النص المفهرس

صفحات 421-440

٢٢ - باب التشهد
هو تفعل من تشهد: كالتعلم من تعلم، سمي تشهداً لاشتماله
على [الشهادتين](١) تغليبا له على بقية أذكاره، لكونهما أشرف
أذكاره، كما سميت الصلاة: سبحةً، أو ركوعاً، أو سجوداً:
بأشرفَ ما فيها، وهو التسبيح أو الركوع أو السجود، فإنهما لما
كانا غاية في الخضوع سميت به، وإن كان أحدهما أبلغ من
الآخر، وإن كان التسبيح من / حيث ذاته أفضل منهما، والسجود [٦٢/د/ب]
أفضل من الركوع، والقيام أفضل منهما عندنا، والأصل في
مشروعيته ما صحَّ من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه - /: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله [٣٢/ب/ب]
من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان، فقال
النبي وَل: ((لا تقولوا / السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، [١/٣٤/ب]
ولكن قولوا: التحيات لله)) الحديث رواه الدارقطني(٢) والبيهقي(٣)
(١) في ن ب (الشهادة).
(٢) الدارقطني (١٣٣، ١٣٤).
(٣) البيهقي (١٣٨/٢)، والنسائي (٢/ ٢٤٠)، وأصله في الصحيحين دون
قوله: ((قبل أن يفرض)).
٤٢١

[وقالا](١): إسناده صحيح [وذكر](٢) المصنف [رحمه الله](٣) في
الباب خمسة أحاديث:
في ن ب (وقال).
(١)
(٢) في ن ب (وذكره).
(٣) زيادة من ن ب د.
٤٢٢

الحديث الأول
٢٢/١/١٢١ - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
قال: علمني رسول الله وَلتر التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني
السورة من القرآن: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك
أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله».
وفي لفظ: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل:
((التحيات [لله] (١)))، وذكره وفيه: «فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم
على كل عبد الله صالح في السماء والأرض))، وفيه: ((فلينخير من
المسألة ما شاء)) (٢)
.
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) البخاري (٨٣١، ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١)،
ومسلم (٤٠٢) (٥٩)، والنسائي (٢٤١/٢)، وابن ماجه (٨٩٩)،
وأبو داود (٩٦٨) في الصلاة، باب: التشهد، وأبو عوانة (٢٢٨/٢،
٢٢٩)، والبيهقي (١٣٨/٢، ١٥٣)، وأحمد (٣٨٢/١، ٤٢٧، ٤١٣،
٤٣١)، والدارمي (٣٠٨/١)، وابن الجارود (٢٠٥)، وابن حبان =
٤٢٣

الكلام عليه من سبعة وعشرين وجهاً:
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب المواقيت.
الثاني: التشهد تقدم الدلالة عليه قريباً.
الثالث: الكف [ ] (١) مؤنثة، وورد في الشعر تذكيرها،
وهو ضرورة.
الكف مؤنثة
الرابع: السورة بالهمز، وتركه أشهر وأصح.
الخامس: ((التحيات)) جمع: تحية، وهي الملك الحقيقي
التام.
معنى :
((التحبات)
وقيل: البقاء الدائم.
وقيل: العظمة الكاملة.
وقيل: السلامة، أي من الآفات وجميع وجوه النقص.
وقيل: الحياء، حكاه القاضي عياض في ((تنبيهاته)).
وقيل: السلام، قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم ◌ِنَحِيَّةٍ﴾(٢)، أي
سلم عليكم، أي التحيات التي تعظم بها الملوك مثلاً كلها مستحقة لله
(١٩٤٨، ١٩٤٩، ١٩٥٠، ١٩٥١)، وابن أبي شيبة (٢٩٢/١)،
=
والبغوي (٦٧٨). وانظر التعليق (٢) ص (٤٥) من حديث عائشة (٢)،
باب: صفة صلاة النبي 90.
(١) في ن ب زيادة (عن)، ولا وجه لها.
(٢) سورة النساء: آية ٨٦.
٤٢٤

