النص المفهرس

صفحات 261-280

منحى غير سديد (١) وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد لإخباره
- عليه الصلاة والسلام - أنه ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل
الصلاة، ولأن صورة الفعل النسياني كصورة الفعل العمدي، وإنما
يتميزان للغير بالإخبار.
ومنعت أيضاً طائفة من العلماء: السهو عليه في الأفعال
البلاغية والعبادات كما أجمعوا على منعه. واستحالته عليه في
الأقوال البلاغية وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال
الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.
والصحيح الجواز: فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يُقَر
عَلَيه لم تَحصُل فيه مَفْسَدَة، بل تحصل [منه](٢) فائدة، وهي بَيَان
أحكام التأسي وتقرير الأحكام.
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوي (١٦٨/٤) بعد كلام سبق: لكن النبي ◌َل
معصوم فلا يجوز أن يصدر عنه خبران متناقضان في الحقيقة. ولا أمران
متناقضان في الحقيقة إلاَّ وأحدهما ناسخ والآخر منسوخ. وأما غير
النبي ◌َ * فليس بمعصوم، فيجوز أن يكون قد قال خبرين متناقضين.
وأمرين متناقضين، ولم يشعر بالتناقض. لكن إذا كان في المنقول عن
النبي ◌َله ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة. وقد تختلف الروايات حتى يكون
بعضها أرجح من بعض، والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف
كثير. لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره. بل هو أولى بذلك، لأن الله
قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حفظ ما يؤثر
عن غيره ... إلخ.
(٢) في ن ب د (فيه).
٢٦١

والذين أجازوا السهو قالوا: لا يقر عليه فيما طريقه البلاغ /
الفعلي(١).
:
[٤٠ / ٥ / ١]
واختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة أم لا يشترط؟
بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة / التبليغ وهو العمر؟
وهذه الواقعة أعني الحديث الذي نحن فيه قد وقع البيان فيها على
الاتصال؛ ومذهب الأكثرين: الأول، واختار إمام الحرمين: الثاني،
وكذا قال القرطبي في شرحه(٢): أن الصحيح أن السهو عليه جائز
مطلقاً، إذ هو واحد من نوع البشر، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا
(١) قال شيخ الإسلام في بغية المرتاد (٥٠١): وأما الرسول ◌َ له فعصمته فيما.
استقر تبليغه من الرسالة باتفاق المؤمنين، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَّاً
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن ◌َّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَ أُمْنِتَتِهِ﴾ حتى
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقٍِ (يَا﴾، ثم قال: وليس هذا
موضع ذكر تنازع الناس. هل كان الإلقاء في السمع أو في اللفظ؟ إذا
لا نزاع بين الأئمة في أنه لا يقر على ما هو خطأ في تبليغ الرسالة. وقال
في الفتاوى (٢٨٩/١٠): والكلام في هذا المقام مبني على ((أصل)»، وهو
أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - معصومون فيما يخبرون به عن الله
- سبحانه - وفي تبليغ رسالاته. ولهذا وجب الإِيمان بكل ما أوتوه، كما
قال - تعالى -: ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أَنْزِلَ إِلَ إِزَهِمَ﴾ إلى
قوله: ﴿وَمَآ أُوِىَ النَّبِيُّونَ﴾ إلى أن قال: وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي
التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة، فإن النبي هو المنبأ عن الله،
والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي، وليس كل نبي.
رسولاً. والعصمة فيما يبلغون عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ
باتفاق المسلمين.
(٢) المفهم (٢/ ١٠٠٠، ١٠٠٤).
٢٦٢

لم يقدح في حاله غير أن ما كان منه فيما طريقةُ بلاغ الأحكام قولاً
وفعلاً لا يقر على نسيانه، بل ينبه عليه إذا دعت الحاجة إليه، فإن أُقر
على نسيانه لذلك، فذلك من باب النسخ كما قال - تعالى - :
﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَ تَنْسَ نَ إِلَّ مَا شَاءَ اللّهُ﴾(١).
[١٢ / أ/ ب]
هاجرابه العادات
وقسم القاضي عياض (٢) السهو عليه وَّل في الأفعال إلى:
ما طريقه البلاغ وإلى ما ليس طريقه / البلاغ، ولا بيان الأحكام من
الأفعال البشرية مما يختص به من العبادات والأذكار القلبية، وأبى
ذلك بعض من تأخر عن زمنه، وقال: إن أقوال الرسول وأفعاله
وإقراره كله بلاغ واستنتج بذلك العصمة في العمل بناءًا على أن
المعجزة تدل على العصمة فيما طريقه البلاغ، وهذه كلها بلاغ تتعلق
بها العصمة، ولم يصرح في ذلك بالفرق بين عمد أو سهو، وأحد
البلاغ في الأفعال من حيث التأسي به وَّر فإنه سوى بين العَمد
والسَّهو، فهذا الحديث يرد عليه.
قال القاضي: واختلفوا في جواز السهو عليه في الأمور التي
لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه
فجوزه الجمهور.
وأما الثاني: وهو الأقوال وهو ينقسم إلى ما طريقه البلاغ
والسهو فيه ممتنع إجماعاً كالعمد وأما طروء السهو في الأقوال
(١) سورة الأعلى، آيتان ٦، ٧.
(٢) ذكره في إكمال إكمال المعلم (٢٦٧/٢، ٢٦٨). والنووي في شرح مسلم
(٦٢/٥) للاطلاع على السياق.
٢٦٣

الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا [تستند](١)
الأحكام إليها ولا أخبار المعاد وما لا يضاف إلى وحي فجوز قوم
إذ لا مفسدة فيه، وليس هو من باب التبليغ التي يتطرق به إلى القدح
في الشريعة. والحق كما قال القاضي عياض: المنع على الأنبياء في
كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمداً
ولا سهواً لا في صحة ولا مرض ولا رضى ولا غضب.
وأما جواز السهو عليه في الاعتقادات في أمور الدنيا: فغير
ممتنع، کما وقع في تلقيح النخل، وقد استدركه.
وأما جوازه في اعتقاد متعلق بالدين ومعرفة [الذات](٢)
والصفات: فالسهو عليه فيه محال إجماعاً.
والذي يتعلق بما ذكرنا من هذا الحديث قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((لم أنس ولم تقصر)) وفي رواية أخرى: ((كل ذلك
لم يكن» فإنه مشكل / بما ثبت من حاله / - عليه الصلاة والسلام -
فإنه مستحيل عليه الخلف.
[١١/ب/ب]
.[٤٠/ د/ب]
وقد اعتذر عن ذلك بوجوه:
الجواب عن
نول:
(لم أنس)
الأول: أن المراد لم يكن القصر والنسيان معاً، وكان الأمر
كذلك، فنفى الكلية وهو صادق فيها، إذ لم يجتمع وقوع الأمرين
وإنما وقع أحدهما، ولا يلزم من نفي الكلية نفي كل [جزء من](٣)
(١) في ن د (مستند).
(٢) في الأصل و ن ب (الدين).
(٣) في الأصل ساقطة، وما أثبت من ن ب د.
٢٦٤

أجزائها، فإذا قال: [لم](١) ألق كل العلماء. لا يفهم أنه لم يلقَ
واحداً منهم، ولا يلزم ذلك [منه](٢)، وفي هذا نظر لأن لفظ
ذي اليدين لا يقتضي مجموع الأمرين، وإنما معناه السؤال عن
أحدهما لا بعينه بدليل حرف المعادلة وهو أم.
الثاني: أن المراد الإخبار عن اعتقاد قلبه وظنه، وهذان
الوجهان يختص الأول منهما بالرواية الثانية، وأما الأولى فلا يصح
فيها هذا التأويل، وأما الوجه الثاني فهو مستمر على مذهب من یری
أن مدلول اللفظ الخبري هو الأمور الذهنية، فإنه وإن لم يذكر ذلك
فهو الثابت في نفس الأمر فيصير كالملفوظ به، واقتصر النووي في
(شرح مسلم)(٣) على هذين الوجهين، وقال /: إن الثاني هو [١/١/١٣]
الصواب. وقال: ويدل على صحته وأنه لا يجوز غيره رواية:
((لم أنس ولم تقصر)) فنفى الأمرين.
قال القرطبي(٤): وهو الصواب فإنه ضعف ما سواه. قال:
ومن هذا ما قد صار إليه أكثر العلماء أن الحالف بالله على شيء
يعتقده فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه أن تلك اليمين لاغية لا حنث
فيها، وهي التي لم يضفها الله إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالَّغْوِ ... ﴾(٥) الآية.
(١) زيادة من ن د.
(٢) زيادة من ن د.
(٣) (٦٩/٥).
(٤) المفهم (١٠١٠/٢).
(٥) سورة المائدة: آية ٨٩.
٢٦٥

