النص المفهرس

صفحات 121-140

الثامن عشر: فيه أيضاً أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل
الصلاة كما سلف، لأن النزول [عن](١) المنبر [والصعود](٢) تكرر
فجملته كثيرة وأفراده متفرقة كل واحد منها [قليل](٣).
التاسع عشر: فيه أيضاً جواز صلاة الإِمام على موضع أعلى من
وضع المأمومين لقصد التعليم بِلاً كراهة، بل هو مستحب. وكذلك
حكم ارتفاع / المأموم على الإِمام لا لقصد إعلام المأمومين بصلاة
الإِمام، وإن لم يقصد شيئاً من ذلك فهو مكروه، وزاد [أصحاب
مالك إِنْ قصد بذلك [التكبر] (٤) تبطل صلاته، وأجازوا الارتفاع
اليسير كعظم](٥) الذراع ونحوه.
[و](٦) قال الشيخ تقي الدين(٧): من أراد أن يجيز الارتفاع من
غير قصد التعليم فاللفظ لا يتناوله، والقياس لا يستقيم لانفراد
الأصل بوصف معتبر [تقتضى](٨) المناسبة اعتباره.
وقال القرطبي(٩): استدل أحمد بهذا الحديث على الجواز،
(١) المعلم بفوائد مسلم (٤١٤/١) مع اختلاف يسير في النقل.
(٢) في ن ب (على).
(٣) في ن ب (والصعد تركه).
(٤)
في ن ب ساقطة .
(٥) في الأصل وفي ن د (التكبير)، ولعل ما أثبت الصواب.
في ن ب ساقطة.
(٦)
في ن ب ساقطة.
(٧)
(٨) إحكام الأحكام (١٠٩/٣).
(٩) في ن ب ساقطة.
١٢١

ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير / ، وعلل المنع
بخوف الْكِبْرِ على الإِمام، واعتذر بعض أصحابه عن الحديث بعصمته
عن الكِبْرِ ومنهم من علله بأن ارتفاعه كان يسيراً.
قلت: والأشبه ما علل [به](١) في الحديث أنه إنما فعله لتعليم
الصلاة .
العشرون: فيه أيضاً أنه ينبغي للكبير أو الإِمام أو العالم إذا فعل
شيئاً يخالف المعتاد أن يبين حكمه لأصحابه / ليزيل الريبة منهم
ولأنه أبلغ في فهمه .
:
الحادي والعشرون: فيه أيضاً استحباب قصد تعليم المأمومين
أفعال الصلاة، فإن ذلك لا يقتضي القدح والتشريك في العبادة، بل
هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم إقامة الصلاة
أو الجماعة لقصد التعليم.
(١) تفسير القرطبي (٨٥/١١). والعبارة في الأصل (اليسير دون الكثير)، وما
أثبت من القرطبي.
١٢٢

الحديث الثاني
٢٧/٢/١٣٦ - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) (١).
الكلام علیه من وجوه:
وهو حديث عظيم رواه عن النبي ◌ّلل غير ابن عمر أربعة
وعشرون صحابيًّا(٢) كما أفاده ابن منده في مستخرجه، وأوضح طرقه
في أوراق.
(١) البخاري (٨٧٧، ٨٩٤، ٩١٩)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)،
وابن ماجه (١٠٨٨)، والنسائي في الجمعة (٩٣/٣)، ومالك في الموطأ
(١٠١/١)، والطيالسي (٦٨٣)، والحميدي (٦٠٨، ٦٠٩، ٦١٠)،
وعبد الرزاق (٥٢٩٠)، والبيهقي (١٨٨/٣)، وأبو يعلى (٥٤٨٠،
٥٥٢٩، ٥٧٩٣)، وابن حبان (١٢١١، ١٢١٢، ١٢١٣، ١٢١٤)،
وأحمد في المسند (٣/٢، ٩، ٤١، ٤٢، ٤٨، ٥٥، ٧٥، ٧٧، ٧٨،
١٠١، ١٠٥)، وابن خزيمة (١٧٥٠، ١٧٥١)، والدارمي (٣٦١/١)،
وابن الجارود (٢٨٣).
في متن عمدة الأحكام الأول. وترتيبه هنا يوافق أحكام الأحكام.
(٢) انظر: مسند أبي يعلى من رواية أبي سعيد الخدري (٩٧٨، ١١٠٠،
١١٢٧)، وحديث أنس (٤٠٨٦)، وحديث أبي هريرة في مسلم (٨٥٧)،
وفي صحيح ابن حبان (١٢٢١).
١٢٣

