [على] (١) الذكر والأنثى. وجمعها: دجاج، ودجاجات ذكره ابن سيده(٢). ودخلت الهاء في الدجاجة لأنه واحد من جنس مثل حمامة وبطة وحية ونحوها. التاسع: ((البيضة)) جمعها بيض ويجمع البيض على بيوض قاله ابن سيده . العاشر: فيه أن القربان والْهَذْيَ / والصدقةَ تقع على القليل والكثير من غير الإبل والبقر والغنم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهي أقرب إلى الرواية التي فيها لفظ كالمهدي بدنة. الحادي عشر: فيه أن الأضحية بالإِبل أفضل من البقر، لأنه - عليه الصلاة والسلام - جعل الإِبل / في الدرجة الأولى، والبقر في الثانية . وقد أجمع العلماء: على أن الإِبل أفضل من البقر في الهدايا. واختلفوا في الأضحية. فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور: أن الإِبل أفضل من البقر، ثم الغنم، كما في الهدايا. (١) في ن ب ساقطة. (٢) في المخصص (١٦٧/٨). ١٫٦٨ ومذهب مالك: أن أفضل الأضحية الغنم ثم البقر، ثم الإِبل. ومنهم من قدم الإِبل على البقر، قالوا: لأنه - عليه الصلاة والسلام - ضحى بكبشين، ولأن لحم الغنم أطيب، فكان أفضل، لكن حديث الباب يخالف هذا، وهو حجة الجمهور مع القياس على الهدايا، وتضحيته - عليه الصلاة والسلام - بكبشين لا يدل على الأفضلية، بل يفيد الجواز، وطيب اللحم من الغنم معارض بكثرته من الإِبل والبقر، ولعله - عليه الصلاة والسلام - لما ضحى [بهما لم يجد غيرهما في ذلك الوقت، كما ثبت في الصحيح (١) أنه - عليه الصلاة والسلام - ضحى] (٢) عن نسائه بالبقر وفرقوا بين الهدايا والضحايا بأن الغرض في الضحايا استطابة اللحم، وفي الهدي كثرته، وقد يمنع هذا الفرق واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَهُ (٣) . بِذِيج عَظِيمٍ لـ (١) البخاري الفتح (٥٥١/٣)، ومسلم (٨٧٦/٢)، وابن ماجه (٢٩٨١)، وأحمد (١٩٤/٦)، وابن خزيمة (٢٨٩/٤)، والمنتقى لابن الجارود (١٠٣/٢). ١ في ن ب ساقطة. (٢) (٣) سورة الصافات: آية ١٠٧ . اختلف الفقهاء في ذلك: فمذهب مالك: أفضل الضحايا فحول الضأن، أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا . أدلتهم: ﴿4﴾، وهو كبش لا جمل = أولاً: احتجوا بالآية ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ ١٦٩ ولا بقر. = ثانياً: أن فداء إسماعيل - عليه السلام - بهذا الكبش دليل على أفضليته إذ لو علم الله غيره أفضل منه لفداه به . ثالثاً: أن رسول الله وَ ل# ضحى بكبشين أملحين. رابعاً: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله وله : ((نزل جبريل في يوم عيد فقلت: يا جبريل، كيف ترى عيدنا؟ فقال: يا محمد، لقد تباهى به أهل السماء، وقال: اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من المسن من المعز والبقر والإِبل، ولو علم الله ذبحاً خيراً منه لفدى به إبراهيم ابنه»، قال ابن عبد البر: لا أعلم له إسناداً غير هذا، انفرد به الحنيني ولیس ممن يحتج به. خامساً: أن الکبش أول قربان تقبله الله، ثم فدی بمثله الذبيح وقد ردّ المخالفون على استدلالهم بالآية: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجَ عَظِيمٍ (9)﴾، فجائز أن يطلق عليه عظيم لما ذكر عن ابن عباس: أنه رعي في الجنة أربعين خريفاً، وأنه الذي قرَّبه ابن آدم فتقبل منه ورفع إلى الجنة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الجزور في الأضحية أفضل ما ضُحي به، ثم يتلوه البقر، ثم يتلوه الشاة. وحجتهم: حديث ((فكأنما قرب بدنة)) ... إلخ، إجماعهم على أن أفضل الهدايا الإِبل، فكان هذا الإجماع يقضي على ما اختلفوا فيه من الضحايا لأنها نسكان شريعة، وقربان، وقد قالوا. ما استسير من الهدي ((شاة» فدل ذلك نقصانه عن مرتبة ما هو أعلى منه. حديث أفضل الرقاب لما سئل فقال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها))، ومعلوم أن الإِبل أغلى وأنفس عند الناس. مذهب الشافعية: الإِبل، والبقر، الضأن، المعز. اهـ، من