[قلت: ويؤيد هذا الوجه رواية السراج في مسنده: ((ما قصرت
ولا علمت أني نسيت)) ](١).
الثالث: أن قوله: ((لم أنسَ))، يحمل على السلام(٢)، أي أنه
كان مقصوداً، لكنه بنى على ظن التمام، ولم يقع سهواً في نفسه،
وإنما وقع السهو في عدد الركعات، وهذا بعيد لأنه حينئذٍ لا يكون
جواباً عما سئل عنه.
[الرابع](٣): الفرق بين السهو والنسيان(٤): فإنه كان يسهو ولا
(١) زيادة من ن د.
(٢) أي سلامه من الصلاة بأنه كان مقصوداً للخروج من الصلاة وبنى مصر هذا
السلام على ظن التمام.
(٣) زيادة من ن د.
(٤) قال صاحب الفروق اللغوية - رحمنا الله وإياه - (٧٨) في الفرق بين
((النسيان والسهو)): إن النسيان إنما يكون عما كان، والسهو يكون عما
لم يكن تقول: نسيت ما عرفته. ولا يقال: سهوت عما عرفته، وإنما تقول:
سهوت عن السجود في الصلاة، فتجعل الهو بدلاً عن السجود الذي
لم يكن. والسهو والمسهو عنه يتعاقبان، وفرق آخر: أن الإِنسان إنما ينسى
ما كان ذاكراً له، والسهو يكون عن ذكر وغير ذكر، لأنه خفاء المعنى بما
يمتنع به إدراكه، وفرق آخر وهو أن الشيء الواحد محال أن يسهى عنه في
وقت ولا يسهى عنه في وقت آخر، وإنما يسهى في وقت آخر عن مثله،
ويجوز أن ينسى الشيء الواحد في وقت، ويذكره في وقت آخر.
الفرق بين (السهو والإغماء)» أن الإغماء سهو يكون من مرض فقط،
والنوم سهو يحدث مع فتور الجسم الموصوف به.
الفرق بين «السهو والغفلة)» أن الغفلة تکون عما یکون، والسھو یکون عما =
٢٦٦

ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان، لأنه غفلة ولم يَغْفُل عنها،
وكان شغله بحركات الصلاة وما فيها شغلاً بها لا غفلة عنها ذكره
القاضي عياض.
قال الشيخ تقي الدين(١): وليس فيه تلخيص العبارة عن حقيقة
السهو والنسيان، مع بعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه
يتلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر الأمر لا يتعلق بالصلاة،
والسهو عدم الذكر لأمر تعلق بها، ويكون النسيان: الإعراض عن
تفقد أمورها، حتى يحصل عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر،
لا لأجل الإعراض. وليس في هذا بعد ما ذكرناه [تفريق](٢) كلي
[بين] (٣) السهو والنسيان.
لا يكون، تقول: غفلت عن هذا الشيء حتى كان ولا تقول: سهوت عنه
=
حتى كان، لأنك إذا سهوت عنه لم يكن، ويجوز أن تغفل عنه ويكون،
وفرق آخر: أن الغفلة تكون عن فعل الغير، تقول: كنت غافلاً عما كان
من فلان ولا يجوز أن يسهى عن فعل الغير. اهـ من الفروق.
قال ابن القيم - رحمنا الله وإياه - في مدارج السالكين (٤٣٤/٢): الفرق
بين ((الغفلة والنسيان)): أن ((الغفلة)) ترك باختيار الغافل. و((النسيان)) ترك بغير
اختياره، ولهذا قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ اَلْفَّفِينَ [®)﴾ ولم يقل:
ولا تکن من الناسین. فإن النسيان لا يدخل تحت التکلیف، فلا ینھی عنه.
(١) إحكام الأحكام (٤٢٧/٥).
(٢) في الأصل ون ب د (تحقيق)، وما أثبت من إحكام الأحكام لأنه هو
الذي يناسب السياق.
(٣) في الأصل ون ب د (يخص)، وما أثبت من إحكام الأحكام لأنه هو الذي
يناسب السياق.
٢٦٧

[٤١ /٥/ ١]
وقال القرطبي(١) أيضاً: هذا الوجه / ليس بشيء، إذ لا نسلم
الفرق، ولو سلم فقد أضاف النسيان إلى نفسه في غيرما موضع؛
فقال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني))، وغير
ذلك.
وقال [الكاشغري](٢) في غريبه: ((السهو: في الشيء تركه من
غير علم.
[١٢ / ب/ ١]
والسهو: / عن الشيء تركه مع العلم. ومنه قوله تعالى:
اٌلَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾(٣)))، وقال: والسهو في الصلاة:
النسيان. والنسيان: هو عدم الذكر لما قد كان مذكوراً، [إذ] (٤).
السهو: الغفلة عما كان في الذكر وعما لم يكن.
وقال غيره: السهو: يتعدى بحرف الجر.
والنسيان: يتعدى بنفسه، وأحسن منه أن النسيان: يطلق على
ترك الشيء عمداً(٥) ومنه قوله - تعالى -: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمّ﴾(٦).
(١) المفهم (١٠١١/٢).
(٢) في الأصل و ن ب (الکاشغردي)، وما أثبت من ن د.
هو: محمد بن محمد بن علي الكاشغري فقيه، أصله من كاشغر، جاور
بمكة وتصوف، ودخل اليمن فأقام بتعزله كتاب ((مجمع الغرائب ومنبع
الفوائد)» .
(٣) سورة الماعون: آية ٥.
(٤) في ن د (واو).
(٥) انظر التعليق ٣٣.
(٦) سورة التوبة: آية ٦٧ .
٢٦٨