الأول: المراد بالمجيء: إرادته، بدليل رواية مسلم(١) ((إذا
أراد أحدكم أن يأتي الجمعة)). وفي معنى: إرادة المجيء: قصد
الشروع فيه .
الثاني: ((الفاء)) في قوله - عليه السلام -: ((فليغتسل))
للتعقيب واشترط مالك (٢) اتصال الغسل بالرواح لتعلقه بالأمر
بالمجيء إلى الجمعة، لكنه قد بين أن المراد إرادته أو قصده.
وأَبْعَدَ داود الظاهري إيْعَاداً مجزوماً ببطلانه حيث جعل الغسل
متعلقاً باليوم فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة
حصلت مشروعية الغسل، مستدلاً بقوله - عليه الصلاة والسلام -
[١/١/٦٩] في الصحيح (٣) (لو اغتسلتم ليومكم))، وقوله ((غسل / يوم
الجمعة(٤) [وقوله («لو اغتسلتم يوم الجمعة(٥)](٦)))، فعلقه وأضافه
(١) مسلم (٨٤٤)، ويقوى ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ((من
اغتسل يوم الجمعة ثم راح)» فهو صريح في تأخير الرواح عن الغسل،
وعرف بهذا إفساد قول من حمله على ظاهره واحتج به على أن الغسل
لليوم لا للصلاة. لأن الحديث واحد ومخرجه واحد. اهـ. انظر: فتح
الباري (٣٥٧/٢).
(٢) انظر: الاستذكار (٣٦/٥).
(٣) مسلم (٨٤٧)، سيأتي تخريجه.
(٤) البخاري (٨٧٩)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي
(٩٣/٣)، والدارمي (٣٦١/١)، والموطأ (١٠٢/١).
(٥) البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢)، وأحمد (٦٢/٦)،
والبيهقي (١٨٩/٣)، وابن خزيمة (١٧٥٣)، وعبد الرزاق (٥٣/٥).
(٦) من ن ب ساقطة .
١٢٤

إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر [الثاني](١) إلى الغروب، فدل على أنه
مشروع لليوم، لا لتعيين المجيء، لكنه قد بين المقصود من الغُسِل،
وبيان سبب شرعيته في الأحاديث الصحيحة(٢): وهو إزالة الروائح
الكريهة والوسخ، لعدم إيذاء الناس والملائكة، ولذلك أبعد من قدم
جوازه على يوم الجمعة بحيث لا يحصل المقصود من إزالة ما ذكر.
والمعنى: إذا كان معلوماً [في](٣) الشرع بالقطع كالنص
أو بالظن الراجح المقارب للنص فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من
اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل / المعنى معقولاً وتفاصيله تحتمل
التعبد فلا شك أنه محل [النظر] (٤) ومما يُبطل مذهب الظاهري
[أن](٥) الأحاديث التي علق فيها الأمر بالإتيان أو المجيء قد دلت
على توجه الأمر إلى هذه الأحاديث، وهي طلب النظافة، والأحاديث
التي تدل على تعليقه باليوم لا تتناول تعليقه بها، فهو إذا تمسك بتلك
أبطل دلالة هذه الأحاديث التي تدل على تعليق الأمر بهذه الحالة،
وليس له ذلك ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة لم يبطل ما استدل
[به]، وعَمِلْنا بمجموع الأحاديث.
(١) زيادة من ن ب.
(٢) كما في مسلم من حديث عائشة: ((كان الناس يتتابون الجمعة من منازلهم
من العوالي، فيأتون في العباءة، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح ...
إلخ.
(٣)
في ن د (من).
(٤) في ن ب (النظر).
(٥) زيادة من ن ب د.
١٢٥