- تعالى -، ويجوز أن يكون لفظ التحية (١) مشتركاً بين هذه
المعاني، كما أبداه المحب الطبري في ((أحكامه))، قال: وكونها بمعنى
السلام أنسب هنا وأمس.
قال ابن قتيبة(٢): إنما جمعت التحيات لأن كل واحد من
ملوكهم كان له تحية يُحيَّى بها فقيل لنا: قولوا: التحيات، أي
الألفاظ الدالة على الملك مستحقة لله - تعالى - .
وقال القاضي عياض في (تنبيهاته): سمعت شيخنا [أبا](٣)
إسحاق الفقيه ابن جعفر يقول: إنما جمعت التحيات هنا لأنها تجمع
معاني التحية من الملك، والبقاء، والسلام، [والعظمة](٤).
وقوله: ((لله))، أي الألفاظ الدالة على الملك مستحقة الله
- تعالى - وحده.
قال البغوي في (شرح السنَّة)(٥): لأن شيئاً / مما كانوا يحيون [٢٢/ب/١]
به / الملوك لا يصلح للثناء على الله - تعالى - .
[٦٣ /١/٥]
وقال القرطبي(٦): فيه تنبيه على الإِخلاص في العبادات: أي
(١) انظر التعليق ت (٢)، ص (٤٣) من حديث عائشة (٢) - رضي الله
عنها -، باب: صفة صلاة النبي زَ﴾.
(٢) ذكره في شرح السنة (١٨١/٣).
(٣) في ن ب (أبي).
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) شرح السنة (١٨٢/٣).
(٦) المفهم (٧٨٤/٢).
٤٢٥

ذلك لا يفعل إلاَّ لله - تعالى - ويجوز أن يراد به الاعتراف، بأن
٠[٣٥/ أ/ أ] ملك ذلك كله لله. قلت: وما أحسن قول الشاعر هنا: /
فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
إذا نحن أثنينا عليك بصالح
لغيرك إنساناً فأنت الذي تعني
وإن سرت الألفاظ يوماً بمدحة
السادس: الواو في قوله: ((والصلوات)) تقتضي المغايرة بين
المعطوف والمعطوف عليه، فيكون حينئذٍ كل جملة ثناء مستقلاً وهو
أبلغ .
الواو تقتضي
المغايرة في قوله:
"والصلوات ...!
السابع: ((الصلوات)» فيها أقوال:
المراد
بالصلوات
أحدها: أنها الخمس، قاله ابن المنذر وآخرون: ويكون
التقدير: أنها واجبة الله - تعالى - لا يجوز أن يقصد بها غيره،
أو تكون [كالإخبار](١) عن إخلاصنا الصلوات له، أي صلاتنا.
مخلصة [لله](٢) لا لغيره [ [ومنهم من قال: هي كل الصلوات](٣).
ثانيها: أنها الرحمة، أي هو المتفضل بها والمعطي لها، لأن
الرحمة التامة الله لا لغيره] (٤)، وقرر بعض المتكلمين هذا المعنى بأن
قال: كل من رحم أحداً فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقة عليه».
وهو برحمته دافع لألم الرقة عن نفسه بخلاف رحمة الله - تعالى -
فإنها لمجرد إيصال النفع إلى العبد(٥).
(١) في ن ب د (ذلك أخباراً).
(٢) في ن ب د (له).
(٣) في ن د ساقطة.
(٤) في ن ب ساقطة.
(٥) سبق وأن تكلمت على إثبات صفة الرحمة لله - عز وجل -، فليراجع.
٤٢٦