قال صاحب القبس(١): وهذا هو الذي يعني به النبي ◌َّر عن
نفسه .
الخامس: ذكر القاضي عياض - رحمه الله - أنه ظهر له ما هو
أقرب وجهاً وأحسن تأويلاً، وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما
أنكر ((نسيت)) المضافة إليه وهو الذي نهى عنه، بقوله: ((بئسما
لأحدكم أن يقول نيست ولكنه نُسِّي))(٢)، وقد روي: ((إني لا آنسى)
على النفي ((ولكن أَنَسَّي)). وقد شك الراوي على رأي بعضهم في
الرواية / الأخرى، هل قال ((أَنّسَ)) أو ((أُنسَ)) وأن ((أو)) هنا للشك، [١٣/أ/ ب]
وقيل: بل للتقسيم وأن هذا يكون مرة من قبل شغله وسهّوه، ومرة
يغلب على ذلك، ويجبر عليه ليّسن، فلما سأله السائل بذلك اللفظ
أنكره. وقال: كل ذلك لم يكن. وفي الرواية الأخرى: ((لم أنس،
ولم تقصر)) أما القصر فبين لا، وقال كل ذلك لم يكن، وفي الرواية
الأخرى، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن الصلاة،
ولكن الله نسّاني لأسن.
قال القرطبي(٣): وهذا يبطله قوله أيضاً: ((أنسى كما تنسون،
(١) القبس (٢٥٦/١).
(٢) البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي
(١٥٤/٢)، والدارمي (٣٠٨/٢، ٤٣٩)، والبغوي (١٩٥/٤)،
والحميدي (٥٠/١)، وعبد الرزاق (٣٥٩/٣)، وأحمد (٤٢٣/١، ٤٢٩،
٤٢٩، ٤١٧، ٤٢٩، ٤٣٨، ٤٣٩)، وصححه الحاكم (٥٥٣/١)، ووافقه
الذهبي - .
(٣) المفهم (١٠١٢/٢).
٢٦٩

فإذا نسيت فذكروني))(١) وأيضاً فلم يصدر ذلك عنه على جهة الزجر
والإِنكار، بل على جهة النفي لما قاله السائل عنه، وأيضاً فلا يكون
جواباً لما سئل عنه، ونحى بنحوه الشيخ تقي الدين (٢)، فقال: اعلم
أنه ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود أنه پ قال: «لو وجدت
في الصلاة [شيء](٣) [لأنبتتكم](٤) به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما
تنسون، فإذا نسيت فذكروني)»(٥)، وهذا يعترض على ما ذكره.
القاضي(٦) من أنه ﴿ أنكر نسبة النسيان إليه، وقد نسبه إليه في
حديث ابن مسعود هذا مرتين وما ذكره أيضاً من أنه - عليه الصلاة
والسلام - نهى أن يقال: ((نسيت كذا))، [و](٧) الذي أعرف: ((بئسما
لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا)»(٨)، وهذا ذم لإضافة نسبة النسيان
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) إحكام الأحكام (٤٢٨/٢).
(٣) في ن ب ساقطة.
(٤) في ن د ساقطة.
(٥) مسلم (٥٧٢)، والبخاري (٦٦٧١)، وأحمد (٤١٩/١، ٤٣٨).
(٦) ذكره في اكمال اكمال المعلم (٢/ ٢٧٢).
(٧) في ن ب زيادة (إلى).
(٨) البخاري (٥٠٣٢، ٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠) سبق تخريجه.
وقال الحافظ - رحمنا الله وإياه - في الفتح (٩/ ٨٠، ٨١): واختلف في
متعلق الذم من قوله: ((بئس)) على أوجه: الأول: قيل: هو على نسبة
الإنسان إلى نفسه النسيان وهو لا صنع له فيه، فإذا نسبه إلى نفسه، أوهم
أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول: أنسيت، أو نُسّيت بالتثقيل على
البناء للمجهول فيهما، أي: إن الله هو الذي أنساني كما قال: ﴿وَمَا =
٢٧٠