الثالث: اللام في قوله ((فليغتسل)) للأمر، لكن الجمهور من
السلف والخلف / على أنها للندب.
قال ابن عبد البر في ((تمهيده))(١): ولا أعلم خلافاً بين
العلماء .
قال القاضي عياض: وهو المشهور من مذهب مالك
وأصحابه، وإن كان ظاهر الأمر للوجوب، وقد ثبت التصريح
به في قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((غسل الجمعة
واجب على كل محتلم)»(٢) وهو الذي حمل طائفة من السلف
[و] (٣) بعض الصحابة وبعض التابعين ومالك في رواية عنه وأهل
الظاهر(٤) إلى القول بوجوبه عملاً بظواهر الأمر، والأحاديث
المروية فيه .
واحتج الجمهور الذين قالوا بالندب بأحاديث صحيحة: منها
(١) التمهيد (١٤٤/١٤).
(٢) البخاري في أطرافه (٨٥٨)، ومسلم في الجمعة (٨٤٦)، وأبو داود
(٣٤٤)، والنسائي (٩٢/٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٤/١)، وأحمد
(٦٥/٣، ٦٦، ٦٩)، وأبو يعلى (٩٧٨)، وابن حبان (١٢٢٠)، وابن
خزيمة (١٧٤٣، ١٧٤٤). وجاء أيضاً من رواية أبي هريرة ولفظه:
(غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كغسل الجنابة)) .. الموطأ
(١٠١/١).
(٣) في ن ب ساقطة
(٤). انظر: الاستذكار (١٨/٥).
١٢٦

ما رواه مسلم في صحيحه(١) أن رجلاً دخل وعمر يخطب وهو
عثمان بن عفان وقد ترك الغسل وأقره عمر والصحابة على ذلك وهم
أهل الحل والعقد مع أن ترك عثمان حجة في عدم الوجوب بمجرده،
فلو كان واجباً لألزموه به، ولما تركه.
ومنها حديث(٢) ((من توضأ [فبها](٣) ونعمت ومن اغتسل
فالغسل أفضل)). قال الشيخ تقي الدين(٤): ولا يقاوم سنده سند
هذه الأحاديث وإن [كان](٥) المشهور من سنده صحيحاً على مذهب
(١) من رواية عبد الله بن عمر عند البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥)،
والترمذي (٤٩٤)، ومالك (١٠١/١)، والبيهقي في السنن (٢٩٤/١)،
ومعاني الآثار (١١٨/١)، ومن رواية ابن عباس ابن أبي شيبة (٩٤/٢)،
ومعاني الآثار (١١٧/١)
(٢) قال ابن عبد البر - رحمنا الله وإياه - في الاستذكار (١٩/٥): قال
أبو عيسى الترمذي: قلت للبخاري: قولهم إن الحسن لم يسمع من سمرة
إلاَّ حديث العقيقة، قال: قد سمع منه أحاديث كثيرة، وجعل روايته عن
سمرة سماعاً وصححها، وأيضاً جزم بسماع الحسن من سمرة ابن القيم
في أعلام الموقعين (١٤٤/٢).
قوله: ((فيها)) قال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ، وقوله ((ونعمت)) الفعلة،
أو نحو ذلك، وإنما ظهرت التاء هي علامة التأنيث لإظهار السنة
أو الفعلة، وفيه البيان الواضح أن الوضوء كان للجمعة وأن الغسل لها
فضيلة لا فريضة .
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) إحكام الأحكام (١١٥/٣).
(٥) في ن ب ساقطة.
١٢٧

بعض أصحاب الحديث، أي وهو من احتج برواية الحسن عن
[١/٦٩/ ب] سمرة / (١) فإنه من طريقه.
وقال النووي في ((شرح مسلم»(٢): إنه حديث صحيح مشهور.
وفيه دليلان: الندب، وعدم الوجوب.
(١) من رواية سمرة عند أحمد (١١/٥)، والطيالسي (١٤٢/١)، والترمذي
(٤٩٧)، وأبو داود (٣٥٤)، باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم
الجمعة، والنسائي (٩٤/٣)، والدارمي (٣٦٢/١)، وصححه ابن
خزيمة (١٢٨/٣)، وحسنه النووي في شرح مسلم (١٣٣/٦)، وقد
ورد عن أنس عند الطحاوي في معاني الآثار (١١٩/١)، وابن ماجه
(٣٤٧/١). قال في مصباح الزجاجة (١٣١/١): إسناده ضعيف. اهـ،
والطيالسي (١٤٣/١)، وأبو يعلى (٤٠٨٦)، وعن أبي سعيد في
الاستذكار (١٨/٥)، والتمهيد (٢١٣/١٦)، وفي كنز العمال
(٢١٢٦٧/٧)، ونسبه لابن جرير وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٧٥/٢)، ونسبه للبزار، وقال: وفيه أسيد بن زيد وهو كذاب وذكر
الهيثمي رواية عن جابر بن عبد الله ونسبها للبزار وقال: وفيه قيس بن
الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه جماعة. ورواية عبد الرحمن بن سمرة
(١٧٥/٢).
قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٣٦٢/٢): ولهذا الحديث
طرق أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب السنن
الثلاثة وابن خزيمة وابن حبان وله علتان: إحداهما أنه من عنعنة الحسن،
والأخرى أنه مختلف عليه ثم ساق من أخرجه من رواية الصحابة إلى أن
قال: و کلها ضعيفة. اهـ.
(٢) شرح مسلم (٣٣/٥)، ولم يقل صحيح، بل الموجود في المطبوع
(حسن) .
١٢٨

