النص المفهرس
صفحات 361-380
الأول: معنى الحديث أنه يلزمه الصلاة إذا خرجت عن الوقت بنوم أو نسيان وتكون قضاء، وهذا لا خلاف فيه، كثرت الصلوات أو قلت: إذا خرجت الصلاة عن الوقت بنوم أو نسيان كانت قضاءاً قال القرطبي(١) في ((شرحه)»: وشذ بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه / قضاء، وهو خلاف لا يعبأ به، لأنه [١/٢٦/ ب] مخالف لنص الحديث. قلت: ووجهت هذه المقالة / على غلطها بأن القضاء يسقط [٢٥/ب/١] [لمشقة] (٢) التكرار: كالحائض، والخمس لا مشقة عليها في قضائها بخلاف ما زاد، ويلزم على هذا أن تقضي الحائض الخمس لانتفاء المشقة، ولا قائل به، ولا يحسن إلحاق الناسي بها، [لأنه] (٣) لا تفريط من جهتها بخلافه، فإنه يمكنه التحفظ والاهتمام فمعه ضرب تقصير . الثاني: معنى: ((لا كفارة لها إلاَّ ذلك)) يعني أنه لا كفارة لها معنى: (لا غير فعلها وقت ذكرها، ولا يلزمه شيء آخر مع فعلها من عتق: كفارة لها إلاَّ ذلك» أو صدقة، أو صيام: كغيرها مما يدخله الكفارة مع وجوب قضائه. ويحتمل أن مراده أنه لا بدل لقضائها، كما يقع الإبدال في بعض الكفارات، وأنه لا يكفي مجرد التوبة، بل لا بد من الإتيان بها، وذلك مردود بأنها كانت صبح اليوم. وأبو حنيفة يجيزها في هذا (١) المفهم (٢/ ١١٧١). (٢) في ن ب د (بمشقة). (٣) في ن ب (بأنه). ٣٦١ الوقت، كذا ذكره الشيخ تقي الدين(١)، وفيه شيء سيأتي في الوجه السادس [وفي] (٢) الحديث(٣): ((فما أيقظهم إلاّ حر الشمس)) وذلك يكون بالارتفاع، وقد يعتقد أن المانع من فعلها على الفور كون الوادي به شيطان، كما دل عليه الحديث(٤) فأخر ذلك بالخروج عنه ولا شك أن هذا علة للتأخير والخروج کما دل عليه الحدیث، ولکن هل يكون ذلك مانعاً على تقدير أن يكون الواجب المبادرة؟ في هذا نظر كما قاله الشيخ تقي الدين فلا يمتنع أن يكون مانعاً على تقدیر جواز التأخير. وأجاب صاحب القبس(٥): عن حديث الوادي بأجوبة: منها: أن التأخير كان لانتظار الوحي كيف يكون العمل في القضاء . ومنها: أن ذلك كان [تحرزاً] (٦) عن [العدو](٧) واستشرافه. (١) إحكام الأحكام (٤٨٨/٣). (٢) في ن ب د زيادة (وبأن في). (٣) البخاري (٣٤٤، ٣٤٨، ٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢). (٤) مسلم (٦٨٠)، النسائي في المواقيت، باب: كيف يقضي الفائت من الصلاة (٢٩٨/١)، ومسلم (٦٨٤). (٥) القبس (١٠١/١)، وبقي وجهين لم يذكرهما، كراهية للبقعة التي وقعت فيها الآفة الخامس، قال أصحاب أبي حنيفة حتى يزول وقت النهي عن الصلاة ... إلخ مع اختلاف یسیر فیما نقله عنه. (٦) في الأصل بیاض، وما أثبت من ن ب د. (٧) في ن ب د (العذر). ٣٦٢ ومنها: أنه [ليعم](١) الاستيقاظ والنشاط جميع الناس(٢). وأجاب القاضي عياض(٣): بأنه / منسوخ بهذا الحديث قال: [١/١/٢٧] واعترض أن الآية مكية يعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ الله﴾ وهذه القصة كانت بعد الهجرة بأعوام، فلا يصح النسخ قبل ورود الأمر به. وأما / الحديث: فهو مستند للآية ومأخوذ منها، وأيضاً: فإن [٢٥/ب/ب] النسخ يحتاج إلى توقيف أو إلى عدم الجمع. الثالث: الأمر بقضائها يقتضي فعلها عند ذكرها، فتصير طرفاً وقت القضاء المأمور به، فيتعلق الأمر بالفعل فيه، ولا شك أنه كذلك: إما على الوجوب في حق من