إلى الآية ولا يلزم من الذم للإضافة إليها الذم للإضافة إلى / كل [٤١/د/ب]
رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِرِيَ اللَّهَ رَمَّ﴾، وقال: ﴿وَكَنُوْ يُصِرُونَ عَلَى لَلِثِ
=
اَلْعَظِيمِ ﴾﴾، وبهذا الوجه جزم ابن بطال، فقال: أراد أن يجري على
ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها، لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية
والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن
نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنّة. ثم ذكر الحديث الآتي في
((باب نسيان القرآن))، قال: وقد أضاف موسى - عليه السلام - النسيان
مرة إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان فقال: ﴿فَإِنِّ نَسِيتُ الْمُتَ وَمَآ أَنْسَيِنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ﴾ ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنه
خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى
الشيطان بمعنى الوسوسة. اهـ. ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما
هو كلام فتاه. وقال القاضي: ثبت أن النبي نسب النسيان إلى نفسه يعني
كما سيأتي في ((باب نسيان القرآن))، وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث
قال: ﴿نَسِيتُ آلْمُتَ﴾ وموسى إلى نفسه حيث قال: ﴿لَا تُؤَلِذْنِ بِمَا
نَسِيتُ﴾، وقد سبق قول الصحابة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ﴾ مساق
المدح، قال - تعالى - لنبيه: ﴿أَلَّ ◌َجْمَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا * وَلْجِبَالَ أَوْتَادًا
فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذم، وجنح إلى اختيار الوجه الثاني وهو
كالأول، لكن سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ
لا يقع النسيان إلاّ بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به
في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإِنسان: نسيت الآية الفلانية
فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار
والتعاهد، لأنه يورث النسيان. وقال عياض: أولى ما يتأول عليه: ذم
الحال لا ذم القول، أي: بئس الحال حال من حفظه، ثم غفل عنه حتى
نسيه. وقال النووي: الكراهة فيه للتنزيه. اهـ.
٢٧١

شيء، فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبح بالمسلم إضافة نسيان
كلام الله - تعالى - إلى نفسه، وليس هذا المعنى موجوداً في كل
نسيان ينسبه إلى نفسه، فلا يلزم مساواة غير الآية لها، وكيف ما كان
لو لم تظهر مناسبة لم يلزم من الذم الخاص الذم العام، [وإذا](١).
لم يلزم ذلك لم يلزم أن يكون قول القائل نسيت، الذي أضافه إلى
عدد الركعات داخلاً تحت الذم فينكر، ولما تكلم بعض المتأخرين
[١٢/ب/ب] على هذا الموضع ذكر أن التحقيق في الجواب / عنه أن العصمة إنما
تثبت في الأخبار عن الله في الأحكام وغيرها، لأنه الذي قامت عليه
المعجزة، أما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز عليه فيه النسيان.
تنبيه: حديث: ((إني لأنسى أو أَنْسَّى لأسن))(٢)، منقطع الإسناد
حدیث: «اني
لأنسى، أو
أنسىُ لأسن)
(١) زيادة من ن د.
(٢) الموطأ (١٠٠/١). قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روي عن
النبي ول مسنداً ولا مقطوعاً. من غير هذا الوجه. وهو أحد الأحاديث.
الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة. ومعناه
صحيح في الأصول. اهـ. من الموطأ (١٠٠/١).
وقال الصنعاني - رحمه الله - في حاشية على إحكام الأحكام.
(٤٢٧/٢)، نقلاً عن الحافظ ابن حجر: إنه حديث لا أصل له. وإنما هو
من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد.
أقول: رواية ((لا أنسى))، هو كما عرفت لا تقوم به حجة. اهـ.
قال محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله - في مقدمة الموطأ (هـ) نقلاً عن
الشيخ محمد حبيب الشنقيطي من كتاب دليل السالك إلى موطأ مالك
(ص ١٤): إلى أنه حيث ثبتت اتصال جميع أحاديث الموطأ حتى إنه وصل
الأربعة التي اعترف ابن عبد البر بعدم الوقوف عليها ... إلخ كلامه ..
٢٧٢