ومنها: قوله - عليه الصلاة والسلام - [في صحيح مسلم(١)](٢)
(لو اغتسلتم يوم الجمعة)) وهذا اللفظ يقتضى أنه ليس بواجب، لأن
التقدير لو اغتسلتم لكان [أفضل](٣) وأكمل، وتأولوا: صيغة الأمر
على الندب. وصيغة الوجوب على التأكيد، وضعف هذا التأويل،
لكن المراد بالمحتلم البالغ كما أَنَّ المراد بالحائض في قوله - عليه
الصلاة والسلام -: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلاَّ بخمار)) (٤) من
بلغت سن الحيض [لا](٥) وجوده.
والوجوب شرعاً: المنع من الترك، وحمله / على الندب
أو التأكيد خلاف الظاهر إذا لم يعارضه دليل آخر فحينئذ يكون الجمع
بين الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالها أولى من إلغائها،
خصوصاً إذا أمكن الجمع [بوجه سائغ](٦) .
قال الخطابي(٧): ولم تختلف الأمة أن صلاة من لم يغتسل
للجمعة جائزة .
(١) تقدم تخريجه في التعليق ت (٥) ص (١٢٤).
(٢) زيادة من ن ب.
(٣) زيادة من ن ب.
(٤) أبو داود (٦٤١)، في الصلاة، باب: المرأة تصلي بغير خمار، والترمذي (٣٧٧)
في الصلاة، باب: ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلاَّ بخمار، وابن ماجه (٦٥٥)،
والحاكم (٢٥١/١)، وصححه على شرط مسلم، وأحمد (١٥٠/٦، ٢١٨،
٢٥٩)، وابن خزيمة (٣٨٠/١)، والمنتقى لابن الجارود (١٦٧/١).
(٥) في ن ب ساقطة.
(٦) في ن ب ساقطة.
(٧) في معالم السنن (٢١٢/١).
١٢٩

وأَوَّلَ القدوزي الحنفي: الوجوب هنا على السقوط، كما نقله
عنه ابن دحية في مصنفه في غسل الجمعة قال عنه: فيحتمل أن يسقط
سقوط الفرائض، ويحتمل أن يسقط سقوط السنن، وأخذ ذلك من
طريق اللغة، فإن ((الوجوب)) فيها بمعنى السقوط، و ((على))، في
الحديث بمعنى ((عن)). وفي هذا التأويل بعد.
[ثم رأيت بعد ذلك [نصًّا](١) للشافعي - رحمه الله -
بالوجوب وأنه شرط للصحة فقال في كتاب ((الرسالة))(٢)
و[هي](٣) من رواية الربيع، لما ذكر حديث ابن عمر هذا،
وحديث غسْل يوم الجمعة واجب [على كل محتلم، فكان
قول رسول الله (93 في غسل يوم الجمعة واجب] (٤)، وأمره
بالغسل. يحتمل معنيين: الظاهر منهما / أنه واجب، فلا تجزئء.
الطهارة لصلاة الجمعة إلاَّ بالغُسْل، كما لا يجزىء في طهارة
الجنب غير الغسل، ويحتمل أنه واجب في الاختيار [وكرم](٥)
الأخلاق والنظافة. ثم استدل لهذا الاحتمال بقصة عثمان
السالفة، هذا لفظه، ذكره قبيل: باب النهي عن معنى دل عليه
(١) في ن ب (أيضاً).
(٢) الرسالة للشافعي (٣٠٢). انظر زيادة في البحث: تعليق أحمد شاكر على
الترمذي (٣٧١/٢)، والمحلى (١٩/٢)، وتأويل مختلف الحديث لابن
قتيبة (٢٥١)، والاستذكار لابن عبد البر (١٨/٥) والتمهيد (٢١٤/١٦).
(٣) في ن ب د (هو).
(٤) زيادة من ن ب د، وما أثبت موافق لما في الرسالة (٣٠٢).
(٥) في ن ب (غير موجودة في الرسالة).
١٣٠