الاستذكار (١٤/٥). أما في الهدي فالتقرب بالإِبل أفضل من غيرها بالاتفاق، لأن المقصود في الهدي التوسعة على الفقراء وأما في الضحايا فهو التذكير بقصة الذبيح. ١٧٠ الثاني عشر: ظاهر هذا الحديث أو نصه يقتضي أن هذا التقريب المذكور لا يحصل إلاَّ لمن اغتسل ثم راح، لتصدير الشرط به وهو كلمة (من)) وعطف الرواح عليه بـ ((ثم)) المرتبة نعم من راح في الساعة / الأولى مثلاً من غير اغتسال كان له فضل على من راح [٧٥/أ/ب] بعده، ولكن لا يحصل له أجر التقريب المذكور المشروط بالاغتسال. الثالث عشر: في رواية لمسلم ((أهدى دجاجة وأهدى بيضة)) وليس هذان مما يطلق عليهما اسم هدي، واعتذر عن ذلك بأنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا لزمه حكمه في اللفظ كقوله: ((متقلداً سيفاً ورمحاً)) أي وحاملاً رمحاً، وكذلك هنا لأنه كالمتقرب بالصدقة بدجاجة وبيضة، وأطلق على ذلك اسم الهدي لتقدمه و تحسین الكلام به . وأما رواية: ((قرب)) فاعتذر عنها أيضاً بأنه ضرب من التمثيل للأجور ومقاديرها لا أنه يكون أجر هذا كأجر هذا وتكون الدجاجة في التمثيل والبيضة بقدر إحداهما من أجر البدنة لو كان هذا مما یهدی . قال ابن بطال: وبعض العلماء يقول ليست الغنم بهدي، والأکثرون على خلافه. قال القاضي عياض: وفائدة الخلاف فيمن قال: عليّ هدي / هل تجزئه شاة أم لا؟ وأجاز ذلك مرة مالك، ومرة لم يجزها إلاَّ لمن ١٧١ قصر النفقة(١). الرابع عشر: ادعى بعض المعلقين أنه قد يتمسك بهذا الحديث لمذهب الإِمام [أحمد](٢) في فعلها قبل الزوال لقوله بعد الخامسة ((فإذا خرج الإِمام)) ((والفاء)» للتعقيب وهو عجيب، فهو ذهول عن رواية النسائي السالفة التي فيها ست ساعات، ثم هذا إنما يمشي إذا اعْتُبِر الساعات الزمانية، وقد تقدم الخلاف فيه . الخامس عشر: ((حضر)) - بفتح - الضاد / أفصح من كسرها وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾(٣). (١) قال ابن حجر في الفتح (٣٦٧/٢)، واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة بقوله في رواية الزهري ((كالذي يهدي)) لأن الهدي لا يكون منهما، وأجاب القاضي عياض تبعاً لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ فيكون من الإتباع كقوله: ((متقلداً سيفاً ورمحاً)) وتعقبه ابن المنير في الحاشية بأن شرط الأتباع أن لا يصرح باللفظ في الثاني بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينة. وقال ابن دقيق العيد: قوله: (قرب بيضة))، وفي الرواية الأخرى: ((كالذي يهدي)» يدل على أن المراد بالتقريب الهدي. وينشأ منه أن الهدى يطلق على مثل هذا حتى لو التزم هدياً هل يكفيه ذلك أو لا، انتهى، والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية والحنابلة، وهذا ينبني على أن النذر هل يسلك به جائز الشرع أو واجبه؟ فعلى الأول يكفي أقل ما يتقرب به، وعلى الثاني يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس، ويقوي الصحيح أيضاً أن المراد بالهدي هنا التصدق كما دل عليه لفظ التقرب، والله أعلم. (٢) في ن ب ساقطة. (٣) سورة النساء: آية ٨. ١٧٢ وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر))، ومقتضاه خروج الإِمام بعد الساعة الخامسة، وتطوي الملائكة الصحف لاستماع الذكر، وخروج الإِمام إنما يكون بعد الساعة السادسة [ويبين](١) ذلك رواية النسائي السالفة، وهذا إنما يأتي إذا قلنا إن المراد بالساعات الزمانية التي يومها اثني عشر ساعة، وهو الصحيح كما سلف، فأما إذا جعلنا المراد بها اللحظات بعد الزوال، أو جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل [السابقين](٢) فلا إشكال(٣). السادس عشر: المراد بهؤلاء الملائكة غير الحفظة ووظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، واستماعهم [للذكر] (٤) الذي هو الوعظ والتذكير تشريفاً له ولسامعه / وتعظيماً لقدر الجمعة، وشهادة لهم [١/١/٧٦] بذلك جمیعه . السابع عشر: جاء في رواية لمسلم: ((فإذا جلس الإِمام طووا الصحف))، ولا تعارض بينها وبين رواية الكتاب، بل ظاهرها أنه [بخروج](٥) الإِمام يحضرون فلا يطوون الصحف، فإذا جلس (١) في ن ب (وبين). (٢) في ن ب (السالفين). (٣) انظر: الفتح (٣٦٨/٢). (٤) في ن ب (الذكر). (٥) في ن ب (يخرج). ١٧٣ طووها. قاله النووي في ((شرحه))(١) لكن روى ابن أبي شيبة(٢) من حديث علي بن زيد عن أوس بن [خلف](٣) عن عبد الله بن عمر مرفوعاً ((إن الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم جاء فلان من ساعة كذا وكذا، جاء فلان من ساعة كذا، جاء فلان والإِمام يخطب، جاء فلان ولم يدرك الخطبة)) وهذا يدل على أن كتبهم لا ينقطع بجلوس الإِمام على المنبر، وقال ابن بزيزة: [طي] (٤) الصحف عبارة على أنهم لا يكتبون، فهل هو تنبيه على فضيلة البكور بحيث إنه إن لم يبكر لا يكتب له مثل ما يكتب للمبكر [أو نفي للكتب](٥) مطلقاً في حق غير المبكر، وهو ظاهر اللفظ . فائدة: روى ابن خزيمة(٦) من حديث عبد الله بن عمرو: ((فإذا خرج الإِمام رفعت الأقلام، فتقول الملائكة بعضهم لبعض، ما حبس فلاناً، فتقول الملائكة: اللهم إن كان ضالاً فاهده، وإن كان مريضاً فاشفه / ، وإن كان عائلاً فَأَغْنِهِ». الثامن عشر: في الحديث أن حضور هؤلاء الملائكة لازم (١) انظر: شرح مسلم (١٤٦/٦). (٢) ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٢). (٣) في ن ب د (خالد). (٤) في ن ب (على). (٥) في ن ب (الكتب). (٦) ابن خزيمة (١٣٤/٣)، وسكت عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٦١/٢)، وقال الألباني: إسناده ضعيف. ١٧٤ بخروج الإِمام للخطبة المشتملة على ذكر الله - تعالى - والوعظ والتذكير، واستماع ذلك، كما سلف [لا](١) لاستماع ما أحدث فيها من البدع وغيرها، فإن ذلك تكتبه الحفظة على فاعله والراضي به بلسانه وأما الراضي به بقلبه فإن الله - تعالى - مطلع عليه دون الحفظة من الملائكة . (١) في ن ب ساقطة. ١٧٥ الحديث السابع ٢٧/٧/١٤١ _ عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - وكان من أصحاب الشجرة، قال: ((كنا نصلي مع النبي ◌َّار الجمعة، ثم ننصرف ولیس للحیطان ظلِ یستظل به)). وفي لفظ: ((كنا [نجمّع](١) / مع النبي ◌َّ إذا زالت الشمس، ثم نرجع فتتتبع الفيء))(٢). الكلام عليه من وجوه : الأول: في التعريف براويه، وهو نسبة إلى جده، وهو سلمة ابن عمرو بن الأكوع. واسم الأكوع: سنان. (١) في ن ب (نجنمع). (٢) البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) في الجمعة، باب: صلاة الجمعة حين تزول الشمس، ورواه أيضاً أبو داود برقم (١٠٨٥) في الصلاة، باب: في وقت الجمعة النسائي (٣/ ١٠٠) في الجمعة، باب: وقت الجمعة، وابن ماجه (١١٠٠) في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في وقت الجمعة، والدارمي (٣٦٣/١) في الصلاة، باب: في وقت الجمعة. ١٧٦ وكنية سلمة: إياس بابنه إياس وهو الأكثر. وقيل: أبو مسلم، ورجحه جماعة. وقيل : غير ذلك. وسلمة: مدني حجازي أحد من بايع تحت الشجرة بايعه [ثلاثاً](١) وبايعه يومئذ على الموت، وغزا عدة غزوات [قال: غزوت معه سبعاً ولي البعث سبعاً. ويقال: إنه شهد غزوة مؤتة](٢). واستوطن الربذة بعد قتل عثمان. مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وعمَّر طويلاً عاش ثمانين سنة . وكان شجاعاً، رامياً، حبراً، فاضلاً، يسبق الفرس سداً، وكلمه / الذئب في القصة المشهورة، وقد كلَّم الذئب رافع بن عميرة [١/٧٦/ب] الصحابي(٣) أيضاً. وقال ابنه إياس: ما كذب أبي قط. وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((خير رجالتنا سلمة ابن الأكوع))، وكان يُصَفِّرُ لحيته ورأسه. وكان يرتجز بين يدي رسول الله وَ الر في أسفاره، روى عنه (١) زيادة من ن ب د. (٢) في ن ب مكررة. قال السفاريني - رحمنا الله وإياه ـ في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (٧٣٥/٢): قال