وهو من بلاغات ((الموطأ)). قال ابن عبد البر: لا أعلمه بهذا اللفظ
يروى مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه.
قلت: وفي طريق آخر ((إني لا أنسّى ولكن أنسى لأسن))، وقد
تقدم الكلام على ((أو)) هذه.
وقال بعضهم: المقصود به النوم واليقظة [فينسى](١) في
اليقظة، وينسى في النوم / فأضاف نسيان اليقظة إلى نفسه، وأضاف [١/١٤/أ)
نسيان النوم إليه، حكاه الباجي واستبعده غيره من المتأخرين.
وقال بعضهم: ((إني لا أنسى)) على عادة البشر، وأنسى الشيء
مع إقبالي عليه وتوجهي إليه.
قال ابن بزيزة: والصحيح [عندي] (٢) أنه خرج مخرج النسبتين
الحقيقية والمجازية، فتكون ((أو)) للتقسيم، فأضاف النسيان إلى نفسه
مجازاً، ثم أضافه إلى الله، فالرواية الثانية تبين النسبة الحقيقية.
فائدة: نقل ابن بزيزة في ((شرح أحكام عبد الحق)): إن حديث
(إني لأنسى [أو أَنَسّى](٣) لأسُنَّ)) أحد الأحاديث الأربعة الواقعة في
الموطأ المطعون فيها .
الأحاديث
الأربعة في
الموطاً
المطعون فيها
وثانيها: الحديث الذي من سبب إعطاء ليلة القدر، وسيأتي في
بابه(٤) .
(١) في الأصل و ن ب (ینسی)، وما أثبت من ن د.
(٢) في ن د (عندنا).
(٣) في بعض الألفاظ (ولكن أنسى).
(٤) الموطأ، كتاب الاعتكاف (٣٢١/١) برقم (١٥)، والاستذكار (٣٤٣/١٠).
٢٧٣

وثالثها: حديث: ((إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين
غديقةٌ))(١).
آخر ما أوصى
به رسول الله
ورابعها: قوله: ((أخبر معاذ))، قال آخر: ((ما أوصاني به.
رسول الله (﴿ حين وضعت رجلي في الغرز)) (٢) الحديث وقد أُلحق
بها حديث المغفر، فإنه خالف في زيادة المغفر سائر أصحاب ابن
شهاب، وفي هذا نظر فقد توبع عليه، لكنه لم يصح.
(٣) الحادي عشر: فيما يتعلق بهذا الحديث من أصول الفقه:
فإن بعض من صنف في ذلك احتج به على جواز الترجيح بكثرة
الرواة من حيث إنه - عليه الصلاة والسلام - طلب إخبار القوم بعد
إخبار ذي اليدين .
الترجيح لكثرة
الرواة
قال الشيخ تقي الدين(٤): وفي هذا بحث. أي من حيث إنه
العمــل
بالاستصحاب
(١) الموطأ، كتاب الاستسقاء، حديث (٥). قال ابن عبد البر في الاستذكار:
(١٦١/٧): هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه، في غير الموطأ، إلاَّ
ما ذكره الشافعي في الأم (٢٥٥/١). قال ابن الصلاح في رسالته التي
وصل فيها بلاغات مالك (١١، ١٣) بعد كلام سبق، وقول ابن عبد البر:
إن الشافعي رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى ــ وهو متروك الحديث - فيه
تساهل من حيث إنه غيره بما ظنه أنه معناه ثم أورده عن الحافظ أبي بكر
البيهقي. اهـ.
(٢) الموطأ، كتاب حسن الخلق (١) (٩٠٢/٢)، والاستذكار (١١٥/٢٦)،
والتمهيد (٢٤/ ٣٠٠).
(٣) في ن د زيادة (الوجه).
(٤) إحكام الأحكام (٤٢٩/٢).
٢٧٤

ليس المطلوب هنا السؤال للتحمل والأخبار، بل / لتقوية الأمر [١/٥/٤٢]
المسؤول عنه وتحقيقه لا للترجيح للتعارض.
ويتعلق به أيضاً: من أصول الفقه القول [با](١) لاستصحاب(٢)،
فإن سرعان الناس أعملوا الظاهر جرياً على الغالب من أفعاله - عليه
الصلاة والسلام - وأنه للتشريع، فإن الوقت قابل للنسخ، وذا الیدین
عمل الاستصحاب، وهو استمرار حكم الصلاة فسأله [لذلك](٣)،
والقوم الذين سكتوا تعارض عندهم الأصل والظاهر فلم يجزموا / [١٣/ب/أ]
بالقصد، ولم يستفهموا مع علمهم بأنه لا يقر على خطأ.
الثاني عشر: فيما يتعلق به من الفروع وفيه فوائد.
الأولى: أن أبا هريرة صلى مع النبي ◌َّر هذه الصلاة(٤) التي تأخر حديث
ذي اليدين
(١) في ن د (واو).
(٢) الاستصحاب لغة: استفعال من الصحبة، وهي الملازمة، والمباشرة،
واستصحبه لازمه. وفي الاصطلاح: بقاء الأمر، والحال، والاستقبال على
ما كان عليه في الماضي، وهو قولهم بقاء ما كان على ما كان حتى يدل
الدليل على خلاف ذلك. اهـ. من تقريب الوصول (٣٩١).
(٣) في ن ب (كذلك).
(٤) قال ابن عبد البر - رحمه الله - في تمهيده (٣٥٦/١): وأما قولهم: أن
أبا هريرة لم يشهد ذلك لأنه كان قبل بدر، وإسلام أبي هريرة كان عام
خيبر، فليس كما ذكروا، بلى إن أبا هريرة أسلم عام خيبر. وقدم المدينة
في ذلك العام. وصحب النبي ◌َ ل9 نحو أربعة أعوام، ولكنه قد شهد هذه
القصة، وحضرها لأنها لم تكن قبل بدر. وحضور أبي هريرة يوم
ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات، وليس تقصير من قصر عن
ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكره. فهذا مالك بن أنس، قد =
٢٧٥