تركها عامداً، فإنه يجب على الفور أو على الاستحباب في حق النائم والساهي، ولا يجب، وهذا التفصيل هو الصحيح عند الشافعية . (١) في جميع النسخ (ليعلم)، وما أثبت من القبس. (٢) قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٥٠): استدل به على جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافل أو استهانة. وقد بين مسلم من رواية أبي حازم عن أبي هريرة السبب في الأمر بالارتحال من ذلك الموضع الذي ناموا فيه ولفظه: ((فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: ((تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة»، وفيه رد على من زعم أن العلة فيه کون ذلك کان وقت الكراهة، بل في حديث الباب أنهم لم يستيقظوا حتى وجدوا حر الشمس، ولمسلم من حديث أبي هريرة: (حتی ضربتهم الشمس)) وذلك لا يكون حتى يذهب وقت الكراهة. (٣) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٣٣٩/٢). ٣٦٣ وفي وجه: [أنه] (١) يجب القضاء على الفور [مطلقا](٢). واستدل بعض العلماء على عدم وجوب القضاء على الفور. بعذر النسيان والنوم، بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يقض صلاة الصبح حتى خرجوا من الوادي، لكنه يتوقف ذلك على أنه لا يكون ثم مانع من المبادرة إلى فعلها. وادعى بعضهم: أن المانع كون الشمس كانت حينئذ طالعة والصلاة حينئذ مكروهة. إذا ذكر الفائة وهو في صلاة الرابع: إذا قلنا: يجب الترتيب في قضاء الصلاة، فلو ذكر الفائتة المنسية وهو في صلاة هل يقطعها؟ [٠٥ /١/٥] للمالكية: فيه تفصيل / بين الفذ والإِمام، [والمأموم](٣) وبين أن يكون الذكر: بعد ركعة أم لا، فلا يستمر الاستدلال بهذا الحديث مطلقاً لهم، وحيث يقال: يقطعها فوجه الدليل من أنه يقتضي الأمر بالقضاء عند الذكر(٤) ومن ضرورة ذلك قطع ما هو فيه، ومن أراد (١) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د. (٢) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د. (٣) زيادة من ن ب د. (٤) قال الصنعاني في حاشيته (٤٩٤/٢): أقول: وهو دليل على الفورية، فيلزم خروجه مما هو فيه وقطعه والإِتيان بما ذكره. وهو عام لكل أوقات الذكرى، فلا يخرج عنها شيء إلاَّ بدليل، ولم يقم هنا دليل. وبَّب الحافظ البيهقي في السنن بقوله: «باب من ذکر صلاة وهو في أخری»، ثم قد احتج بعض أصحابنا في ذلك بعموم قوله وثلاير: ((صلوا ما أدركتم ثم اقضوا ما فاتكم)). ٣٦٤ إخراج شيء من ذلك فعليه أن يبين معنى مانعاً من إعمال اللفظ في الصورة التي يخرجها، ولا يخلو هذا التصرف من نوع جدل، كما قاله الشيخ تقي الدين. القضاء على العـامـ الخامس: وجوب القضاء على العامد بالترك من طريق الأولى، كما قاله الشيخ تقي الدين، فإنه إذا لم تقع المسامحة مع قيام العذر بالنوم والنسيان فلأن لا تقع مع عدم العذر أولى. وحكى القاضي عياض عن بعض المشائخ: أن قضاء العامد مستفاد من قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فليصلها إذا ذكرها)) لأنه بغفلته عنها وعمده: کالناسي، ومتی ذکر ترکه لها لزمه قضاؤها وهذا ضعيف (١)، كما قال الشيخ تقي الدين لأن قوله: «فليصلها إذا (١) قال ابن حجر في فتح الباري (٧١/٢): وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وقال من قال: يقضي