ثالثها: أنها الأدعية والتضرع.
رابعها: أنها العبادات، قاله الأزهري(١).
[الثامن](٢): ((الطيبات))، أي الكلمات الطيبات، وهي المراد
ذكر الله، قاله الأكثرون.
بالطيبات
وقيل: الأعمال الصالحات، وهو أعم من الأول لاشتماله على
الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيب الأوصاف، كونها بصفة الكمال
وخلوصها عن شوائب النقص، وقال القرطبي (٣): هي الأقوال
الصالحة: كالأذكار والدعوات وما شاكل ذلك، كما قال
- تعالى -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾(٤).
فائدة: الطيب إن وُصف به الكلام: فالحسن، أو العمل:
فالخالص من شوائب النقص، أو المال: فالحلال، أو الطعام:
فاللذيذ، أو الصعيد: فالطاهر، أو العباد: فالمؤمن، قال
- تعالى -: ﴿وَاَلَّيِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ﴾(٥).
التاسع: ((السلام))، قيل: معناه التعوذ باسم الله الذي هو معنى:
((اللام»
السلام، والتحصين به - سبحانه وتعالى - ، كما يقول: الله معك،
أي الله متوليك وكفيل بك، أي باللطف والحفظ والمعونة .
(١) في الزاهر (٦٥).
(٢) في الأصل (الخامس)، والتصحيح من ن ب د.
(٣) المفهم (٢/ ٧٨٤).
(٤) سورة فاطر: آية ١٠.
(٥) سورة النور: آية ٢٦.
٤٢٧

وقيل: معناه السلامة والنجاة لكم، كما في قوله - تعالى -:
﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ الَْه﴾(١)، وقيل: معناه الانقياد لك كما في
٢) ،
٦٥
قوله - تعالى -: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
وليس يخلو بعض هذا من ضعف لأنه لا يتعدى السلام لبعض هذه
المعاني بكلمة على، وكذلك [قيل](٣) في: معنى السلام آخر الصلاة
الذي هو تحليل منها .
وقال الشيخ [عز](٤) الدين في ((مقاصده)): قيل: هو مصدر
[٦٣ / د/ ب] سلَّم / يسلِّم سلاماً.
وقيل: هو جمع سلامه كلامه وملام، فهو دعاء بالسلامة(٥).
(١) سورة الواقعة: آية ٩١.
(٢) سورة النساء: آية ٦٥.
(٣) زيادة من ن ب د.
(٤) في ن ب (غرر).
(٥) قال ابن حجر في الفتح (٣١٢/٢): قال البيضاوي ما حاصله أنه ول# أنكر.
التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام
ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها، وقال التوريشتي: وجه النهي عن
السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني
المذكورة، فکیف یدعی له، وهو المدعو على الحالات.
وقال الخطابي: المراد أن الله هو: ذو السلام، فلا تقولوا: السلام
على الله، فإن السلام منه بدأ وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه
ذو السلام من كل آفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد
فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، وقال النووي: معناه أن
السلام من أسماء الله - تعالى-، يعني السالم من النقائص، ويقال : =
٤٢٨

فائدة: قال العزيزي(١): السلام على أربعة أوجه: السلام: الله /، أوجه السلام
[٣٣/ب/ب]
كقوله - تعالى -: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِجُ﴾(٢).
والسلام السلام، كقوله - تعالى -: ﴿﴿ لَمْ دَارُ / السَّلَمِ عِندَ [١/٣٥/ب]
رَيْهِمْ﴾(٣)، أي دار السلامة، وهي الجنة.
السلام: التسليم، يقال: سلمت عليه سلاماً: أي تسليماً.
والسلام: شجر عظام، واحدتها سلامة.
فائدة ثانية: قال الخطابي في (غريبه)(٤): في التسليم لغتان: لغات التسليم
سلام عليكم، والسلام عليكم. ووقوع الألف واللام فيه بمعنى
التفخيم، ثم قال: وفيه لغة ثالثة.
قال الفراء: العرب تقول: [يسلم](٥) [عليكم] (٦) بمعنى:
المسلم أولياء وقيل: المسلم عليهم، قال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه
إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة، وغناه - سبحانه وتعالى - عنها. اهـ.
وقال في تيسير العزيز الحميد (٥٨٣): والله هو المطلوب لا المطلوب له،
وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السموات وما في الأرض،
استحال أن يسلم عليه - سبحانه وتعالى - ، بل هو المسلم على عباده،
كما قال - تعالى -: ﴿قُلِ لَلْعَّدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ أَذِينَ أَصْطَفَهُ﴾.
(١) نزهة القلوب (١٠٦، ١٠٧). انظر: عمدة الحفاظ (٢٤٧، ٢٤٩).
(٢) سورة الحشر: آية ٢٣.
(٣) سورة الأنعام: آية ١٢٧ .
(٤) غريب الحديث (٦٩٤/١).
(٥) في ن ب (يسلم).
(٦) زيادة من ن ب.
٤٢٩