المهلب: أراد * أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وغنائه في الإِسلام، وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة. اهـ. (٣) انظر: الإصابة (١٨٨/٢). ١٧٧ ابنه إياس ومولاه يزيد بن أبي عبيد وهو آخر من حدث عنه وغيرهما، له أحاديث جملتها سبعة وسبعون اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد [البخاري](١) بخمسة، [ومسلم](٢) بتسعة. الثاني: في ألفاظه . الأول: ((الظل)) أصله الستر، ومنه أنا في ظل فلان، وظل الجنة وظل شجرها، وظلُّ الليل سواده لأنه يستر كل شيء. ((والفيء)) لا يكون إلاّ بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال: (فيء)) وإنما يسمى بعد الزوال فيئاً، لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب، أي رجع. والفيء: الرجوع، قاله كلَّه ابنُ قتيبة(٣) في أول ((أدب الكاتب)). وقال: يذهبون يعني العوام أن الظل والفيء بمعنی، ولیس. كذلك بل الظل يكون غدوة وعشية، ومِنْ [أول](٤) النهار وآخره، وما ذكره هو الصواب. وفيه أقوال أخر ذكرتها / [الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات](٥) فراجعها منه إن شئت. (١) في ن ب د (رموز خ م). (٢) في ن ب د (رموز خ م). (٣) أدب الكاتب (٢٤). (٤) في ن ب (أهل) .. (٥) في المخطوطة (في الإشارات لغات المنهاج)، وما أثبت العنوان الصحيح. ١٧٨ الثاني: قوله ((وليس للحيطان ظل نستظل به)) ليس نفياً لأصل الظل، بل نَفَى ظلاً يستظلون به مع أن جدرانهم كانت قصيرة، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، مع أن أهل الحساب قالوا إن عرض المدينة خمسة وعشرون درجة فإذاً غاية الارتفاع [بسبعة](١) وثمانون، فلا تسامت الشمس الرؤوس، وإذا لم تسامت الرؤوس لم يكن ظل القائم تحته حقيقة، بل لا بد من ظل فامتنع أن يكون المراد نفي أصل الظل، فيكون المراد ظلّ يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتها ولو طالت القراءة فيما قبل الزوال. الثالث: قوله ((نجمّع)) - بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة - أي نُقيم الجمعة. الرابع: قوله ((نتتبع الفيء)) إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حیطانهم، لكنه كان فيء يسير . الوجه الثالث: في أحكامه: / فيه دلالة على أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز إلاَّ بعد الزوال، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وجماعة العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلاَّ أحمد وإسحاق فقالا : بجوازها قبل الزوال. قال الخرقي: في السادسة (٢) تمسكاً بهذا الحديث / من حيث [١/١/٧٧] (١) في ن ب (سبعة)، و ن د (تسعة). (٢) أي وقت صلاة الجمعة في الساعة السادسة. ١٧٩ إنه يقع بعد الزوال الخطبتان والصلاة مع ما ثبت أنه ◌َ كان يقرأ فيها بالجمعة والمنافقون وذلك يتقضي زماناً يمتد فيه الظل بحيث كانوا ينصرفون منها وليس للحيطان ((فيء)) يستظلون به ربما اقتضى ذلك أن تكون واقعة قبل الزوال وخطبتاها أو بعضها، لكن الرواية الثانية تبين منه وقوع جميعه بعد الزوال، ولا يلزم من قراءته الجمعة و [المنافقون] (١) الدوام، وما [تمسكنا] (٢) به من الرواية الأولى فهو وهم لما بيناه. قال القاضي عياض: وروي في هذا [شيء](٣) عن الصحابة لا يصح شيء منها إلاّ ما عليه الجمهور، وحملوا الحديث على المبالغة في تعجيلها، وكذا حديث سهل في الصحيحين(٤) ((ما كنا نقيل ولا تتغدى إلَّ بعد الجمعة))، وإنهم كانوا يؤخرون الغداء. والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها . (١) في ن ب (المنافقين). (٢) في ن ب د (تمسكاً). (٣) في ن ب (أشياء). (٤) البخاري (٩٣٨، ٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩، ٦٢٧٩)، ومسلم (٨٥٩)، وأبو داود (١٠٨٦)، والترمذي (٥٢٥)، وأحمد (٤٣٣/٣، ٣٣٦/٥)، وابن ماجه (١٠٩٩)، والبيهقي (٢٤١/٣)، وابن خزيمة (١٨٧٥، ١٨٧٦). ١٨٠