العامد، بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناسي، مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى، وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: ((نسي)) لأن النسيان يطلق على الترك سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله - تعالى -: ﴿نَسُواْ اللَّ فَفَسَنَهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، ﴿ذَهُوا اللَّهَ فَسِيَهُمْ﴾ قال: ويقوي ذلك قوله: ((لا كفارة لها)) والنائم والناسي لا إثم عليه. قلت: وهو بحث ضعيف، لأن الخبر بذكر النائم ثابت، وقد قال فيه: ((لا كفارة لها)) والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد. والقائل: بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالاً من الناسي، بل = ٣٦٥ ۔۔ ذكرها)» كلام مبني على ما قبله، وهو من نام عن صلاة أو نسيها. والضمير في قوله: ((فليصلها إذا ذكرها)) على الصلاة المنسية أو التي وقع النوم عنها فكيف يحمل على ضد النوم والنسيان وهو الذكر واليقظة، نعم لو كان [كلاماً] (١) مبتدأً مثل أن يقال من ذكر صلاة فليصلها إذا ذكرها لكان ما قيل محتملاً، وأما قوله: كالناسي، إن أراد بذلك أنه مثله في الحکم فهي دعوى، ولو صحت لم یکن ذلك مستفاداً من اللفظ، بل من القياس أو من مفهوم الخطاب الذي أشرنا إليه، وكذا ما ذكر في هذا من الاستناد إلى قوله: ((لا كفارة لها إلاَّ ذلك)) والكفارة إنما تكون من الذنب. والنائم والناسي لا ذنب لهما، وإنما الذنب للعامد لا يصح أيضاً، لأن الكلام كله مسوق على قوله: ((من نام عن صلاة أو نسيها)) والضمائر عائدة إليها، فلا يجوز أن يخرج عن الإرادة، ولا أن يحمل اللفظ ما لا يحتمله، وتأويل لفظ الكفارة هنا أقرب وأيسر من أن يقال إن الكلام الدال على الشيء يقول: إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم = بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالاً من الناسي فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال: إن أثم العامد بإخراج الصلاة عن وقتها باق عليه ولو قضاها. بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه مطلقاً. ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته ديناً عليه. والدين لا يسقط إلاَّ بأدائه، فيأثم بإخراجه لها، عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامداً فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم. (١) زيادة من ن ب د. ٣٦٦ مدلول به على ضده / فإن ذلك ممتنع، وليس ظهور الكفارة في [١/٢٧/ب] الإشعار بالذنب بالظهور القوي الذي يصادم به النص الجلي في أن المراد الصلاة المنسية أو التي وقع النوم عنها، وقد وردت كفارة القتل خطأ مع عدم الذنب، وكفارة اليمين بالله مع استحباب الحنث في بعض المواضع / ، وجواز اليمين ابتداء ولا ذنب. [٢٦ / ب/ ١] وقال القرطبي(١) في ((شرحه)): من ترك الصلاة عمداً: فالجمهور على وجوب القضاء عليه، وفيه / خلاف [ظاهر](٢) شاذ عن داود [٥٥/د/ب] وأبي عبد الرحمن الشافعي(٣)، وقد احتج الجمهور عليهم بأوجه: أحدها: أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم مع أنهما غير مأثومين، فالعامد أولى، وهذا ما قدمته عن الشيخ تقي الدين. ثانيها: التمسك