معنى [في](١) حديث غيره، وهو نصف الكتاب. وهو نص غريب
عزيز الوجود، وفي ((شرح غنية ابن سريج)) لأحد تلامذة القفال لم
يتحرر لي مصنفه: حكاية قولين فيه وأن القديم هو الوجوب(٢).
ذكره قبل التيمم](٣).
٥
(١) في الرسالة (في).
(٢) قال ابن قاسم في الحاشية (٢/ ٤٧٠): على قوله ((ويسن أن يغتسل)) لها
في يومها ... وهو كالإجماع عن الصحابة، وحكى الترمذي وغيره إلى
أنه ليس بواجب عند الصحابة ومن بعدهم، وعن أحمد وغيره أنه واجب،
وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح. وقال ابن عبد البر: أجمع علماء
المسلمين قديماً وحديثاً على أن غسل الجمعة ليس بفرض، بقوله ومثل:
((من اغتسل فالغسل أفضل)) وليس بشرط إجماعاً. ومن قال بوجوبه فتصح
بدونه، وقوله ێ﴾ (واجب» محمول على تأكید الاستحباب كما يقال حقك
على واجب، جمعاً بين الأدلة، ويرشحه قرنه بالطيب والسواك. وهما غير
واجبين إجماعاً. وقال ابن القيم في زاد المعاد: حيث حكى الخلاف في
وجوبه على أقوال ثلاثة. وقرر أن وجوبه أقوى وآكد من وجوب الوتر
ونحوه. انظر: فتح الباري (٣٥٧/٢) حيث توسع في ذكر المسألة وعرض
الأدلة، والاستذكار (١٦/٥، ٤٠)، والتمهيد (١٤٤/١٤، ١٤٧).
(٣) ساقطة من الأصل، ومثبتة من ن ب د.
١٣١

الحديث الثالث
٢٧/٣/١٣٧ - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
قال: جاء رجل والنبي ◌َل﴿ يَخْطَبُ الناسَ يومَ الجمعة، فقال:
((صلیت یا فلان))، قال: لا، قال: ((قم فاركع ركعتين)).
وفي رواية ((فصلِّ ركعتين))(١).
الكلام عليه من وجوه:
الأول: هذا الرجل هو سُليك الغطفاني بضم السين المهملة
كما جاء في صحيح مسلم. وقيل: النعمان بن [قوقل(٢)] بقافين.
والأول: هو المشهور.
والثاني: ((فلان)) وكذا ((فُلَانةٌ)) من الأسماء التي لا تُثَنَّى ولا
(١) البخاري (٩٣٠، ٩٣١، ١١٦٦)، ومسلم في الجمعة (٨٧٥)، والترمذي
(٥١٠)، وأبو داود في الصلاة (١١١٥، ١١١٦، ١١١٧)، وأحمد
(٣٦٣/٣، ٣٦٩)، والحميدي (١٢٢٣)، والبيهقي الكبرى (١٩٤/٣).
(٢) قال ابن حجر - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٤٠٧/٢): وشذ منصور بن
أبي الأسود عن الأعمش في هذا الإِسناد فقال: ((جاء النعمان بن نوفل))،
وقد صحح أنه ((سليك)) أيضاً، ضبط اسمه النعمان بن نوفل.
١٣٢