سلام، كما قالوا: حلّ وحلال، وحرّم وحرام، قال: وكانوا
[يستحبون](١) أن يقولوا في أول الكتاب: سلام عليكم بمعنى:
التحية، وفي آخره: السلام [عليكم](٢) بمعنى: الوداع(٣) ..
فائدة: عطف
العام على
الخاص
فائدة ثالثة: في هذا الحديث من أصول الفقه: أن عطف
العام على الخاص لا يقتضي أن المراد بالعام ذلك الخاص
المتقدم، بل يحمل الأول على التشريف والاهتمام به، كما لو تقدم
العام وعطف عليه الخاص، وفيه خلاف حكاه القاضي
عبد الوهاب، ووجه الاستدلال قوله: (٤) (السلام عليك)، (السلام
علينا)، وهما خاص، ثم عطف، ويؤخذ من ذلك أيضاً تفضيله
- عليه الصلاة والسلام - على جميع الخلق لتخصيصه بالسلام،
ثم التعميم له ولغيره، ولا شك في ذلك، وهو [ما قرره](٥)
القرطبي(٦) في (تفسير) قوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ
(٧)
لِلْعَلَمِينَ:
(١) في ن ب (يستفتحون).
(٢) في ن ب د (عليك).
(٣) غريب الخطابي (٦٩٤/١). قال ابن قتيبة في أدب الكاتب (٢٠٢)،
وتكتب في صدر الكتاب سلام عليك وفي آخره السلام عليك لأن الشيء
إذا بدىء بذكره كان نكرة، فإذا عدته صار معرفة.
(٤) في ن ب زیادة (عليه).
(٥) في ن ب (ما قدره).
.(٦) تفسير القرطبي (٣٥٠/١١).
(٧) سورة الأنبياء: آية ١٠٧.
٤٣٠

العاشر: قوله: ((أيها النبي)) الأصل، ((يا أيها النبي))!، فحذف تعريف: أيها
حرف النداء وهو لا يحذف إلاّ في أربعة مواضع:
النبي
العلم: نحو [قوله] - تعالى -: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾(١).
والمضاف: نحو [قوله](٢) - تعالى -: ﴿رَبَِّالَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾(٣)
ومن نحو قولهم: من لا يزال محسناً أحسن.
((وأي)) نحو أيها النبي، وأيها الناس، وما أشبه ذلك.
الحادي عشر: ((النبيُ)) بالهمز (٤) وتركه، كما أوضحته في لم قال: النبي
ولم يقل
الرسول
شرح الخطبة، فراجعه منه.
فإن قلت: لِمَ لَمْ يقل أيها الرسول؟
فالجواب: أنه أثبت له الرسالة بعد، فقصد الجمع بين الصفتين
وإن كانت الرسالة تلازم النبوة، لكن التصريح بها أبلغ في الكمال،
وقدم ذكر النبوة على الرسالة لوجودها كذلك في الخارج، قال الله
- تعالى -: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾(٥)، ثم قال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّ يَّ قُرْ
فَأَذِرْ (أَ﴾﴾(٦).
قال الخطابي في (أعلامه) في حديث: ((آمنت بكتابك الذي
(١) سورة يوسف: آية ٢٩.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) سورة البقرة: آية ٢٨٦.
(٤) أي النبىء.
(٥) سورة العلق: آية ١ .
(٦) سورة المدثر: آيتان ١، ٢.
٤٣١