بقوله: ((إذا ذكرها)) والعامد ذاكر لتركها فلزمة أدلة الجمهور قضاؤها. في وجوب القضاء على العامـد ثالثها: التمسك [بعموم](٤) قوله: «من نسي صلاة» أي من حصل منه نسیان، والنسيان: هو الترك، سواء کان مع ذهول أو لم یکن، وقد دل على هذا قوله - تعالى -: ﴿فَسُواْ اللَّهُ فَنَسِيَهُمْ﴾(٥) أي تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في العذاب. (١) المفهم (١١٧١/٢). (٢) في ن ب د ساقطة. (٣) في ن د زيادة (الأشعري). (٤) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د. (٥) سورة التوبة: آية ٦٧ . ٣٦٧ رابعها: التمسك بقوله: ((من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) والكفارة إنما تكون عن الذنب غالباً، والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم، فتعين أن يكون العامد هو المراد بلفظ الناسي. خامسها: قوله: ((أقم الصلاة لذكري)) أي لتذكرني فيها على أحد التأويلات. سادسها: أن القضاء يجب بالخطاب الأول، لأن خروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها، لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما يُسقط العبادة [فقدها](١) أو فقد شرطها، ولم يحصل شيء من ذلك، وهذا أحد القولين لأئمتنا الأصوليين والفقهاء(٢). وقال النووي في (شرحه)(٣): هذا القول خطأ من قائله [وجهالة] (٤)، ولم يزد على ذلك. وقال ابن دخية في ((المولد)»: شذ ابن حزم(٥) في ذلك، وخالف الجمهور، وظن أنه يسير في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين، ثم رد عليه بقصة الخندق(٦) حيث لم يصلِّ هو ولا أصحابه حتى غربت الشمس، وكذلك حديث: ((لا يصلين (١) في المفهم (فعلها). (٢) ساقه من المفهم (٢/ ١١٧٢). (٣) شرح مسلم (١٨٣/٥). (٤) في ن ب د (وجهلاً). (٥) المحلى (٢٢٦/٢، ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٤٤)، (٧/٣). (٦) البخاري (٥٩٦، ٥٩٨، ٦٤١، ٩٤٥، ٤١١٢). ٣٦٨ أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة)» (١) فخرجوا مبادرين ولم يصلها بعضهم إلاّ في بني قريظة بعد الغروب، لقوله ذلك لهم. وأما الشيخ عز الدين فقال في ((قواعده))(٢): له وجه حسن فذكره . وعن ((شرح الوسيط)) لابن الأستاذ: أنه حكى في باب سجود السهو عن ابن كج أن ابن بنت الشافعي كان لا يرى بقضائها [أيضاً](٣)، وهذا غريب، وقد أسلفنا أن القرطبي(٤) حكاه عن أبي عبد الرحمن الشافعي، وهذه الكنية كناها بعضهم لابن بنت الشافعي أيضاً وبعضهم لغيره، فالله أعلم / . [٢٨ / ١/١] [قالوا](٥): ونظير هذه المقالة وجه مشهور عندنا: أنه إذا ترك بعضا من الأبعاض لا يسجد له، واليمين الغموس [قالوا] (٦) لا كفارة فيها، وإنمها أعظم من أن يكفره. وقال صاحب «المعلم)؛(٧): سبب الخلاف في هذه / المسألة [١/٥/٥٦] أن حكم العامد مستفاد من دليل الخطاب، فإن العامد بخلاف الناسي أو من تبينه الخطاب، فإن العامد أولى بالقضاء من الناسي والحق / [٢٦/ب/ب] (١) البخاري (٤١١٩). (٢) قواعد الأحكام (٦/٢). (٣) زيادة من ن ب د. (٤) المفهم (٢/ ١١٧١). (٥) في ن ب د ساقطة. (٦) زيادة من ن ب د. (٧) بمعناه في المعلم (١/ ٤٤١). ٣٦٩ أنه إن جعل القضاء في الناسي تغليظاً، فالعامد أحق به، وإن جعل من باب الرفق، وأنه يستدرك بقضائه ما فاته [بقدره](١)، فالعامد. ضده فلا يلحق به، ولا يقوم به حجة على أهل الظاهر الباقين. القضاء بعد الصبح والعصر السادس: في قوله: ((إذا ذكرها)) حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن المتروكة لا تقضى بعد الصبح، ولا بعد العصر كما نبه عليه القرطبي (٢). قال: ووجه تمسكهم أنها صلاة تجب لسبب ذكرها فتفعل عند حضور سببها متى [ما](٣) حضر، وقد صرح بالتعليل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ(﴾﴾(٤)، فإن اللام للتعليل ظاهراً ولا يعارض هذا بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس))(٥)، فإن هذا عام في جنس الصلوات، وذاك خاص في الواجبات المقضية. والوجه الصحيح عند الأصوليين: بناء العام على الخاص، إذ ذلك يرفع التعارض، وبه يمكن الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصولیین. السابع: استدلاله - عليه الصلاة والسلام - بقوله: وأقسام ذلك - تعالى -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ لَ﴾﴾ دليل على أن شرع من شرع من قبلنا شرع لنا (١) في ن ب (بعذره). (٢) المفهم (١١٧٢/٢). (٣) زيادة من ن ب د. (٤) سورة طه: آية ١٤ . (٥) البخاري (٥٨٦، ١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥). ٣٧٠ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه؛ لأن الخطاب بهذه الآية إنما هو لموسى - عليه السلام - . قال القرطبي: وهو قول أكثر أصحابنا. وقال صاحب ((القبس))(١): لا خلاف عن مالك أن: ((شرع من قبلنا شرع لنا)) وقد نص عليه في كتاب الديات من الموطأ(٢). وقال القرافي: شرع من قبلنا على ثلاثة أقسام: قسم: لم يعلم إلاّ من قبلهم كما يزعمون: أن في التوراة تحريم الجدي بلبن أمه، يشيرون إلى المضيرة. وقسم: عُلم بشرعنا وأُمرنا نحن أيضاً به كقوله - تعالى - : وَكَتْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٣). وقسم: علم بشرعنا أنه کان شرعاً لهم، ولم نؤمر نحن به، فالأول: ليس شرعاً لنا قطعاً. والثاني: شرع لنا قطعاً، والثالث: [ ] (٤) محل النزاع، والحديث إنما دل على القسم الثاني، وليس النزاع فيه كما نقله القرافي. الثامن: قوله: ((أقم الصلاة لذكري)) اختلف أهل التفسير في تفسير قوله: قوله: «لذکري». الذكري) (١) القبس (١٠٣/١). (٢) الموطأ (٨٦٤/٢). (٣) سورة المائدة: آية ٤٥ . (٤) في ن ب د زيادة (هو). ٣٧١ فقال مجاهد: لتذكرني فيها. وقال النخعي: اللام للظرف أي: إذا ذكرتني أي: إذا ذكرت أمري بعد ما نسیت، ومنه الحدیث. وقيل: لا تذکر فيها غيري. وقيل: شكراً لذكري. / [٢٨/أ/ ب] وقيل: اللام للتسبب. قال القرطبي(١): وهو أوضحها، ويقرب (٢) ١٤ منه قول النخعي وقرىء شاذاً: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ [٥٦ / د/ ب] وقيل: أقم الصلاة لأذكرك / بالمدح، حكاه الباجي(٣). قال: وأبين الأقاويل عندي أن المعنى أقم الصلاة حين تذكرها لأنه - علیه الصلاة والسلام - احتج بالآية على قوله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. [٢٧ /ب/ ١] وقال القاضي عياض: أي لتذكيري لك إياها، وهو أولى/ السياق [الحديث] (٤) والاحتجاج بها [ويعضده](٥) قراءة للذكري، وهو قول أكثر العلماء والمفسرين. (١) المفهم (٢/ ١١٧٢). (٢) بلامين وتشديد