تجمع لأنها لم تستعمل نكرةً، إذ هي كناية عن الأعلام والاسم
لا یثنی ولا یجمع حتی یُنگر.
الثالث: ((الكناية)) عن الرجل المذكور ((بفلان)» يحتمل أن يكون
من قوله - عليه الصلاة والسلام -، ويحتمل أن يكون من قول جابر
وليبحث عن [الحكمة](١) في ذلك.
الرابع: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((صليت)) أي تحية
المسجد، ويحتمل سُنَّةَ الجمعة أيضاً، ويؤيده رواية ابن ماجه(٢):
((أصليت قبل أن تجيء)).
الخامس: في قوله: ((صليت)) جواز إسقاط [همزة](٣)
الاستفهام من / الفعل المستفهم عنه، إذ الأصل ((أصليت)»، وقد
حمل عليه قوله تعالى: ﴿ََّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةِ / فِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَين [١/١/٧٠]
نَّفْسِكَ﴾(٤))) قال بعضهم: التقدير فمن نفسك وهو كثير، وسببه كثرة
الاستعمال حتى قيل: إن الاستفهام أكثر من الخبر، وقالوا: إن
الاستفهام دهليز العلم.
السادس: قوله - عليه السلام - ((قم فاركع ركعتين)) ظاهر في
جواز تحية المسجد للداخل والإِمام يخطب وهو مذهب الشافعي
(١) في ن ب (الحكم).
(٢) ابن ماجه في الإقامة (١١١٤)، وذكره ابن حجر في الفتح (٤١٠/٢)
وسکت عنه.
(٣) في ن ب (الهمزة)، قال ابن حجر في الفتح (٤٠٨/٢): ثبت سقوط
الهمزة في رواية الأصيلي.
(٤) سورة النساء: آية ٧٩.
١٣٣

وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث، وقال به. [الحسن](١) البصري
وغيره من المتقدمين، وغير هذا الحديث أصرح في الدلالة منه
[وهو] (٢) قوله - عليه الصلاة والسلام -: بعد أمره لسليك بركعتين
والتجوز فيهما ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب فليركع
رکعتین ولیتجوز فيهما)) رواه مسلم(٣).
[و](٤) قال مالك والليث، وأبو حنيفة، والثوري. وجماعة
كثيرة من الصحابة والتابعين، وهو مروي عن عمر. وعثمان، وعليٍّ
لا يصليهما لوجوب الاشتغال بالإنصات للخطبة بقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((إذا قلت لصاحبك والإِمام يخطب أَنْصِتْ فقد لغوت(٥)).
قالوا: فإذا منع من الكلمة وهي أنصت مع كونها أمراً بمعروف
ونهياً عن منكر في زمن يسير فَلَّنْ يمْنَعَ من الركعتين مع كونهما.
مسنونتين / في زمن طويل من باب أولى.
وقد يفرق بينهما: بأن هذه الكلمة قد تؤدي إلى الخصام،
ورفع الصوت. بخلاف الركعتين(٦).
(١) في ن ب (حسن).
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) مسلم (٨٧٥)، وانظر التعليق (٢)، ومسند أبي يعلى (٢٢٧٦، ١٩٤٦).
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١)، والنسائي (١٠٤/٣)، وأبو داود
(١١١٢)، والدارمي (٣٦٤/١)، وابن ماجه (١١١٠)، وابن خزيمة
(١٨٠٥)، والترمذي (٥١٢)، وأحمد (٢٧٢/٢، ٢٨٠، ٤٧٤، ٥٣٢).
(٦) قال ابن حجر في الفتح (٤٠٩/٢): فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه =
١٣٤

ثم اعتذروا عن حديث سُليك بأنه مخصوص(١) به، لأنه كان
فقيراً فأريد قيامه لتستشرف فيه العيون، وتتصدق عليه، وأيدوا ذلك
بأمره - عليه الصلاة والسلام - بالقيام لهما بعد جلوسه لأن ركعتي
التحية تفوت بالجلوس وقد تم، وبأن الحديث المذكور خبر واحد،
والمالكية تقدم عمل أهل المدينة عليه، ويرون العمل به أولى من
خبر الواحد(٢)، والحنفية ترده فيما تعم [به](٣) البلوى.
والجواب عن ذلك: أن التخصيص خلاف الأصل، ثم يبعد
الحمل عليه مع صيغة العموم [في] (٤) قوله ((إذا جاء أحدكم يوم
الجمعة والإِمام يخطب))(٥) فإنه تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا
الرجل، والأمر بهما للداخل مستثنى من عموم الأمر بالإنصات
للخطبة، ومذهب المالكية والحنفية في رد خبر الواحد بما سلف
محل الخوض فيه كتب الأصول، وقد تَأْوَّلوا هذا العموم أيضاً بتأويل
أنه منصت فقد تقدم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال
=
لرسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فأطلق على القول
سرّاً السكوت. اهـ. محل المقصود منه.
(١) انظر: فتح الباري (٤٠٨/٢).
(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٤١١).
(٣) في ن در (تقديم وتأخير البلوى به).
(٤) في ن ب و.
(٥). ورد في حديث الباب، وقال النووي في شرح مسلم (١٦٤/٦): وهذا
نص لا يتطرق إليه تأويل ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه،
وقال ابن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل
التأويل.
١٣٥