سلم فيها من اثنتين، ومعلوم أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وأنه
لم يحصل له صحبة مع النبي * سوى هذه المدة، فيكون حديث
ذي اليدين متأخراً فلا يكون منسوخاً.
[الثانية](١): أن نسيان الراوي لعين المروي لا يمنع الرواية ،
خصوصاً إذا لم يلتبس بأبهامه حكم.
الثالثة: إن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على
ظن التمام لا يوجب بطلانها.
عدم تعيين
المروي لا يمنع
الرواية
الخروج من
الصلاة بنية
إتمام الصلاة لا
يبطلها
[ ١٤ / ١/ ب]
السلام سهواً
لا يبطلها
كلام الناسي
في الصلاة
[رابعها](٢): أن السلام / [سهواً] (٣) لا يبطلها .
الخامسة: أن كلام الناسي لا يبطلها، وكذلك الذي يظن أنه
ليس فيها، وبه قال الجمهور منهم الأئمة الثلاثة.
وخالف أبو حنيفة وأصحابه. والثوري في أصح الروایتین عنه
تبطل صلاته بالکلام ناسياً أو جاهلاً لحديث ابن مسعود وغيره.
ذكر في موطأه عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أحمد،
=
قال: سمعت أبا هريرة يقول: ((صلى لنا رسول الله (وَ﴿ العصر).
ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((بينما أنا مع رسول اللّه وَهُ في:
صلاة الظهر) ... إلخ الروايات التي تثبت شهوده مع النبي وَ ل تلك
الصلاة. انظر: الاستذكار (٢٢٣/٢، ٢٢٩)، والبغوي (٢٩٥/٣)،
والقبس (٢٤٦/١، ٢٤٧).
(١) زيادة من ن د.
(٢) في ن د (الرابع).
(٣) في الأصل و ن ب عمداً وما أثبت من ن د.
٢٧٦

وزعموا: أن قصة ذي اليدين منسوخة به بناء على أن ذا اليدين
قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر.
قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة، رواه وهو متأخر
الإِسلام عن بدر لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من
النبي ◌َّلر أو صحابي آخر.
والجواب عن ذلك: أنه لا يصح ادعاء النسخ لحديث
أبي هريرة ولحديث ابن مسعود ولاتفاق العلماء من المحدثين وأهل
السير على أن حديث ابن مسعود كان بمكة حين رجع من أرض
الحبشة قبل الهجرة، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان
بالمدينة متأخراً عن عام خيبر بدليل ما ذكرناه من شهوده القصة
وإسلامه عام خيبر كما سلف(١).
السادسة: أن كلام العمد لإصلاح الصلاة يبطلها عند الكلام
لمصلحة
الصلاة عمداً
الجمهور.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنه لو تكلم بما تكلم به
النبي ◌َّ من الاستفسار والسؤال عند الشك وإجابة المأمومين أن
صلاتهم تامة على مقتضى الحدیث.
وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على
خلاف ما قال ابن القاسم عن مالك وقالوا: كان هذا أول
الإِسلام / واستثنى سحنون(٢) فقال: إن سلم من اثنتين من الرباعية [٤٢/د/ب]
(١) انظر: الاستذكار (٢٢٣/٢، ٢٢٩)، والقبس (٢٤٧/١).
(٢) المنتقي (١٧٣/١).
٢٧٧