أنزلت)»، لو قال: (([و](١) برسولك الذي أرسلت)) لكان تكراراً، إذ
كان نبيًّا قبل أن يكون رسولاً، فجمع له النبأ بالاسمين جميعاً.
المراد بقوله :
((ورحمة الله
وبركاته
[ ٦٤ /٥/ ١]
الثاني عشر: قوله: ((ورحمة الله وبركاته))، الأظهر أن المراد
بالرحمة نفس الإحسان، ويحتمل أن يريد إرادة الإحسان / بمعنى الإِخبار
عن سبق علمه في إرادته لكن المراد الدعاء [له](٢) بالرحمة والدعاء، إنما
[٣٤/ ب/١] يتعلق بالممكن وهو نفس الإحسان لا الإرادة لأنها قديمة / (٣).
و ((البركات)) جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير،
ويقال: البركة جماع كل خير.
الثالث عشر: ((عباد [الله])»(٤) جمع: عبد، وله جموع
جمعها ابن مالك في بيتين(٥)، وقد ذكرتهما عنه في أول (شرح
معنى:
((عباد الله)
(١) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د.
(٢) في ن ب ساقطة.
(٣) سبق وأن بينت وجوب وصف الله - سبحانه - بما وصف به نفسه في
كتابٍ أو على لسان رسوله بدون تكييف أو تمثيل أو تعطيل أو تشبيه.
(٤) في الأصل ساقطة.
(٥) ذكره السيوطي عنه في عقود الجمان (٢) عبد: في الأصل وصف غلبت
عليه الاسمية وله عشرون جمعاً نظمه ابن مالك أحد عشر في بيتين
واستدركت عليه الباقي في آخرين. قال ابن مالك:
أعابد معبوداء معبدة عبد
عباد عبيد جمع عبد واعبد
کذلك العبدي وامددإنشئتأن تمد
كذاك عبدان عبدان أثبتا
وقلت :
وخفف بفتح والعبدّان إن تشد
وقد زيد أعياد عبود عبدة
واعبدة عبدون ثمة بعدها
عبیدون معبوداً بقصر فخذ تسد
٤٣٢

خطبة المنھاج)، فراجعها منه.
والعبودية: أشرف أوصاف العبد، وبها نعت الله - تعالى -
نبيه محمد # في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في بدايته
ونهايته، حيث قال: ((﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾(١)، فكان من
ربه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى.
الرابع عشر: نعت عباده بالصالحين ليخرج غيرهم، وخص
الأول بذلك لأنه [كلام](٢) ثناء وتعظيم، فيؤخذ منه أن مفهوم الصفة
حجة .
سبب نعت
عباده
بالصالحين
المراد بالصالح
قال جماعة: والصالح هو القائم بحقوق الله - تعالى -
وحقوق العباد الواجبة عليهم.
فائدتان :
الأولى: قال الترمذي الحكيم: من أراد أن يحظى من هذا فائدة الصلاح
السلام الذي يسلم الخلق في صلاتهم، فليكن عبداً صالحاً.
الثانية: ينبغي للمصلي أن يستحضر عند ذكر ذلك جميع
عباد الله من الأنبياء والملائكة وجميع المؤمنين، وعند سلامه على
النبي * يكون كأنه مشاهداً له، حاضر بين يديه و لر، نبّه عليه
الفاکھی - رحمه الله - .
استحضار
جميع عباد الله
فائدة ثالثة: قال القفال الشاشي: ((ترك الصلاة يضر بجميع ترك الصلاة
يضر بجمع
المسلمين
(١) سورة الإسراء: آية ١ .
(٢) في ن ب ساقطة.
٤٣٣

المسلمين، لأنه يقول: اللَّهم اغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات،
ولا بدَّ من قوله: سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون
مقصراً في خدمة الخالق، وفي حق رسوله بترك الصلاة عليه، وفي
حق نفسه بترك مسألة النعمة والمغفرة، وفي حق كافة المسلمين،
فيعم الفساد، ولذلك عظمت المعصية)) نقلته من فتاوى القفال
المروي عنه.
تفسير الصالح
يختلـف
باختلاف
المواضع
[الخامس عشر] (١): يتعلق بتفسير الصالح الذي قدمته، قال
إمام الحرمين في كلامه على الكفاءة في النكاح: الصالحون هم
المرموقون بالصلاح المشهورون [به] (٢)، بحيث ينتصبون أعلاماً في
التقوى، ولا ينسون على ناسخ الدهر فيها، ولا هم الذين تشرف
الأنساب بالاعتزا(٣) إليهم، فأما الذين [لا يبلغون](٤) هذا المبلغ،
فلا تتأثر الأنساب بالانتماء إليهم.
[السادس عشر](٥): قوله: ((وعلى عباد الله الصالحين)) لفظ
عموم، ففيه دلالة على أن جمع التكسير للعموم، وقد دل عليه،
[٦٤/د/ب] قوله: (([أصابت](٦) كل عبدٍ / صالح في السماء والأرض))، وقد
جمع التكسير
يفيد العموم
(١) في ن ب د (تنبيه).
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) الاعتزاء: الانتساب. قال في ترتيب القاموس (٢٣٠/٣) عزاه إلى أبيه
نسبه إليه . اهـ.
(٤) في ن ب د (لا يتلقون).
(٥) في ن ب د (الخامس عشر) ... إلخ الأوجه.
(٦) في ن ب (أصبت) . :
٤٣٤

كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على فلان، كما قدمته حتى
علموا هذا اللفظ .
السابع عشر: في قوله: [أصابت كل عبد الله صالح في السماء صيغة العموم
والأرض](١) دليل على أن للعموم [صيغ] (٢) وأن هذه الصيغة وهي
«كل» للعموم، كما هو مذهب الفقهاء خلافاً لمن توقف في ذلك من
الأصوليين، وهو مقطوع به في لسان / العرب، وتصرفات / ألفاظ
الكتاب والسنة، ومن تتبع ذلك وجده.
[٢٤/ب/ب]
[١/٣٦/ ب]
فائدة: لما خص الله نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام - ليلة
الإِسراء بكلمات أربع هي: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله
وبركاته. أعطى منها سهماً لإِخوانه الأنبياء، وسهماً لأمته، وسهماً
للملائكة، وسهماً لصالحي الجن، بقوله: السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين، لأنه يعمهم.
سبب
تخصيص نبيه
بـاربع
كلمات ...
وقال الشيخ عز الدين في ((مقاصد الصلاة)): بدأ أولاً بالثناء
على الله، لأنه الأهم المقدم، ثم بالسلام على النبي، لأنه الأهم بعد
الثناء على الله، ثم ثلّث بنفسه لقوله - عليه الصلاة والسلام - : ابدأ
بنفسك، ثم ختم بعباده الصالحين، وهذا قول نوح على نبينا وعليه
أفضل الصلاة والسلام: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾(٣)، [فبدأ بالثناء على الله بالربوبية، ثم بالمغفرة
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) في ن ب د (صيغة).
(٣) سورة نوح: آية ٢٨.
٤٣٥

لنفسه، ثم لوالديه، ثم للمؤمنين من معارفه، ثم لسائر المؤمنين
والمؤمنات](١)، ثم اعترف بأنه لا معبود إلَّ الله تحقيقاً للإيمان، ثم
بالرسالة تحقيقاً للإسلام.
السبب للإتيان
بلفظ الشهادة
دون العلـم
الثامن عشر: قوله: ((أشهد)) إلى آخره، إنما أتى بلفظ الشهادة.
دون لفظ العلم واليقين، لأنه [أفضل] (٢) وأبلغ في معنى العلم
واليقين، وأظهر من حيث أنه شهود، وهو مستعمل في ظواهر
الأشياء وبواطنها، بخلاف العلم واليقين، فإنهما يستعملان في
البواطن غالباً دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء: لا يصح أداء الشهادة
عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، فلو قال: أعلم أو أوقن بكذا
لم يصح.
فائدة: الشهادتان كلمتان جامعتان جعلهما الله - تعالى -
شهادة واحدة، فقد شهد أنه لا إله إلاَّ هو والملائكة وأولوا العلم، ثم
كتب على جبهة العرش: لا إلَه إلَّ الله محمد رسول الله، وجعلهما
مبتدأ اللوح فهذه منك شهادة يواطىء مبتدأ اللوح، وما على جبهة
العرش، قاله الحكيم الترمذي.
فائدة ثانية: روى مالك(٣) في موطئه في تشهد عائشة: أشهد
:
(١) في الأصل ساقطة، والزيادة من ن ب د.
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) الموطأ (٩١/١)، قال ابن حجر في الفتح (٣١٥/٢): على قوله:
((وأشهد أن لا إله إلاَّ الله))، زاد ابن أبي شيبة من رواية عبيدة عن أبيه:
((وحده لا شريك له))، وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث
أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي =
٤٣٦

أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وهو تأكيد للنفي.
[ ٦٥ / ٥ / ١]
سبب تسميته
فائدة ثالثة: سمي نبيّنا محمد 8 به / لکثرة خصاله
بمحمد
المحمودة .
التاسع عشر: [قوله: فليختر من المسألة ما شاء، فيه دليل على
شرعية الدعاء آخر الصلاة قبل السلام، والدعاء بالسلام على الأنبياء
والصالحين.
شرعية الدعاء
آخر الصلاة
[العشرون](١): فيه أيضاً أنه يدعو بما شاء من أمور الآخرة يدعوبماشاء
والدنيا ما لم يكن إثماً، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور.
من أمور
الآخرة والدنيا
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلّ الدعوات الواردة في القرآن
والسنة عملاً بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إن صلاتنا هذه
لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين)) (٢)، واستثنى بعض الشافعية
بعض صور من الدعاء بقبح، كما لو قال: اللهم اعطني امرأة صفتها
كذا وكذا، وأخذ بذكر أوصاف أعضائها .
حديث ابن عمر عند الدارقطني إلاَّ أن سنده ضعيف، وقد روى أبو داود
=
من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد: ((أشهد أن لا إله إلاَّ الله))،
قال ابن عمر: زدت فيها: ((وحده لا شريك له))، وهذا ظاهره الوقف.
(١) في ن ب ساقطة.
(٢) مسلم (٥٣٧، ١٧٤٨)، وأبو داود (٩٣٠) في الصلاة، باب: تشميت
العاطس (٣٢/١٢) في الأيمان والنذور، والنسائي (١٤/٣)، والموطأ
(٥/٣، ٦) في العتق والولاء، والبيهقي (٢٤٩/٢، ٢٥٠) (٥٧/١٠)،
وابن حبان (١٦٥، ٢٢٤٧، ٢٢٤٨)، وابن الجارود (٢١٢)، والطبراني
في الكبير (٩٣٨/١٩).
٤٣٧

[٢٧ /١/١]
[٣٥ / ب/ ١]
وقال / ابن شعبان / المالكي ما معناه: أنه إن ابتدأ كلامه
بنداء ليس بدعاء مثل قوله: يا فلان فعل الله به كذا، فقد أبطل صلاته
قبل الشروع [في الدعاء](١) بخلاف ما إذا ابتدأ بالدعاء ثم أتبعه
النداء، قال ابن أبي زيد: ولم أعلم أحداً من أصحابنا قاله غيره.
وقال القاضي عياض: قوله - عليه الصلاة والسلام - للشيطان
في الصلاة: ((ألعنك بلعنة الله التامة، وأعوذ بالله منك))(٢)، وهو في
الصلاة دليل على الدعاء على غيره بصيغة المخاطبة، كما كانت
الاستعاذة ها هنا بصيغة المخاطبة، خلافاً لما ذهب إليه ابن شعبان
من إفساده الصلاة بذلك.
قلت: ويتأول هذا الحديث أو يحمل على أنه كان قبل تحريم
الكلام في الصلاة أو غيره أو غير ذلك.
مواضع الدعاء
في الصلاة
فائدة: محل الدعاء من الصلاة مواطن منها بين التشهد
والتسليم، وسيأتي [ومنها دعاء الاستفتاح بين تكبيرة الإحرام وقبل
قراءة الفاتحة، وقد سلف](٣) ومنها الدعاء في الركوع والسجود
وسيأتي، ومنها الدعاء [في الجلوس](٤) بين السجدتين، وحديثه
مشهور، ومنها الدعاء في تلاوته فيها، وهو إذا مر بآية فيها سؤال
سأل، وإذا مر بآية فيها تعوذ تعوَّذ.
(١) زيادة من ن ب د.
(٢) مسلم (٥٤٢). وانظر: شرح النووي.
(٣) في ن ب ساقطة ..
(٤) زيادة من ن ب د.
٤٣٨