مستنكر (١)، وأقوى من هذا العذر: [ما ورد أنه](٢) - عليه الصلاة
والسلام - ((مكث حتى فرغ من الركعتين))(٣)، فحينئذٍ يكون المانع
من عدم الركوع يعني الركعتين منتفياً فثبت الركوع، وعلى هذا أيضاً
[١/٧٠/ب] ترد الصيغة التي فيها العموم، على أن الدارقطني / وهمَّ هذه /
الرواية. وقال: الصواب إرسالها (٤).
وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث كما نقله
القرطبي في ((المفهم)»(٥): إلى الجمع بين الأمرين، فخيَّر بين الركوع
وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل.
ونقل [عن](٦) الأوزاعي أنه إنما يركعهما من لم يركعهما في
بيته، وكأن [الأوزاعي] (٧) حمل الركعتين على سنة الجمعة [لا على
التحية](٨) وإلاّ فلا يستقيم قوله(٩).
(١) قال ابن حجر في الفتح (٤١١/٢): وكأنه يشير إلى بعض ما تقدم من
ادعاء النسخ أو التخصيص.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه (١٥/٢)، وضعفه. وانظر: فتح الباري
(٤٠٩/٢)، وتخريج الأحاديث الضعيفة من سنن الدارقطني (١٦٥،
١٦٦).
(٤) المرجع السابق.
(٥) (١٤٧١/٣) وأيضاً ما قبله من الأقوال.
(٦) في ن ب ساقطة.
(٧) في الأصل (المازري)، والتصحيح من ن ب.
(٨) زيادة من ن ب.
(٩) انظر: فتح الباري (٤١٠/٢)، والمفهم (١٤٧٠/٣).
١٣٦

السابع: في الحديث أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في
حق الجاهل حكمها، وقد أطلق أصحابنا فواتها به، وهو محمول
على من طال جلوسه ذاكراً عالماً بأنها سنة، كما قاله النووي في
(شرح مسلم))(١).
وقال المحب الطبري في ((أحكامه)): يحتمل أن يقال إنه
- عليه الصلاة والسلام - أمر بقضائهما والسنن تقضى على الأصح.
ويحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده
وقت جواز.
قلت: هذا بعيد، والأول أبعد منه، فإن أصحابنا نصوا على أن
تحية المسجد لا مدخل للقضاء فيها، وما ذكره من الخلاف في قضاء
السنن هو في غيرها.
الثامن: فيه أيضاً جواز تأخير المجيء إلى الجمعة والإِمام
يخطب على المنبر.
التاسع: فيه أيضاً جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة
التعليم ونحوه.
العاشر: فيه أيضاً جواز جوابه للمستمع وغيره.
الحادي عشر: فيه أيضاً الأمر بالمعروف، والإِرشاد إلى
المصالح في کل حال وموطن.
الثاني عشر: فيه أيضاً أن تحية المسجد ونوافل النهار
ركعتان. /
(١) انظر: شرح مسلم (١٦٤/٦).
١٣٧

الثالث عشر: قد يستنبط منه أن تحية المسجد وغيرها من
الصلوات ذوات الأسباب المباحة لا تُكره في وقت من الأوقات
وكذلك كل [ذات](١) سبب واجب، كقضاء فائتة ونحوه، لأنها
لو سقطت في حال من الأحوال لكان حال استماع الخطبة أولى
بالسقوط، فلما لم تترك في حال هو واجب وتركه محرم على ما فيه
من الخلاف، وقطعت الخطبة من أجله وأَمره بالفعل بعد أن قعد
لجهله بالحكم، دل على تأكدها وأنها لا تترك بحال، ولا في وقت
من الأوقات، وباقي الصلوات ذوات الأسباب تقاس عليها.
خاتمة: روى ابنُ حبان(٢) في صحيحه: أَنَّ هذا الداخل قال
له النبي ◌َ﴿ل صلِّ ركعتين في الجمعة الثانية والثالثة أيضاً فليتأمل
ذلك .
(١) زيادة من ن ب.
(٢) صحيح ابن حبان (٢٤٩/٦)، وأحمد في المسند (٢٥/٣)، ولفظ أحمد
بعد أمره في الجمعة الثانية والثالثة، ثم قال تصدقوا ففعلوا فأعطاه ثوبين
مما تصدقوا، ثم قال تصدقوا فألقى أحد ثوبیہ فانتھرہ رسول الله پ# و کره
ما صنع ... إلخ الحديث، وأبو داود (١٦٧٥) في الزكاة، باب: الرجل.
يخرج من ماله، وليس فيه أنه دخل في الجمعة الثانية والثالثة، وإنما دخل
المسجد وحث فيه على الصدقة، والنسائي (١٠٦/٣، ١٠٧، ٦٣/٥)،
والحميدي (٧٤١)، والبيهقي (١٨١/٤)، والطحاوي (٣٦٦/١)،
وصححه ابن خزيمة (١٥٠/٣)، وسكت عنه الحافظ ابن حجر في الفتح
(٤٠٨/٢).
١٣٨