[فوقع](١) الكلام هناك لم تبطل، وإن وقع في غير ذلك بطلت،
وأباح الإِمام أحمد ذلك للإِمام وحده.
قال القرطبي(٢): والصحيح ما ذهب إليه مالك تمسكاً.
(١٣/ب/ ب] بالحديث وحملً له على الأصل الكلي / من تعدي الأحكام
وعموم الشريعة، ودفعاً لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها،
ولو كان شيء مما ادعى لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة،
[فلا](٣) يجوزه إجماعاً، ولو كان لبينه كما فعل في حديث
أبي بردة بن نيار حيث قال: ((ضح بها، ولن تجزىء عن أحد
بعدك» (٤) .
قلت: واعتذر الأولون عن هذا الحديث بأوجه.
أحدها: نسخه وقد أسلفنا بطلانه(٥).
ثانيها: تأويل كلام الصحابة بأنه [بالإِشارة] (٦) والإِماء
لا بالنطق، وفيه بعد لأنه خلاف الظاهر من حكاية الراوي لقولهم،
وإن كان قد ورد في حديث حماد بن زيد في رواية لأبي داود بإسناد
(١) في الأصل و ن ب (لوقع)، وما أثبت من ن د.
(٢) المفهم (١٠٠٨/٢).
(٣) في الأصل و ن د (ولا)، وما أثبت من ن ب.
(٤) سيأتي تخريجه إن شاء الله.
(٥) لأن نسخ الكلام في الصلاة قبل الهجرة كما في حديث ابن مسعود،
وكذلك أخرج مسلم وغيره، حديث: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء
من كلام الناس ... )) الحديث.
(٦) في الأصل ون ب (الإشارة).
٢٧٨

صحيح، كما قاله النووي في (شرحه)(١): إن الجماعة أومؤوا، أي:
نعم، فيمكن الجمع أن يكون بعضهم فعل ذلك إيماءًا، وبعضهم
كلاماً، واجتمع الأمران في حق بعضهم (٢).
الثالث / : أن كلامهم كان إجابة للشارع وإجابته واجبة.
[ ١٥ / ١ / ١]
واعترض عليه بعض المالكية: بأن قال أن الإِجابة لا تتعين
بالقول، فيكفي فيه الإِيماء، وعلى تقدير أنه يجب القول لا يلزم منه
الحكم بصحة الصلاة لجواز أن تجب الإِجابة، ويلزمهم
الاستئناف(٣).
(١) شرح مسلم (٥/ ٧٣).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: لكن ينفي ذلك قول ذي الیدین ((بل قد نسيت))،
واعلم أن هذا الجمع الذي ذكره الخطابي - أي ـ حمله على الإِشارة
مجاز شائع بخلاف عكسه. فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول
إلى هذه، وهو أقوى من قول غيره يحمل على أن بعضهم قال: بالنطق
وبعضهم بالإِشارة. قال عليه الحافظ العلائي: إنما يقوى إذا كان
الاختلاف واقعاً من صحابيين، فنقول: سمع الإجابة باللفظ، والآخر رأى
الذي أومؤوا، ولم يسمع المجيب باللفظ. لكن هذا الحديث بهذه الألفاظ
مداره على أبي هريرة، والظاهر أن القصة واحدة كما تقدم.
قال الصنعاني: وحق القول فيه ترجيح رواية من ثبت من طريقه أن
الجواب كان بالكلام، إذ هي أصح وأصرح، وترجع إليها أيضاً رواية من
روى أنهم أشاروا إليه بالقول مجازاً عن المحاشاة عن التصريح بنسبة
النسيان إليه # كما ورد في رواية ((قد كان بعض ذلك)). اهـ. من حاشية
إحكام الأحكام (٢/ ٤٣٣).
(٣) قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يقال: ما دام النبي ولا﴿ يراجع =
٢٧٩

الرابع: أنه - عليه الصلاة والسلام - تكلم معتقداً لتمام
الصلاة والصحابة تكلموا مجوزين النسخ، فلم يكن كلام واحد منهم
مبطلاً، وهذا يضعفه ما في كتاب مسلم: أن ذا اليدين قال:
يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟، فقال - عليه الصلاة
والسلام -: ((كل ذلك لم يكن))، فقال: قد كان بعض ذلك
يا رسول الله! فأقبل رسول الله وَطر على الناس فقال: ((أصدق
ذو اليدين)). فقالوا: نعم يا رسول الله! بعد قوله: ((كل ذلك
لم يكن))، وقوله: ((كل ذلك لم يكن)) يدل على عدم النسخ، فقد
تكلموا بعد العلم بعدم النسخ.
قال الشيخ تقي الدين [وننبه](١) ها هنا لنكتة لطيفة في قول
ذي اليدين: ((قد كان بعض ذلك)) بعد قوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((كل ذلك لم يكن)) فإن قوله: ((كل ذلك [لم يكن]))(٢).
يتضمن [أمرين](٣).
أحدهما: الإخبار عن حكم شرعي وهو عدم القصر.
الثاني: الإِخبار عن أمر وجودي وهو النسيان، وأحد هذين
المصلي فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص بالجواب
=
لقول ذي اليدين: ((بلى قد نسيت))، ولم تبطل صلاته. قلت: ولا يخفى
أن هذا القول من ذي اليدين جواب أيضاً. اهـ، من الحاشية للصنعاني
(٤٣٣/٢).
(١) في ن د ب (وليتنبه).
(٢) زيادة من ن ب د.
(٣) زيادة من ن ب د.
٢٨٠