وذكر صاحب (البيان والتقريب): أنه يكره الدعاء عندهم في
ستة مواضع: بعد [الإِحرام)] (١) وقبل القراءة، وفي الركوع (٢)، وفي
الجلوس قبل التشهد، وفي أثناء الجلوس الأول على المشهور، وفي
أثناء الفاتحة أو السورة (٣).
الحادي والعشرون: فيه الأمر بالتشهد، وقد اختلف العلماء في وجوب التشهد
وجوبه، كما سلف إيضاحه في الحديث الثاني من باب صفة صلاة
النبي ◌ُّ فراجعه منه.
الثاني والعشرون: قدمت هناك أنه ورد في التشهد (٤) أحاديث
اختار الشافعي(٥) منها تشهد ابن عباس في مسلم، ووقع في الشفاء(٦)
للقاضي عياض: أن الشافعي اختار منها تشهد ابن مسعود وهو وهم.
صيغ التشهد
الواردة عن
البي #
والترجيح بينها
واختار الإِمامان أبو حنيفة وأحمد: تشهد ابن مسعود في
(١) في الأصل (السلام)، والتصحيح من ن ب د.
(٢) أقول: قد جاء الدعاء في الركوع في قوله وتظهر سبحانك اللهم وبحمدك
اللهم اغفر لي. قال البخاري - رحمنا الله وإياه ـ في صحيحه: باب
الدعاء في الركوع.
(٣) انظر ح (١٢٤) التعليق ت (٤)، ص (٥٠٩) مع ذكر فائدة من كلام ابن
القيم. أقول: قد كان النبي 8 8* إذا قرأ ومر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية
عذاب تعوذ، كما رواه حذيفة وابن مسعود وهذا يعم النفل والفرض.
(٤) انظر الحديث الثاني من باب صفة صلاة النبي ◌َظهر، ص (٤٥) التعليق
(١، ٢، ٣)، فإنها مخرجة.
(٥) الرسالة برقم (٧٣٨).
(٦) شرح الشفاء للقاري (٧٣٧/٣).
٤٣٩

[٦٥/د/ب] الصحيحين، وهو عشر كلمات كما سلف / .
واختار مالك تشهد عمر في ((الموطأ))(١) وهو: ((التحيات لله،
الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك)) إلى آخره، لأنه
علمه الناس على المنبر بحضرة الصحابة ولم ينكره أحد، فكان
كالإِجماع، إلاّ أنه [يترجح](٢) عليه تشهد ابن عباس، وابن مسعود
من جهة أن رفعه إلى رسول الله وَل﴿ مصرَّح به، ورفع تشهد عمر.
بطريق استدلالي، كذا قاله الشيخ تقي الدين(٣)، وظاهره أن تشهد
عمر لم يرد مصرحاً برفعه، وقد ورد لكنه وهم، كما قاله الدار قطني
في علله(٤)، [والصواب](٥) وقفه عليه.
وينبغي أن يعلم بعد أن يتقرر عندك أن الاختلاف إنما هو في
[١/٢٧/ب] الأفضل والمختار منها لا في الجواز، فإنه إجماع أن أشدها / صحة
باتفاق الحفاظ حديث ابن مسعود، فإن الأئمة الستة اتفقوا على
إخراجه في كتبهم بخلاف تشهد ابن عباس فإنه معدود من أفراد
مسلم، وأخرجه أصحاب السنن الأربعة أيضاً، قال الترمذي (٦) في.
(جامعه)): وحديث ابن مسعود رُوي عنه من غير وجه، وهو أصح
حديث روي عن النبي والقر في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل
(١) موطأ مالك (٩٠، ٩١).
(٢) في ن ب (ترجح).
(٣) إحكام الأحكام (٨/٣).
(٤) (٨٢/٢، ٨٣).
(٥) في الأصل (والصلوات)، وما أثبت من ن ب د.
(٦) الترمذي (٨٢/٢)، طبعة شاكر.
٤٤٠