الحديث الرابع
٢٧/٤/١٣٨ - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((كان
النبي الار / يخطب خطبتين، وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس)) (١). [٧١/
الكلام علیه من وجوه:
الأول: هذا الحديث في محفوظنا قبل الحديث الذي قبله وكذا
ذكره الفاكهي، وذكره بعده الشيخ تقي الدين، وتبعه ابن العطار
وغيره، لكنه ذكره [من](٢) وجه [آخر] (٣) كما سننبه عليه، والأمر في
ذلك قريب .
الثاني: [ذكر] (٤) هذا الحديث بعض من علَّق على هذا الكتاب
تعليقاً من رواية جابر، وقال: إنَّه جابر بن عبد الله، وذكره أيضاً
(١) البخاري (٩٢٠، ٩٢٨) في الجمعة، ومسلم (٨٦١)، والدارمي
(٣٦٦/١) في الصلاة، باب: القعود بين الخطبتين، والموطأ (١١٢/١)،
والترمذي (٥٠٦).
في متن العمدة ترتيبه الثاني وترتيبه هنا يوافق أحكام الأحكام. اهـ.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) في ن ب ساقطة، وفي ن د (وجه آخر).
(٤) في ن ب ساقطة.
١٣٩

كذلك ابن العطار في ((شرحه)) من رواية جابر ثم قال إنه جابر ابن
سمرة كما هو مبين / في ((صحيح مسلم))، ثم ساق ترجمته، وهو
عجيب وعلى تقدير وجوده في نسخ الكتاب فحديث جابر بن سمرة
من أفراد مسلم فقط، وليس هو بهذا اللفظ بل بمعناه، فيبقى على
المصنف اعتراض من وجه آخر وما أدري كيف وقع هذا منه فاجتنبه.
الثالث: لما ذكر الشيخ تقي الدين (١) هذا الحديث من طريق
ابن عمر قال: لم أقف عليه بهذا اللفظ في الصحيحين فمن أراد
تصحيحه فعليه إبرازه، وكأن هذا - والله أعلم - هو وقوع ابن العطار
فيما ذكر فغير الراوي وذكره من طريق جابر بن سمرة(٢).
قلت: ولفظ رواية الصحيحين(٣) من حديث عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله وَل و يخطب يوم الجمعة
قائماً ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون اليوم)»(٤)، وفي لفظ: ((كان
(١) انظر: إحكام الأحكام (١٣٠/٣).
(٢) مسلم في الجمعة (٨٦٢)، والنسائي (١١٠/٣)، وأبو داود في الصلاة
(١٠٩٣، ١٠٩٥)، وابن ماجه (١١٠٥، ١١٠٦)، والدارمي (٣٦٦/١)،
وأحمد (٨٧/٥، ٨٨، ٨٩، ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ١٠٧)، والتمهيد
(١٦٦/٢).
(٣) البخاري (٩٢٠، ٩٢٨)، ومسلم (٨٦١)، والنسائي (١٠٩/٣)،
والترمذي (٥٠٦)، والمنتقى (٢٥٧/١)، وابن ماجه (١١٠٣)، والدارمي
(٣٠٤/١)، وأحمد (٣٥/٢)، وابن خزيمة (١٤٢/٣)، والبيهقي
(١٩٧/٣)، والبغوي في السنَّة (٢٤٦/٤).
(٤) قال الصنعاني في الحاشية (١٣٠/٣): وتسبه الزركشي إليهما إلاّ أنه قال : =
١٤٠