الذال، وهي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وابن المسيفع. انظر: زاد المسير (٢٧٥/٥). (٣) ساقه وما قبلها الباجي في المنتقى (٢٩/١). (٤) زيادة من ن ب د. وما أثبت إكمال إكمال المعلم (٣٣٩/٢). (٥) في الأصل ويعضدها، وما أثبت يوافق إكمال إكمال المعلم. ٣٧٢ التاسع: يستدل بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا كفارة من مات وعليه صلاة لها إلاَّ ذلك)) على أن من مات وعليه صلاة لا يقضى عنه، ولا تجبر بمال. وذهب أصحاب [الرأي](١): إلى أنه يطعم عنه . والقائل بهذا: يحمل الحديث على حال الحياة، وأما بعد الموت [فيلحق](٢) بالصوم في الإطعام والقضاء أيضاً لاشتراكهما في معنى التعبد البدني : [فرع](٣): أصح قولي الشافعي: استحباب قضاء السنن الراتبة. ويستدل له بعموم هذا الحديث [وبغيره من الأدلة أيضاً] (٤). [العاشر](٥): روى الجوزقاني في موضوعاته(٦) عقب حديث (١) في ن ب الكلمة (أتى). (٢) في النسخ (فيلتحق)، وما أثبت أقرب للمعنى. (٣) في ن ب د (العاشر). (٤) زيادة من ن ب د. (٥) في ن ب د (فائدة). (٦) الأباطيل والمناكير (٣٧/٢). فائدة: في الجمع بين حديث نومه ﴿ عن صلاة الفجر وبين قوله اليه: ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)): قال النووي له جوابان: أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان. والثاني: أنه كان له حالان، حال كان قلبه فيه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه وهو = ٣٧٣ أنس هذا ردًّا على حديث باطل من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رجل: يا رسول الله! إني تركت الصلاة فقال: ((اقض ما تركت)) فقال: يا رسول الله! كيف أقضي؟ قال: ((صل مع كل صلاة صلاة مثلها)) قال: يا رسول الله! قبل أم بعد؟ قال: ((لا، بل قبل)) ثم قال: هذا حديث غريب لم نكتبه إلاَّ بهذا الاسناد. ٨ نادر، فصادف هذا أي قصة النوم عن الصلاة قال: والصحيح المعتمد هو الأول والثاني ضعيف. وهو كما قال. اهـ، من فتح الباري (٤٥٠/١). ٣٧٤ الحديث الخامس ٢١/٥/١١٦ - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ((أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي والر عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة))(١). الكلام عليه من وجوه : أحدها: في التعريف براويه وقد سلف قبيل [التيمم] (٢). ثانيها: وقع في الحديث ذكر معاذ وترجمته مبسوطة فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب، فراجعها منه تجد ما يشفي الغليل. ثالثها: قوله: ((عشاء الآخرة)) فيه دليل على جواز مثل هذا، إضافة المنكر إلى المعرف (١) البخاري (٧٠٠، ٧٠١، ٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦)، ومسلم (٤٦٥) (١٨١)، والترمذي (٥٨٣)، وأبو داود (٥٩٩، ٦٠٠، ٧٩٠)، والنسائي (١٠٢/٢)، والبغوي (٨٥٧، ٨٥٨)، وأحمد (٣٠٨/٣، ٣٦٩)، والدارقطني (٢٧٤/١، ٢٧٥)، والطيالسي (١٦٩٤)، وابن حبان (١٥٢٤)، والشافعي (١٤٣/١)، وفي بعض الروايات ((المغرب)) بدل ((العشاء)، وفي بعضها مبهمة كما في رواية البخاري (٧١١). (٢) في ن ب (اليتيم). ٣٧٥ وإضافة المنكر إلى المعرف إذا كان المعرف صفة للمنكر، ويعبر عنه بإضافة الموصوف إلى صفته، وهو مذهب الكوفيين. فيقال: عشاء الآخرة، ومسجد الجامع. ومنعه البصريون، قالوا: وحيث جاء إضافة المنكر إلى: المعرف في الصفة والموصوف إنما هو على تقدير موصوف معرف محذوف، وهو العشاء الآخرة، وفي مسجد المكان الجامع . [٢٩ /١/١] منع بعض العلماء قول العشاء الآخرة والجواب عليه رابعها: وقد منع بعض العلماء قول: العشاء الآخرة. قال: لأنه يقتضي أن يكون / ثَمَّ عشاء أولى، كما لا يقال: مررت برجل. وامرأة أخرى وبالعكس. فإن نقل تسمية المغرب عشاء فهو وجه قول [٥٧/ ١/٥] الجمهور، وإلَّ فيكفيهم دليلاً على / جواز ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)). رواه مسلم(١)، وثبت في مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بذلك(٢). (١) مسلم (٤٤٤)، وأبو داود في الترجل (٤١٧٥)، باب: ما جاء في المرأة تتطيب للخروج، والنسائي (١٥٤١٨)، والبيهقي (١٣٣/٣)، والبغوي في السنة (٨٦١)، وأبو عوانة (١٧/٢). (٢) قال البخاري - رحمنا الله وإياه -: (باب من كره أن يقال للمغرب العشاء)، قال الزين بن المنير: عدل المصنف عن الجزم كأن يقول، باب: كراهية كذا، لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهياً مطلقاً. لكن فيه النهي. عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحياناً، بل يجوز أن يطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفاً مع عادتهم قال: وإنما = ٣٧٦ ؛ وأجاب بعضهم عن الشبهة السالفة بأن قال: إنما وصفت بالآخرة، ولم تكن لها أولى كما وصفت الجاهلية بالأولى في قوله: ﴿ وَلَا تَّبَرَّْنَ / تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُولَى﴾(١)، فإنه لم يكن ثَمَّ جاهلية [٢٧/ب/ ب] أخری، وهذا وهم. فالجاهلية الأولى: هي [الزمن](٢) الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي به وسط الطريق، تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بین آدم، ونوح. شرع لها التسمية بالمغرب، لأنه اسم يشعر بمسماها أو بابتداء وقتها. = وكره إطلاق اسم العشاء عليها، لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى. وعلى هذا لا يكره أيضاً أن تسمى العشاء بقيد كأن يقول العشاء الأولى، ويؤيد قولهم العشاء الآخرة كما ثبت في الصحيح - أي مسلم برقم (٤٤٤) - وسيأتي من حديث أنس ففي الباب الذي يليه - أي في باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعاً، ونقل ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويحتاج إلى دليل خاص. أما من حديث الباب فلا حجة له. اهـ، من الفتح (٤٣/٢). فائدة: لا يتناول النهي تسمية المغرب عشاء على سبيل التغليب كمن قال مثلاً: صليت العشاءين. إذا قلنا: إن حكمة النهي عن تسميتها عشاء خوف اللبس في الصيغة المذكورة. اهـ، من الفتح (٤٤/٢). فائدة أخرى: لم يثبت عن النبي ولو إطلاق العشاء على المغرب. اهـ، من الفتح (٤٥/٢). (١) سورة الأحزاب: آية ٣٣. (٢) في الأصل ثم (من)، والتصحيح من ن ب. ٣٧٧ وقيل: غير ذلك. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين. صلاة المفترض خلف المتنفل وذكر أقوال العلماء بأدلتها ويان الراجح خامسها: في الحديث دلالة ظاهرة على صحة صلاة المفترض خلف المتنقل، وهو مذهب الجمهور، لأن معاذاً كان يصلي الفريضة مع النبي ◌ّ﴿ فيسقط فرضه، ويصلي مرة ثانية بقومه له [تطوع] (١) ولهم مكتوبة، وكذا جاء مصرحاً به في رواية الشافعي(٢)، ثم البيهقي(٣). قال الشافعي في ((الأم))(٤): وهذه الراوية صحيحة، وصححها البيهقي أيضاً وغيره. (١) في ن ب (تطوعا). (٢) مسند الشافعي (١٤٣/١)، والأم (١/ ١٧٣). (٣) البيهقي في السنن (٨٦/٣) بلفظ: ((هي له تطوع ولهم فريضة)). قال الحافظ في الفتح (١٩٥/٢): واستدل بهذا الحديث على صحه اقتداء المفترض بالمنتفل بناءاً على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق (٢٢٦٦)، والشافعي والطحاوي (٢٣٧، ٢٣٨)، والدارقطني (١٠٢)، وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن جابر في حديث الباب زاد: ((هي له تطوع ولهم فريضة»، وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه. البيهقي في المعرفة (٤ / ١٥٣). (٤) الأم (١٣٢/١، ١٤٣، ٣٨٤). ٣٧٨ وقال ابن شاهين في (ناسخه ومنسوخه)(١): لا خلاف بين أهل النقل للحديث في [صحة](٢) إسنادها. قال البيهقي: والظاهر أن هذه [الزيادة](٣) من قول جابر، فإنه لا يقول ذلك إلاَّ بعلم. قلت: [وبما](٤) ذكرناه يرد به على من ادعى من المالكية ضعفها [أو](٥) إدراجها، وادعى بعض الحنفية(٦) ممن له شرب في الحديث: أن ابن عيينة لم يذكرها في الحديث، وإنما ذكرها ابن جريج، وهذا غير قادح، فابن جريج ثقة يقبل ما تفرد به إن سلم له ذلك (٧) . (١) الناسخ والمنسوخ (٢٥٠). (٢) في الأصل (صحیحه)، وما أثبت من ن ب د. (٣) في الأصل (الرواية)، والتصحيح من ن ب د. معرفة السنن (٤/ ١٥٣). (٤) في الأصل (وما)، وما أثبت من ن ب د. (٥) في ن ب د ( و). (٦) أي الطحاوي كما ذكره الحافظ في الفتح (١٩٦/٢). (٧) قال الحافظ في الفتح (١٩٦/٢): (قد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق فيه فانتفت تهمة تدليسه، فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج - ولم يذكر هذه الزيادة - ليس بقادح في صحته، لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت = ٣٧٩ وفي ((المنتقى)) (١): أن الإِمام أحمد ضعّف هذه الزيادة وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاماً لا يقوله أحد، زاد ابن قدامة في المغني: وقد روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان. قلت: قد قاله ابن جريج واعتذر ابن الجوزي (٢) عن هذه الزيادة: بأنها من ظن الراوي(٣) وقد سبق جواب هذا من كلام البيهقي. واعتذر ابن العربي (٤) عنها بأن قال: يحمل على أن معاذاً كان يصلي مع رسول الله وَلهو صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر التفصيل مهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا روي من = وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً لعمرو بن دینار عنه. (١) المنتقى (٦٣٢/١)، باب: هل يقتدي المفترض بالمتنفل أم لا؟ ولم يذكر هذا النقل عن الإِمام أحمد. (٢) في تحقيق أحاديث الخلاف (١/ ٤٨١). (٣) وقول الطحاوي: هو ظن من جابر مردود لأن جابر كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلاَّ بأن ذلك الشخص أطلعه عليه. هذا الجواب شامل للرد على من يقول: إنه ظن من الراوي - أي جابر -. وانظر: فتح الباري (١٩٢/٢)، وتصحيحه قوله: ((هي لهم فريضة وله تطوع»، وحاشية الصنعاني (٢/ ٥٠٠). (٤) عارضة الأحوذي (٦٥/٣، ٦٦). ٣٨٠